السبت، 6 فبراير 2016

حدث في السادس والعشرين من ربيع الآخر

في السادس والعشرين من ربيع الآخر من سنة 1272، الموافق 5/1/1856، أصدر خديوي مصر محمد سعيد بن محمد علي الكبير فرماناً من الإسكندرية جدد فيه منح الفرنسي فرديناند ديلسبس امتياز حفر قناة السويس لتصل بين البحر الأبيض وبين البحر الأحمر، وهو المشروع الذي سيجلب الرخاء والشقاء على مصر وأهليها.
وكان الخديوي محمد سعيد باشا قد تولى الحكم في 28 شوال سنة 1270=24/7/1854، بعد وفاة ابن أخيه عباس الأول، وبعد قرابة 3 أشهر أصدر مرسوماً في 9 صفر سنة 1271=30/11/1854 تضمن منح الامتياز لصديقه الفرنسي فرديناند ديلسبس، ثم أصدر بعده بسنتين المرسوم الثاني الذي نحن بصدده، وهو أكثر تفصيلاً ودقة، وكان المرسوم الأول يتألف من 12 مادة، أما المرسوم الثاني فقد تألف من 23 مادة، وكان مقسماً إلى أبواب حسب مواضيع المواد، وأصدر الخديوي معه مرسوماً آخر من 53 مادة بتشكيل الشركة العالمية لقناة السويس الملاحية: la Compagnie Universelle du Canal Maritime de Suez.
وجاء في مقدمة المرسوم الأول: وجه صديقنا المسيو فرديناند ديلسبس نظرنا إلى الفوائد التي تعود على مصر من وصل البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر بإنشاء طريق للملاحة صالح لمرور السفن الكبرى، وأبان لنا أن في الإمكان تأسيس شركة لهذا الغرض تؤلف من أصحاب رؤوس الأموال من شتى الأمم، وقد ارتضينا ما عرضه علينا ورخصنا له بموجب هذا ترخيصاً خاصاً في تأسيس وإدارة شركة عامة لشق برزخ السويس واستغلال قناة بين البحرين مع الإذن له في القيام بجميع الأعمال والمباني اللازمة لذلك أو أن يعهد بها إلى الغير، على أن تتكفل الشركة بتعويض الأفراد مقدماً إذا دعت الحال إلى نزع ملكيتهم للمنفعة العامة، كل ذلك في الحدود وطبقاً للشروط والالتزامات المبينة في المواد الآتية:
1.    يؤسس المسيو فرديناند ديلسبس شركة نعهد إليه بإدارتها تسمى الشركة العالمية لقناة السويس، تكون مهمتها القيام بشق برزخ السويس، واستغلال طريق صالح للملاحة الكبرى، وإنشاء وإعداد مدخلين كافيين أحدهما على البحر الأبيض المتوسط والآخر على البحر الأحمر وبناء مرفأ أو مرفأين.
2.    يعين مدير الشركة دائماً من قبل الحكومة ويختار ما أمكن من بين المساهمين الذين لهم أوثق الصلة بالمنشأة.
3.    مدة الامتياز تسع وتسعون سنة تبتدئ من التاريخ الذي تنفتح فيه قناة البحرين.
4.    تجرى الأعمال التي يقتضي إجرائها على نفقة الشركة وحدها، وتمنح بدون مقابل جميع ما يلزمها من الأراضي التي ليست ملكاً للأفراد، ولا تكون التحصينات التي ترى الحكومة القيام بها على نفقة الشركة.
5.    تجبي الحكومة سنوياً من الشركة 15% من صافي الأرباح المستخلصة من ميزانية الشركة وذلك فضلاً عن الفوائد والحصص الخاصة بالأسهم التي تحتفظ الحكومة بحق الاكتتاب فيها لدى إصدارها، وذلك دون أي ضمان من جانبها لتنفيذ الأعمال أو لقيام الشركة بمهمتها .. ويوزع الباقي من صافي الأرباح على الوجه التالي: 75 % للشركة، 10 % للأعضاء المؤسسين.
6.    يتم الاتفاق على تعريفات رسوم المرور بقناة السويس ما بين الشركة وخديو مصر ويجبى عمال الشركة هذه الرسوم وتكون التعريفات متساوية دائماً لجميع الأمم. ولا يجوز مطلقاً اشتراط امتياز خاص لإحدى الدول دون سواها.
وورد في آخر مواد المرسوم:
10.      عند انتهاء الالتزام تحل الحكومة المصرية محل الشركة، وتنتفع بكافة حقوقها دون تحفظ، وتستولي على قناة البحرين وجميع المنشآت التابعة لها وتؤول إليها ملكيتها الكاملة، ويحدد مقدار التعويض الذي يمنح إلى الشركة في مقابل تنازلها عن المهمات والأشياء المنقولة باتفاق ودي أو بطريق التحكيم.
11.      يعرض مدير الشركة علينا فيما بعد نظام الشركة، ويجب أن يحوز موافقتنا، ولابد من إذن منا مقدماً بأي تعديل يدخل عليه في المستقبل، ويجب أن يذكر نظام الشركة أسماء المؤسسين، على أن نحتفظ بحق اعتماد قائمتهم، ويراعى أن تتضمن هذه القائمة أسماء الأشخاص الذين سبق أن ساهموا في تنفيذ مشروع قناة السويس الكبير سواء بأعمالهم أو أبحاثهم أو بجهودهم أو أموالهم.
12.      وفي الختام نعد بطيب تعضيدنا الخاص وكذا جميع موظفي الحكومة المصرية لتسهيل تنفيذ واستغلال هذا الترخيص.
وكان الخديوي آنذاك تابعاً للسلطان العثماني وبرتبة نائب السلطان على مصر، ولم يكن من صلاحياته  عقد اتفاق كهذا، بل كان لا بد من موافقة السلطان في استانبول حتى يصبح لهذا الامتياز قوة القانون، ولذا سافر ديلسبس إلى القسطنطينية بعد حصوله على الامتياز بشهرين يلتمس تصديق السلطان عبد المجيد على عقد الامتياز، ولكنه لم ينجح في ذلك فقد عارضت بريطانيا المشروع معارضة شديدة، وادعت أنه غير مجد اقتصادياً وأن دخل القناة لن يغطي مصروف صيانتها فضلاً عن ربح لرأسمالها، وكان السلطان يتوجس خيفة من المشاريع الأجنبية وبخاصة من فرنسا، فعاد ديلسبس خالي الوفاض إلى مصر.
وكانت الحكومة البريطانية التي كان يرأسها بنجامين دزرائيلي قد أسفرت عن عدائها للمشروع المزمع، وذلك لأنه عز عليها أن تسبقها فرنسا إلى مثل هذه الفكرة، التي اعتبرتها تهديداً لمصالحها لأنها ستجعل فرنسا تتحكم في التجارة العابرة التي تمر بمصر، وكانت سياسة بريطانيا قائمة على أن تكون هي المسيطرة على حركة التجارة والأساطيل العسكرية، ورغم ذلك بقي ديلسبس يطلب ود بريطانيا، وكان حريصاً أشد الحرص على مساهمتها في القناة، فقد كان آنذاك صاحبة أكبر أسطول تجاري وعسكري، وكان حريصاً كذلك عى مشاركة غيرها من الدول الأوروبية ليضمن استعمال هذه الدول للقناة، وليجعل لشركته صبغة دولية تواجه بها مصر والدولة العثمانية وتتقوى بها عليهما في حالة الخلافات.
ورغم عدم حصوله على موافقة السلطان العثماني، استصدر ديلسبس من الخديوي سعيد باشا مرسوم عقد الامتياز الثاني مشروطاً لنفاذه بموافقة السلطان وإلى جانبه قانون الشركة الأساسي، وجاء مرسوم الامتياز الثاني كما أسلفنا مفصلاً ومبوباً، وتضمن زيادة على ما سبق تفاصيل فنية محددة حول مسار القناة ومحطاتها، وتفاصيل حول إدارتها المالية، وجعل فرديناند ديلسبس رئيساً لها لأول 10 سنوات، ولإنشاء حِمى للقناة منح المرسوم الشركة الأراضي المملوكة للحكومة بعرض كيلومترين على كل جانب منها، وأعطاها حق تملكها من الأهالي بسعر عادل، وأعفاها من الضرائب والرسوم الجمركية، وسمح لها بإنشاء محاجرها أو الاستفادة من المحاجر الحكومية، وألزم شركة القناة بحفر ترعة للماء العذب تربط النيل بالقناة الملاحية وتستخدم في أغراض الري والملاحة النهرية، وتتفرع قبيل وصولها إلى بحيرة التمساح إلى فرعين للري والتغذية، ويتجه أحدهما شمالا إلى الفرما والثاني جنوبا إلى السويس، وأن يتم المشروع خلال مدة لا تتجاوز 6 سنوات، وأن تقوم الشركة بدفع أجور عادلة لمن تستخدمهم، وتضمن إنشاء هيئة تحكيم تبت في النزاعات، كما نص على سلم تصاعدي لحصة الحكومة من العائدات إن هي قررت تمديد الامتياز لأكثر من 99 سنة.
وحلاً لأية إشكالات دستورية أو دبلوماسية، وتفادياً لإثارة غضب السلطان، أرفق الخديوي المرسوم السابق برسالة هذا نصها:
إلى صديقي المخلص الكريم المحتد الرفيع المقام
السيد فرديناند ديلسبس
بما أنه تلزم موافقة عظمة السلطان على الرخصة الممنوحة للشركة العامة لقناة السويس، فإني أبعث إليكم بهذه النسخة لحفظها لديكم، أما الأعمال الخاصة بحفر قناة السويس فلن يبدأ فيها إلا بعد الحصول على ترخيص الباب العالي.
الإسكندرية 26 ربيع الآخر 1271، 5 يناير 1856
محمد سعيد باشا والي مصر
وفي نفس اليوم أصدر الخديوي موافقته على نظام تأسيس الشركة العالمية لقناة السويس الملاحية، وأمر بضمه إلى مرسوم منح الامتياز للمسيو ديلسبس، وتألف نظام الشركة من 78 مادة، من أهمها أن مقرها الرسمي هو الإسكندرية على أن تكون باريس مقرها الإداري، وأن رأسمال الشركة 200 مليون فرنك موزعة على 400 ألف سهم تصدر سنداتها باللغة التركية والألمانية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية، ويتألف مجلس إدارتها من 32 عضواً يمثلون الجنسيات المختلفة صاحبة المصلحة في المشروع، وينبثق عنهم لجنة تدير الشركة، ومنح النظام المؤسسين نسبة 10% من الأرباح السنوية للشركة، ونسبة 3% لمدرائها، وخصص 2% من الدخل لبناء احتياطي طوارئ حده الأقصى 5 ملايين فرنك، وجعل النظام التحكيم أساساً لفض المنازعات، وجعل محكمة استئناف باريس المسؤولة عن النظر في الاعتراض أو الاستئناف لقرارات التحكيم.
