الجمعة، 21 نوفمبر 2014

حدث في السابع والعشرين من المحرم

في السابع والعشرين من المحرم من عام 676 توفي في دمشق، عن 51 عاماً، الملك الظاهر بيبرس، مقارع المغول والفرنج، ومن أعظم ملوك مصر والشام، وباني العمائر والآثار، وامتدت دولته من ليبيا غرباً إلى الشام غرباً واليمن جنوباً.
ولد الظاهر بيبرس في أرض القِفْجاق سنة 625، ونتوقف هنا للحديث عن القفجاق، مستفيدين من بحث قيِّم للمرحوم الأستاذ البحاثة أحمد رمزي بك في مجلة الرسالة، بيّن فيه أن صحاري القفجاق هي المناطق الواقعة حول شبه جزيرة القرم والممتدة من نهر الفولجا شرقاً، وقال رحمه الله: في القرن السابع الهجري أتم جوشي ابن جنكيزخان، وهو عم هولاكو، فتح بلاد المسلمين وأخضع إيران، واتجهت كتائبه شمالاً إلى القوقاز حيث اقتحم الدربند وباب الأبواب، وفي الشمال التقى على نهر الدون بقبائل تركية هي القفجاق، فخضعت لأول وهلة للفاتحين كأبناء عمومة وأخوة، ولكن المعاملة القاسية التي لقيتها أقنعت غيرها من سكان بحر الأزق، بحر أزوف شمالي البحر الأسود، أن الأفضل لها وأسلم هو أن تتجه غرباً، وكان ذلك من أسباب مطاردتهم والفتك بهم وتشريدهم لإعادتهم إلى حكم الخان الأعظم. وترتب على هذه المطاردة أن توجه المغول بحملة إلى وادي الدنيبر فأتموا إخضاع الجزء الجنوبي من روسيا الحالية وهو المسمى بأراضي القفجاق.
في هذه الأثناء أي سنة 639 كانت إحدى قبائل القفجاق لا تجد مأوى أمامها، فاتجهت إلى القرم وكاتبت ملك الأولاق ليعبروا البحر إليه فراراً من جحافل التتار، وأجابهم إلى ذلك وأنزلهم وادياً بين جبلين، وكان عبورهم إليه سنة 640 فلما أطمأن بهم المقام غدر بهم وشن الغارة عليهم فقتل منهم وسبي، وكان من بين السبي غلام هو بيبرس الملك الظاهر، وكان عمره أربعة عشر عاماً، فكان أن بيع في مدينة سيواس، وأُخِذَ إلى حلب، وانضم في مصر إلى جماعة من جنسه القفجاق يعملون في خدمة سلطان مصر.
ونقل الأستاذ أحمد رمزي بك ما أورده القلقشندي في صبح الأعشى نقلاً عن تقويم البلدان لملك حماة أبي الفداء إسماعيل بن علي الأيوبي، المولود سنة 672 والمتوفى سنة 732، فهو معاصر لضحى عصر المماليك: ومن القفجاق معظم جيش الديار المصرية من ملوكها وأمرائها وجندها، إذ لما رغب الملك الصالح نجم الدين أيوب في مشترى المماليك منهم، ثم صار من مماليكه من انتهى إلى الملك والسلطنة، فمالت الجنسية إلى الجنسية، ووقعت الرغبة في الاستكثار منهم حتى أصبحت مصر بهم آهلة المعالم، محمية الجوانب، فهم أقمار مواكبها وصدور مجالسها وزعماء جيوشها وعظماء أرضها ... وحمد الإسلامُ مواقفَهم في حماية الدين حتى إنهم جاهدوا في الله أهليهم.
اشترى الظاهرَ بيبرس أميرٌ من كبار الأمراء يتسم بالعقل والرصانة، هو علاء الدين أيدكين الصالحي، وكان بندقدار الملك الصالح الأيوبي، أيوب بن محمد الملك الكامل، الولود سنة 603 والمتوفى سنة 647، ومن هنا قيل لبيبرس: العلائي البندقداري، والبندقدار وهو الذي يحمل جعبة البندق خلف السلطان أو الأمير، وكانت هناك أقواس خاصة ترمي البندق المصنوع من الطين، وغضب الملك الصالح على علاء الدين أيدكين في سنة 644، وصادر أمواله وأخذ ممالكيه ومنهم بيبرس، فجعله في خاصة خدمه، ثم أعتقه، ومن هنا قيل لبيبرس كذلك: الصالحي.
وفي سنة 647 أغار الفرنج بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا على دمياط، واحتلوها وهددوا بقية مصر، وكان الملك الصالح غائبا في دمشق، فقدم ونزل أمام الفرنج وهو مريض بالسل، ومات بناحية المنصورة، ونقل إلى القاهرة، وأخفت زوجته شجرة الدر خبر موته حتى جاء ابنه الملك المعظم توران شاه من حصن كيفا في جنوبي تركية، واستطاع قوات المسلمين بقيادة الأمير بيبرس هزيمة الفرنج في المنصورة في أول سنة 648، وأسرت الملك لويس التاسع، المعروف في الغرب بالقديس لويس.
وكان توران شاه يتسم بالتهور والحدة، وتهدد المماليك بالقتل في أكثر من مناسبة، فبادروا إلى قتله، وتولت الحكم زوجة أبيه شجرة الدر مدة ثمانية أشهر، ثم تولى الحكم الأشرف موسى بن الملك الناصر يوسف، ثم ما لبث بعد أيام أن خلع نفسه لتبدأ دولة المماليك وتنتهي الدولة الأيوبية بمصر، بتولي الملك المعز أيبك أول ملوك المماليك على مصر والشام، الذي تزوج شجرة الدر.
وكان من بين كبار أمراء المماليك أمير اسمه فارس الدين أقطاي، وكان طامعاً في السلطنة، لا يحترم الملك المعز أيبك، وبلغ به الأمر أنه لما تزوج طلب من الملك المعز القلعة ليسكن فيها، فدبر المعز قتله في سنة 652، فركبت مماليكه وأنصاره إلى القلعة، وكانوا نحو سبعمائة فارس، فرمى رأسه إليهم، فهربوا، وذهبت طائفة من الأمراء إلى الشام، مجاهرين بالعداوة للملك المعز ومنهم الأمير بيبرس، ورحب بهم الملك الناصر الأيوبي صاحب دمشق، وبقي بيبرس معه فترة تواترت عليه فيها كتب الأمراء تحرضه على قصد مصر، ولمَّا لم يستجب له الناصر، توجه بيبرس إلى الملك المغيث الأيوبي في الكَرَك، وتوجها معاً على رأس عسكر إلى مصر، فهزمهم العسكر المصري، وهربوا إلى الكرك.
وانضم إلى بيبرس بعض أمراء مصر فعاود الكرة في الهجوم على مصر مع الملك المغيث سنة 656، فأرسل إليهم الملك المعز قوة بقيادة الأمير قطز وهُزِموا بعد أن كادوا ينتصروا، ووقع أغلب الأمراء في الأسر وقتلوا، وهرب بيبرس مع الملك المغيث إلى الكرك، ثم ذهب إلى الملك الناصر بدمشق سنة 657.
وبقي المعز في الحكم إلى سنة 654 عندما قُتِل بتدبير من شجرة الدر، لأنه تزوج عليها! وتولى بعده ابنه الملك المنصور علي، وعمره 15 عاماً، وقام بتدبير ملكه الأمير علم الدين سنجر الحلبي، وقُتِلت شجرة الدر شر قتلة.
واجتاح المغول بقيادة هولاكو المشرق العربي، واحتلوا في سنة 656 بغداد وقتلوا الخليفة المستعصم، ثم استولوا على حلب ودمشق، وقصدوا مصر، فكلم كبار الأمراء الأميرَ قُطُز، وكان أتابك العسكر أي رئيسه، على أن يتولى السلطنة، ويقوم بأعباء مواجهة المغول، فجمع القضاة وأعيان الدولة فأجمعوا على خلع الملك المنصور من السلطنة لصغر سنه، فخُلِعَ وتسلطن قطز في سنة 657، وتسمى بالملك المظفر.
ولما ورد بيبرسَ الخبرُ أن الأمير قطز أصبح ملكاً حرض الملك الناصر على قصد الديار المصرية، فلم يجبه الناصر، وهنا برزت شجاعة بيبرس وهمته العالية، فقد قال للناصر: فقدِّمنى على أربعة آلاف فارس أقوم بهم إلى شط الفرات أمنع المغول من العبور إلى الشام! ولكن الملك الصالح صاحب حمص وقف في وجه هذه الحركة لأنه كان على تفاهم سري مع المغول، فراسل بيبرسُ الملكَ المظفر قطز، فرحب بقدومه إلى مصر، فعاد إليها في سنة 658، فركب الملك المظفر قطز للقائه، وأنزله في دار الوزارة، وخلع عليه وجعله أتابك العسكر.
وأعد المظفر قطز الجيوش والأموال، وخرج من مصر، وأرسل طليعة من جيشه بقيادة بيبرس تستطلع أحوال العدو المغولي، فأبدى بيبرس شجاعة وإقداماً كسرا حاجز الرعب النفسي الذي اعتمد عليه المغول، ذلك أنه ناوشهم القتال فور رؤيته لهم؛ فانهزموا أمامه فتبعهم يقتص آثارهم، ويقتل من وجد منهم حتى وصل إلى حمص. ثم عاد ليلتقي مع المظفر قطز بدمشق.
والتقى جيش المسلمين وجيش المغول على عين جالوت بفلسطين، في الخامس عشر من رمضان من عام 658، فهزم المسلمون المغول وطاردوا فلولهم إلى بيسان فظفر بهم، وكان لبيبرس دور عظيم في معركة عين جالوت وفي طرد المغول واسترجاع البلاد منهم، ودخل الملك المظفر قطز دمشق في موكب عظيم، وعزل من بقي من أمراء بني أيوب، واستبدل بهم من اختار من رجاله، ورحل يريد مصر.
وكان الملك المظفر قطز قد وعد الأمير بيبرس بولاية حلب، ولكنه لم يحقق وعده، فاستاء من ذلك بيبرس، وسارت الوشاة بينهما، وما أكثر الوشاة في دولة المماليك، وقيل لقطز إن الأمير بيبرس قد تغير عليه، وإنه عازم على التمرد، فأسرع قطز بالخروج من دمشق إلى مصر وهو يضمر السوء لبيبرس، وبلغ ذلك بيبرس فاستوحش من قطز، وأخذ كلّ منهما يحترس من الآخر على نفسه، وينتظر الفرصة، واتفق  بيبرس مع عدد من الأمراء على قتل المظفر، واغتالوه في مكان قرب العريش اليوم يقال له قُصير الصالحية، تقدم منه أتابك عسكره بيبرس ووراءه بعض من كبار الأمراء، فتناولوه بسيوفهم فقتلوه في 15 من ذي القعدة سنة 658، فكانت مدة حكمه رحمه الله سنة واحدة.
وتطلع عدد من الأمراء الحاضرين في القصير إلى أن يكون هو الملك، ولكن الأمير فارس الدين آقطاي قدَّم الأمير بيبرس، وبايعه على الفور فتبعه باقي الأمراء وحلفوا له، وتلقب بالملك الظاهر، وركب من وقته ومعه أمراؤه إلى مصر للسيطرة عليها وإعلان الظاهر بيبرس ملكاً على مصر والشام، ولقيهم في طريقهم الأمير عز الدين أيدمر الحليّ نائب الملك المظفر قطز بمصر، وقد خرج لتلقيه، فأخبروه بما جرى وحلَّفوه، فتقدّمهم إلى القلعة ووقف على بابها حتى وصلوا في الليل فدخلوا إليها، وكانت القاهرة قد زينت لقدوم السلطان الملك المظفر قطز، وفرح الناس بكسر المغول وعودة السلطان، فما راعهم وقد طلع النهار إلاّ والمشّاعليّ ينادي معاشر الناس ترحموا على الملك المظفر وادعوا لسلطانكم الملك الظاهر بيبرس، فدخل على الناس من ذلك حزن شديد وتخوف عظيم.
وجاءت أول عقبة أمام الظاهر بيبرس من دمشق، فقد استاء الأمير علم الدين سنجر الحلبي نائب دمشق من مقتل الملك قطز، ورفض أن يبايع بيبرس، وادعى السلطنة لنفسه مع الظاهر بيبرس، واستحلف الأمراء والأعيان وجلس بقلعة دمشق، وتلقب بالملك المجاهد، وكان حقاً من المجاهدين الشجعان، وضربت السكة باسمه، وكاتب الملك المنصور صاحب حماة ليحلف له فامتنع، وقال: أنا مع من يملك الديار المصرية كائناً من كان.
ولما علم المغول بمقتل قطز انتهزوا الخُلف الواقع بين ملوك مدن الشام، فشنوا حملة استولت على حلب وحماة، وتصدت لهم قوات حلب وحماة وحمص في سنة 659 قرب حمص وحملت عليهم حملة رجل واحد فهزمتهم وقتلت عدداً كبيراً منهم، واتفق أمراء الشام إثر هذه الموقعة على خلع الأمير سنجر، وأمسكوا به وأرسلوه إلى مصر حيث سجنه الظاهر بيبرس مدة طويلة، وتوفي سنجر سنة 692.
