الجمعة، 4 ديسمبر 2015

حدث في الثاني والعشرين من صفر

في الثاني والعشرين من صفر من سنة 256 توفي في سامراء، الطبيب بَخْتَيْشُوع بن جبرائيل بن بختيشوع بن جورجيس، أحد كبار أطباء الدولة العباسية في زمانه، وسليل أسرة طبية عريقة سريانية أصلها من مدينة جنديسابور في الأهواز، وهي مدينة اشتهرت بالأطباء الحاذقين، وبختيشوع، معناه عبد المسيح، وهو لفظ سرياني.
ولد بختيشوع في جنديسابور ولا تذكر لنا المصادر سنة ولادته، وكانت عائلته معروفة بممارسة الطب، فقد كان جده الأكبر جورجيس طبيباً في جنديسابور، وطلبه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور لعلاج مرض في معدته، ونجح في علاجه، وحظي عنده ثم عاد إلى بلده، وطلب منه المنصور إحضار ابنه محله فقال: البيمارستان بجنديسابور محتاج إِليه ومفتقر إلى مثله، وأهل البلد كذلك. وأحضر تلميذاً له اسمه عيسى بن سهلا، ولما تمكن ابن سهلا وعلت منزلته أخذ يستطيل على الأساقفة ويأخذ أموالهم ويتهدّدهم ويقول لهم: أمر الملك بيدي إن شئتُ أمرضته، وإن شئت عافيته! فعلم المنصور بذلك فأمر بنفيه وطلب بختيشوع بن جورجيس، وتوفي جورجيس في حدود سنة 160، ونقل للمنصور كتباً كثيرة من كتب اليونان الطبية إلى العربية.
ويبدو أن بختيشوع الجد، ويقال له بختيشوع الأكبر، عاد بعد وفاة المنصور إلى بلده ليزاول الطب فيها، وأنه عاد إلى بغداد في آخر أيام الخليفة موسى الهادي عند وفاته سنة 170، الذي أرسل وراءه لما مرض ولكنه توفي قبل وصوله، ثم طلبه هارون الرشيد في سنة 171، وتميز في خدمته عن أقرانه حتى صار رئيس الأطباء، وكانت له مكانة عالية عند الرشيد، وأثرى ثراء فاحشاً من عطايا الرشيد وغيره، وتوفي نحو سنة 184، وله كتاب مختصر في الطب صنفه لابنه جبرائيل.
وأما أبوه جبرائيل بن بختيشوع فكان طبيب جعفر بن يحيى البرمكي وغيره من البرامكة مدة 13 سنة، ثم خدم هارون الرشيد مدة 23 سنة حتى وفاته سنة 193، ثم طبيب الأمين، فلما ولي المأمون سجنه ثم أطلقه وأعاده إلى مكانته، ولما عزم المأمون على الخروج إلى الروم في سنة 213 مرض جبرائيل مرضاً شديداً، فلما رآه المأمون ضعيفاً التمس منه إنفاذ بختيشوع ابنه معه إلى بلد الروم، فأحضره وكان مثل أبيه في الفهم والعقل والسرو، ففرح به المأمون وأكرمه ورفع منزلته، ومات جبرائيل بعد فترة، وأوصى أن يكون الخليفة المأمون القائمَ على تنفيذ وصيته في تركته التي اشتملت على سبعمئة ألف دينار، ودفن جبرائيل في دير مار سرجس بالمدائن، ولما عاد ابنه بختيشوع من الروم جمع للدير رهباناً وأجرى عليهم جميع ما يحتاجون إليه.
واستمر بختيشوع في خدمة المأمون، ومن نصائحه للمأمون في كلام جرى بينهما: يا أمير المؤمنين، لا تجالس الثقلاء فإن مجالسة الثقلاء حمى الروح. فأجابه المأمون: وأنا على ذلكم من الشاهدين.