وبسبب من معارضة بريطانيا السافرة، كان أغلب حملة الأسهم من الفرنسيين الذي اكتتبوا بنسبة 52% من أسهم الشركة، واكتتب الخديوي بنسبة 44%، أي المساهمين من غير مصر وفرنسا لم يكتتبوا إلا بنسبة 4%، ومع ذلك كان أعضاء أول مجلس إدارة ينتمون إلى 14 جنسية، وفي سنة 1275= 1858 أرسل ديلسبس قبل 4 شهور من الشروع في عمليات الحفر خطاباً إلى سعيد باشا أبلغه فيه بتأسيس الشركة، وأن سعيد باشا أصبح موضع التقدير العميق من رجالات السياسة في أوروبا بسبب رعايته للمشروع، ولم ينس أن يشير للسلطان العثماني فقال: إن سلطان تركيا هو رئيس العالم الإسلامي، وإن مشروع القناة يهدف إلى تقريب السلطان من مكة المكرمة التي هي أهم جزء في الإمبراطورية العثمانية لأنها أساس سلطته الروحية والدينية، وأشار إلى الصبغة الدولية للشركة التي تضم مساهمين ينتمون إلى دول عديدة.
وبدأ الحفر في القناة قرب دمياط في 22 رمضان سنة 1275=25/4/1859، وخطب ديلسبس في الحفل قائلاً: باسم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، وطبقًا لقرار مجلس إدارتها، نضرب أول معول في الأرض التي ستفتح أبواب الشرق لتجارة الغرب وحضارته، إننا نجتمع هنا تحدونا فكرة واحدة، هي فكرة الإخلاص لمساهمي الشركة ولصالح منشئها وراعيها العظيم محمد سعيد.
والتفت ديلسبس بعد ذلك إلى العمال المصريين قائلاً: سيضرب كل منكم بمعوله الأرض كما فعلنا نحن الآن، عليكم أن تذكروا أنكم لن تحفروا الأرض فقط، ولكن ستجلبون بعملكم الرخاء لعائلاتكم ولبلادكم الجميلة، يحيا أفندينا محمد سعيد باشا.
وسيق للعمل في المشروع عشرات الألوف من فلاحي مصر، بمعدل 20.000 فلاح كل 10 أشهر، وبأجور بخسة، ومات منهم ألوف ضحية الإنهاك والجوع والأمراض، وكان الحفر في البداية بالمعاول والمقاطف، ولكن جري فيما بعد استيراد الكراكات ذات المحركات البخارية وكانت هذه الآلات يقودها سائقوها الأوربيون تقوم بتجريف التراب من المناطق المغمورة لترميه على الشاطئ، وكانت أسرع وأقل تكلفة من الحفر بالأنفار، ولذلك قررت إدارة المشروع العدول عن الحفر الجاف وغمر المناطق المراد حفرها ثم تجريفها بعد ذلك.
وفي سنة 1277=1861 توفي السلطان العثماني عبد المجيد وخلفه السلطان عبد العزيز، وتوفي بعده بسنتين الخديوي محمد سعيد باشا، عن 42 سنة بعد مرض عضال، وذلك في الإسكندرية في 27 رجب سنة 1279= 18/1/1863، وذلك بعد قرابة 8 سنوات من إصداره الترخيص، وكان آخر أعماله أن استجاب لطلب الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث لمساعدة فرنسا في تدخلها في المكسيك فأرسل فرقة من الجيش المصري قاتلت هناك مع الجيش الفرنسي، وخَلَف محمدَ سعيد على عرش مصر ابنُ أخيه إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي باشا الكبير، وكانت بين السلطان عبد العزيز وبين الخديوي إسماعيل صداقةٌ شخصية، وتشابهٌ في الانبهار بالغرب والاندفاع وراء المظاهر والبهارج، وعادت هذه الصداقة بالوبال على تركيا ومصر، ودفع البلدان ثمنها غالياً.
وتسببت المعارضة البريطانية للمشروع في توقفه مرتين، ولارتباط الجهات التجارية والحكومية البريطانية بعقود امتياز مشابهة، لم يكن من المنطق أن تهاجم الصحف البريطانية مبدأ المشروع، فكانت تهاجمه لتضمنه إجبار الفلاحين المصريين على العمل فيه، واعتبرت نظامه نظام سخرة يعود بالبشرية إلى عهد العبيد، ونسيت أن بريطانيا استعملت السخرة حقاً أثناء مدها السكك الحديدية في مصر، وأن عشرات الألوف من الفلاحين ماتوا دون أي يدافع عنهم أحد، وتحت الضغط البريطاني الذي لم يتوقف أرسل الديوان السلطاني في سنة 1279=1863 رسالة يعترض على بدأ العمل دون تصديق السلطان العثماني على الامتياز، فأجابه الخديوي إسماعيل أن هذه أعمال ابتدائية ضرورية لتخطيط المشروع ولا تعتبر بدأ في العمل.
وأفلح الضغوط البريطانية المتزايدة في أن أصدر الباب العالي عدة قرارات، تمخضت بعد 17 اجتماعاً، وتضمنت ألا تمد الحكومة المصرية الشركة إلا بستة آلاف عامل بدلا من 20 ألف، ورفع أجر العامل إلى ضعف الأجر العادي في مصر، وإلغاء ما تضمنه الامتياز من تمليك الشركة للأراضي على جانبي القناة وغيرها، ولم يكن أمام حكومة الخديوي إسماعيل إلا أن تعلن أنها ستنفذ قرارات الباب العالي، وفي اليوم التالي اعتبرت الصحف البريطانية ذلك نصراً أحرزته الإنسانية في حربها على السخرة والاستعباد.
وكان تلك القرارات بمثابة حكم بالموت على الشركة التي كانت أصلاً تعاني من ضائقة مالية وحصار بريطاني محكم، فعارضتها معارضة شديدة واعتبرتها منافية للامتياز، وطلبت أن يبت في أمرها التحكيم المنصوص عليه في العقد، وطُرِح اسم الإمبراطور نابليون الثالث ليحكم في النزاع، وقبل به الخديوي إسماعيل ظنا منه أنه سيكون محايداً وينصفه ضد الشركة إزاء أمر حدث خارج عن إرادة إسماعيل معارضته، ولكن الإمبراطور اتخذ هذه الفرصة ليصدر حكماً جائراً يحكم فيه للشركة بملايين طائلة وفرت لها سيولة ما كانت تحلم بها ومكنتها من إتمام المشروع، وتابع الإمبراطور نابليون الثالث مساعيه مع السلطان العثماني عبد العزيز الذي أصدر فرماناً بالمصادقة على الامتياز في 2 ذي القعدة سنة 1282=1866.
و بعد 11 سنة من بدايته اكتمل العمل في القناة في جمادى الأولى سنة 1286، وبلغ طول القناة عند انتهائها 160 كيلومتراً، وكانت في بدايتها متواضعة لا يزيد عمقها على 8 أمتار وعرضها على 22 متراً، وبلغ أكبر عرض لها 58 متراً، وحمولة السفن العابرة لها لا تتجاوز 5000 طن، وجرت عليها عبر السنين عمليات توسيع وتعميق، حتى أصبح عمقها 24 متراً في سنة 2010، وصارت حمولة السفن التي تعبرها 240.000 طن، وهي بذلك أهم المعابر في العالم ،ومصدر دخل رئيس لمصر.
وجرى افتتاح القناة رسمياً في 12 شعبان سنة 1286=17/11/1869، وأقام الخديوي إسماعيل احتفالات دعي إليها ملوك أوروبا وعلى رأسهم الإمبراطورة يوجيني زوجة نابليون الثالث الذي كانت فرنسا قد عزلته قبل شهرين، وتكلف عليها الأموال الطائلة، وبنى من أجلها دار الأوبرا الخديوية في ستة أشهر، ودفع للموسيقار الإيطالي فيردي مبلغ 150.000 فرنك ذهبي في سبيل إخراج أوبرا عايدة، عدا ما تكلفته من ملابس وتأثيث وزينة استقدمها من باريس، ولكنها لم تصل في الوقت المناسب، فاستعيض عنها بأوبرا أخرى، وبلغ ما أنفقه إسماعيل على هذه المناسبة 16% من ميزانية مصر، وقد وصف الاحتفالات الخيالية والقناطير التي أنفقت عليها أمير الشعراء أحمد شوقي فقال:
نهضت مصر بالزمان نزيلاً ... وبأهليه يوم ذلك وفدا
خطروا بين زاخرين ولاقوا ... ثالثاً من نداك أحلى وأندى
بين فُلك يجري وآخر راسٍٍ ... ولواءٍ يحدو، وآخر يُحدى
وملوكٍ صِيد يُراح بهم في ... واسع الريف والصعيد ويُغدى
صُورٌ لم يكنَّ حقاً، وحلم ... فُجع الصبحُ فيه لما تبدى
وقناطير يجفِل الحصرُ عنها ... كل يوم تَعدُّها مصر عدَّا
ليت شعري؟ هل ضِعنَ في الماء، أم هل ... يضمر الماء للودائع ردا
ليعيدنَّها إلينا بوقت ... زمنٌ طالما أعاد وأبدى
وبمثل هذا الإسراف كان من الطبيعي أن تحل سنة 1875 وإسماعيل باشا غارق في أزمة مالية لم يسبق لها مثيل في تاريخ مصر، وهنا وافت بريطانيا الفرصة لتستدرك ما فاتها، فشجع بنجامين دزرائيلي رئيس الوزراء البريطاني الخديوي على بيع حصة مصر من الأسهم التي بلغ عددها 176.602 سهماً، فما أن قرر الخديوي البيع حتى أمر دزرائيلي بشرائها على الفور رغم معارضة البرلمان ومعه بنك إنجلترا المركزي، واقترض دزرائيلي لشرائها مبلغ 400.000 جنيه من أسرة روتشيلد ريثما يستطيع إقناع البرلمان بتخصيص مبلغ للشراء، وهو الأمر الذي حمده له فيما بعد الشعب البريطاني.
وأعتقد إسماعيل أنها صفقة رابحة، فقد باع السهم بمبلغ 568 فرنك بينما كان ثمنه لسنوات طويلة أقل من سعر الإصدار البالغ 500 فرنك، ولكن تبين أن السعر المنخفض للسهم كان بسبب الفتور البريطاني إزاء المشروع، فما أن أصبحت الأسهم في حوزة بريطانيا حتى بدأ سعرها في الارتفاع متصاعداً حتى وصل سعر السهم إلى 3600 فرنك في سنة 1900، ولم تكن تلك الخسارة الوحيدة لمصر بل كانت خسارتها كذلك في أنها لم تعد ممثلة في مجلس إدارة الشركة، والتي غدت ولسنوات طويلة أهم شركة اقتصادية في مصر.