وأعد الظاهر بيبرس جيشاً اتجه إلى الشام وطرد المغول من حلب شر طردة، ثم جاء إلى مصر أحد أبناء الخلفاء العباسيين، وهو أحمد بن محمد الظاهر بن الناصر المستضيء، فسر به الظاهر بيبرس ووجد فيه قوة جديدة لملكه، تمنحه الشرعية، ومأثرة فريدة لحكمه حين جعل من مصر مقر الخلافة الإسلامية، فأصبحت القاهرة عملياً عاصمة العالم الإسلامي، فأُثبِتَ نسبه أمام القضاة والعلماء وأركان الدولة في مجلس حضره الظاهر بيبرس ، وبايعه بالخلافة، ولقبه بالمستنصر، وأمر أن يخطب باسمه على المنابر وأن ينقش اسمه على النقود وأقيمت له المظاهر وأنزل في دار فخمة، ولم تطل أيام المستنصر فقد كان رجلاً شجاعاً مقداماً، وطلب من الظاهر بيبرس أن يجهزه ليعود إلى العراق ويستردها من المغول، فخرج معه إلى الشام سنة 659 وسيره على رأس جيش إلى العراق، ولتتسع الجبهة على المغول جهز بيبرس في نفس الوقت ملوك الشرق: صاحب الموصل، وصاحب سنجار، وصاحب الجزيرة، وحقق المستنصر بعض الانتصارات المبدئية، ثم ما لبث المغول أن هاجموه قرب هيت وقضوا على جيشه، وفُقِدَ هو في المعركة.
أما ملك الموصل الملك الصالح إسماعيل بن لؤلؤ المعروف بابن الملك الرحيم، الذي جاء إلى بيبرس وطلب مساعدته في مواجهة المغول، فأعطاه عسكراً واجه المغول في نصيبين وهزمهم، وقتل رئيسهم، فأرسل هولاكو في سنة 660 عسكراً معهم ملك ماردين المسلم، حاصروا الموصل 10 أشهر، وأخذوها بالأمان ثم فتكوا بأهلها فتكاً ذريعاً وقتلوا ملكها وابنه.
ولا بد من أن نشير إلى أن والد الملك الصالح المعروف بالملك الرحيم، كان قد استسلم لهولاكو ودخل في طاعته، فأقره على الموصل، وقرر عليه مالاً يحمله، ومات سنة 657، وخلفه ولده الملك الصالح، وكان متزوجاً بابنة هولاكو فأغضبها وأغارها، فهاجمت المغول الموصل لهذا السبب.
وجاء القاهرة أمير عباسي آخر، كان شاباً سنه 15 عاماً، هو أحمد بن الأمير الحسن بن أبي بكر بن علي القُبّي، وكان قد نجا بعد سقوط بغداد، فسار إلى القاهرة سنة 659، وبويع فيها بالخلافة سنة 661، وتلقب بالحاكم بأمر الله، واستمرت خلافته فوق 40 عاماً إلى وفاته سنة 701 وهو في عشر الثمانين.
ومن علامات التوفيق أن إحياء الخلافة في مصر تصادف مع انشقاق كبير في صفوف المغول، فقد أسلم بركة خان بن جوشي، ملك القبيلة الذهبية، وهو أول من أسلم من المغول، وكانت أراضيه تمتد في الجزء الشمالي الغربي من الإمبراطورية المغولية وتغطي روسيا وأوكرانيا ومولدوفا وكازخستان والقوقاز، واصطدم في سنة 658 مع ابن عمه هولاكو بسبب مهاجمته وفتكه بالمسلمين، وقتله الخليفة في بغداد، ولأن الظاهر بيبرس يعود أصله للقفجاق الذين تقع عاصمة بركة في أراضيهم، وهو محسوب من المغول، فقد ساعد هذا في تمتين تحالفه مع  بركة خان، كما لجأ عدد لا بأس به من الأمراء من صفوف العدو المغولي إلى صف الظاهر بيبرس، الذي رحب بهم وأنزلهم منازلهم وفق رتبهم، وعمر لهم المساكن في ميدان اللوق، وبثَّ فيمن بقي وراءهم أخبار هذا الإكرام والإنعام، فتزايدت أعداد المنسحبين إليه، والمنضمين إلى صفوفه من أمراء المغول، واستطاع استيعابهم في صفوف جيشه.
ولما جرت بيعة الملك الظاهر على يد الخليفة العباسي الحاكم بالله، كتب الملك الظاهر بيبرس بخبر هذه البيعة إلى الآفاق، وحيث تمت البيعة بحضور رسل الملك بركة خان، أرسل الظاهر بيبرس إليه فقيهاً وأميراً من جيشه يخبراه بخبر البيعة، ويحضاه على الجهاد ضد هولاكو، ويخبراه أن الظاهر بيبرس أمر بالدعاء له في الحرمين الشريفين. وتوفي بركة خان في سنة 665.
ومات هولاكو في سنة 663 وخلفه ابنُه أَبَغا وهو في الواحدة والثلاثين، وتزوج أبغا من أميرة بيزنطية في إطار محاولة والده إقامة تحالف مغولي إفرنجي، ودام حكم أَبَغا 17 عاماً، وكان بينه وبين الظاهر بيبرس مراسلات، وأحياناً مهاداة، ولكن بيبرس وقف بالمرصاد لمحاولة أبغا السيطرة على سورية، مستفيداً من نزاع أبغا مع بركة خان الملك المغولي المسلم، وقبل وفاته بأقل من ثلاثة أشهر خاض بيبرس في سنة 675 آخر معاركه مع المغول في أبلستين، وتدعى اليوم البستان في جنوبي تركية، حين أحرز بشجاعته شخصياً نصراً حاسماً على المغول، جعل أبغا بن هولاكو يحسب له ألف حساب ويتخلى عن أطماعهم في الاستيلاء على المشرق العربي.
وفي سنة 664 حاصر الظاهر بيبرس الفرنج في صفد مدة 40 يوماً حتى استسلمت القلعة بالأمان، ولكن بيبرس أمر بقتل فرسانها لمخالفتهم شروط الاستسلام وإخفائهم كثيراً من أموال القلعة، وبسقوط صفد خضعت له منطقة الجليل خضوعا تاما، وبعد أسبوعين أرسل جيشاً إلى سيس، وكانت عاصمة الأرمن حلفاء المغول، وهي اليوم كوزان في ولاية أضنة، وكان جيش سيس قد فعل بأهل حلب الأفاعيل لما استولى عليها المغول، فأراد ملكها الخائف هيتوم إرضاء بيبرس فأرسل له رسولاً مع هدايا أثناء حصاره صفد، فرفض سماع الرسالة ورد الهدايا، واستولى جيش بيبرس على سيس بسرعة خاطفة وقتلوا عدداً كبيراً من سكانها وأسروا ليفون ابن ملكها وأكابر أمرائها، وعادوا نحو دمشق، فخرج الظاهر بيبرس لتلقيهم، وهاجم في خروجه قاعدة للفرنج في قارة في الطريق بين دمشق إلى حلب، واستولى عليها، وكان أهلها يأسرون المسلمين ويبيعونهم للفرنج.
وفي سنة 665 أظهر بيبرس أنه سيذهب من القاهرة إلى دمشق، وما أن غادر القاهرة حتى أمر عسكره بلبس آلة الحرب على الدوام، وسار سريعاً حتى شن هجوماً مباغتاً على يافا، فهرب من كان فيها من الفرنج إلى قلعتها، فملك السلطان المدينة وطلب أهل القلعة الأمان، فأمنهم وعوضهم عما نهب لهم أربعين ألف درهم، فركبوا في المراكب إلى عكا، وأمر بهدم قلعة يافا حتى لا يبقى للفرنج موطأ فيها، ثم اتجه إلى قلاع الشقيف والباشورة فاستولى عليها، ثم شن الغارة على طرابلس وأخرب قراها وقطع أشجارها وغور أنهارها، ثم سار منها إلى قلعة الحصن فطلب منه الفرنج السلم فانصرف بعد أن أخذ منهم مبلغاً باهظاً لقاء فك الحصار، وبعد استراحة قصيرة لبضعة أيام رحل ليلا وأمر العسكر بلبس آلة الحرب، ونزل على أنطاكية، فخرج إليه جماعة من أهلها يطلبون الأمان وشرطوا شروطا لم يجب إليها، وزحف عليها فملكها وقتل عدداً كبيراً ممن كانوا فيها يقدر بأربعين ألف شخص، وعادت إلى الدولة الإسلامية بعد أن بقيت بيد الفرنج 170 عاماً، وحقق بيبرس ما لم يتمكن صلاح الدين من تحقيقه.
وشكلت هذه الانتصارات تهديداً كبيراً للمغول فأرسل أبغا رسولاً يطلب الصلح مع بيبرس ويهدده إن لم يفعل، ومضمون الرسالة: إن الملك أبغا بن هولاكو من خالفه قُتِل، وأنت لو صعدت إلى السماء أو هبطت إلى الأرض ما تخلص منا، فالمصلحة أن تجعل بيننا صلحاً، وأنت مملوك أُبِعتَ في سيواس فكيف تشاقق ملوك الأرض؟! فرد بيبرس على الرسالة فوراً بجواب لا لبس فيه، ينم عن عزيمة وإباء، بأنه عازم على أن يسترد جميع ما استولى المغول عليه من العراق والجزيرة والروم والشام.
وفي سنة 667 قام الظاهر بيبرس بإصلاح اجتماعي وأخلاقي كبير، فقد أمر بإراقة الخمور في أنحاء المملكة وإبطال أنواع المفاسد، الخمر ونودي في يوم عيد الفطر وبيبرس والجند على باب صفد: من شرب خمرا أو جلبها شنق. وأمسك أحد أمرائه وهو سكران، فصلبه، وفي عنقه جرة الخمر!
وفي سنة 667 حج الظاهر بيبرس كما سنذكر بعد قليل، ورجع للقاهرة في أول سنة 668 فأقام بها مدة يسيرة، ثم توجه إلى الشام ثم بدأ في الغارة على حصون الفرنجة في الساحل الشامي وأسر ملك عكا، ثم نزل على قلعة الحصن يتهددها من غير قتال، ثم بلغه أن مراكب الفرنج دخلت ميناء الإسكندرية وأخذت مركبين للمسلمين، فرحل من فوره إلى مصر لمواجهة الفرنجة واتجه بنفسه إلى دمياط، ولم يتحقق هذا الهجوم فعاد إلى القاهرة.
وفي سنة 669 خرج من مصر إلى عسقلان وهدم من سورها ما كان أهمل هدمه في أيام الملك الصالح، ثم عاد إلى القاهرة، وما لبث بعد أشهر أن توجه إلى الساحل الشامي لمهاجمة قلعة الحصن وغيرها من القلاع الساحلية، التي تهاوت واحدة تلو الأخرى، وكانت خاتمة ذلك سقوط قلعة الحصن، وأطلق الملك الظاهر من كان فيها من الفرنج فتوجهوا إلى طرابلس، وهرع أمراء الحصون من الفرنجة يطلبون الهدنة من المالك الظاهر فصالح بعضهم على هدنة تستمر عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام.
وكان للإسماعيليين في الساحل الشامي قلاع يسمونها قلاع الدعوة، مثل مصياف والقدموس والخوابي، وكانوا يتحالفون مع الفرنج تارة ومع المسلمين تارة، وفي تقديرهم أنهم يحافظون على وجودهم بهذا التأرجح، وهم في الوقت نفسه يهددون الجميع بإرسال فداويتهم لاغتياله مضحين بأرواحهم، ولكن الظاهر بيبرس ما كان ليقبل بوجودهم  على هذه الصورة، فشن الحملات عليهم، وانتزع منهم القلاع في سنوات 668-671، ودخلوا تحت طاعة ملوك مصر من حينئذ، وكانت ملوك الفرنج وصقلية واليمن تهاديهم على أنهم كيان مستقل، فأصدر الظاهر بيبرس أوامره بمعاملة الهدايا معاملة البضائع التجارية وفرضِ الرسوم عليها، كسراً لشوكتهم وردعاً لمن تعامل معهم مع الملوك.
ويطول الحديث عن معارك الملك الظاهر بيبرس، وفيما سردناه الكفاية، لبيان أنه كان مجاهداً مقداماً وفارساً مغواراً، وذا لياقة بدنية ممتازة، حافظ عليها حتى آخر حياته، ففي 26 من شهر رمضان من سنة 672، أمر الظاهر بيرس عساكره بالتأهب للركوب ورمي السهام على الهدف، ثم قام باستعراض عسكري شهده العامة، وشارك فيه لضيق المكان من كل عشرة اثنان من عامة العسكر وأمرائه ومقدميه، فركبوا في أحسن زيّ، وأجمل لباس، وأكمل شكل، وأبهى منظر، وركب السلطان ومعه من خواصه ومماليكه ألوف، ودخلوا في الطعان بالرماح، فكل من أصاب خلع عليه السلطان، ثم ساق في مماليكه الخواص خاصة، ورتبهم أجمل ترتيب، واندفق بهم اندفاق البحر، فشاهد الناس أبهة عظيمة، ثم أقيمت الأهداف لرمي النشاب، وجعل لمن أصاب الهدف جوائز بحسب رتبته في الجيش، ثم استعرض الجيش دخولاً وخروجاً، تارة بالرماح، وتارة بالنشاب، وتارة بالدبابيس، وتارة بالسيوف مسلولة، وثم ساق بيبرس بنفسه وسلّ سيفه، وسلّ مماليكه سيوفهم، وحمل هو ومماليكه حملة رجل واحد، فرأى الناس منظراً عجيباً، واستمر ذلك إلى يوم العيد فكانت هذه الأيام من الأيام المشهودة.