وبرز في أيام المأمون طبيب عربي هو حنين بن إسحاق العبادي، قربه الخليفة المأمون، وكلفه بترجمة الكتب الطبية من اليونانية إلى العربية، وكان والد بختيشوع يحترمه ويقدره، ولكن يبدو أن المنافسة اضطرمت بينه وبين بختيشوع في أيام المتوكل، فأوقع به المتوكل وحبسه بمكيدة من بختيشوع، ذكرناها في ترجمة حنين، فلا نعيد ذكرها ها هنا.
وبعد وفاة المأمون في سنة 218 صار بختيشوع طبيباً للمعتصم، ولما توفي المعتصم سنة 227 وتولى بعده ابنه الواثق بالله، استمر بختيشوع طبيباً للواثق، ولكن وزيري الواثق؛ محمد بن عبد الملك الزيات وأحمد ابن أبي دؤاد كانا يعاديان بختيشوع، ويحسدانه على فضله، وبره، ومعروفه، وصدقاته، وكمال مروءته، فكانا يغريان الواثق عليه إذا خلوا به، فسخط عليه الواثق، وقبض على أملاكه وضياعه، وأخذ منه جملة طائلة من المال، ونفاه إلى جنديسابور، وذلك في سنة 230، ثم أصيب الواثق بعلة الاستسقاء، وبلغ الشدة في مرضه، فأنفذ من يحضر بختيشوع لعلاجه، ولكن الواثق مات قبل أن يصل بختيشوع، وذلك في سنة 232.
وبويع بالخلافة بعد وفاة الواثق أخوه جعفر، المولود سنة 206، وتلقب بالمتوكل على الله، ولما ولي المتوكل أدنى إليه بختيشوع وصار منه بمثابة النديم والطبيب، فبلغ بختيشوع منزلة كبيرة في جلالة القدر والرفعة وعظم المنزلة، حتى أن الشاعر علي بن الجهم هجا بختيشوع فسبَّه عند المتوكل، فحبسه المتوكل سنة ثم أطلقه بعدها ونفاه إلى خراسان، وقال علي بن الجهم أول ما حُبس قصيدة كتب بها إلى أخيه، يهجو فيها بختيشوع وعلي بن يحيى بن المنجم المعتزلي، وكان صديقاً مقرباً من بختيشوع، أولها قوله:
توكلنا على رب السماء ... وسلمنا لأسباب القضاء
ووطنا على غِيَرِ الليالي ... نفوسا سامحت بعد الإباء
وأفنية الملوك محجَّبات ... وباب الله مبذول الفناء
توق الناس يا ابن أبي وأمي ... فهم تَبَعُ المخافة والرجاء
ولا يغررك من وغد إخاءٌ ... لأمر ما غدا حَسَنَ الإخاء
ألم تر مُظهرين عليَّ عيبا ... وهم بالأمس إخوان الصفاء
تضافرت الروافض والنصارى ... وأهل الاعتزال على هجائي
وعابوني وما ذنبي إليهم ... سوى علمي بأولاد الزناء
فبختيشوع يشهد لابن عمرو ... وعزون لهارون المرائي
إذا ما عُدَّ مثلُكم رجالا ... فما فضل الرجال على النساء
عليكم لعنة الله ابتداء ... وعودا في الصباح وفي المساء
إذا سُميتُم للناس قالوا ... أولئك شر من تحت السماء
وفي ظل المتوكل ازدادت أحوال بختيشوع حسناً على حسن وكثرت أمواله، وصار يجاري الخليفة في اللباس والزي والطيب والفرش والضيافات والتفسح في النفقات مبلغاً يفوق الوصف، ومن ذلك أن بختيشوع كان يهدي البخور ومعه في دُرْج آخر فحم يتخذ له من قضبان الكَرْم والأُترج والصفصاف المرشوش عليه عند إحراقه ماء الورد المخلوط بالمسك والكافور، وماء الخلاف والشراب العتيق، ويقول: أنا أكره أن أهدي بخورا بغير فحم، فيفسده فحم العامة، ويقال هذا عمل بختيشوع.