وهنا نتوقف لنتحدث بإيجاز عن فرديناند ديلسبس الرجل الذي كان وراء المشروع والذي عمل من أجله بتصميم وإصرار حتى أخرجه إلى الواقع، ولد ديلسبس في فرنسا سنة 1805 لأسرة عريقة في السلك الدبلوماسي، ونشأ في إيطاليا حيث كان والده قنصلاً لفرنسا بها، والتحق هو كذلك بالسلك الدبلوماسي فعمل في لِشبونة وتونس، وانتهى به المطاف في سنة 1833 قنصلاً في القاهرة، وبقي في هذا المنصب حتى سنة 1837، وحيث كانت فرنسا على صداقة مع محمد علي باشا الكبير حاكم مصر، فإن قنصلها لقي ترحيباً فوق عادي في الفترة التي خدم فيها دولته في مصر، وصادق خلال هذه الفترة الأمير اليافع محمد سعيد بن محمد علي باشا، المولود سنة 1822، وبعد تركه مصر في سنة 1837 تنقل في مناصب دبلوماسية حتى سنة 1851 حين تقاعد على إثر خلاف مع الحكومة الفرنسية.
ولما تولى عرش مصر الأمير محمد سعيد في سنة 1854 اتصل به ديلسبس، وقد اختمرت فكرة المشروع في ذهنه، فدعاه الخديوي الجديد لزيارة مصر فقدمها، وبعد حوالي 3 أسابيع منحه الامتياز الأول، الذي كان بمثابة وثيقة يستطيع بها ديلسبس أن يتحدث عن مشروعه بثقة وقوة في المحافل المالية والهندسية، فشكل لجنة تضمنت مهندسين من دول أوروبية مختلفة درست المشروع وأكدت إمكانية تنفيذه وقدرت تكاليفه، وبعد تنفيذ القناة ونجاحها تحول إلى رجل يحلم ويخطط لمشاريع عملاقة بمقياس ذلك الزمان، منها مشروع لمد سكة حديدية بين أوروبا وبين الهند ومنها إلى الصين، ومنها شق قناة من البحر المتوسط إلى منخفض في الصحراء الجزائرية لتشكيل مسطح مائي تنتج عنه زيادة معدل الأمطار في داخل الجزائر، وفي سنة 1879 نجح في تأسيس شركة إنشاء قناة في خليج باناما تصل المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ، واستطاع توفير التأييد السياسي والتمويل المالي للمشروع، ولكن الشركة أعلنت إفلاسها في سنة 1888 بسبب العقبات الفنية وانتشار الملاريا والحمى الصفراء، ووافت المنية ديلسبس في سنة 1312=1894.
وفي سنة 1882 قام أحمد عرابي بحركته التي ثار فيها مع مجموعة من  الضباط على أوضاعهم السيئة داخل الجيش المصري، واتخذتها بريطانيا ذريعة لتبسط حمايتها على مصر وتحتلها، وكان الهدف الحقيقي لها هو أن تضع يدها على القناة كما وضعت يدها على أسهمها من قبل، وفي تخطيطه للدفاع إزاء الهجوم البريطاني الوشيك أراد عرابي ردم القناة لكيلا تستعملها القوات البريطانية الغازية، ولكن ديلسبس رئيس الشركة أقنعه بالعدول عن تلك الخطة، لأن القناة منشأة دولية لا يمكن المساس بها، ولذا فلن تستعملها جيوش بريطانيا في غزوها لمصر، ويبدو أن هذه المعلومة لم تكن وصلت بعد للقادة العسكريين البريطانيين، فعبرت سفنهم القناة، وأنزلوا قواتهم في بورسعيد والإسماعيلية، وكان أول هدف لهم تأمين منشآت ومعدات شركة القناة حتى لا تتوقف حركة الملاحة فيها، وأعلنت الحكومة البريطانية في بيان رسمي أن العملية العسكرية البريطانية تهدف إلى حماية الحركة الملاحية التجارية المعتمدِة على المرور في القناة.
وبعد أن كانت بريطانيا قلقة من وضع القناة، انقلب الأمر وانتقل القلق إلى فرنسا، فقد أصبحت القناة تحت السيطرة العسكرية البريطانية، ولذلك دعت فرنسا في سنة 1888 إلى مؤتمر دولي في استانبول لبحث أمور الملاحة في القناة، عرف بمؤتمر القسطنطينية، ودعيت إليه الدول البحرية: فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وروسيا والنمسا وألمانيا وهولندا وأسبانيا، وكانت الدولة العثمانية هي المضيف، وتمخض المؤتمر عن معاهدة القسطنطينية التي نصت في مادتها الأولى: تظل قناة السويس البحرية بصفة دائمة حرة ومفتوحة في زمن السلم كما في زمن الحرب لجميع السفن التجارية والحربية بدون تمييز بين جنسياتها. وبناء على ذلك فقد اتفقت الدول العظمى المتعاقدة على عدم إلحاق أي مساس بحرِّية استعمال القناة سواء في زمن السلم أو في زمن الحرب. ولن تكون القناة خاضعة مطلقا لاستعمال حق الحصار البحري.
وكان ذلك في الحقيقة سلخاً للسيادة المصرية عن منطقة تقع بكاملها ضمن الأراضي والمياه الإقليمية المصرية، وتحويل القناة إلى معبر مائي في أعالي البحار لا سلطان لأحد عليه، ولمصلحتها الذاتية لم يفت بريطانيا أن تضع نصاً غائماً في المادة العاشرة من المعاهدة يسمح بالتدابير التي: قد يرى عظمة السلطان وسمو الخديو اتخاذها باسم صاحب الجلالة الإمبراطورية ليضمنا، بواسطة قواتهما وفي حدود الفرمانات الممنوحة، الدفاع عن مصر وصيانة الأمن العام.
ويتعجب الأستاذ الباحث أيمن زغلول، الذي أفدت كثيراً من بحثه النقدي الرصين، أن يأتي هذا من بريطانيا وليس من حكومة السلطان العثماني عبد العزيز التي يعيب عليها تفريطها في حقوق مصر وهي صاحبة الحق السيادي عليها، ويقول: أصرت بريطانيا على نص المادة العاشرة من الاتفاقية، والذي يفرغ المادة الأولى من محتواها في حالات الدفاع عن مصر، بحيث أصبح من حق مصر منع الدول المعادية من استعمال القناة رغم الصياغة الغائمة، وكان هذا هو أساس رفض مصر مرور جميع السفن الإسرائيلية أو المتجهة إلى إسرائيل في القناة عقب حرب 1948، ولولا وقوف إنجلترا موقفا صلبا في ذلك المؤتمر بأن أضافت نص المادة العاشرة لانسلخت القناة بالفعل وأصبحت مياها دولية تماما كأعالي البحار.
وسيظهر المستقبل مرات أن هذه المواد حجة على الضعيف، ولا يأبه بها القوي الذي يفعل ما يناسب مصالحه، فحينما قامت الحرب بين روسيا وبين اليابان في سنة 1904، وكانت بريطانيا تميل فيها إلى جانب اليابان، لم تسمح بريطانيا للأسطول الروسي بعبور قناة السويس ليتجه إلى حرب اليابان في الشرق الأقصى، واضطر أن يسير إلى الصين بالطواف حول أفريقيا ورأس الرجاء الصالح، ولكن بريطانيا لم تغلقها أمام الأسطول الإيطالي الذي توجهت سفنه في سنة 1936 للاعتداء على الحبشة واحتلالها بوسائل عنيفة وحشية شملت العقوبات الجماعية والغارات الجوية بالغازات السامة، رغم كونه الحبشة وبريطانيا وإيطاليا أعضاء مؤسسين في عصبة الأمم التي تمنع مواثيقها البغي والعدوان.
ومن الناحية التجارية لقيت القناة نجاحاً فورياً فور افتتاحها، وبحلول سنة 1889 كانت حركة السفن في القناة قد تضاعفت عما كانت عليه سنة 1881، ثم تضاعفت مرة أخرى بحلول سنة 1911، وكانت البضائع البريطانية تمثل 80% من مجموع البضائع المارة بالقناة، ولذا أوعز البريطانيون في سنة 1909 إلى بطرس غالي باشا رئيس وزراء الحكومة المصرية آنذاك أن يقترح تمديد الامتياز الذي كان سينتهي في 17 نوفمبر 1968، لمدة 40 سنة أخرى تنتهي عام 2008، وذلك مقابل مبلغ يقرب من 11 مليون فرنك وعرضاً يتضمن تقاسم الربح الذي يزيد على 50 مليون فرنك مناصفة بين الشركة وبين الحكومة المصرية، وتصدت لهذا الاقتراح الحركة الوطنية المصرية بقيادة محمد فريد، وقام شاب قبطي يدعى إبراهيم الورداني باغتيال رئيس الوزراء بطرس غالي، وألّف الاقتصادي المصري طلعت حرب كتاباً عن قناة السويس، وضع النقاط على الحروف وبين ما خسرته مصر في الماضي ببيعها الأسهم، وما ستخسره إن هي مددت الامتياز، وبعد ذلك رفض مجلس النواب المصري التمديد وبقي الامتياز على حاله.
وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى في سنة 1914 سارعت بريطانيا في فرض الحماية البريطانية على مصر، رغم كونها جزءا من الإمبراطورية العثمانية التي كانت حليفة ألمانيا في حربها ضد الحلفاء بقيادة بريطانيا، وبعد أن ضمنت بريطانيا سيطرتها على القناة استعملت حق الخديو الذي ورد في المادة العاشرة من الاتفاقية ومنعت سفن ألمانيا التجارية والعسكرية من المرور في القناة، بينما كانت سفنها تعبر القناة جيئة وذهاباً بالرجال والأسلحة والذخيرة، وبعد انتهاء الحرب أصدرت بريطانيا تصريح 28 فبراير عام 1922 والذي اعترفت فيه باستقلال مصر، مع تحفظات أربع يتعلق واحد منها بسلامة قناة السويس، وفي الحرب العالمية الثانية كررت بريطانيا منعها لسفن أعدائها من عبور القناة.
وبقيت مصر على هامش إدارة القناة، وبقي حديث القناة خافتاً في مطالب الحركة الوطنية حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية وتصاعد وتيرة المطالبة المصرية بالاستقلال وبالاستفادة من القناة، فجرت مفاوضات ومباحثات قامت بها مع الشركة وزارة التجارة والصناعة المصرية وتمخضت في  سنة 1368=1949 عن اتفاق تضمن إدخال مصر في مجلس إدارة الشركة، وخصص لها 7% من الدخل، ووافقت الشركة على أن تخصص للمصريين 90% مما تستجد من الوظائف المكتبية و80% من الوظائف الفنية، ووعدت الشركة أنها ستقوم ببناء المستشفيات والمدارس وغيرها من المرافق في محيط القناة.