وتمتع الظاهر بيبرس بأفق واسع وتخطيط استراتيجي من الطراز الأول، وعزيمة لا تلين، وكان دارساً للتاريخ يقرِّب المؤرخين ويقول: سماع التاريخ أعظم من التجارب، ووضع نصب عينيه بعد أن طرد المغول من بلاد الشام أن يردعهم عن العودة إليها، وأن يحررها من المحتلين الفرنج، وأن يسترجع منهم ما أخذوه منها بعد وفاة السلطان صلاح الدين الأيوبي، ولذا كانت معالم خلافته  فتوحات متوالية ومعارك متتالية، لا يترك المبادرة بيد الخصم، بل يتحرك بسرعة خاطفة من مكان إلى آخر ويباشر الحرب بنفسه في شجاعة نادرة المثيل، وكل هذه المعارك وعدد الفرسان في جيشه40.000 فارس، كانوا دائماً على أتم الأهبة للحركة السريعة إلى ميدان المعركة،  ما خرج من القاهرة بهم وعاد  إلا بعد هجوم أو نصر، وأنشأ شبكة اتصالات تعتمد الحمام الزاجل والبريد المحمول عبر المراحل، فكانت الأخبار تصله في أسرع وقت على اتساع مملكته، وقال لكاتب الإنشاء في الشام مؤكداً عليه أن يواصله بالأخبار وما يتجدد من أخبار المغول والفرنج: إن قدرت أن لا تبيتني كل ليلة إلا على خبر، ولا تصبحني إلا على خبر، فافعل.
ويذكر المؤرخ الألماني هانز ماير في كتابه الحروب الصليبية أن بيبرس خلال فترة حكمه التي استمرت 17 سنة، نظم 38 حملة، وقاتل بنفسه في 15 معركة، وقطع في سبيل ذلك 40.000 كم، حتى درأ الخطر المزدوج الذي حاق بالإسلام في منطقة غربي آسيا من قبل الفرنجة والمغول، ونازل بيبرس المغول عدة مرات، وحلفاءهم من الأرمن خمس مرات، والحشاشين ثلاث مرات، وهزم الفرنج في إحدى وعشرين معركة، واسترجع منهم جميع الحصون والقلاع في داخل الشام، وبقي في أيديهم الشريط الساحلي فقط من قلعة الحجاج جنوبي حيفا في الجنوب وحتى اللاذقية في الشمال.
فتح البيرة في سنة 659، والكرك في سنة 661، وحمص في آخر سنة 662، وقيسارية وأرسوف في سنة 663، وحاصر صفد وفتحها عنوة في سنة 664، ويافا والشقيف وأنطاكية في سنة 666، وفي سنة 669 فتح حصن الأكراد وعكا وصافيتا، وأرسل قوة بحرية إلى قبرص، وفي سنة 671 كسر التتار على البيرة بعد أن عدى الفرات خوضاً بعساكره، وفي سنة 672 أخضع برقة وهي في ليبيا اليوم، وفي سنة 673 فتح قلاعاً من بلاد سيس في جنوبي تركية وجلس على كرسي بني سلجوق بقيسارية الروم، ورجع إلى دمشق في آخر سنة 675، وكانت آخر معاركه مع المغول في سنة وفاته عام 676.
ويكفي أن نذكر أن لويس التاسع الذي هزم في المنصورة سنة 648 وسجن سنوات في دار ابن لقمان، بقيت نفسه تحدثه بالعودة إلى مصر، ولكن وجود بطل مقدام مثل بيبرس جعله يتخلى عن هذا الحلم ويتجه إلى تونس حيث لاقى منيته سنة 661، ووصلت البشرى بذلك إلى الملك الظاهر بيبرس.
وفي سنة 666 جهز الظاهر بيبرس الحج بعد انقطاعه 12 سنة بسبب فتنة المغول وقتلِ الخليفة العباسي في بغداد، وكان أمير مكة الشريف  أبي نمي محمد بن الحسن، المولود سنة 630 والمتوفى سنة 701، يداهن المغول، فلما وصل الحج المصري إلى مكة منعوهم من دخول المحمل ومن كسوة الكعبة، فقال أمير المحمل لأمير مكة: أما تخاف من الملك الظاهر بيبرس؟ فقال: دعه يأتيني على الخيل البلق! فلما رجع أمير المحمل وأخبر السلطان بما قاله أمير مكة، فتوجه للحج في الموسم التالي، وهيأ في كل منزلة خيلاً يركبها ويترك المنهكة فيها، فقطع المراحل في سرعة البرق، ووصل مكة في الثامن من ذي الحجة آخر النهار، والناس في عرفة، فاستغرب الشريف هذه الكوكبة من الفرسان على خيل بلق، وقالوا لهم: فقالوا لهم: من أين أنتم؟ من العراق أو من الكوفة أو من العجم أو من الترك؟ فقال السلطان: أليس قد قلت دعه يأتيني على خيل بلق؟! أنا الملك الظاهر جئتك على الخيل البلق! فاستغفر وتقدم إلى السلطان وقال: العفو يا مولانا السلطان، ثم ركب وسعى مع السلطان، واشترط عليه الظاهر أن لا يمنع زائراً لا ليلاً ولا نهاراً، ولا يعترض تاجراً بظلم، وأن تكون الخطبة والدعاء له، ولأبي نمي، وجعل له عشرة آلاف درهم في كل سنة، فأبطل الجباية والمظالم، وكان ذلك في صحائف الملك الظاهر بيبرس، الذي غسل الكعبة وعلق كسوتها بيده.
وبلغت هيبة الظاهر بيبرس مبلغاً لم يصله من قبله ملك في أراضيه وخارجها، دَفَنَ يهوديٌ بقلعة جعبر عند قصد التتار لها مصاغاً وذهباً، وهرب بأهله إلى الشام واستوطن حماة، فلما أمِن كتب إلى صاحب حماة يعرّفه ويسأله أن يسير معه من يحفظه ليأخذ خبيئته، فطالع صاحب حماة الملك الظاهر بذلك، فرد عليه بأن يوجهه مع رجلين ليقضي حاجته، فلما توجهوا مع اليهودي ووصلوا إلى الفرات امتنع من كان معه من العبور فعبر اليهودي وحده، فلما وصل وأخذ في الحفر هو وابنه وإذا بطائفة من العرب على رأسه، فسألوه عن حاله فأخبرهم، فأرادوا قتله وأخذ المال، فأخرج لهم كتاب الملك الظاهر مطلقا إلى من عساه يقف عليه، فلما رأواه كفوا عنه وساعدوه حتى استخلص ماله، ثم توجهوا به إلى حماة وسلموه إلى صاحب حماة، وأخذوا خطه بذلك.
وكان الملك الظاهر حريصاً على المال لا ينفقه إلا في مواضعه، لم يعرف عنه أنه أنعم بألف دينار جملة واحدة، وكان واعياً لأهمية الاقتصاد، وكانت دار سك العملة القاهرية دقيقة في عيار الفضة المضروبة، وكان يشجع التجارة الداخلية والتجارية لأهميتها في تنمية البلاد، حريصاً على استمرارها وحمايتها، وعقد اتفاقيات مع ملوك المغول بإعفاء تجار بلاده من الضرائب على البضائع الواردة والصادرة، وخرجت جماعة من تجار بلاد العجم إلى مصر، فلما مروا بسيس منعهم صاحبها من العبور، وكتب إلى أبغا ملك التتار، فأمره بتوقيفهم وإرسالهم إليه، وبلغ الملك الظاهر خبرهم، فكتب إلى أمير حلب بأن يكتب إلى نائب سيس: إن هو تعرض لهم بشيء يساوي درهما واحداً أخذتُ عِوَضه مراراً. فكتب إليه نائب حلب بذلك فأطلقهم، وصانع أبغا على ذلك بأموال جليلة حتى لا يخالف أمر الظاهر، وهو لا يتبع له.
وكان الظاهر بيبرس متنبهاً لما كان يدور بين كبار المماليك من مؤامرات على السلطان، باعثها طموح الوصول إلى السلطنة، فوضع العيون على أمرائه وأعيان دولته، حتى لم يخف عليه من أحوالهم شيء، وكان الأمير سيف الدين بلبان الرومي هو المسؤول عن ذلك والمطلع على أسراره، وتدبير أمور القصاد والجواسيس والمكاتبات، لا يشاركه في ذلك وزير ولا نائب سلطنة، وكشف على امتداد سنوات حكمه عدداً من المؤامرات، منها ما هو داخلي، ومنها ما كان بالتآمر مع المغول، وفي الحالتين كانت العقوبة أن يختفي المجرمون ويكون ذلك آخر العهد بهم، كما كان الظاهر بيبرس حريصاً على أن تخلو دولته من الأمراء الكبار ممن يعادلونه في المكانة، ومن قد يشكلون تحدياً لسلطته، فسجن عديداً منهم، وأبعد آخرين ممن كانت لهم عليه أياد بيضاء، ولذا رأيناه مع اعترافه للأمير آقطاي بالفضل في المبادرة لمبايعته، بقي على وجل منه حتى أحاله للتقاعد بعد بضع سنوات، ومات آقطاي مقهوراً محجوراً في سنة 672.
ويشير عدد من المؤرخين إلى تأثر الملك الظاهر بيبرس بالمغول في إدارته الدولة والجيوش والمعارك، وهذا مبني على أنه كان يتبع سياسة الأرض المحروقة، ولا يتردد في الفتك بسكان البلدان التي يفتحها، وكأنه اقتبس ذلك من المغول، الذين كانوا يبثون الرعب والذعر بهذا الأسلوب، ولما فتح صفد سنة 664، وكذلك أنطاكية سنة 666، بعد أن بقيت بيد الفرنج قرابة 170 عاماً، وضع السيف في سكانهما فلم يسلم منهم إلا قليل، وكان كذلك يوقع العقاب الشديد الرادع بمن يخرج عن الجادة، سرق جماعة من العاملين في ديوان المطابخ بدمشق كمية كبيرة من السكر، فبلغ ذلك الظاهر بيبرس فأمر بهم فسمِّروا وطيف بهم على الجمال، وممن حلت بهم نقمته الأمير إيغان الظاهري الملقب بسُّم الموت، وكان شجاعاً مقداماً كسر الفرنج بغزة، وصارت له كلمة نافذة، ثم غضب عليه الظاهر بيبرس لأمر ما، فسجنه في الجب بالقلعة إلى أن مات في سنة 675.
وهنا نورد قصة فيها شيء من الطرافة، وهو أنه في سنة 663 كثر الحريق بالقاهرة، ثم احترقت حارة الباطليّة عن آخرها، ثم تبين أن وراء ذلك بعض النصارى حنقاً من أخذ الظاهر بيبرس من الفرنج أرسوف وقيسارية وطرابلس ويافا وأنطاكية، وكانت العقوبة المقررة أن يجمع النصارى ويحرقوا، ولكن جُمِعَ معهم اليهود كذلك، وجاء الظاهر بيبرس بنفسه ليشهد ذلك، فبرز الصيرفي ابنُ الكازروني اليهوديّ وقال للسلطان: سألتك بالله لا تحرقنا مع هؤلاء الكلاب الملاعين أعدائنا وأعدائكم، أحرِقْنا ناحيةً وحدَنا! فضحك السلطان والأمراء، وتشفع لهم بعض الأمراء فأطلق سراحهم مقابل أن يحملوا 50.000 دينار إلى بيت المال على عدة سنوات، ثم أعفوا من أغلبه. 
وكان الظاهر بيبرس يصطنع الرجال لا سيما ممن له مواقف تبين عن شجاعة بالغة أو رأي راجح، ومن هؤلاء الأمير آق سنقر النجمي الفارقاني، فقد كان جندياً أرسل مع تسعة جنود آخرين في مهمة استطلاع وتجسس على المغول في الجزيرة الفراتية، فلما وصلوا نهر الفرات وجدوه في فيضان وجريان لا يمكن عبوره، فرجع التسعة إلا هو، وقال: السلطان ندبني لأمر مهم فإما قمت به وإما مت دونه! ثم جعل ثيابه وعدته مشدودة وحملها على رأسه وسبح، وسبح فرسه أمامه، حتى قطع الفرات، وخرج إلى البر ولبس ثيابه كما كان، وركب فرسه ومضى حيث أمره الظاهر بيبرس، وتجسس الأخبار، واجتمع بقوم هناك، فاستفهم منهم الأخبار، وعاد إلى الفرات، وفعل كما فعل أولاً.
وعاد الأمير آق سنقر إلى الملك الظاهر بيبرس، وأخبره بما فعل، فعند ذلك عظُمَ أمرُه عنده، وصار يرقيه إلى أن جعله أستاذ دار كبيراً، وصار يستنيبه على مصر حين يسافر إلى الشام، ويوجهه في المهمات العسكرية الصعبة مثل إخضاع بلاد النوبة ودنقلة، حين هاجم صاحبها في سنة 671 مرفأ عيذاب على البحر الأحمر وقتل أهلها وواليها، فسار إليها وأخضعها، وما أن توفي الظاهر بيبرس حتى وثب الأمراء من حاشية الملك الجديد على هذا الأمير وسجنوه، فمات هذا الأمير الشجاع ويا للأسف مسجوناً سنة 677.
وكان الظاهر بيبرس يحشد لمواجهة عدوه كل القوى المتاحة له، ولذا نجده في سنة 662 يختار من عرب بادية الشام، قائداً شهماً شجاعاً هو الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا أمير آل فضل، المتوفى سنة 684، ليجعله أميراً على البادية، ويشارك مشاركة هامة في الحملات ضد المغول، وكانت له بسبب ذلك منزلة عظيمة عند الملك الظاهر بيبرس.