وقدم بختيشوع هدية إلى الخليفة المتوكل في يوم النيروز لا مثيل لها، وقصتها تدل على عطايا الخلفاء لأطبائهم، قال القاضي التنوخي في نشوار المحاضرة: جلس المتوكل في مهرجان النيروز وجاءته الهدايا من كل علق نفيس وكل ظريف فاخر، فدخل عليه عند الظهر طبيبه بختيشوع بن جبرائيل، فاستدناه المتوكل وأخذ يمازحه ويلاعبه، ويقول: أين هدية اليوم؟ فقال له بختيشوع: يا أمير المؤمنين، أنا رجل نصراني، لا أعرف هذا اليوم، فأهدي فيه. فقال: دع هذا عنك، ما تأخرتَ إلى الآن، إلا أنك أردت أن تكون هديتك خير الهدايا، فيرى فضلها على الهدايا. فقال: ما فكرت في هذا، ولا حملت شيئاً. فقال له: بحياتي عليك. فضرب بيده إلى كمه، فأخرج منه، مثل الدواة، معمولاً من عود هندي، لم ير قط مثله، كالأبنوس سواداً، وعليه حلية ذهب مخرق، لم ير قط أحسن منها عملاً، ولا من الدواة.
قال: فقدر المتوكل، أن الهدية هي الدواة، فاستحسنها. فقال: لا تعجل يا مولاي، حتى ترى ما فيها. ففتحها، وأخرج من داخلها، ملعقة كبيرة مخرقة، من ياقوت أحمر. قال: فخطفت أبصارنا، ودهشنا، وتحيرنا. فبُهِت المتوكل وأُبلس، وسكت ساعة متعجباً، مفكراً، ثم قال: يا بختيشوع، والله، ما رأيت لنفسي، ولا في خزانتي، ولا في خزائن آبائي، ولا سمعت، ولا بلغني أنه كان للملوك من بني أمية، ولا لملوك العجم مثلها، فمن أين لك هذه؟ فقال: الناس لا يُطالبون بمثل هذا، وقد أهديتُ إليك ما قد اعترفت بأنك لم تر ولم تسمع بمثله حسناً، فلِمَ مسألتي عن غيره.
قال: بحياتي أخبرني. فامتنع، إلى أن كرر عليه إحلافه بحياته، دفعات، وهو يمتنع. فقال: ويحك، أحلفك بحياتي، دفعات، أن تحدثني حديثاً، فتمتنع، وقد بذلت لي ما هو أجلُّ من كل شيء.
قال: فقال له: نعم يا مولاي، كنت حَدَثاً، أصحب أبي جبريل بن بختيشوع إلى دور البرامكة، وهو إذا ذاك طبيبهم، لا يعرفون خدمة طبيب غيره، ولا يثقون برأي غيره، ويدخل إلى حرمهم، ولا يستتر أكثرهم عنه.
قال: فصحبته يوماً، وقد دخل إلى يحيى بن خالد، فلما خرج من عنده، عدل به الخادم، إلى حجرة دنانير جاريته، فدخلت معه، وأفضينا إلى ستارة منصوبة، في صدر مجلس عظيم، وخلفها الجارية، فشكت إليه شيئاً وجدته، فأشار عليها بالفصد، وكان لا يفصد بيده، وإنما يحمل معه من يفصد من تلامذته، ورسمُ الفصد عليهم خمسمئة دينار. قال: فندبني ذلك اليوم للفصد، وأخرجت يدها من وراء الستارة، ففصدتها، وحملت إليّ في الحال خمسمئة دينار عيناً، وأخذتها، وجلس أبي إلى أن يحمل إليها شراب تشربه بحضرته، ورمانٌ أشار عليها باستعماله.