وبعد الاتفاق بأيام كتب الأستاذ البحاثة السفير أحمد رمزي مقالة عن قناة السويس في مجلة الرسالة جاء فيها: إننا في حاجة إلى عدة مشاريع إنشائية: أهمها توسيع الموانئ المصرية في بور سعيد والسويس، وإنشاء مناطق حرة متسعة، وفي وضع شبكة من المواصلات البرية السهلة من الشرق إلى القناة ومن الغرب إليها، وفي حاجة لسياسة عامة للخطوط الحديدية حول القناة، ثم في حاجة إلى عدد من المطارات الكبرى والمحطات المائية التي تسمح بهبوط أي نوع كبير من الطائرات فيها، وإن تطور مصر سيفرض نشر العمران في سيناء، ومصلحة القناة تحتم إنشاء منطقة صناعية كبرى في المثلث الذي تشغله المعسكرات البريطانية: لأن توسيع الصناعات الكبرى يفرض من المبدأ أن تكون على الطرق المائية، هذه نظرة لمستقبل القناة في السنوات القادمة إذا أخذنا بها نقول: أن مصر قد انتقلت من الزمن الذي كانت معدة فيه لخدمة القناة، ودخلت العهد الجديد الذي يضع القناة في خدمة مصر.
وفي 17 ذي الحجة سنة 1375=26/ 7/1956 أعلن الرئيس جمال عبد الناصر أثناء خطاب شعبي له أن حكومة مصر قد قررت تأميم القناة، ولقي القرار صدى شعبياً واسعاً في مصر والعالم العربي والإسلامي بل وعلى صعيد دول العالم الثالث، وجاء قرار تأميم القناة رداً على رفض أمريكا، وبريطانيا من ورائها، تمويل إنشاء السد العالي في أسوان، فقد كانت الدولتان غير راضيتين عن علاقات عبد الناصر المتنامية مع المعسكر الشرقي والاتحاد السوفيتي، وقدر عبد الناصر أن رسوم القناة تكفي في خمس سنوات لسداد تكاليف السد العالي، ورداً على التأميم قامت الدولتان بتجميد أموال الحكومة المصرية لديها وانضمت لهما الحكومة الأمريكية، وللذكرى كان للحكومة المصرية دين قدره 135 مليون جنيه على الحكومة البريطانية!
وأعلن عبد الناصر التأميم في طريقة استعراضية فيها كثير من التحدي للمعسكر الغربي، ولقي بسببها من التأييد الجماهيري ما جعله في أوج شعبيته، حتى خشيت فرنسا وبريطانيا أن يتجرأ على إغلاق القناة ويمنع شحنات النفط العابرة من الخليج إلى أوروبا، فاتفقت الدولتان على شن هجوم عسكري تستوليان فيه على القناة، وكان لكل منها سبب إضافي في الهجوم على مصر، فقد كانت حكومتها تدعم بالسلاح ثوار الجزائر المناضلين لإنهاء الاحتلال الفرنسي، وكانت فرنسا من قريب قد اعترضت الباخرة المصرية عايدة وصادرتها بعد أن وجدتها تحمل أسلحة إلى الثوار الجزائريين، وكانت بريطانيا قبل قرابة سنتين قد أخلت قواعدها العسكرية في القناة بسبب المقاومة الشعبية المسلحة ضدها، فوجدت ذلك فرصة للعودة والسيطرة على القناة، وتحالفت الدولتان مع إسرائيل التي كانت سفنها ممنوعة من المرور في القناة، وكانت كذلك تعاني من حصار بحري فرضه عبد الناصر على مضائق تيران في مدخل خليج العقبة، ومن إزعاج  غارات الفدائيين الفلسطينيين التي انطلقت من قطاع غزة بعلم ودعم من إدارته المصرية.
وبدأت إسرائيل العدوان في 24 صفر 1376= 29/10/1956 واستولى مظليوها على مضائق المطلة في سيناء، فأمنوا الطريق لقواتها المدرعة التي وصلت بسهولة إلى ضفاف قناة السويس بعد أن أخلى الجيش المصري سيناء، ووفقاً للخطة المبيتة قامت بريطانيا وفرنسا بتوجيه إنذار لمصر وإسرائيل بالانسحاب من ضفاف القناة، وإلا فستتدخلان لتنفيذ قرار وقف إطلاق النار الذي أصدرته الأمم المتحدة، وخلال أسبوع قامت الدولتان بإنزال بحري ومظلي في بور سعيد وبور توفيق وبدأتا في احتلال منطقة القناة، وقام الجيش المصري بإغلاق القناة وذلك بإغراق بعض السفن فيها.
وكانت حسابات دول العدوان الثلاثي خاطئة، فقد وقف الرأي العام في مصر وراء عبد الناصر رغم اتضاح طبيعة حكمه الدكتاتوري، وأججت الحرب المشاعر الشعبية في العالمين العربي والإسلامي والتي عبرت عنها المظاهرات العارمة في كل هذه البلاد، وعارض الغزو حزبا العمل والأحرار في بريطانيا، ولكن الرأي العام فيها أيده تأييداً قويا.
وجرت هذه الأحداث متواكبة مع أحداث أوروبية صبت في صالح عبد الناصر والقضية المصرية، فقد كانت هنغاريا تمر بثورة حقيقية على السيطرة الشيوعية، وكان زعيمها ناجي إمري قد أعلن بعد يومين من الغزو الأنجلوفرنسي انسحاب هنغاريا من حلف وارسو، وكانت الاهتمام الأمريكي مركزاً على كيفية دعم الرئيس إمري، وكانت أمريكا على علم بالتدخل الوشيك للدبابات السوفياتية لإسقاطه وإعادة بلغاريا إلى الربقة السوفياتية، واستاءت الدبلوماسية الأمريكية استياء كبيراً لكونها لم تستشر في الهجوم، وإن كانت مخابراتها قد علمت به، وطلب الرئيس الأمريكي إيزنهاور، وكان صاحب عقل وضمير، من المعتدين الانسحاب، فلم يملكوا إلا الانصياع.
وقدمت المواجهة بين عبد الناصر وبين دول العدوان الثلاثي فرصة ذهبية لحكومة الرئيس نيكيتا خروشوف في الاتحاد السوفياتي التي لم تمض سنة على صعودها للحكم، لتظهر حزمها وتفرض مصالحها، وبخاصة بعد قمعها الثورة الديمقراطية في المجر، وحسمت الأمور عندما قام نيقولاي بولغانين رئيس الوزراء السوفياتي في بتهديد المعتدين بتدخل سوفياتي حتى بالأسلحة الذرية إن اقتضى الأمر.
وبعد شهرين من الغزو انسحبت بريطانيا وفرنسا تحت إشراف الأمم المتحدة، وبعد 5 أشهر انسحبت إسرائيل بعد أن انتزعت من عبد الناصر رفع حصاره لمضائق تيران وكذلك حق المرور في القناة للسفن غير الإسرائيلية التي تقصد ميناء إيلات، ورابطت من يومها قوات الأمم المتحدة على حدود الهدنة بين مصر وإسرائيل.
ويرى الأستاذ أيمن زغلول أن قرار التأميم لم يكن في مصلحة مصر، فقد كان امتياز شركة القناة سينتهي في 17/3/ 1968 أي بعد أقل من 12 سنة ، ولم ينتبه كثيرون في الشارع العربي أن قانون التأميم تضمن أيضاً تعويض المساهمين في الشركة العالمية لقناة السويس بقيمة السهم في بورصة باريس في اليوم السابق للتأميم، وتضمن كذلك مواداً غير دستورية أو غير قابلة للتطبيق، إذ كانت شركة قناة السويس العالمية تمتلك أصولا وأموالا ليس فقط في داخل مصر ولكن في خارجها، فقد كانت تمارس أنشطة متعددة في أوروبا لا علاقة لها بالقناة، منها على سبيل المثال توليد الكهرباء في محطات بفرنسا، ولا تزال الشركة قائمة إلى اليوم تحت اسم شركة GDF SUEZ وتعد من كبريات الشركات العالمية في توليد الكهرباء وتوزيعها.
ودارت مفاوضات بين حكومة عبد الناصر وبين هيئة المنتفعين من قناة السويس أحيطت بكثير من الكتمان، وجرت في جنيف وفرنسا وبريطانيا، وانتهت بتنازل مصر عن الأصول المملوكة لشركة القناة والواقعة خارج مصر، وفى النهاية تم الاتفاق على أن تدفع مصر للمساهمين مبلغ 23 مليون جنيه مصري على ستة أقساط تبدأ في يناير 1959 وتنتهي في يناير 1964، وهو مبلغ هائل من المال بمعايير ذلك الوقت، ويكفى أن نعلم أن التمويل الأمريكي البريطاني لمشروع السد العالي والذي بسببه وقع التأميم كان يبلغ 70 مليون دولار أمريكي أي 24.4 مليون جنيه مصري بأسعار ذلك الزمان، وهو تقريبا نفس القدر الذي دفعته مصر تعويضا لحملة الأسهم، على أن مصر قد تحملت، إضافة إلى الخسائر البشرية، تكاليف تدمير جيشها بالكامل ومدينة بورسعيد وبعض منشآت البنية التحتية في الحرب، ولم تتقاض عن خسائرها في تلك الحرب التي لم تشنها أية تعويضات.
ويشير الأستاذ زغلول إلى الصين الشعبية التي لا تستطيع أي قوة على الأرض أن تناصبها العداء المفتوح بسبب كثافتها السكانية الهائلة وتعدادها الكبير وقدرتها على ممارسة حرب الاستنزاف لسنين طويلة، وأنها لم تسترجع هونج كونج بطريق القوة بل استرجعتها بالتفاوض السلمي في عام 1986،  والذي نتجت عنه اتفاقية الجلاء البريطاني عن هونج كونج بعد ذلك بأحد عشر عاما في عام 1997 بلا حروب وبلا خسائر من أي نوع.
وإذا عدنا إلى التاريخ فسنجد أن قناة السويس الحالية ليست هي أول مرة يتم فيها إنشاء معبر مائي يصل  بين البحر الأبيض وبين البحر الأحمر، فقد سبق إليها الأقدمون من حكام مصر فوصلوا النيل بالبحر الأحمر، ويبدو أن أول قناة حفرت في سنة 1850 قبل الميلاد، وفي العهد الإسلامي قام عمرو بن العاص رضي الله عنه أثناء ولايته على مصر بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحفر قناة سميت خليج أمير المؤمنين، وصلت بين النيل في القاهرة وبين البحر الأحمر، وكان ذلك في عام المجاعة لتسهيل نقل الطعام من مصر إلى الحجاز بحراً، وما لبثت القناة أن سدها الطمي المحمول في النيل والذي تراكم فيها سنة بعد أخرى، وفكر في إعادتها من جديد الخليفة العباسي هارون الرشيد ولكنه عدل عن ذلك خشية أن يسهل لسفن الروم دخول البحر الأحمر والاعتداء على الحجاز.