واهتم الملك الظاهر بالتعبئة المعنوية لجنوده وعامة الشعب، وكان عماده في هذا المشايخ والعلماء، وعلى رأسهم الإمام العز بن عبد السلام، عبد العزيز بن عبد السلام المولود سنة 578 والمتوفى سنة 660، لكونه ذا سابقة في رفض تقديم تنازلات للمحتلين الفرنج، ومشاركته في معركة المنصورة سنة 648، وكان الظاهر بيبرس يعظمه، ويقف عند أقواله وفتاويه، رغم ما يقال إنه لما حضر بيعة الملك الظاهر بيبرس قال له: يا ركن الدين أنا أعرفك مملوك البندقداري؟! فما بايعه، حتى أحضر من يشهد له أنه خرج من ملكه إلى رق الملك الصالح وأعتقه، ولما توفي ابن عبد السلام شهد الملك الظاهر بيبرس جنازته.
وكان الظاهر بيبرس يقدر للعلماء وقوفهم مع الحق، ولو كان ذلك مخالفاً لما يراه ويريده، ففي سنة 666 بدا له وهو في دمشق  أن ينتزع  كثيراً من القرى والبساتين التي بأيدي ملاكها، بزعم أن التتار قد استحوذوا عليها، ثم استنفذها منهم، وقد أفتاه بعض فقهاء الحنفية بذلك بأن الكفار إذا أخذوا شيئا من أموال الناس المسلمين ملكوها، فإذا استرجعت لم ترد إلى أصحابها الذين أخذت منهم، وهذه المسألة مشهورة وفيها خلاف، فعقد لمناقشة ذلك مجلسا اجتمع فيه فقهاء  المذاهب الأربعة، وصمم السلطان على ذلك اعتمادا على ما بيده من الفتاوى، فتصدى له قاضي القضاة شمس الدين عبد الله بن محمد الأذرعي الحنفي، المولود سنة 595 والمتوفى سنة 673، وكان فاضلاً ديناً، فقال: ما يحل لمسلمٍ أن يتعرض لهذه الأملاك ولا إلى هذه البساتين، فإنها بيد أصحابها ويدهم عليها ثابتة، ومن استحل ما قد حرم الله فقد كفر! فغضب السلطان غضباً شديداً وتغير لونه ثم قال: أنا كافر! انظروا لكم سلطاناً غيري!
وكان الذي حمل القاضي على هذا الكلام مخافةُ الله وخشيته، وألقى الله تعالى على خاطره هذه الآية الكريمة من سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾، وانفض المجلس على وحشة من السلطان، فلما كان الليل أرسل السلطان يطلب القاضي، فخاف وأوصي وودع أهله، وراح إلى السلطان وفي ذهنه أنه لا يعود، فلما دخل قام السلطان وعظمه وقال: يا قاضي تكفرنا اليوم؟! فقال: يا مولانا أنا ما خصصت مولانا السلطان بهذا الكلام، ولكن كل من استحل ما حرم الله فقد كفر، فقال السلطان لحاشيته: القاضي كما هو؛ يكفرنا! وخلع عليه ورجع إلى بيته مجبوراً معظماً،  وقال الظاهر بيبرس أثبِتوا كتبنا عند القاضي. لما رأى من صلابته في الحق.
ولكن علاقة الظاهر بيبرس بالإمام النووي، محيي الدين يحيى بن شرف، المولود سنة 631، لم تكن على ما يرام، فقد كتب الإمام النووي رسالتين للظاهر بيبرس في تخفيف الضرائب على الناس، ورفع مصادرة الأراضي، هما مثال للتلطف في أمر الملوك بالمعروف ونهيهم عن المنكر، يضيق المجال عن إيرادهما، ولكن الظاهر بيبرس استاء من هذه الرسائل ولم يقبلها، وكانت خاتمة الأمر عندما أراد الظاهر بيبرس أخذ مال الرعية ليستعين به على قتال المغول، فأفتاه بذلك العلماء إلا الشيخ محيى الدين النووي، وقال له: إذا أنفقت مالك كله، وبقيت مماليكك بالبنود الصوف، وبقيت جواريك بثيابهن دون الحلي، أفتيتك بأخذ المال من الرعية. فغضب الظاهر من كلامه، وقال: اخرج من بلدي - يعني دمشق - فقال: السمع والطاعة! وخرج إلى نوى، فقال الفقهاء: هذا من كبار علمائنا وصلحائنا، وممن يقتدى به، فأعِدْه إلى دمشق، فرسم برجوعه. فامتنع الشيخ، وقال: لا أدخلها والظاهر بها. فمات الظاهر بعد شهر، وتوفي النووي بعده بستة أشهر.
ومن الغريب أن يكون لمثل الظاهر بيبرس في سعة مداركه وشدته وحزمه، شيخ صوفي يعظمه ويعتقد به هو الخضر بن أبي بكر بن موسى العدوي، بنى له زاوية وجامعاً، وكان يزوره بنفسه مرة أو مرتين كل أسبوع، ويغدق عليه الأموال، ثم تغير الملك الظاهر عليه لأمور بلغته عنه وأحضر من حاققه، وذكروا عنه من القبائح ما لا يصدر عن مسلم، فحبسه في سجن منعزل قرابة 6 سنوات حتى توفي سنة 676.
وقد صدرت عن هذا الشيخ اعتداءات على أهل الكتاب لا يقرها الإسلام ولا يقبلها الشرع، منها أنه دخل مرة كنيسة القمامة بالمقدس فذبح قسيسها بيده، ووهب ما فيها لأصحابه، وكذلك فعل بالكنيسة الكبرى بالإسكندرية، نهبها وحولها مسجدا ومدرسة أنفق عليها أموالا كثيرة من بيت المال، وسماها المدرسة الخضراء، وكذلك فعل بكنيسة اليهود بدمشق، دخلها ونهب ما فيها من الآلات والامتعة، ومد فيها سماطا، واتخذها مسجدا مدة. ويعحب المرء أين كان علماء المسلمين عن هذا وأمثاله.
وكان للظاهر بيبرس علاقة مع السيد البدوي، أحمد بن علي بن إبراهيم الحسيني، المولود بفاس سنة 596 والمتوفى بطنطا سنة 675، واستقبله عندما دخل مصر وأنزله في دار الضيافة، وانتسب إلى طريقته.
ومن كبار علماء تلك الأيام قاضي القضاة الأذرعي، سليمان بن أبي العز وهيب بن عطاء، المولود سنة 594، والمتوفى بدمشق سنة 677، شيخ الحنفية في زمانه وعالمهم، أقام في دمشق يدرس ويفتي، وانتقل إلى القاهرة، فولي قضاء القضاة في أيام الملك الظاهر بيبرس، وكان يحبه ويعظمه ولا يفارقه في غزواته، وحج معه، وأذِنَ له أن يحكم حيث حلّ.
وكان طبيبه إبراهيم بن أبي الوحش بن أبي حليقة، المولود في جعبر على الفرات قرب الرقة، والمتوفى سنة 708، ووهو من أسرة عريقة في الطب، وكان نصرانياً بلغ في دينه أن رشحوه ليكون بطريك النصاري بمصر، فلم يوافق ودخل في الإسلام، وصار رئيس الأطباء بمصر والشام، وهو أول من عمل شراب الورد الطري، ومرض الظاهر بيبرس بالخوانيق فعالجه فعوفي، ويقال أن تركته بلغت ثلثمئة ألف دينار.
ومن رجال دولة الظاهر بيبرس أبو الفضل ابن عبد الظاهر، عبد الله بن عبد الظاهر، المولود سنة 620 والمتوفى سنة 692، والذي كان كاتب الإنشاء في الديار المصرية، إلى جانب كونه مؤرخاً وأديباً، وقد ألف في سيرة الظاهر بيبرس كتاباً شعرياً منظوماً، أسماه الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر. وقد ألف كذلك المؤرخ ابن شداد، محمد بن علي، المولود بحلب سنة 613 والمتوفى بالقاهرة سنة 684، كتابا عن سيرة الملك الظاهر بيبرس، وينبغي أن نشير إلى أن ابن شداد الذي استوطن القاهرة بعد أن أخذ المغول حلب، وكانت له مكانة عند الملك الظاهر بيبرس.
ومن سفراء الملك الظاهر الفقيه الشافعي جمال الدين ابن واصل، محمد بن سالم، المولود بحماة سنة 604 والمتوفى بها سنة 697، وكان مؤرخاً عالماً بالمنطق والهندسة، اتصل بالملك الظاهر بيبرس فأرسله في سنة 659 في سفارة عنه إلى ملك صقلية مانفيرد Manferd، وكان والده الإمبراطور فردريك الثاني المتوفى سنة 648 صديقاً للملك الكامل الأيوبي، وهناك صنف ابن واصل رسالته الإنبرورية في المنطق، وتسمى نخبة الفِكَر، ولما عاد خلع عليه بيبرس لقب قاضي القضاة وشيخ الشيوخ بحماة. وليس من الواضح غرض السفارة ولكن من المفيد أن نورد بعضاً مما قاله ابن واصل عن هذه السفارة:
وكان الإمبراطور من بين ملوك الفرنج مصافياً للمسلمين، ويحب العلوم، أكرمني وأقمت عنده في مدينة من مدائن أنبولية Puglia، واجتمعت به مراراً، ووجدته متميزاً ومحباً للعلوم العقلية، وبالقرب من البلد الذي كنت فيه، مدينة تسمى لوجاره Lucera، أهلها كلهم مسلمون من أهل جزيرة صقلية، تقام فيها الجمعة، ويعلن بشعار الإسلام، ووجدت أكبر أصحاب الإمبراطور منفريد مسلمين، ويعلن في معسكره بالأذان والصلاة، وبين البلد الذي كنت فيه وبين رومية مسيرة خمسة أيام.
وفي سنة 672 جاء ملك الكرج، وهي جورجيا اليوم، ليزور بيت المقدس وكنيسة القمامة متنكرا في زي الرهبان ومعه طائفة؛ فبلغ خبره والي يافا الأمير بيليك الخازندار، فبعث إليه، وقبض عليه، وسيره للسلطان بدمشق، فسأله حتى اعترف، فأنزله ببرج من أبراج القلعة، وأرسل شخصين  إلى بلاده ليعرفهم بأمره، حتى إذا تأكد السلطان من حقيقته أعاده معززاً مكرماً.
وفي سنة 663 أدخل الملك الظاهر تغييراً على نظام القضاء في مصر حين جعل فيها أربع قضاة يتبعون المذاهب الأربعة، وكل منهم في مرتبة قاضي القضاة، بعد أن كان قاضي القضاة يعين من مشايخ المذهب الشافعي، وله نواب ثلاثة يتبعون المذاهب الثلاثة، ثم فعل ذلك ببلاد الشام في سنة 664.
ترك الظاهر بيبرس مجموعة ضخمة من الآثار العمرانية في مصر والشام والحجاز، تضم القلاع العسكرية، والجسور، والمساجد والمدارس، والمرافق العامة مثل الحمامات والمستشفيات والخانات وصهاريج المياه وخلجان الري والسدود، وكان يضع على المنشآت الوقفية لوحة رخامية فيها نص الوقف، ومن آثاره مدرسته الظاهرية وسبيل الماء ومدرسة للأيتام بين القصرين في القاهرة، وعمل على النيل جسراً سمي بقناطر السباع لوجود تماثيل للأسود عليه، وعمل مسجداً في أعلى منارة الإسكندرية، وعمل وقفاً للقطط في القاهرة اسمه غيط القطط، وفي سنة 666 أرسل إلى الحرم المدني منبراً بديع الصنع بدل المنبر الذي تلف في حريق المسجد، وأنشأ سنة 670 المدرسة الظاهرية الجوانية بدمشق، وهي اليوم مقر دار الكتب الظاهرية الواقعة قبالة المجمع العلمي العربي بدمشق، ولما توفي دفن فيها  ثم دفن فيها ولده الملك السعيد.
مرض الظاهر بيبرس قرابة 10 أيام وهو في دمشق، ثم قضى نحبه في السابع والعشرين من المحرم، فكتم الأمراء موته، ومنعوا من هو داخلٌ من المماليك من الخروج، ومن هو خارجٌ منهم من الدخول، وأرسلوا بالخبر إلى ابنه الملك السعيد في مصر، ورثاه كمال الدين الشيباني الدمشقي،  أحمد بن محمود المعروف بابن العطار، المولود سنة 626 والمتوفى سنة 702، فقال:
ملكٌ بكته أرائك وترائك ... وملائك وممالك لا تحصر
ولكم بكته حُصُنه وحصونه ... ونزيله ونزاله والعسكر
وكان الملك الظاهر بيبرس قد أعلن ابنه محمد بركة ولياً لعهده في سنة 666، وعمره 8 أعوام!، وأخذ له البيعة من الأمراء ولقبه بالملك السعيد، فلما توفى الظاهر تولى السلطنة الملك السعيد، ثم اضطرب عليه أمر الشام سنة 678 فخرج إليها بجيش، ولما بلغ دمشق، علم بأن الخارجين عليه توجهوا إلى مصر للمناداة بخلعه، فركب وسبقهم إلى القاهرة، ودخل قلعتها، فحاصره الثائرون، فصالحهم على أن يخلع نفسه وتكون له الكَرَك في شرق الأردن، ورحل إليها فتسلمها بما فيها من أموال عظيمة، ثم لم يكد يستقر حتى تقنطر به فرسه، وهو يلعب الكرة، فحُمَّ ومات.
ولما خلعت الأمراء الملك السعيد سلطنوا مكانه أخاه سلامش ولقبوه بالملك العادل، وكان ابن سبع سنين، وقام بتدبير مملكته الأتابك قلاوون الألفي، وكان من المقربين للظاهر بيبرس، ولم يلبث قلاوون أن خلع العادل سلامش في السنة نفسها، وأرسله إلى قلعة الكرك، فنشأ بها، وأعلن قلاوون نفسه سلطاناً، وعمره 58 عاماً، فانتهى بذلك حكم أولاد الظاهر بيبرس.