قال: فحُمِل ذلك في صينية عظيمة مغطاة، وتناولتْ منه ما أرادت، وخرج الظرف مكشوفاً، فرآه أبي، فقال للخادم: قدَّمه إليّ، فقدمه إليه، فكان في جملته جامة فيها رمان، وفيها هذه الملعقة، فحين رآها أبي قال: والله ما رأيت مثل هذه الملعقة، ولا الجامة. فقالت له دنانير: بحياتي عليك، يا جبريل، خذها. قال: ففعل، وقام ينصرف.فقالت له: تمضي، ففي أي شيء تضع هذه الملعقة؟ قال: لا أدري. قالت: أهدي إليك غلافها. فقال: إن تفضلت. فقالت: هاتم تلك الدواة. فجاءوا بهذه الدواة، فوضع أبي فيها الملعقة، وحملها، والجامة في كمه، وانصرفنا. فقال له المتوكل: جامة تكون هذه ملعقتها، يجب أن تكون عظيمة القدر، فبحياتي، ما كان من أمر الجامة؟ فاضطرب وامتنع امتناعاً عظيماً، إلى أن أحلفه مراراً بحياته.
فقال: أعلمُ، إذا قلتُ أي شيء كانت، طالبتني بها، فدعني أمضي، وأجيء بها، وأتخلص منك دفعة واحدة. فقال: افعل. قال: ومضى، فلم يهن المتوكل الجلوس، ولم يأخذه القرار، حتى جاء بختيشوع، وأخرج من كمه جامة، على قدر الزبدية، أو الجامة اللطيفة، من ياقوت أصفر، فوضعها بين يديه.
وحدث في يوم من الأيام أن الأمير المعتز بالله ابن الخليفة المتوكل اعتل علة شديدة من حرارة امتنع معها من أخذ شيء من الأدوية والأغذية، فشقَّ ذلك على المتوكل كثيرا، واغتم له غما شديدا، فصار إليه بختيشوع والأطباء عنده، وهو على حاله في الامتناع وقوة المرض، فحادثه ومازحه فأدخل المعتز يده في كم جبة وَشْي يماني مثقلة كانت على بختيشوع، وقال: ما أحسن هذا الثوب! فقال له بختيشوع: يا مولانا، ما له والله نظير في الحسن، وثمنه عليَّ ألف دينار، كُلْ تفاحتين وخُذْ الجبة. فدعا المعتز بتفاحتين وأكلهما، فقال بختيشوع: تحتاج الجبة إلى ثوب يكون معها، وعندي ثوب هو أخ لها، فاشرب شربة سكنجبين وخذه. فشرب شربة سكنجين وأخذهما، والسكنجبين: شراب مركب من الخل والعسل، فوافق ذلك اندفاع طبيعة المعتز وبرئ، وكان المتوكل يشكر هذا الفعل أبدا لبختيشوع، ويضرب به المثل في حذقه بالطب.
وكان بختيشوع بن جبريل عند المتوكل يومًا فأجلسه بجانبه وكان عليه درَّاعة حرير رومية بها فتق فأخذ المتوكل يحادثه ويعبث بالفتق حتى وصل إلى النَّيْفَق، كلمة فارسية تعني: ما اتسع من الثوب، ودار الكلام بينهما حتى سأله المتوكل: بماذا تعلمون أن الموسوس يحتاج إلى التقييد والشد؟ فقال بختيشوع: إذا عبث بفتق دراعة طبيبه حتى النيفق، شددناه. فضحك المتوكل حتى استلقى، وأمر له في الوقت بخلع حسنة ومال جزيل.
وحتى ندرك ما كان عليه بختيشوع من تدبير أمور راحته بأفكار تدل على عقل وصنعة، نورد ما ذكره الكاتب ابن أبي الأصبع الكاتب قال: دخلت إلى بختيشوع في يوم شديد الحر، وهو جالس في مجلس مخيّش بعدة طاقات ريح بينهما طاق أسود وفي وسطها قبة عليها جلال من قصب مظهر بدبيقى قد صبغ بماء الورد والكافور والصندل، وعليه جبة يماني سعيدي مثقلة، ومِطْرف قد التحف به، فعجبت من زيه، فحين حصلت معه في القبة نالني من البرد أمر عظيم، فضحك وأمر لي بجبة ومطرف وقال: يا غلام، أكشف جوانب القبة. فكُشفت فإذا أبواب مفتوحة من جوانب الإيوان إلى مواضع مكبوسة بالثلج، وغلمان يروِّحون ذلك الثلج فيخرج منه البرد الذي لحقني، ثم دعا بطعامه، فأتي بمائدة في غاية الحسن، عليها كل شيء حسن ظريف، ثم أتى بفراريج مشوية في نهاية الحمرة، وجاء الطباخ فنفضها كلها فانتفضت، وقال: هذه فراريج تعلف اللوز والبزر قَطُونا، وتسقى ماء الرمان.