وكانت مصر في القرنين السابع والثامن الهجريين معبر التجارة الدولية من الهند والصين إلى أوروبا، وكانت أساطيل جمهوريتي البندقية وجنوا الإيطاليتين أنشط الأساطيل التجارية في البحر المتوسط، وقد ساورت فكرة إنشاء قناة تصل البحر الأبيض بالبحر الأحمر عدداً من أهل البندقية، ولما جاء احتلال نابليون لمصر في سنوات 1798-1801، كان علم المساحة قد تقدم بدرجة كافية لدراسة الموضوع دراسة علمية رصينة، فقام مساحوه بدراسة الأمر، ولكن حساباتهم الخاطئة أوصلتهم إلى أن البحر الأحمر أعلى من البحر الأبيض بحوالي 11 متراً، ولذا فإن حفر قناة طبيعية غير ممكن لأنها ستغرق دلتا النيل، ولا بد من إنشاء أحواض تملأ بالماء وتفرغ منه وتنتقل فيها السفن من ارتفاع  لآخر، ولكن أعمال المساحة التي أجريت من جديد في سنة 1834 وسنة 1846 أظهرت أن المستوى واحد بين البحرين.
 وكانت مصر، ومعها حلب ودمشق، قد تضررت باكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح إلى الهند، فقد تسبب في خسارتها للتجارة العابرة التي كانت تدر الخيرات عليها، فلما شُقَّت القناة عادت لمصر أهميتها وزيادة، ولحق الشام زيادة ضرر بسبب تحول جزء كبير من حجاج تركيا للطريق البحري، ومن ناحية أخرى وكما رأينا تسببت القناة والضعف الوطني في أن  تعرضت مصر في كل حرب عالمية لهجوم يهدف إلى السيطرة على هذا المعبر المائي الهام، ففي الحرب العالمية الأولى تعرضت القناة مباشرة في سنتي 1915-1916 لهجوم من جانب الجيش التركي، ومن ضفتها الشرقية بدأ البريطانيون هجومهم المضاد الذي اقتحم سيناء وفلسطين وسوريا ولبنان وانتهى عند جبال طوروس سنة 1918، وفي الحرب العالمية الثانية وقعت أعنف المعارك في العلمين من الصحراء الغربية ولكن عيون المتحاربين كانت على القناة لا تبرحها، وكانت قوات الجيش التاسع البريطاني منتشرة على طول ضفتها الشرقية تحسباً لوصول قوات المحور إلى قناة السويس، ولا عجب في ذلك فالذي يسيطر على القناة آنذاك كان يسيطر على مفصل هام من مفاصل الحرب، ويفرض على خصمه ما شاء من القرارات التي يتوقف عليها مصير الحرب.
ولذا اعتقد كثير من المصريين أن القناة ساهمت في جعل مصر محط أنظار المستعمر، وجعلتها تدفع ثمن القناة أضعافاً مضاعفة؛ في حفرها بيد أبنائها، والحروب التي تعرضت لها، ثم بالاستعمار الذي جثم على صدور أبنائها، ولهذا قال أحمد شوقي في قصيدته المطولة: كبار الحوادث في وادي النيل:
واذكر العادل الكريم سعيداً ... إن قوماً انتَمَوا له سعداءُ
عربيٌ زمانهُ عُمريٌّ ... عهدُه فيه رحمة ووفاء
جمع الزاخرِين كُرهاً فلا كانا ولا كان ذلك الالتقاء
أحمرٌ عند أبيض للبرايا ... حصةُ القطر منهما سوداء
ونختم بحديث أمير الشعراء أحمد شوقي عن القناة في كتابه المنثور أسواق الذهب، وهو يبث ولديه أفكاره وهو يعبر قناة السويس على متن سفينته منفياً إلى الأندلس، وهو يرى فيها الحشود العسكرية البريطانية من سفن وغواصات وطائرات تتأهب للحرب العالمية الأولى:
يا بنيًّ! القناة لقومكما فيها حياة، ذِكرى إسماعيل ورَيَّاه، وعُليْا مكارم مَفاخر دنياه، دولة الشرق المُرجّاة، وسلطانه الواسع الجَاه، طريق التجارة، والوسيلة والمنارة، ومَشرعَ الحضارة.
تَعبُرانِها اليوم على مُزجاة، كأنها فُلكُ النجاة، خرجت بنا بين طوفان الحوادث، وطغيان الكوارث، تُفارِقُ براً، مُغتصبه مُضريُّ الغضبة، قد أخذ الأُهبة، واستجمع كالأسد للوثبة، وتلاقي بحراً جُنًّت جواريه، وَنَزَت بالشر نوازيه، وتمثلت بكل سبيل عواديه، مملوءاً ببَغَتات الماء، مترعاً بفُجاءات السماء، من نون يَنسفُ الدوارع، أو طيرٍ يقذف البيض مَصَارع، فقلتُ : سيري .. يا ابنة اليّمِ، زمامكِ الروح، وربّانكِ نوح، فكم عليكِ من منكوبٍ ومجروح.
إن للنفي لروعة، إن للنأي لَلوعة، وقد جَرت أحكام القضاء، بأن نعبر هذا الماء، حين الشر مُضطرم، واليأس مُحتدم، والعدو منتقم، والخصم مُحتكم، وحين الشامت جَذلان مبتسم، يهزأ بالدمع وإن لم ينسجم، نَفَانا حكّامٌ عُجم، أعوانُ العدوان والظلم، خلّفناهم يفرحون بذهب اللُجم، ويمرحون في أرسان يسمونها الحكم، ضربونا بسيفٍ لم يطبعوه، ولم يملكوا أن يرفعوه أو يضعوه، سامحهم في حقوق الأفراد، وسامحوه في حقوق البلاد، وما ذنب السيفِ إذا لم يستحي الجلّاد؟!
ثم يقول شوقي رحمه الله: تلك التنائف، من تاريخكم صحائف، وهذه القفار، كُتبٌ منه وأسفار، وهذا المجاز هو حقيقة السيادة، أو وثيقة الشقاء أو السعادة، من اغتصبه اختص بالغلبة، ووقف للأعقاب عَقَبة، ولو سكتُّ لنطقت العِبَر، وأين العيان وأين الخبر، انظرا: تريا على العَابرين عبرة الأيام؛ حصونٌ وخيام، جنودٌ قُعود وقيام، جيشٌ غيرُنا فرسانُه وقوّاده، ونحنُ بُعرانه وعلينا أزواده، ديكٌ على غير جداره، خَلاَ له الجو فصاح، وكلب في غير داره، انفرد وراء الدار بالنباح.

القناة وما أدراكما ما القناة؟ حظ البلاد الأغبر من التقاء الأبيض والأحمر، بيد أنها أحلام الأُول، وأماني الممالك والدول، الفراعنةُ حاولوها، والبطالسة زاولوها، والقياصرة تناولوها، والعرب لأمر ما تجاهلوها، إلى أن جرى القدر بغايته، وأتى إسماعيل بآيته، فانفتح البرزخ بعنايته، والتقى البحران تحت رايته، في جمع من التيجان لم يشهده إكليله، قد كان يُتوّج فيه لو شهدته جيوشه وأساطيله، وما إسماعيل إلا قيصر، لو أنه وُفِّق، والإسكندر لو لم يخفق، ترك لكم عز الغد، وكنز الأبد، والمَنْجم الأحد، والوقف الذي إن فات الوالد فلن يفوت الولد.

السبت، 30 يناير 2016

حدث في التاسع عشر من ربيع الآخر



في التاسع عشر من ربيع الآخر من عام 1012، الموافق 26 أيلول/سبتمبر 1603، بدأ الشاه عباس الأول الصفوي حربه على الدولة العثمانية في غرب وشمالي غرب إيران لاسترجاع البلاد التي كان قد تنازل لها عنها للسلطان مراد الثالث قبل حوالي 20 سنة؛ في سنة 933=1585.
وسبب هذه الحرب يعود إلى أن السلطان العثماني مراد الثالث، الذي تولى العرش سنة 982=1574، كان قد استغل الفوضى التي دبت بين خلفاء شاه طهماسب عقب موته في سنة 984=1576 وشن حرباً على فارس استولى فيها على أذربيجان، وكانت تعرف باسم شيروان كذلك، وعلى جورجيا ونهاوند وهمذان، ليصل بالإمبراطورية العثمانية إلى أوسع حدودها.
والفوضى التي نشير إليها هي أنه لما توفي الشاه طهماسب سنة 984=1576، تولى بعده ابنه حيدر، وقُتِل بعد بضع ساعات قبل دفن أبيه ودفنا معا، ثم تولى بعده أخوه إسماعيل بن طهماسب، وكان له ميل إلى التسنن، وكان يجمع علماء السنة مع علماء الشيعة، وينصر السنة، فتوفي بعد حوالي سنة مسموما في أواخر سنة 985، وخلفه أخوه محمد خُدابند وكان مكفوف البصر فسيطرت زوجته على أموره، واستقوت عليه قبائل القزلباش، وصارت البلاد في حالة مزرية من الفوضى والانقسام.
وانتهز السلطان مراد الثالث هذه الفرصة وأرسل الجيوش لمحاربة إيران والاستيلاء على أراضيها، وجعل مربيه لالا مصطفى باشا قائدا لها، فسار بجيوشه في أواخر سنة 1577 إلى إقليمي الكرج وشيروان، جورجيا وأذربيجان اليوم، وكانتا تتبعان الشاه، فاحتل مدينة تبليسي عاصمة الكرج بعد أن هزم جيشاً أرسله الشاه يقوده القائد دقماق، وذلك في معركة حصن جلدر في منتصف سنة 986= 1578، وقسمها إلى أربعة مناطق وعين أمراء لها تابعين للدولة العثمانية، ثم عاد بجيوشه إلى مدينة طرابزون لتمضية فصل الشتاء الذي لا يمكن استمرار القتال في غضونه لشدة البرد وتراكم الثلوج في هذه الأصقاع.
ورد الفرس على هذا الاحتلال بحشد جيوشهم بقيادة ولي العهد الأمير حمزة ميرزا، وهاجموا أذربيجان فاضطر حاكمها عثمان باشا إلى إخلاء مدينة شيروان والانسحاب شمالا إلى مدينة دربند، وسار الفرس لحصار مدينة تبليسي ولكن حاميتها دافعت عنها حتى أتى إليها المدد ورفع عنها الحصار عنوة سنة 1579.