توفي الظاهر بيبرس وقد تزوج أربع زوجات، أولاهن بنت مقدم الخوازمية بركة خان، الذي كان حليف المغول ومندوبهم في العراق، وثلاث هن بنات أمراء ذي أصل مغولي، وخلّف ثلاثة أولاد وسبع بنات.
وتزوج الأمير المملوكي لاچين بن عبد الله المنصوري، المولود سنة 635، إحدى بنات الظاهر بيبرس السبع، وكانت دينة عفيفة، وأصبح لاجين نائب السلطنة في أيام الملك العادل كتبغا ثم خلعه وتولى السلطنة سنة 695، وتلقب بالملك المنصور، وجعل مملوكه منكوتمر نائبا للسلطنة، فأساء السيرة، فكره الناس لاچين، فقام بعض مماليك الأشرف خليل فقتلوه في قصره سنة 698، وكان فارساً وسيماً، عاقلا يحب العدل ومجالسة الفقهاء، أبطل كثيرا من الضرائب، وكان مثل بيبرس شجاعاً، لما بلغه أن قازان ملك الدولة المغولية في إيران كان يدعو الله في صلاته أن يطيل عمره حتى يلتقي مع قازان وجيشه، وقال: أختار من عسكر مصر ألفى فارس ممن أعرف فيه النجابة والفروسية، وأصدم قازان حيث كان، ولو كان في عشرين ألف فارس، ويعطى الله النصر من يشاء.
وتزوج إحدى بنات الظاهر بيبرس الأمير عز الدين أًيْبَك الطويل المنصوري الخزندار، وكان من الصالحين الأتقياء الموصوفين بالصدقة والإحسان، وكان أمير الحج غير مرّة، وتوفي بدمشق عن عمر مديد في سنة 706 ودفن بقاسيون.

الجمعة، 14 نوفمبر 2014

حدث في العشرين من المحرم

في العشرين من المحرم من سنة 941، الموافق 1 آب/أغسطس 1534، غادر استانبول خير الدين باشا بربروس، ناظر البحرية العثمانية وقائد أسطولها، في حملة بحرية عسكرية ضمت 104 سفينة و8000 جندي، لتوطيد الوجود العثماني في البحر المتوسط
وكان هدف بربروس، ومعناه اللحية الحمراء، هو انتزاع تونس من السلطان الحفصي الحسن بن محمد بن الحسن، والذي اعتلى العرش سنة 932= 1526 بعد وفاة أبيه المتوكل على الله، وكان تسلمه السلطة، وهو الابن الأصغر، بواسطة مؤامرة دبرها مع والدته قتل فيها أخويه الكبيرين، ونجا أخوه الأكبر رشيد والوريث الشرعي للحكم، وهرب لاجئاً إلى الجزائر التي كان بربروس والياً لها.
وأحسن بربروس وفادة الملك الشرعي ووعده خيراً ثم اصطحبه إلى استانبول لمقابلة السلطان سليمان القانوني، الذي وعده بالنصر، ووجد في ذلك مناسبة لاستكمال بسط سلطانه على تونس، فقد كانت المناطق الشرقية والجنوبية من تونس خاضعة للعثمانيين دون مدينة تونس وما حولها، وبخاصة أن الأسرة الحفصية كانت تحافظ على بقائها بالتوكؤ على الدعم الأسباني، وأن مولاي الحسن تحالف مع سليل أسرة هابسبرج الملك الأسباني شارل الخامس، المعروف باسم شارلكان، يستعين به للقضاء على مناوئيه ومنافسيه.
وكان السلطان سليمان يخوض الحرب على عدة جبهات، جبهة فارس والعجم مع الصفويين، وجبهة وسط أوروبا، والجبهة البحرية في غربي المتوسط، وكلاهما مع أسبانيا التي كان ملكها شارلكان آنذاك ملك الإمبراطورية الألمانية المقدسة، وكانت هناك جبهة شمال أفريقيا كذلك التي استولى الأسبان على كثير من مرافئها وثغورها، فقد كانت أسبانيا في أوج نزعتها الاستعمارية، وشجعها نجاحها في أمريكا الجنوبية أن تعتقد أن بإمكانها تحويل شمال أفريقيا إلى مستعمرة مسيحية أسبانية.
وكان العدو الأكبر الذي يحول بين بربروس وهدفه هو الأسطول الملكي الأسباني الذي كان يقوده الأدميرال الجنوي أندريا دوريا، القائد المخضرم والمنافس الأقوى للبحرية التركية، والذي كان لسنوات طويلة يجوب البحر المتوسط دون منازع، إلى أن أمر السلطان سليمان القانوني ببناء أسطول يتناسب مع مكانة الدولة العثمانية وتحت إشراف قائد البحرية بربروس، وإذا كان الأسبان لم يأبهوا لاستيلاء بربروس على مناطق أخرى من تونس فإنهم بالتأكيد لن يقبلوا خسارة مدينة تونس ورحيل عميلهم وحليفهم عنها، لأنها كانت أقرب نقطة إلى جزيرة صقلية من ساحل الشمال الأفريقي.
وتعمية لأبصار العدو عن هدفه الأساسي قام بربروس بغزوات في اليونان فاستعاد فيها عدة موانئ  من الأسبان، ثم اتجه إلى ميناء ريجّو كالابريا Reggio Calabria الواقع في أقصى جنوب إيطاليا عند مضيق مسينا الذي يفصل جزيرة صقلية عن شبه الجزيرة الإيطالية، فهاجم الميناء واستولى على 18 سفينة، ثم استمر في غاراته على الموانئ وعلى جزيرتي صقلية وساردينيا، ووصل في إحدى غاراته إلى مصب نهر التيبر القريب من روما، فقرعت أجراس الكنائس فيها تحذيراً من الخطر القريب.
واتجه بربروس بعدها إلى تونس ليحررها من مولاي الحسن، فوصلها في 12 من صفر 941=1534 واستولى على ميناء تونس المسمى حلق الواد دون قتال، ورحب أهل تونس بالخلاص من الظالم البطاش، وأرسلوا وفداً من الوجهاء إلى حلق الواد ليبايعوه ويعودوا به إلى القصر في تونس، أما السلطان الحسن فقد انسحب جنوباً إلى الصحراء واستعان بالأعراب ليقاتل بهم خير الدين، ولكنهم لم يكونوا كفؤاً لقتال جيش منظم مسلح بالمدافع، فاستسلموا وهرب الحسن إلى أسبانيا مستنجداً بسيده شارل الخامس.
ولم يكن بربروس غريباً عن تونس وحلق الواد، فقد كان الثغر وقلعته قاعدة له ولإخوته عندما بدأوا قبل 20 سنة الغزو في البحر المتوسط مقابل أن يقدموا للسلطان الحفصي خمس الغنائم، وكان أخوه الأكبر عروج قد فكر في تأسيس دولة في تونس، ولكنه رأى صعوبة ذلك بتمكن الأسرة الحفصية، فاتجه للجزائر التي كان حكامها في طور الانحلال والضعف، حتى طمعت فيها أسبانيا واحتلت كثيراً من ثغورها، وانتزع بجاية من الأسبان الذين استردوها، ولكنه هاجم مدينة الجزائر واستولى عليها سنة 923 ودعا في الخطبة للسلطان العثماني سليم الأول، وكانت تلك بداية النهاية للوجود الأسباني في شمال أفريقيا.
وما لبث بربروس أن أعلن بعد توثقت له الأمور أن البلاد قد أصبحت ولاية عثمانية وأنه هو واليها، وحاول بعض أنصار الحفصيين التمرد على هذا القرار، ولكن بربروس أخمد تمردهم بالقوة، فاستتبت له الأمور واستولى على القيروان دون قتال، وكان بربروس يدرك تمام الإدراك الأهمية الاستراتيجية لتونس بحكم موقعها الجغرافي، فسارع في ترميم قلاعها وتجهيز موانئها وأسس فيها قاعدة بحرية قوية ليستخدمها في السيطرة على حركة الملاحة من غربي المتوسط إلى شرقيه، وليهاجم منها أعداء الدولة العثمانية وبخاصة جزيرة مالطة.
وعاد بربروس ظافراً منتصراً إلى استانبول حيث استقبله السلطان سليمان القانوني وجعله ناظر البحرية العثمانية ونائب السلطان في شمال أفريقيا، وحاكم ولايات رودس وبعض جزر اليونان، أما رشيد الأمير الحفصي، وكان أميراً ذا حشمة زائدة وأديباً ذا علم وحصافة وسخاء، فقد عاش في استانبول وحج منها وبقي معززاً مكرماً حتى توفي فيها سنة 969.
وأدرك شارل الخامس أن هيمنته على البحر المتوسط قد أصبحت في مهب الرياح، وأن المغرب العربي قد أصبح في يد سلطة قوية ذات عزيمة صلبة، وكانت أسبانيا قد احتلت بجاية في الجزائر في سنة 910، وطرابلس الغرب في سنة 914، فبدأ على الفور ترتيباته لاقتلاع هذا التهديد الخطير، وكانت لديه الإمكانيات المادية التي توازي بل تفوق ما لدى الدولة العثمانية، فقد شملت مملكة شارل الخامس أسبانيا والنمسا وصقلية وجنوب إيطاليا، وهولندا، وأجزاء من ألمانيا التي كانت كلها تحت سلطانه بصفته الإمبراطور الروماني المقدس. 
وأعد شارلكان أسطولاً من 400 سفينة و33.000 جندي شاركت فيه أسبانيا والبرتغال وفرسان مالطة وقوات الدولة البابوية التي أرسلها البابا بول الثالث، وضم هذا الأسطول أقوى سفينة في العالم آنذاك، وهو السفينة المدعوة القديس يوحنا المعمدان، والتي كانت تحوي 366 مدفعاً.
ورفض ملك فرنسا فرانسوا الأول الانضمام لهذه الحملة، فقد كان شارل الخامس عدوه اللدود، وكانت فرنسا وأسبانيا تتنافسان على زعامة أوروبا، وتعلل بوجود هدنة بينه وبين خير الدين بربروس، ولكن في الواقع كانت السفارات متصلة بينه وبين السلطان سليمان القانوني للاتفاق على القيام بهجوم مشترك على شارل الخامس، وفي آخر سنة 940=1533 زار بربروس فرنسا موفداً من السلطان سليمان، ومحملاً بالهدايا الثمينة، وقابل الملك فرانسوا الأول ليؤكد الصداقة بين المملكة الفرنسية ومملكة الجزائر، ويوقع اتفاقاً تجارياً مدته 5 سنوات، وخشية من هذه الاتفاقات ضغط البابا على فرانسوا الأول حتى أخذ منه موثقاً ألا يتحارب المسيحيون فيما بينهم طيلة هذه الحملة الصليبية.
وكلفت هذه الحملة شارلكان مليون جنيه ذهبي وهو مقدار ما كلفته حربه مع سليمان القانوني في وسط أوروبا، وإزاء هذه المبالغ الكبيرة ينبغي أن نشير أن عظمة أسبانيا وثراءها في ذلك الوقت كانت نتيجة احتلالها بلدان أمريكا الجنوبية واستيلائها على ثرواتها الهائلة وبخاصة الذهب والفضة، وقد أنفق شارل الخامس مليون جنيه من أصل مليونين أتت بهما سفنه من أمريكا الجنوبية، وانتزعهم القائد الأسباني فرانشيسكو بيزارّو من ملك الإنكا في الأكوادور أتاهوالبا لقاء الإبقاء على حياته، ثم ما لبث أن قتله بعد أن صارت الأموال في يده.
وإزاء هذه القوة الكبيرة كان بربروس يدافع عن تونس بجيش قوامه 12.000 جندي يردفه نحو 6.000 متطوع بربري، وكان الهدف الأول المتوقع للأسبان هو قلعة حلق الواد وميناؤها، وكان سنان باشا مسؤولاً عن الدفاع عنها، بينما اختار بربروس أن يكون في مدينة تونس.
وألقى شارلكان مراسيه في قرطاج في رابع أيام عيد الأضحى لعام 941،  وأنزل قوات إلى البر بالتعاون مع مولاي الحسن الذي قدم له حمولة 8.000 جمل من الأرزاق و1.600 فارس، وبدأ شارلكان هجومه على حلق الواد بقصف مدفعي من البر والبحر، وكان أغلب أسطول بربروس في استانبول فقامت السفن المتوفرة بقصف أسطول العدو وأوقعت فيه خسائر فادحة وقتلت بعض كبار قادته، ثم خرجت من المعركة غير المتكافئة.
وبعد حصار دام قرابة 3 أسابيع سقطت قلعة حلق الواد، ووجدوا في أطلال قلعتها قنابل تحمل ختم الوردة الملكية الفرنسية، فقد كانت فرنسا تمد خير الدين بربروس بالسلاح والذخيرة، وكانت القلعة تضم 300 مدفع وتستطيع إيواء 6.000 جندي.
وانسحب سنان باشا من حلق الواد بما بقي من جنوده، وانضم إلى خير الدين في مدينة تونس، وتضعضت معنويات بعض المتطوعين من البربر لما رأوا هذا الأسطول الضخم والجيش اللجب، إذ كانوا أغراراً لم يسبق لهم خوض حروب كبيرة مثل هذه، فأغراهم مولاي الحسن ومناهم إن هم تحولوا إلى صفه، وكان في تونس قرابة 10.000 أسير مسيحي، فقام البربر بإطلاق سراحهم بطلب من مولاي الحسن، وهكذا أصبح بربروس يواجه داخل تونس خونة البربر والأسرى، فقام بالانسحاب من تونس بعد 6 أيام من سقوط حلق الواد.