ولما كان في صلب الشتاء دخلت عليه يوما والبرد شديد، وعليه جبة محشوة وكساء، وهو جالس في طارمة في الدار على بستان في غاية الحسن، والطارمة: بيت كالقبة من خشب، وعليها فرو سَمُّور قد ظهرت به وفوقه جِلال حرير مصبغ، ولُبود مغربية وأنطاع أَدَم يمانية، وبين يديه كانون فضة مذهب مخرَّق، وخادم يوقد العود الهندي، وعليه غلالة قصب في نهاية الرفعة، فلما حصلت معه في الطارمة وجدت من الحر أمراً عظيما، فضحك وأمر لي بغلالة قصب، وتقدم يكشف جوانب الطارمة، فإذا مواضع لها شبابيك خشب بعد شبابيك حديد، وكوانين فيها فحم الغضا، وغلمان ينفخون ذلك الفحم بالزِقاق كما تكون للحدادين، ثم دعا بطعامه فأحضروا ما جرت به العادة في السرو والنظافة، فأحضرت فراريج بيض شديدة البياض، فبشعتها وخفت أن تكون غير نضيجة، ووافى الطباخ فنفضها فانتفضت، فسألته عنها فقال: هذه تعلف الجوز المقشر، وتسقى اللبن الحليب.
وقال المتوكل يوماً لبختيشوع: ادعُني إلى بيتك. فقال: السمع والطاعة. فقال: أريد أن يكون ذلك غداً! قال: نعم وكرامة. وكان الوقت صائفاً وحرُّه شديداً، فقال بختيشوع لأعوانه وأصحابه: أمرُنا كلُه مستقيم، إلا الخيش فإنه ليس لنا منه ما يكفي، فأحضر وكلاءه وأمرهم بابتياع كل ما يوجد من الخيش بسر من رأى، ففعلوا ذلك وأحضروا كل من وجدوه من النجادين والصناع، فقطع لداره كلِّها صونها وحجرها ومجالسها وبيوتها ومستراحاتها خيشا، حتى لا يجتاز الخليفة في موضع غير مخيَّش، وفكر في أن رائحة الخيش لا تزول إلا بعد استعماله مدة، فأمر بابتياع كل ما يقدر عليه بسر من رأى من البطيخ، وأحضر أكثر حشمه وغلمانه وأجلسهم يدلكون الخيش بذلك البطيخ ليلتهم كلها، وأصبح وقد انقطعت روائحه، فتقدم إلى فراشيه فعلقوا جميعه في المواضع المكورة، وأمر طباخيه بأن يعملوا خمسة آلاف جُونة، أي سلة ذات غطاء من الجلد، في كل جونة باب خبز سميد ودست رقاق وزن الجميع عشرون رطلاً؛ وحَمَل مشوي وجدي بارد، وفائقة، ودجاجتان مصدرتان، وفرخان مصوصان، أي مطبوخان بالخل، وثلاثة ألوان وجام حلواء.
فلما وافاه المتوكل رأى كثرة الخيش وجِدَّته فقال: أي شيء ذهب برائحته؟ فأعاد عليه حديث البطيخ فعجب من ذلك، وأكل هو وبنو عمه والفتح بن خاقان على مائدة واحدة، وأجلس الأمراء والحجاب على سماطين عظيمين لم ير مثلهما لأمثاله، وفرقت الجُون على الغلمان والخدم والنقباء والركابية والفراشين والملاحين وغيرهم من الحاشية لكل واحد جونة، وقال: قد أمِنتُ ذمَّهم، لأنني ما كنت آمن لو أُطعموا على موائد أن يرضى هذا ويغضب الآخر، ويقول واحد شبعت ويقول آخر لم أشبع، فإذا أُعطي كل إنسان جونة من هذه الجون كفته.