وفي سنة 991=1583 سار عثمان باشا والي إقليم شيروان ليفتح بلاد الداغستان في الشمال على شاطئ بحر الخزر، المعروف اليوم ببحر قزوين، وسار منها براً عبر جبال القوقاز إلى بلاد القِرِم فسهول روسيا الجنوبية، وكان يريد عزل خان القرم محمد كراي عقابا له على امتناعه عن إرسال جنوده مدداً إلى الدولة العثمانية في الحرب السابقة، فوصل إليها في أسوأ حال بسبب وعورة الطريق ومناوشة الروس له، وبدلاً من أن يحاصر هو مدينة كافا عاصمة الخان، كان محمد كراي في انتظاره مع جيش عظيم من فرسان القوزاق، وحاصر عثمان باشا وجيشه، وكاد أن يهزمه ويبدد جيشه، لولا أن انقلب عليه أخوه إسلام كراي الذي استمالته الدولة العثمانية ووعدته بالإمارة، فخان أخاه ودس إليه من قتله في سنة 1584.
وعاد عثمان باشا إلى استانبول وسط مظاهر الابتهاج والتكريم، وعينه السلطان في منصب الصدر الأعظم، وقام عثمان باشا بإعداد جيش عرمرم من 260.000 جندي، وسار إلى أذربيجان فاحتلها دون كثير مقاومة، ثم اتجه جنوباً إلى تبريز عاصمة الشاه فدخلها في أواخر رمضان سنة 993= 1585بعد أن هزم ابن الشاه الأكبر حمزة ميرزا، وكانت هذه رابع مرة يدخل فيها العثمانيون تبريز، فقد سبق لهم انتزاعها من الشاه طهماسب في أيام السلطان سليم الأول في سنة 920=1514 الذي ما لبث أن أخلاها بسبب القحط وغلاء الطعام والأعلاف، ولكنه ساق معه إلى استانبول أكابر بلاد العجم وفضلائها وأماثلها وعظمائها، على ما كانت عليه طريقة الدولة العثمانية، ثم عاد السلطان سليمان القانوني فانتزعها من طهماسب ثانية في سنة 941=1534 وجعل عليها أميراً أذربيجانيا، ثم دخلها مرة ثالثة في سنة 955= 1548.
وسلك الوزير عثمان باشا في فتحه تبريز مسلكاً مشيناً دمر فيه مقومات البلد الاقتصادية والسكانية واكتسب به عداوة سكانها وكراهيتهم للعثمانيين، فقد أنهبها جنوده فعادت قاعاً صفصفاً، قال المحبي في خلاصة الأثر ناقلاً عن جده الذي كان مع الجيش العثماني وكتب كتاباً عن رحلته التبريزية: وفي الحقيقة هي من أحسن البلاد الأنيقة، ومعدودة كما هو معلوم من الأماكن الرشيقة، لكن تعرضت لها أيدي الحدثان وكان مقدراً عليها أن تصاب بهذا المصاب في هذا الأوان ... فلما دخل العسكر أُغمِضت عنهم العين فنهبوا ذلك جميعه، واسترقوا أولادهم وعيالهم، وأخذوا أرزاقهم وأموالهم، بحيث لم يتركوا من ذلك شيئاً أصلاً، وتتبعوا البيوت باباً باباً وفصلاً فصلاً، حتى أخذوا الأخشاب وجعلوها أحطابا، ولم يبقوا في المساكن طاقات ولا أبوابا، وكثيراً ما شاهدتُ أماكن ذات أبواب محكمة الصناعة، وآلات حازت من اللطف أنواعه، من عمل الصُّناع العوال، والأساتذة التي ليس لأساتذة بلادنا عندهم مجال، قد كسرت أبوابها فعادت مبنية على الفتح، وهدمت جدرانها من الأساس إلى السطح، فأضحت على عروشها خاوية، بعد أن كانت لأنواع النقوش والزخاريف حاوية، ولم يوجد فيها مكان إلا تهدم، ولم يبق من أكثرها كما قيل إلا دمنة لم تَكَلم!
ثم بعد أن أعطى الوزير لأهل تبريز الأمان، ورجع بعضهم إلى المنازل والأوطان، وفتحت بعض الدكاكين والحمامات، وأضحت مأنوسة بأهلها بعض المحلات، اتفق في ذلك الأثناء أن قُتِل في بعض الحمامات بعضُ أشخاص من العسكر، ونقل إلى الوزير أن جماعة من القزلباش مختفين بالمدينة باتفاق من أهلها فغضب من ذلك وتأثر، وأقسم أنه ينتقم من أهالي تبريز غاية الانتقام، وأمر فيهم حيث وجدوا بالقتل العام، واستوعبهم بالقتل واستأصل، وصار حالهم كما قيل
فما زالت القتلى تمج دماءها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
 
وقُتِلُ عند ذلك آمِنُهم، وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، بل هي أصبحت مضمحلة لا ترى، ولم يذروا منها عيناً ولا أثرا، بحيث لم يبق منها إلا بعض المواضع، ولم يتركوا منها إلا الثلاث الأثافي والديار البلاقع، ولم يبق من أهلها إلا من كان طفلا، أو صارخة تصرخ صراخ الثكلى، وكان بقي لهم من رزقهم بعض باق، فنهب العسكر ذلك الباقي، ولم يتركوا لهم شيئاً يأكلونه فكادت أرواحهم من الجوع ترقى إلى التراقي، وصار حالهم إلى أسوأ الأحوال، وناهيك بالجرح على قرب الاندمال، وقد نُقل أنه قتل في جملة أولئك جمع من الأشراف الأفاضل، وجماعة من العلماء الأكامل، وكان ذلك فعلاً صادراً من غير رأي صائب، وأمراً يمجه الطبع ويحكم العقل بأنه أمر محذور العواقب، وكان الكف عن هذا الفعل أولى وأحرى، وإن صدر من بعض مجهولٍ جُرم فلا تزر وازرة وزر أخرى.
وفي سنة 995 أرسل السلطان فرهاد باشا فاستولى الوزير على لورِستان وهمذان ومناطق في أذربيجان وجورجيا، وظن العثمانيون أن الأمور قد استتبت لهم فيما فتحوه من مناطق.
وانتهز الأزبكيون الفرصة فجاءوا من الشمال الشرقي في سنة 995= 1587 وقد أعدوا لغزو كبير يستولون فيه على خراسان، فقام عباس ابن الشاه خدابند،  بخلع أبيه وتولى الحكم وهو في السابعة عشرة من عمره، وجرى ذلك بتدبير من مرشد قولي خان زعيم قبيلة القزلباش والوصي على عباس، والذي أتى به من هراة إلى قزوين عاصمة الصفويين ليعلن خلع الأب ومبايعة الابن، وتمت الأمور بيسر إذ لم يبد الأب أي اعتراض أو مقاومة، وهكذا صار عباس شاه حاكم إيران الإسمي، أما حاكمها الفعلي فكان مرشد قولي خان الذي بث أعوانه في المناصب الكبيرة في الدولة، وأصبح عباس شاه في حكم المحجور عليه في قصره لا حول له ولا قوة.
وتابع الأزبكيون والأتراك توسعهم في الأراضي الإيرانية، وفي سنة 996=1588 سار القائد العثماني فرهاد باشا من جورجيا واستولى على كراباخ دون أن يبقى مقاومة تذكر من قبائل القزلباش التركية الأصل، أما الأزبكيون فاستولوا على هراة في سنة 996=1588 وأفنوا سكانها، فسار مرشد ومعه عباس شاه لاسترجاع خراسان، وفي رمضان سنة 997= 1589 دبر عباس شاه مع أربعة من زعماء القزلباش  اغتيال مرشد قولي خان أثناء مأدبة إفطار ليصبح بعدها الحاكم الفعلي لإيران.
وكان من أول ما فعله الشاه عباس أن وقع معاهدة مع العدو الأقوى ليستطيع مواجهة العدو الأضعف، فأنهى الحرب مع الدولة العثمانية بمعاهدة وقعها مع فرهاد باشا في 14 جمادى الأولى سنة 998=21/3/1590 تنازل بموجبها للدولة العثمانية عن جورجيا وأذربيجان وإقليم لورستان ومدينة تبريز، وكانت هذه تسوية تحمل بذور انتقاضها، فما كان للدولة الصفوية أن تقبل بخسارة تبريز ولو طال الزمن، واتجه عباس لبناء جيش قوي يستطيع بواسطته طرد الأزبكيين ثم استرجاع ما خسره من بلدان في اتفاقية فرهاد باشا المذلة، وبحلول سنة 1010 كان قد استرد من الأزبكيين ما أخذوه من أراضي إيران ومنها هراة ومشهد.
وتوفي السلطان مراد الثالث في 8 جمادى الأولى سنة 1003= 1595، عن 50 سنة، وبعد حكم دام حوالي 21 سنة، وتلاه ابنه محمد الثالث، وكان عمره 29 سنة، والذي ترك الأمور في يد وزرائه فتسلطوا على البلاد والعباد، وباعوا المناصب، وتلاعبوا بعيار العملة، وكانت والدته السلطانة صفية سيدة ذات شخصية قوية، فتدخلت في أعمال السلطنة مما زاد الأمور تعقيداً.
وكان من الطبيعي أن ينتهز أعداء السلطنة هذه الفرصة، وتمرد في رومانيا أميرها ميخائيل وساعدته النمسا واستطاع هزيمة الجيوش العثمانية مرة تلو الأخرى، ودبت الحمية في السلطان محمد الثالث فسار إلى ميدان الحرب، وحقق انتصارات بارزة أعادت للدولة العثمانية هيبتها بين الشعوب التي تحكمها والدول التي تجاورها، واستمرت هذه الحرب من 1593 إلى 1606 ولذا سميت بحرب السنين الخمس عشرة.
ولكن لم يستطع السلطان محمد الثالث التخلص من نفوذ والدته ولا من الحاشية الفاسدة المتنافسة التي أحاطت به، وأخفى الطرفان عنه ما يجري في داخل البلاد، وبسبب من ذلك واجه السلطان سلسلة لا تنتهي من المشاكل الداخلية، منها سلسة من أحداث التمرد الداخلي اصطلح على تسميتها جميعاً: التمرد الجلالي، واندلع تمرد في الأناضول في سنة 1009=1600 قامت به إحدى فرق الجيش العثماني التي نفيت إليه بسبب فرارها من المعركة، وتزعم التمرد رجل اسمه عبد الحليم قره يازجي ثم أخوه حسن، وانضم إليه والي ولاية قرمان، واستفحل أمر التمرد، فلجأت الدولة إلى السياسة مع حسن يازجي وأجزلت إليه العطايا وأغدقت عليه الهبات، ثم عرضت عليه ولاية البوسنة، فقبل وسافر إليها بأتباعه وجنوده واضمحل شأنه وباد عسكره في المعارك مع دولة المجر والنمسا.
وجاءت ثالثة الأثافي بتمرد جنود السِباه، أي الخيالة، والذين طلبوا أن تعوضهم الدولة ما فقدوه من ريع الإقطاعات المعطاة بسبب الفتنة السابقة، ولما كانت خزائن الدولة خاوية، ولم يكن في وسع الدولة تلبية طلبهم، تمردوا وثاروا وطالبوا بإعطائهم مما في المساجد من التحف الذهبية والفضية، فاستعانت الدولة عليهم بجنود الإنكشارية وقمعتهم بعد اشتباكات دامية، ولو أن الإنكشارية انضموا لهم لكان في ذلك نهاية الدولة العثمانية، ودفع ثمن هذا التمرد عدد من الوزراء الذين قتلهم المتمردون.