وأعاد بربروس تجميع قواته مع المجاهدين من قبائل العرب والتقى الجيشان في سهل أريانة شمالي مدينة تونس، ولم يستطع بربروس الصمود أمام التفوق العددي، وانهزم جيشه وأصبحت مدينة تونس في يد الأسبان الذين استباحوا المدينة ثلاثة أيام، فنهبوا القصور والبيوت والأموال، وأتلفوا التحف الفنية النفيسة، وهدموا المساجد والمدارس، وحرقوا عشرات الآلاف من المخطوطات، وكان الحفصيون في تونس مغرمين بجمع الكتب وإنشاء المكتبات، وقتلوا أهل تونس دون رحمة أو شفقة أو مراعاة لكبير أو صغير، حتى قيل إن القتلى بلغوا ستين ألفا، وهم ثلث سكان تونس في ذلك العهد، وكانت رائحة الجثث من السوء بمكان حتى إن شارل الخامس ما لبث أن تحول عنها إلى رادس جنوبي شرقي تونس، وبمناسبة الانتصار أمر شارلكان بعمل وسام عسكري أسماه وسام صليب تونس قلد به أعناق من أبلى بلاء حسناً من جنوده، وبهذا الانتصار استعادت أسبانيا السيطرة على غربي البحر المتوسط.
أما بربروس فانسحب إلى عُنابة فالجزائر حيث كان أسطوله موجوداً، وكأي قائد عسكري حكيم أراد أن يظهر لعدوه أنه لم يخضد شوكته ولم يفل عزيمته، فأبحر بأسطوله وهاجم ميناء ماهون في جزيرة مينورقا الأسبانية واحتله وأخذ 6.000 أسير، ثم قرر العودة إلى استانبول، فاحتل في طريقه ثغر بنزرت في تونس.
وكانت الدولة العثمانية منذ تأسيسها غير حريصة على التعاون مع الدول الأجنبية، ولم تكن ترغب في أن تكون بينها وبين هذه الدول سفارات دائمة، بل كانت الرسل تجيء وتروح بينها وبينهم، ويذهب بعض المؤرخين أن هذه الهزيمة قد حفزت الدولة العثمانية على تغيير نهجها والدخول في تحالف رسمي مع فرنسا ضد آل هابسبرج والإمبراطورية الرومانية، وأرسل الملك فرانسوا الأول سفيره جان لا فوريه ليكون أول سفير دائم لدى السلطان العثماني.
وكان الهاجس الأكبر لدى الملك الفرنسي هو استرجاع مقاطعاته في شمال إيطاليا ومدينة نيس التي تنازل عنها دوق سافويا للإمبراطور شارلكان، وبعد بضعة شهور من سقوط تونس أرسل السلطان سليمان القانوني وفداً رسميا إلى فرنسا، واتفق العثمانيون مع الملك لويس الأول على  القيام بحملة لاحتلال إيطاليا، فيهجم بربروس على ممتلكات شارلكان في جنوب إيطاليا مثل صقلية ونابولي، ويهجم الملك فرانسوا الأول على إقليم بيمونتي في شمال غربي إيطاليا، ويلتقيا في الوسط، وشن بربروس حملته في سنة 943 ولكنه لم يتابعها لأن الهجوم الفرنسي المتفق عليه لم يتواصل، فقد هاجم فرانسوا الأول سافويا واحتل تورينو، ثم توقف بعد أن حصل أهم أهدافه، وذلك بحجة خشيته من أن يعود عليه تحالفه مع الكفار بعواقب وخيمة من شعبه ومن الدول الأوربية الأخرى، وقام شارلكان رداً على ذلك بالهجوم على مقاطعة بروفانس الفرنسية، ولكن هجومه ما لبث أن تباطأ، ثم توسط البابا بين الطرفين الأسباني والفرنسي فاتفقا في آخر سنة 944= 1538 على هدنة مدتها 10 سنوات.
وبقي شارلكان قرابة شهر في تونس أشرف فيه على ترميم قلعة حلق الواد، وجعل فيها قوة من 1.200 جندي بقيادة الدوق دي مندوزا، أحد كبار نبلاء أسبانيا، ثم عاد شارلكان إلى بالِرمو عاصمة صقلية ومنها إلى نابولي ثم إلى روما، ومعه 20.000 من النصارى الذين كان المسلمين قد استرقوهم، ولقي في طريقه احتفالات ضخمة تليق بالإمبراطور المنتصر، وفي روما استقبله البابا وباركه لانتصاره على أعداء الدين.
ووقع مولاي الحسن معاهدة مع شارلكان تقضي بإخلاء سبيل الأرقاء المسيحيين، والإباحة لجميع المسيحيين الاستيطان في إقليم تونس، وإقامة شعائر دينهم دون معارضة، وباع فيها حلق الواد والأراضي المحيطة بها لشارلكان بصفته ملك قشتالة، وتعهد بدفع مبلغ سنوي قدره 12.000 جنيه ذهبي، وأن يقدم هدية للملك في كل سنة 12 فرساً عربية و6 صقور للصيد، كما تعهد الحسن في المعاهدة ألا يدخل في أي تحالف أو اتفاق مع مسلم أو مسيحي إن كان ذلك يضر بالإمبراطور أو ملك أسبانيا.
ولم تكن هذه نهاية المواجهات بين شارلكان من جهة وبين خير الدين بربروس من الجهة الأخرى، ذلك إن بربروس تابع انتصاراته البحرية في شرقي البحر المتوسط وجنوبي إيطاليا، وانتزع من أسبانيا وحليفتها جنوة كثيراً من الموانئ ، وهزم أندريا دوريا وأسطول البندقية في معركة بريفزا في سنة 945، فاضطرت أكبر دولة تجارية آنذاك لتوقيع معاهدة سلام مع السلطان سليمان القانوني في سنة 947=1540 اعترفت بسيادة السلطنة على هذه الموانئ، وتضمنت أن تدفع لها مبلغ 300.000 جنيه ذهبي.
وفي سنة 947 أرسل شارل الخامس رسالة إلى خير الدين حملها الدكتور الجزائري اليهودي روميو، مضمونها أنه يعرض على خير الدين بربروس أن يخون السلطان العثماني وينتقل إلى المعسكر الأسباني، ووعده أن يجعله رئيس الأسطول الأسباني وحاكم المناطق الأسبانية في شمال أفريقيا، ورفض بربروس العرض فقد كان رجلاً متواضعاً مخلصاً لدينه منصرفاً إلى الجهاد في سبيله، وقدم الوسيط ذات العرض لابن بربروس حسن بك الذي كان ينوب عن والده في الجزائر فرفضه كذلك، وأخبر بربروس الديوان السلطاني بهذه المحاولات، وسيق الوسيط إلى استانبول للتحقيق معه.
ومن العَجَب أن يظن شارلكان أن بمقدوره إغراء بربروس بعرض من الحياة الدنيا، وهو الذي يعلم تمام العلم أن بربروس هو الذي بادر فأعلن الجهاد على الأسبان مع أخيه عروج، الذي استشهد وهو يقاتلهم سنة 924=1518، وكانت ثمرة جهادهما أن جلت أسبانيا عن سواحل شمال أفريقيا، ويعلم أن بربروس هو الذي أعلن ولاءه للسلطان مرة تلو المرة، ولم يرغب في الاستقلال بالجزائر بل أعلنها ولاية عثمانية، وهو الذي ساعد المسلمين المضطهدين في الأندلس على الرحيل إلى الجزائر والمغرب العربي وسهل لهم استيطانها، ولكنه العُجب الذي يعمي البصيرة والجهل الذي يطمس على القلوب.
ولما رفض بربروس عرضه قرر شارلكان أن يهاجم الجزائر في سنة 948 على أمل أن يوقف هجمات الغزاة البحريين المسلمين على المواقع الأسبانية والسفن المسيحية في البحر المتوسط، فخرج بأسطول ضخم في تشرين الأول/أكتوبر 1541 وألقى مراسيه محاصراً ميناء الجزائر، ولم يكن الوقت مناسباً لمثل هذا الحصار، فقد كان في موسم العواصف، وأراد شارلكان انتهاز فرصة غياب بربروس في استانبول، ولم يصغ شارلكان لنصائح رئيس الأسطول أندريا دوريا الجنوي وللقائد البحري الأسباني المخضرم هيرمان كورتيز، صاحب التجربة في أمريكا الجنوبية، وأصر على أن يستمر في حملته، وجرت بعض المعارك الصغيرة التي صمد فيها حسن بك ابن بربروس الأسبان ثم دحرهم رغم قلة قواته، قبل أن يتخلى الإمبراطور العنيد عن فكرته وينسحب بقواته المحطمة.
وكان الابن سر أبيه، فلم يتردد حسن بك في استغلال الفرصة وتلقين العدو درساً لن ينساه، ولذا قرر مهاجمته أثناء الانسحاب وبخاصة عندما علم بقرب هبوب عاصفة شديدة، ستزيد من اضطراب المنسحبين الذي كان عدد كبير من سفنهم قد غرزت في رمال الشاطئ، فهاجمهم وأوقع بين صفوفهم عدداً كبيراً من القتلى، وأسر عدداً كبيراً من قادتهم، وكاد الإمبراطور شارلكان أن يقع في الأسر لولا أن دافع عنه فرسان القديس يوحنا المالطيون دفاعاً مستميتاً دفعوا ثمنه عدداً كبيراً من القتلى.
وفي سنة 949= 1543 أبحر بربروس من استانبول متجهاً إلى مارسيليا ليساعد فرنسا حليفة السلطان سليمان القانوني، وتضمن أسطوله 210 سفينة، و16.000 بحار و14.000 جندي، وأثناء عبوره مضيق مسينا أغار على ريجو كالابريا واحتلها ثم أغار على السواحل المجاورة حتى وصل إلى مصب التيبر، ثم أبحر إلى ميناء نيس فحاصره واستولى عليه ليعطيه للملك فرانسوا الأول، وأمضى الشتاء في طولون مثابراً على إرسال سفنه بين حين وآخر للإغارة على الموانئ الأسبانية، ويقال إن الملك أمر في هذه الفترة بإخلاء طولون من سكانها المسيحيين وتحويل كاتدرائيتها إلى جامع.
وفي سنة 951=1544 حاصر بربروس جنوة، حليفة شارلكان اللصيقة، وهدد بمهاجمتها إن لم تطلق سراح القائد البحري طرغوت الذي كان قد أسر قبل 4 سنوات، وعمل في الأسر جدّافاً مثل آلاف الأسرى من الطرفين، ودعا الأدميرال أندريا دوريا خيرَ الدين بربروس إلى قصره لمناقشة الموضوع، واتفقا على افتداء طرغود بمبلغ 3.500 جنيه ذهبي، وتابع بربروس حملاته البحرية على الموانئ والسفن الأسبانية قبل أن يعود إلى استانبول ويتقاعد ويخلفه ابنه حسن باشا على ولاية الجزائر، وتوفي هذا القائد العظيم وقد ناهز السبعين في سنة 953=1546.
وإذا زرت المتحف البحري في بشكتاش بإستانبول ورأيت ضريح بربروس الذي بناه المعمار سنان باشا في حديقتها، فسترى قربها تمثال بربروس وقد نحتت خلف قاعدته أبيات الشاعر التركي يحيى كمال بيات:
من أي أرجاء البحر يأتي هذا الرعد القاصف؟
من تونس؟ من الجزائر؟ من جزر بحر إيجة؟
مئتا سفينة تمتطي عنان الأمواج
آتية من البلاد التي أنارها الهلال السامق
إيهٍ أيتها السفن المباركة، من أي البحار أتيت؟
ونعود إلى تونس، ففي سنة 949 انتفض أهل القيروان يقودهم العلماء على السلطان مولاي الحسن، فخرج في البحر إلى نابولي في إيطاليا يريد استئجار بعض الجنود المرتزقة، فانتهز ابنه أحمد فرصة غياب والده فخلعه وأعلن نفساً ملكاً على تونس في سنة 950، لما عاد الحسن قاتل ابنه بتأييد من الأسبان، ولكن الابن انتصر وقبض على أبيه، وخيره بين الموت أو أن يسمل عينيه، فاختار العمى، واستقر في القيروان.
وكان الحاكم الأسباني في حلق الواد يفضل تعيين ابن صغير للحسن يدعى عبد الملك، وعده بمزيد من الأموال والهدايا، فدخل عبد الملك مدينة تونس متنكراً مع عدد من أتباعه، واستولى عليها وخلع أخاه واعترف به الحاكم الأسباني ملكاً، ولكن عبد الملك ما لبث أن مات بعد 36 يوماً، مسموماً على الأرجح بتدبير من أخيه أحمد.
وكان الأسبان يحتفظون بأولاد مولاي الحسن الكبار رهائن فطلب أهل مدينة تونس من الأسبان أن يفرجوا عن ابنه أحمد ليصير ملكاً عليهم، ولكن الأسبان فضلوا تعيين ابن لعبد الملك عمره 12 سنة، فرفض ذلك أهل تونس، وهرب أحمد إلى الداخل التونسي وأيدته القبائل فشكل جيشاً استولى به على مدينة تونس وهرب السلطان الصغير إلى الأسبان في حلق الواد، وقبلت أسبانيا بالسلطان الجديد الذي سار على نهج والده، فعقد عدة معاهدات صداقة وحماية مع الأسبان، مقابل جزية يؤديها لهم مقابل ذلك.
وفي سنة 955 قام القائد العثماني طرغوت باحتلال ميناء المهدية في تونس، وكان الأب مولاي الحسن، على عماه، لم ييأس من استعاده عرشه، فانتهزها فرصة وعبر البحر إلى إيطاليا سنة 956 وقابل البابا بول الثالث ثم سافر عبر إيطاليا إلى النمسا، وفي فندق النسر الذهبي في إنزبروك لوحتان من الرخام على بابه تحملان أسماء من نزل به، وبها اسم مولاي الحسن، وفي بافاريا التقى الملك بالإمبراطور شارلكان وطلب منه المساعدة لاسترداد المهدية وعودته إلى العرش، فوعده ذلك وعاد ليموت أثناء الحصار الأسباني للمهدية، وانتزع الأسبان المهدية وجعلوا عليها حاكماً ابناً للسلطان أحمد.
ولكن القبائل التونسية في الداخل لم تلبث أن ثارت على السيطرة الأسبانية، وصارت تهدد مدن الساحل، وصارت تهاجم حلق الواد، وبقي السلطان أحمد مراعياً لاتفاقياته مع الأسبان، خشية أن يخلعوه، واستقرت له الأمور على ذلك قرابة قرن من الزمن.
ولم ينسى العثمانيون الوجود الأسباني في تونس، فاستمرت محاولاتهم لتوهينه وفتحها من جديد، وفي سنة 958 استطاع طرغوت استرجاع طرابلس الغرب من أيدي فرسان مالكة، وفي سنة 965 قام القائد العثماني الشهير بيالي باشا باحتلال جزر الباليار الأسبانية، وقام مع طرغوت بمهاجمة الموانئ الأسبانية في البحر المتوسط، وفي سنة 966 حشد الأسبان أسطولاً قاده الأدميرال جيوفاني أندريا دوريا بهدف الاستيلاء على جزيرة جربة في جنوبي الساحل التونسي، فتصدى له الأسطول العثماني بقيادة بيالي باشا وهزموه في ساعات معدودة وأوقعوا به خسائر فادحة كادت أن تكون قاصمة.
وبانتصارهم في جربة لم يعد هناك من يقف بين العثمانيين وبين مالطة التي كانت قاعدة فرسان القديس يوحنا، فحشدوا قواتهم للاستيلاء عليها وحاصروها حصاراً طويلاً صار مضرب الأمثال، ولكنهم لم يوفقوا لاحتلالها، فتوجهوا لغزو تونس وإنهاء الوجود الأسباني فيها، فشكل عروج، أو كيليج علي باشا، في سنة 977 أسطولا من 250 سفينة مع جيش كبير يقوده الوزيرسنان باشا، وبدأ في مهاجمة الثغور التونسية الواقعة تحت السيطرة الأسبانية، وطلب أحمد المساعدة من الأسبان، ولكنهم لم يكونوا في وضع يمكنهم من المساعدة، إذ كانوا هم أنفسهم بحاجة لكل جندي للدفاع عن موانئهم وحصونهم، فواجه أحمد العثمانيين منفرداً في معركتين انهزم في كليهما ثم انتهى به الأمر أن عزله الأسبان في سنة 980، ونصبوا محله أخاه محمد، ثم نفوه إلى صقلية فمات فيها سنة 983، ونقل جثمانه إلى تونس فدفن فيها.
ورغم أن العثمانيين كانوا قد هزموا هزيمة منكرة في معركة ليبانتو البحرية سنة 979، إلا  أن ذلك لم يفت في عضدهم فما لبث سنان باشا في عهد السلطان سليم الثاني في سنة 982 أن حاصر حلق الواد 43 يوماً حتى فتحها ودخل تونس، وأعلنها ولاية عثمانية وقبض على السلطان محمد، وعاد به إلى العاصمة العثمانية، فأمر السلطان سليم باعتقاله، واستمر في سجنه إلى أن هلك، وبموته انقرضت دولة بني أبي حفص وقد دامت نيفا و 370 سنة، وكافأ السلطان مراد سنانَ باشا على إنجازاته بأن ولاه الوزارة العظمى في سنة 988، ثم ولاه نيابة الشام وهو صاحب الجامع والسوق المعروفين في دمشق.

الجمعة، 7 نوفمبر 2014

حدث في الثالث عشر من المحرم

في الثالث عشر من المحرم من عام 1074 الموافق 17 آب/أغسطس 1663 بدأ الصدر الأعظم كوبريلي زاده أحمد باشا على رأس الجيش العثماني في حصار قوات الإمبراطورية الرومانية المقدسة المرابطة في قلعة نوهزل Neuhäusel، وهي اليوم نوفي زامكي في سلوفاكيا، ونجح في الاستيلاء عليها بعد 6 أسابيع حين سلمتها حاميتها بالأمان وانسحبت منها، وكان ذلك انتصاراً غير متوقع في بداية الحرب التركية النمساوية الرابعة، رفع معنويات العثمانيين وفتَّ في عضد النمساويين ولو إلى حين.
وعندما نتحدث عن الإمبراطورية الرومانية المقدسة، فينبغي أن نشير أن اسم الإمبراطور والإمبراطورية أحياه الملك الألماني شارلمان مع مطلع القرن التاسع الميلادي بمباركة البابا ليون الثالث، واستخدمه ملوك الفرنجة ثم ألمانيا عشرة قرون حتى سنة 1806 حين ألغاه الملك فرانسيس الثاني ملك النمسا بعد أن حمله ثم عجز عن الدفاع عنه إزاء نابليون الذي أراد اقتناص هذا اللقب ذي الأبعاد التاريخية الكبيرة.
وقد تعاقب على الإمبراطورية ملوك تباينوا في القوة والضعف، وتغيرت حدودها مع تقلب الدهر، ولا يتسع المقام للحديث عن ذلك، فنتجزئ بالحديث عن الإمبراطور ليوبولد الأول الذي وقعت هذه الأحداث في عهده، والمولود في فيينا سنة 1050=1640 والمتوفى سنة 1117=1705 والذي ينتمي لأسرة هابسبرج.
تسنم ليوبولد الأول عرش النمسا وهنغاريا وبوهيميا بعد وفاة أخيه في سنة 1064=1654، ولما توفي والده فرديناند الثالث في سنة =1657، انتخبه ملوك الممالك التي تتكون منها الإمبراطورية في سنة 1068=1658، وتأخر انتخابه سنة بسبب معارضة فرنسا لذلك، فقد كان التنافس على زعامة أوروبا بينها وبين أسرة هابسبرج على أشده.
وتعود جذور هذه الحرب إلى إمارة ترانسلفانيا، وهي اليوم رومانيا الغربية، التي كانت منذ انتصار السلطان سليمان القانوني في معركة موهاكس في سنة 1526 تخضع للدولة العثمانية مع تمتعها باستقلالها الذاتي والديني، وذلك إن أميرها جورجي راكوكسي الثاني شارك السويد في غزو بولندا في سنة 1068=1657 مخالفاً توجهات وتحالفات الدولة العثمانية، وكان لا بد لها من معاقبته على هذا استهتاره بالأعراف الدولية السائدة وتجاوز لحدوده والهجوم على بلد حليف، فخلعته وأعلنت الحرب عليه.
وكان هناك سببان أساسيان وراء هذا الاستهتار بالدولة العثمانية، أولهما أن السلطنة العثمانية كانت مشغولة آنذاك بحربها مع جمهورية البندقية حول جزيرة كريت آخر قاعدة لها في شرق البحر المتوسط، وهي حرب دامت قرابة 25 سنة من سنة 1055=1645 إلى سنة 1080=1669، فشغلت الدولة ورجالها واستنفذت كثيراً من الأموال والتضحيات.
والسبب الثاني أن الاضطرابات الداخلية كانت لا تفارق البلاط السلطاني، وأصبح العرش العثماني ألعوبة في يد المستغلين والجشعين، ذلك إن الحاشية كانت قد خلعت السلطان إبراهيم في سنة 1058=1648 وقتلته، ووضعت على العرش أكبر أولاده تحت اسم محمد الرابع ولما يتجاوز عمره 7 سنوات، على أن تكون جدته السلطانة كوسم نائبة السلطنة، وأصبحت السلطنة في يد امرأة طموحة مراوغة وحاشيتها من الخصيان المسمين بالأغوات، ثم أرادت الجدة بعد 3 سنوات قتل حفيدها لتضع محله حفيداً آخر من أم أخرى، وانكشفت الخطة فقُتلت الجدة في سنة 1061=1651، وتحولت نيابة السلطنة إلى أم السلطان؛ السلطانة خديجة تارخان، التي كان عمرها 24 سنة.
وكانت السلطانة خديجة، وهي من أصل أوكراني، امرأة صالحة ذكية تضع الصالح العام فوق المصالح الشخصية الآنية، فاتجهت لمعالجة الأمراض التي تفشت في جسم الديوان السلطاني والدولة العثمانية، فوجهت اهتمامها للبحث عن صدر أعظم تتوفر فيه الكفاءة والنزاهة تعتمد عليه الدولة في الخروج من وهدتها، ولذلك تعاقب على هذا المنصب خلال 5 سنوات 11 رجلاً دون أن تجد فيهم ضالتها، حتى وصلت في سنة 1066=1656 إلى الوزير كوبرولو زاده محمد باشا، العجوز الألباني الأصل الذي قارب الثمانين ولم يكن من قبل ضمن الطبقة الأولى في الديوان السلطاني، ودُهِشت السلطانة لأنه بدلاً من أن يشكرها على اختياره للمنصب، كما فعل غيره من قبل، اشترط عليها منحه صلاحيات مطلقة ليقوم بإعادة الدولة العثمانية إلى مجدها وهيبتها.
ومنحته السلطانة ما يريد، فسلك مع الحاشية ورجال الديوان مسلك الشدة والترهيب، ولم يتردد في سفك الدماء والسجن والنفي، وكان في ذلك بعض الظلم والتجاوزات، ولكنه أنقذ الدولة من شفا هاوية، وتحرك على كبر سنه لبناء مؤسساتها من جديد، ونجح في ذلك نجاحاً لم ينجزه صدر أعظم في الدولة العثمانية من قبل، حتى صارت الفترة التي تسلمها وذريته من بعده تدعى بفترة كوبرولو.
ونعود إلى الأمير راكوكسي الذي ظن أن كوبرولو سييبقى فترة قصيرة في منصبه ثم يُقال منه أو يعدم، كما فُعل بأسلافه، ومن ثَم يتفاهم مع الصدر الأعظم الجديد من موقع القوة، ولكن خاب ظنه، فقد كان كوبرولو واسع التدبير بعيد الغور مبادراً لمعالجة الأزمات، وكان أول ما فعله أن أمر فرق الخيالة من تتار القرم الأشداء بالمبادرة إلى مساعدة بولندا في صد الهجوم الذي اندحر، ثم قام الصدر الأعظم كوبرولو زاده محمد باشا بشن حملة عسكرية احتلت ترانسلفانيا، وقتلت راكوكسي في إحدى المعارك، وعينت الدولة العثمانية حليفها الأمير الهنغاري ميشيل أبافي ملكاً على ترانسلفانيا.
وخلف راكوكسي في منصبه الأمير جانوس كيمني الذي سارع بطلب الدعم من الإمبراطور ليوبولد، وحيث كانت ترانسلفانيا تقف كمنطقة عازلة بين أراضي الإمبراطورية وبين الدولة العثمانية، فإن النمسا كان يهمها أن تبقى كذلك، ولذا قامت بمساعدة الأمير وأرسلت جيشاً صغيرا بقيادة القائد العسكري المحنك الإيطالي الأصل ريموندو مونتِكيوكُّولي Montecuculli والذي قضى حياته في خدمة أسرة هابسبرج، وكان أبرز قادة الحروب في عصره، وهو معدود في التاريخ العسكري من كبار المنظرين العسكريين، ولكن حنكة ومهارة منتِكيوكّولي لم تستطع التغلب على التفوق العددي العثماني فانسحب تاركاً كيمني أمام العثمانيين الذين هزموه وقتلوه في معركة ناجيزولوس في سنة 1072=1662، وخلا الطريق أمام حليف العثمانيين الأمير ميخائيل أبافي ليبقى دون منازع.
وفي سنة 1072=1661 توفي الصدر الأعظم محمد باشا، وقد تجاوز الثمانين، وبوصية منه أسند المنصب إلى كبير أبنائه فاضل أحمد باشا، وعمره 27 عاماً، فكان أصغر صدر أعظم في تاريخ العثمانيين، وكان والده الذي لم يدرس في صغره قد حرص على تدريس ابنه علوم اللغة والشريعة والأدب الفارسي، وكاد الولد أن يكون في سلك العلماء، ثم عدل إلى طريق والده في السياسة، وصار والي دمشق سنة 1071، فتميز بجمعه بين السياسة والقيادة والعلم، وهو واقف المكتبة المشهورة في إستانبول.
وسار فاضل أحمد على خطى والده في أن يكون على رأس الجيش، ولذا أعد جيشاً ليواجه البندقية في دالماتيا، وهي اليوم في كرواتيا على ساحل الأدرياتيكي، وكانت تحت حكم البندقية منذ أكثر من 240 سنة، ولكن الأزمة مع النمسا نشبت فأصدر السلطان محمد الرابع أوامره للجيش بالاتجاه لجبهة القتال مع النمسا، فسار إليها أحمد باشا بهمة ونشاط، على رأس جيش جرار، فيه خيالة القِرِم المخيفون، ووحدات الصاعقة التي لا ترحم، وجنحت النمسا للسلم، فعقدت سلسلة من المفاوضات ابتدأت في بلغراد وانتهت في بودابست، ولم تسفر عن نتيجة فقد رفضت النمسا طلبات العثمانيين وأهمها انسحاب الجيش النمساوي ودفع تعويضات قدرها مبلغ 200.000 فلورين ذهبي.