وعلى الجانب الإيراني مقابل هذه الأحداث كان الشاه عباس منذ أن وقع اتفاقية التنازل قد صرف عنايته لإصلاحات إدارية ومالية تمكنه من إعداد جيش دائم قوي ومدرب، فلا يبقى تحت رحمة أمراء الأقاليم وقبائل القزلباش وما يقدمونه له من جنود في حالة الخطر أو الحرب، فحول الإقطاعات التي كانت الدولة تمنحها لهؤلاء إلى أراض تتبع خزينة الدولة، ونزع الإمرة المتوارثة عن أمراء عدد من المناطق وجعل من خَلَفهم موظفين تابعين لحكومته، فأصبح يتحكم بنصف أراضي مملكته ويحصل على دخلها مباشرة، وخشية من أي ينقلب عليه أمراء أسرته، بدّل الشاه عباس تقاليد فارس التي تقضي بأن يكون أمراء الأسرة الحاكمة أمراء على الأقاليم، وقلد العثمانيين في أن جعل أمراء أسرته رهن حرم قصورهم لا يختلطون بالناس ولا يمارسون شيئاً من أمور الحكم، ولم يتردد في قتل ابنه محمد باقر ميرزا في سنة 1023= 1615 عندما شك في أنه قد يحاول الإطاحة به.
وعلى الصعيد العسكري قلد الشاه عباس نظام الإنكشارية لدى العثمانيين، وأنشأ قوات من الأسرى الذي اعتنقوا الإسلام، ويدعى واحدهم غلام، وأغلبهم من أصول جورجية أو شركسية أو كردية، وكان ساعده الأيمن في ذلك قائد جيشه المدعو الله وردي، وهو أسير جورجي اعتنق الإسلام، وأبدى من الكفاءة والولاء للشاه عباس، ما جعله يصبح خلال فترة وجيزة الرجل الثاني في الدولة، واستعان الشاه عباس بنبيل إنجليزي مأجور يدعى السير روبرت شيرلي، قام بتدريب جيشه ومدفعيته على أحدث الطرق الأوروبية، وبفضل ذلك كله، أصبح لديه جيش دائم  يتألف من 3.000 جندي هم حرس الشاه، و10.000 خيال، و مدفعية تتكون من 12.000 جندي مع 500 مدفع، وإلى جانبهم 12.000 جندي مشاه مسلحين بالبنادق النارية التي كانت قد اخترعت حديثاً.
وكأي زعيم حاذق التفت الشاه عباس إلى النهوض بالفرد العادي، فشجع الحرفيين على إحياء حرفهم وصناعاتهم المختلفة وخفف الضرائب عليهم، وأنصف اليهود والأرمن وغيرهم من الطوائف من تعدي وجور الموظفين والمسؤولين، وفتح أسواق بلاده للتجار فراجعت سلع إيران وازدهرت الصناعات والاقتصاد في عهده ازدهاراً تضاعفت معه ثروة البلاد، قال المحبي في خلاصة الأثر: وللشاه عباس في سياسة الرعية والرعاية لجانبهم والذب عنهم، وإكرام التجار الواردين إلى بلاده من أهل السنة أحوالٌ مستفيضة شائعة، وبالجملة فلم يجئ من سلسلتهم مثله.
وجعل الشاه عباس عاصمته أصفهان بدلاً من قزوين، ونقل إليها جبراً آلافاً من الحرفيين والصناع من الأرمن والأتراك والفرس، ولا تزال عظمته ظاهرة في ميدانها الفريد الجميل الذي أسماه: نقش جهان، أي صورة العالم، فكأنه أراد أن يجمع الدنيا في ميدانه، الذي تغير اسمه إلى شاه ميدان ثم إلى إمام ميدان، وبنى الشاه عباس في أصفهان المساجد والمدارس والقصور والأسواق والخانات حتى بزت عواصم أوروبا في ذلك الوقت، وصار عدد سكانها أكثر من نصف مليون، وفتح الشاه عباس بلاده للمرسلين الكاثوليك ليقوموا بالدعوة لمذهبهم بين نصارى إيران، وكان يأمل أن يستثمر ذلك في كسب ود الدول الغربية، والتحالف معها لحصار الدولة العثمانية من الشرق ومن الغرب. 
الشاه عباس (المتحف البريطاني)
ولما قدر الشاه عباس أن الفرصة قد حانت ليثأر من العثمانيين ويستعيد تبريز وغيرها من المناطق التي كانت خاضعة لإيران، شن هجومه في 19 ربيع الآخر من عام 1012 = 26/9/1603، أي  بعد 12 سنة من الاتفاقية التي تنازل فيها عن هذه المناطق.
ولم يكن العثمانيون يتوقعون أن يهاجمهم الصفويون على جبهتين متباعدتين، بل لم يكونوا مستعدين لهجوم واحد، ولذلك كانت خسائرهم فادحة ومتلاحقة، فسقطت نهاوند في يد الشاه عباس الذي هدم قلعتها ليحرم العثمانيين من التحصن فيها إن استولوا على نهاوند ثانية، ثم استعاد تبريز في 15 جمادى الأولى سنة 1012=21/10/1603، مستفيداً لأول مرة من الإسناد المدفعي، ورحب أهل تبريز بالجيش الصفوي وأمعنوا فتكاً وتمثيلاً بكل من وقعت عليه أيديهم من الأتراك، انتقاماً مما فعلوه بهم عند استيلائهم على المدينة، وبعدها بأيام استولى الصفويون على نخجوان في الشمال بعد أن انسحب منها العثمانيون، ثم حاصروا يروان، واستولوا على تبليسي وعلى وسط وشرق جورجيا، وعادت إلى الشاه عباس الأراضي التي تنازل عنها قبل سنوات.
وفي 12 رجب سنة 1012= 16 كانون الأول/ديسمبر 1603، توفي السلطان العثماني محمد الثالث، وترك البلاد بعد حكمه لها 9 سنين في حالة يرثى لها من الفوضى الداخلية والمخاطر الخارجية، وتولى الحكم من بعده ابنه أحمد الأول الذي أرسل القائد جيكالا باشا، وأصله من جنوا الإيطالية، على رأس جيش سار من استانبول في صيف 1604 ليصل بعد حوالي 5 أشهر إلى ميدان القتال ويجد أن الصفويين قد احتلوا يروان واتجهوا منها نحو قارص، وبدلا من أن يهاجم قوات الشاه عباس تذرع جيكالا باشا بفصل الشتاء لتأجيل المواجهة وألقى أحماله في وان، ولكن قوات الشاه بدأت في التقدم نحو أرضروم أهم مدن الشرق في تركيا، فتحرك مضطراً لإيقافها، وأثار تباطؤ جيكالا باشا كثيراً من الاستياء في صفوف القوات العثمانية.
وفشل جيكالا باشا في تحقيق أية انتصارات، فقد هزمه الصفويون قرب بحيرة أورميا هزيمة منكرة في  منتصف سنة 1014= آخر 1605، وهزموا كذلك قوات والي أرضروم، وانسحب العثمانيون إلى قلعة وان ثم منها جنوباً باتجاه ديار بكر، وتوفي جيكالا باشا أثناء الانسحاب، وبحلول منتصف سنة 1606 كان الشاه عباس قد استرجع ما أعطاه للعثمانيين في أذربيجان.
وركزت الدولة العثمانية جهودها على الحرب في الجبهة الأوروبية وقاد جيوشها الصدر الأعظم لالا محمد صقولو زاده باشا، وحقق نجاحات على الجبهة الهنغارية مهدت لعقد اتفاقية صلح في سيستوفا، وبعد ذلك عين السلطان أحمد لالا محمد باشا قائداً للجبهة الشرقية على أمل أن يحقق فيها ما حققه في الغرب، ولكنه توفي فجأة في أول سنة 1014= منتصف سنة 1605.
ولم يكن الشاه عباس وحده في استغلال ما مرت به الدولة العثمانية من تخبط واضطرابات وتمرد، ففي إطار ما يسمى التمرد الجلالي، ظهر متمردون كثير منهم والي حلب جان بولاد الكردي، والأمير فخر الدين المعنيّ الدرزي في لبنان، وقوي سلطان المتمردين واتسعت أراضيهم، وصارت هيبة الدولة على المحك.
وفي سنة 1015= 1606 عين السلطان عجوزاً تجاوز الثمانين في منصب الصدر الأعظم، وهو الوزير مراد باشا الملقب بقويوجي، الذي كان والياً على دمشق في نحو سنة 1001، وكان السلطان قد تزوج ابنته، فقرر الصدر الأعظم الجديد أنه قبل مواجهة الصفويين لا بد من القضاء على الفوضى والتمرد الداخلي، ورغم كبر سنه ووهن قواه قاد مراد باشا الجيوش وحارب المتمردين بهمة وصرامة حتى استتابهم أو أفناهم، ويقدر عدد من قتلهم في الأناضول بعشرات الألوف، ولكثرة من أذاقهم المنية لقب بقويوجي أي حفار القبور، وبفضل هذه الصرامة الدموية عاد شيء من الاستقرار الداخلي إلى ربوع الدولة العثمانية.
ولما بدا أن مراد باشا بدأ ينجح في سحق المتمردين وإعادة النظام، أدرك الشاه عباس ما يحمله ذلك من أخطار عليه، إذ لا قبل له وحده بمواجهة الدولة العثمانية إن كانت قوية متعافية، فأرسل في سنة 1608 السير روبرت شيرلي في مهمة دبلوماسية إلى الملك جيمس الأول ملك إنجلترا وغيره من أمراء وملوك أوروبا، على أمل تجميعهم في جبهة واحدة يتحالف معها الشاه عباس ضد الدولة العثمانية التي سيصبح عليها أن تقاتل مجدداً على جبهتين، وزار شيرلي ملوك وأمراء بولندا وألمانيا والبابا وفلورنسا وميلانو وجنوا وبرشلونة، ومنحه أغلبهم ألقاب النبالة، ولكن لا توجد أية دلائل على نجاحه في بناء التحالف أو حصوله على مساعدات غير ما اشتراه الشاه بأمواله.
وبعد ذلك اطمئنانه للجبهة الداخلية سار مراد باشا على رأس جيشه في سنة 1610 إلى تبريز لقتال الشاه عباس، ورغم تقابل الجيشين إلا أنهما لم يقتتلا، فقد كان تقدير مراد باشا أن ميزان القوى ليس في صالحه، ولذا انسحب في الشتاء إلى ديار بكر، وبدأ مراسلات ذات طابع تفاوضي مع الشاه عباس، وهو في الوقت ذاته يعد لحملة أخرى، وفي أثناء ذلك توفى هذا الوزير في سنة 1020= 1611 عن أكثر من 90 سنة، وعين السلطان محله نصوح باشا في منصب الصدر الأعظم وقائد الجبهة الشرقية.