وقرر أحمد باشا أن يفتح قلعة ارسيكيوفار، واسمها الألماني نيوهزل، والتي تقع على بعد 110 كيلاً من فيينا، وكانت قلعة فائقة التحصين مبنية على شكل نجمة سداسية على قمة جبل مرتفع، وكانت من قبل قد استعصت مرات عديدة على الجيوش العثمانية، وأصبحت شهيرة بمناعتها في كافة أوروبا، وقرر قائد حامية القلعة استباق الأمور فشن هجوماً على الجيش التركي قبل أن يبدأ حصاره على القلعة، ولكن الهجوم انتهى بهزيمة منكرة وخسائر بالغة، ففت هذا من عزيمة المدافعين، وشد من عضد الجيش العثماني الذي ضرب حصاراً محكماً حول القلعة وهاجمها بإصرار مرة تلو الأخرى حتى استسلمت حاميتها وأخلتها بعد 6 أسابيع كما ذكرنا، وأصبح الإصرار التركي مضرب المثل في المنطقة بعد هذه المعركة، فيقال: كإصرار التركي في حصار نوفي زمكي.
ولم يتوقف كوبرولو بعد هذا الانتصار بل أطلق العنان لقوات الصاعقة التي انطلقت في سرعة عجيبة تستولي وتدمر وتحرق وتأسر، واستسلمت لها حوالي 30 قلعة، واحتلت أولومك، الواقعة في شرقي التشيك اليوم، وصارت بالقرب من فيينا، وفي نفس الوقت أُعلِنت منطقة القلعة ولاية عثمانية يقوم عليها والٍ في مرتبة نائب للسلطان.
ويبدو أن الدولة العثمانية كانت تبث أخبار هذه الانتصارات في الولايات العثمانية بمثل ما تفعله وزارات الإعلام اليوم، فالمحبي في خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، يذكر هذا الانتصار أكثر من مرة، ويورد قصيدة فيه نظمها محمد بن عمر بن عبد الوهاب العرضي الحلبي، مفتى الحنفية بحلب، والمتوفى سنة 1071 عن قرابة 60 سنة، ومما جاء فيها:
فلما برز الأذن الإلهي بتبرج الفتوحات الإسلامية من خدور الغيوب، وجالت أفراس الأفراح تركض في ميادين القلوب... وقامت خطباء الأقلام تصدح بالبشائر، وهدرت شقاشقها من أنامل الكتاب على المنابر... وذلك بإقبال ظل الله في الأرض، الفائض من وجه البسيطة على الطول والعرض، واسطة عقد ملوك آل عثمان، لا زالت الأمور متسقة النظام ما قام له كل يوم ديوان، وإقدام حضرة الصدر الكبير القائم بأعباء الرأي والتدبير، من هو من فلك الوزارة بمنزلة النير الأعظم من بين الكواكب السياره...
قَبول يرود ويتلوه نُجح ... وأيد لتسآل قصد تُلِّحُ
فأهلا بنشر بشير أتي ... يضمخ من مسكه الروع جُنح
كأن الخزامى وشيح الربى ... متون وريح الصبا ذاك شرح
فلله بكر قد افتضها ... مهنده وسنان ورمح
وعهدي بها هامة للجبال ... فأضحت بتمهيدها وهي سفح
وكم طَرَفُ طَرْف كبا دونها ... له في بحار الميادين سبح
ولكن بإقبال سلطاننا ... تزول الرواسي وينهد صرح
وكان لهذا الفتح ثم القرار ومن بعده الفتوحات دوىٌّ صك الآذان في أوروبا، فقد كان ليوبولد يعتبر القلعة آخر حاجز يحول بين العثمانيين وبين فيينا، ولم تكن قواته من الناحية العددية تعادل الجيش العثماني الذي بلغ عدده 100.000 جندي، فقد كان لدى ليوبولد 12.000 جندي انضم إليهم 15.000 جندي من الهنغار والكروات، ولذا عقد ليوبولد المجلس الإمبراطوري ليطلب المدد من ملوك ألمانيا وأوروبا، فقدمت له الولايات الألمانية 30.000 مقاتل، ووسَّط البابا إسكندرَ السابع في ليطلب مساعدته من لويز الرابع عشر ملك فرنسا، فاستجاب لويز الرابع عشر وأرسل له جيشاً من 6.000 جندي على رأسهم الكونت دي كوليني.
ولما حل الشتاء توقفت المعارك، وقضى كوبرولو الشتاء في بلغراد، ثم تحرك في الربيع ليتابع فتوحاته، وحقق انتصارات في بداية الأمر، ومن أهمها  الاستيلاء على قلعة نوفي زرين، والتي أنشأها حاكم كرواتيا الأمير نيقولا زرنيسكي قبل سنتين لتتحكم بملتقى أنهر هام، وخالف بذلك المعاهدات المرعية، وكانت قد استعصت على الأتراك مرات من قبل، فحاصرها كوبرولو قرابة شهر وحفر نقابوه الأنفاق تحتها ثم نسفوا السور بالبارود، فهرب منها من استطاع من الكروات وفي نفوسهم المرارة إذ لم يصلهم من النمسا إلا معونة قليلة.
وأصيب في أحد المعارك القائد العام النمساوي الكونت فون ستروزي الإيطالي الأصل، فعين الإمبراطور ليوبولد مكانه الكونت ريموندو مونتِكيوكّولي، المولود سنة 1017=1609 والمتوفى سنة 1091=1680، الذي قسم الجيش إلى 3 فرق: فرقة في الجنوب تتكون من 17.000 مقاتل من القوات الهنغارية الكرواتية يقودها نيقولا زرنيسكي، وفرقة في الشمال مكونة من 8.500 جندي بقيادة الجنرال الفرنسي رادوي دو سوش، واحتفظ لنفسه بقيادة الفرقة الأكبر في الوسط التي بلغ عدد جنودها 28.500 جندي، واحتفظ مونتيكوكولي باحتياطي قدره 12.500 للدفاع عن الحصون.
وتمهيداً للمعركة أرسل مونتِكيوكولي الكونت زرنيسكي قبل الربيع على رأس قوة لتقوم بالتوغل في الأراضي التي يسيطر عليها الأتراك وتدمر جسراً على نهر الدرافا بحيث تعيق بذلك وصول الإمدادات للجيش العثماني وكذلك طريق انسحابه إن لزم، وتستولي كذلك على قلعة كنيجا، أهم معقل تركي في المنطقة، وسار زرنيسكي إلى هدفه الذي يبعد 240 كيلا، مستغلاً الشتاء وصعوبة الحركة على الأتراك، واستولى على عدد من الحصون في طريقه حتى وصل إلى الجسر وأحرقه، وحاول الاستيلاء على بلدة كنيجا، ولكنه اضطر للتخلي عن ذلك حين تحرك جيش كوبرولو في الربيع، ورفض مونتكيوكولي أن يمده بأي قوات لمواجهة الأتراك، فقد كان يريد الاحتفاظ بكل قواته للمعركة الحاسمة.
وجاءت المعركة الحاسمة في 8 محرم 1075= 1 آب/أغسطس 1664، فقد التقى الجيشان على الضفتين المتقابلتين من نهر راب أو راباRaba  Raab الذي يرفد نهر الدانوب، وذلك في أقصى الشمال الغربي من هنغاريا اليوم، وفي المكان دير باسم سان جودهارد وبه عرفت المعركة، وبدأ كوبرولو هجومه بعبور النهر إلى الضفة الأخرى، وما أن عبر قرابة 10.000 عثماني حتى أمر مونتِكيوكُّولي مدافع بقصف الجسر وتدميره، وما أن نسفت المدفعية الجسر حتى انقض جنود النمسا على الأتراك وأبادوهم عن بكرة أبيهم بعد معركة دامت 7 ساعات، جرت أمام أعين كوبرولو دون أن يكون في مقدوره إمدادهم إلا بما تحمله الزوارق في مثل هذه الظروف، فقد كان النهر عميقاً وشديد الجريان، وما كان كوبرولو يستطيع قصف النمساويين فقد كان التداخل شديداً بحيث ستصيب قنابله جنوده مثلما ستصيب أعداءه.
وحاول كوبرولو نصب جسر جديد على الزوارق، ولكن مدفعية العدو والمطر الغزير حالا دون ذلك، واحتل قائد القوة العثمانية إسماعيل باشا، والي البوسنة،  قرية قريبة واتخذ فيها مواقع دفاعية، ولكن خصمه ما لبث أن اجتاحها، ولم يستسلم الجنود العثمانيين وقائدهم مع علمهم بأنهم قد أحيط بهم، وأوقعوا خسائر بالغة بالجيش النمساوي عندما انقض عليهم، بلغت 4 أفواج و60 قتيلاً من كبار الضباط والنبلاء.
واحتفلت أوروبا ملوكاً وكنيسة وشعباً بهذا الانتصار، وأطلقوا لقب منقذ المسيحية على القائد مونتكيوكولي، ولكن  رغم الانتصار طلب الإمبراطور ليوبولد الصلح، فقد كان يدرك أن تكلفة الحفاظ على الانتصار ستكون باهظة جداً، وبعد تسعة أيام في 17 محرم 1075= 10 آب/أغسطس 1664 وقع الطرفان معاهدة فاسوفار التي لم تعكس الانتصار القريب للنمسا، فقد تضمنت الاعتراف بتبعية ترانسلفانيا للدولة العثمانية، وموافقة الإمبراطورية النمساوية على دفع تعويض قدره 200.000 فلورين، وكذلك هدم قلعة نوفي زرين التي بنيت خلاف الاتفاقات السابقة، فهدمها الأتراك ونقلوا أنقاضها فلم يبق منها اليوم سوى نصب تذكاري حديث.
وكان سبب موافقة أسرة هابسبورج على هذه المعاهدة بهذه السرعة والشروط، هو أن فرنسا كانت تتربص بالإمبراطورية لتنقض على أملاكها الأوروبية في هولندا وألمانيا وإيطاليا، وهي أهم بكثير من كرواتيا أو هنغاريا أو ترانسلفانيا، وكانت الدولة العثمانية تريد الصلح العاجل أيضاً، فقد كانت غارقة في حصار دام سنوات طويلة ومريرة لاستكمال انتزاع جزيرة كريت من البندقية التي ساندتها الدول الأوروبية.
وبعد المعاهدة تبادل الإمبراطور مع السلطان محمد الرابع السفارات والهدايا، وزار سفير السلطان محمد باشا فيينا، واستقبله الإمبراطور في احتفال كبير، واصطحب معه أوليا جلبي السائح صاحب الرحلة المشهورة، وفرقة الموسيقا العسكرية التركية، وكان فرجة للناس في فيينا بزيه وأدائه الصلوات.
واعتبر الكروات والهنغار الذي قاتلوا في صفوف النمسا هذه الاتفاقية خيانة لهم، فقد تنازلت النمسا لتركيا عن أراضيهم التي قاتلوا من أجلها، وقدموا آلافاً من خيرة جنودهم لتبقى مستقلة، وكان بعضها في أيديهم قبل بدء الحرب هذه، ولذا قامت مجموعة من الأمراء الهنغار بتدبير مؤامرة لتحرير هنغاريا من حكم أسرة هابسبرج،  وطلبوا سراً  المساعدة من فرنسا وتركيا.
واستغرق إخراج المؤامرة إلى الواقع من عالم الأفكار 6 سنوات، ثم جرى إحباطها بعد ما بدأت قوات المتآمرين في التحرك، فقد وشى بسرها مترجم كان يعمل مع الأتراك، فتحركت قوات النمسا على الفور واعتقلت الأمراء المتآمرين وأعدمت بعضهم وسجنت آخرين، ولكن المعاناة طالت الشعب الهنغاري بأكمله، فقد وجدتها النمسا فرصة للتخلص من قياداته، فسجنت بتهمة المؤامرة حوالي 2000 من النبلاء وصادرت أراضيهم، وأفتى مستشارو الإمبراطور أن المؤامرة جعلته في حل من تعهده للأمة الهنغارية بالحقوق والامتيازات الخاصة التي كان قد اتفق عليها معهم، وأن الهنغار أصبحوا رعية خاضعين لحكم الإمبراطور المطلق دون أية قيود.
وعلى الجانب التركي، ما أن وقع فاضل أحمد كوبرولو الاتفاقية حتى وجه جهوده لإنهاء حملة كريت التي طالت ودامت 24 عاما،  من 1645 إلى سنة 1669، والتي استعصت قلعتها الكبرى كاندية، وهي اليوم هِراقليون، على الفتح العثماني دون سائر الجزيرة، واستنزف حصارها الدولة العثمانية وجعلها في مواجهة دول أوروبا، فحط رحاله في كريت في سنة 1667، وبصحبته والدته وأخوه الأصغر، وأمضى سنتين وثلاثة أشهر محاصراً لكاندية، وبنى تحتها مدينة من الأنفاق لدك أسوارها بالألغام، حتى استسلم المدافعون عنها، واستقبل كوبرولو القائد الإيطالي موروسَّيني الذي دافع عن المدينة سنين طويلة وأكرمه هو وعدد من كبار الضباط من سويسرا وفرنسا، وبقي كوبرولو في الجزيرة 7 أشهر يشرف على إصلاحها وترميم أسوارها بما عرف عنه من همة عالية ومبادرة.
دام السلام بين الإمبراطورية الرومانية المقدسة وبين الدولة العثمانية قرابة 20 عاماً، إلى أيام سليمان القانوني وحملته للاستيلاء على فيينا في سنة 1094=1683، ولذلك الأمر حديث آخر.

 
log analyzer