وأجرى نصوح باشا مباحثات مع الشاه عباس الذي كان يسعى لاتفاق سلام بعد أن حقق أهدافه، ولأجل ذلك أرسل نصوح باشا دفترداره الشيخ خضر بن حسين المارديني الحلبي للتباحث مع الفرس، وتمخضت هذه المفاوضات عن اتفاقية وقعها الطرفان في أواخر 1021=1611 ودعيت باسم اتفاقية نصوح باشا، وتضمنت أن تترك الدولة العثمانية للصفويين جميع الأراضي التي استولوا عليها، وكانت هذه أول معاهدة تتنازل فيها الدولة العثمانية عن أراضيها.
ولم يدم هذا الصلح طويلاً، فقد كانت الاتفاقية تتضمن أن يقدم شاه إيران 200 حمل حرير للسلطان العثماني، ولكنه امتنع عن إرسالها فأعلنت السلطنة الحرب عليه من جديد، وفي سنة 1025=1616حاصر الصدر الأعظم داماد محمد باشا مدينة يروان مدة شهرين دون أن يستطيع فتحها، فعاد لحلول الشتاء إلى ديار بكر.
وفي آخر سنة 1026=1617 توفي، عن 39 سنة، السلطان محمد الثالث، ولصغر سن ابنه أوصى بالملك لأخيه المولود سنة 1001: مصطفى الأول، والذي لم يبق في الملك إلا 3 أشهر، عزلته بعدها الحاشية لاختلال عقله وأقاموا مكانه السلطان عثمان الثاني ابن السلطان أحمد، وكان عمره 14 سنة، وقام الصدر الأعظم محمد باشا بحشد جيش كبير من 100.000 جندي، وكانت خطته أن يغزو أذربيجان ثم تبريز ومنها إلى أردبيل وقزوين، وعلم الشاه عباس بهذا الحشد، وقدر الخطة التي رسمها محمد باشا، وكانت خطته المضادة أن يستدرجه للعمق الإيراني ثم يقضي عليه، وهكذا كان، واغتر محمد باشا باستيلائه على تبريز فسار منها لحصار أردبيل، وهي مدينة مقدسة عند الصفويين لكونها مقر الطريقة الصوفية التي يعود إليها أصلهم، وكمن له الشاه عباس بجنوده في منطقة سراب فانقضوا عليه في 20 رمضان سنة 1027= 10/9/1618، وأوقعوا به هزيمة بالغة قتل فيها 3 من كبار قواده وأسر اثنان، وتمكن الوزير من لم شعث الجيش، وانتهى الأمر بعد أسبوعين بمعاهدة أردبيل التي خفضت أحمال الحرير إلى 100 حمل بدلاً من 200.
وفي سنة 1031=1622 تمردت القوات الإنكشارية بتأييد من العلماء على السلطان عثمان الثاني وقتلته، وتدعى هذه الحادثة في التاريخ العثماني: هائلة عثمانية، وأعادت الحاشية السلطان مصطفى الأول رغم اختلاله العقلي، وانتهز هذه الفوضى ولاة الأقاليم فأعلن والي طرابلس الشام انفصاله، ثم تبعه محمد أباظا باشا والي أرضروم، وتبعه من في سيواس وقره شهر، وادعى بعضهم أن حركته للمطالبة بدم السلطان عثمان الثاني، وفي نهاية المطاف عادت الحاشية فعزلت السلطان مصطفى الأول في آخر سنة 1032=1623 وولوا مكانه ابن السلطان أحمد: السلطان مراد الرابع، وكان عمره 14 سنة.
ورغم المعاهدات السابقة قام الشاه عباس باحتلال بغداد في 3 ربيع الآخر سنة 1033=26/1/1624، ولذلك قصة ملخصها أن رئيس الشرطة في بغداد بكر باشا قتل واليها واستولى عليها، وطلب من السلطان أن يجعله والي بغداد، فرفض ذلك السلطان وأرسل حافظ باشا والي ديار بكر لقتاله واسترداد بغداد، فطلب بكر من الشاه عباس مساعدته لقتال العثمانيين، على أن ينضوي تحت سلطته، ويبقى والياً على بغداد، وظن بكر أنه يلعب على الحبلين ويضرب هذا بذاك، ولما سمع بذلك حافظ باشا استرضى بكراً حتى أعلن ولاءه للسلطان من جديد، ولكن الشاه عباس أتى بعسكره إلى بغداد، وحاصرها حصاراً مضيضاً، فسلمها إليه محمد بن بكر مضحياً بوالده، فدخل الشاه عباس بغداد وبغى وطغى، وقتل بكراً وجميع أهله شر قتلة، وقتل كبار علمائها ونال من رموز السنة فيها مثل أبي حنيفة وعبد القادر الجيلاني، ثم خرج الشاه منها، وأقام فيها خاناً من خاناته، واستولى الشاه عباس بعدها على الموصل وكركوك، والنجف وكربلاء اللتين زارهما الشاه وقد أصبح حاكم العراق دون منازع، وبدأ فيها سياسة لتحويلها إلى بلد شيعي المذهب فارسي اللسان والثقافة.
وكانت تلك ضربة من أقسى الضربات التي تلقتها الدولة العثمانية حتى ذلك التاريخ، فأعدت جيشاً قاده أحمد باشا الحافظ، والي دمشق الذي عين في منصب الصدر الأعظم، ورغم محاولات الشاه المستميتة استطاع هذا الجيش الوصول إلى بغداد في سنة 1035= 1625 وحاصرها من ثلاث جهات واستطاع اختراق أسوارها الأولية بنسفها بالبارود، فأسرع الشاه عباس بجيشه وهاجم العثمانيين وحاصرهم وقطع عليهم الإمدادات حتى رفعوا الحصار.
وفي مساعيه للحصول على أحدث التقنيات العسكرية بدأ الشاه عباس في اتصالات مع الدول الأوربية وعلى رأسها بريطانيا، وفي سنة 1627 تلقى في عاصمته قزوين السير دودمور كوتون أول سفير بريطاني إلى إيران، والذي جاء بصحبته المرتزق السير روبرت شيرلي الذي لقي نحبه في منتصف سنة 1628.
في سنة 1038=1629 عاود العثمانيون الكرة على بغداد وقاد الجيش العثماني الغازي خسرو باشا، ولكن الشتاء القارس والأمطار والفيضانات في العراق جعلت الحرب متعذرة، وتوفي في هذه الأثناء الشاه عباس بأصفهان في 25 جمادى الأولى سنة 1038=1629، وكان عمره يناهز 60 سنة، وتولى بعده حفيده شاه صفي بن محمد الباقر ميرزا، وكان في الثامنة عشرة من عمره، فانتعشت آمال الدولة العثمانية في الانتصار، وقرر خسرو باشا أن يهاجم الشاه في عقر داره، واتجه إلى إيران وهزم القائد الإيراني زين العابدين بكدلي في موقعة مهدي دشت قرب كرمانشاه في 21 رمضان سنة 1038=4/5/1630، ثم هاجم بعدها همذان وأنهبها جنوده وتركها خرابا.
ومع وفاة الشاه عباس وتولي حفيده شاه صفي المعروف بعكوفه على اللهو والملذات، بدأت المتاعب تطل برأسها في فناء الدولة الصفوية، فتمردت بعض الأقاليم في جورجيا، وقوى هذا من موقف العثمانيين فرفض الصدر الأعظم عرضاً فارسياً بطلب الصلح.
وفي المقابل كان عود السلطان مراد الرابع يشتد واستقلاله بالدولة يزداد، وبدأ فمنع والدته من التدخل في شؤون الدولة منعاً باتاً، فانكفأت في قصرها إيذانا بتغير كبير، وأعقب ذلك مراد بتعقب كل المتمردين والمتحكمين في الدولة، سواء من ظهر منهم أو احتجب وراء الستار، فبطش بهم قتلاً وسجناً ونفياً حتى خشي سطوته القاصي والداني، ثم سار في سنة 1044 على رأس جيش جرار لاستعادة ما خسرته الدولة العثمانية من أراض، وحقق الجيش انتصارات غير متوقعة واستطاع دخول تبريز، ولكن الشاه صفي استعاد تلك المناطق بعد شهور، فما كان من السلطان مراد إلا أن توجه بنفسه في سنة 1048=1638 فحاصر بغداد مصمماً ألا يعود إلا وقد استعادها، ودام الحصار 40 يوماً، وقتل في أثنائه الصدر الأعظم محمد باشا الطيار برصاصة أصابته في جبينه، فأشبه والده والي بغداد الأسبق الذي استشهد قبل سنين في بغداد برصاصة صفوية، واستسلمت حامية بغداد بعد أن وصلت مدافع الحصار الثقيلة إلى الجيش العثماني عن طريق نهر دجلة، ورفض الاستسلام 20.000 جندي صفوي كانوا في قلعتها الداخلية، فأبيد أغلبهم في قتال دموي.
وأمر السلطان مراد بإزالة القاذورات من مرقد الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ومرقد الشيخ عبد القادر الجيلاني، وأمر بتجديد عمارة محليهما وأحكم أمرهما غاية الإحكام، وأخرج السلطان مراد عدداً كبيراً من شيعة بغداد وبثهم في أنحاء العراق، وأتى بعشرات الألوف من سكان الأناضول وأسكنهم بغداد، ولما قيل له أن يزور قبر أبي حنيفة قال: إنني خجل من أزوره في هذه الحالة. ثم زاره لاحقاً بعد أن تم إصلاح المسجد والقبر.
وكان الشاه صفي أثناء حصار بغداد قد طلب من السلطان مراد التفاوض على الصلح فأبى، فلما فتحها أجابه إلى ذلك، وبعد مفاوضات دامت 10 أشهر وقع الطرفان في 21 جمادى الأولى سنة 1049=19/9/1639 اتفاقية زُهاب أو قصر شيرين والتي حددت حدود الدولة العثمانية الشرقية، وهي أساس الحدود الدولية اليوم التي تضم تركيا وأرمينيا والعراق وإيران، وبذلك انقطع تماماً الوجود الإيراني في العراق.
توسع الدولة الصفوية
 
وعاد السلطان مراد إلى استانبول والمرض يستشري فيه يوماً بعد يوم، ولما وصلها خلَّد هذه الفتح العظيم بأن أمر المعمار قاسم آغا بإنشاء كشك بغداد الذي يعتبر من روائع العمارة العثمانية، وذلك قبل شهر من وفاته في 16 شوال سنة 1049=9/2/1640، وكان عمره 28 سنة، وما لبث ملك إيران شاه صفي أن توفي بعد قرابة 3 سنوات في 12 صفر 1052=12/5/1642.

 
log analyzer