واستشرف المتوكل على الطعام فاستعظمه جداً، وأراد النوم، فقال لبختيشوع: أريد أن تنومني في موضع مضيء لا ذباب فيه. وظن أنه يتعنته بذلك، وقد كان بختيشوع تقدم بان تجعل أجاجين الدبس، أي قصاع الدبس، في سطوح الدار ليجتمع الذباب عليه، فلم يقرب أسافل الدور ذبابة واحدة، ثم أدخل المتوكل إلى مربع كبير سقفه كله بكِواء، جمع كَوَّة، فيها جامات يضيء البيت منها، وهو مخيش مظهّر بعد الخيش بقماش دبيقي مصبوغ بماء الورد والصندل والكافور.
فلما اضطجع للنوم أقبل يشم روائح في نهاية الطيب لا يدري ما هي، لأنه لم ير في البيت شيئاً من الروائح والفاكهة والزهور، ولا خلف الخيش لا طاقات ولا موضع يُجعل فيه شيء من ذلك، فتعجب وأمر الفتح بن خاقان أن يتتبع حال تلك الروائح حتى يعرف صورتها، فخرج يطوف فوجد حول البيت من خارجه ومن سائر نواحيه وجوانبه أبواباً صغاراً لطافاً كالطاقات محشوة بصنوف الرياحين والفواكه واللخالخ، والمشام التي فيها التفاح والبطيخ المستخرج ما فيها، المحشوة بأنواع الريحان كالنمام والحماحم اليماني المعمول بماء الورد والصفصاف والكافور والشراب العتيق والزعفران الشعر، ورأى الفتح غلماناً قد وكلوا بتلك الطاقات مع كل غلام مجمرة فيها ند يسجره ويبخر به، والبيت من داخله إزار من اسفيداج مخرم خروماً صغاراً لا تبين تخرج منها تلك الروائح الطيبة العجيبة إلى البيت.
فلما عاد الفتح وشرح للمتوكل صورة ما شاهده كثر تعجبه منه، وحسد بختيشوع على ما رآه من نعمته، وكمال مروءته، وانصرف من داره قبل أن يستتم يومه، وأدعى شيئاً وجده من التياث بدنه، وحقد عليه ذلك فنكبه بعد أيام يسيرة، وذلك في سنة 244.
وكان سخط المتوكل على بختيشوع شديداً؛ نفاه إلى البحرين، وهي الأحساء اليوم، وصادر أمواله التي كانت أكثر من الخيال، فحضر الحسين بن مخلد فختم على خزائنه، وحمل إلى دار المتوكل ما صلح منها، ووجد له في جملة كسوته أربعة آلاف سراويل دبيقي سيتيزي في جميعها تكك ابريسم أرمني، وبيعت موجوداته وسيق ثمنها إلى المتوكل، وبقي بعد ذلك حطب وفحم ونبيذ وتوابل، فاشتراه الحسين بن مخلد بستة آلاف دينار، وباع بعضها فيما بعد بمبلغ ثمانية آلاف دينار.
وفي نكبة بختيشوع قال أعرابي:
يا سخطة جاءت على مقدار ... ثار له الليث على اقتدار
منه وبختيشوع في اغترار ... لما سعى بالسادة الأقمار
بالأمراء القادة الأبرار ... ولاة عهد السيد المختار
وبالموالى وبنى الأحرار ... رمى به في موحش القفار
بساحل البحرين للصَغار
ثم عاد المتوكل فأمر في رجب من سنة 245 برد بختيشوع وضربه 150 مقرعة، وأن يثقل بمئة رطل من الحديد، وأن يحبس في المُطْبِق.
واغتيل المتوكل سنة 247 بتدبير من ابنه محمد المولود سنة 223، الذي حل محله وتلقب بالمنتصر بالله، ولم تطل أيامه فمات بعد ستة أشهر في سنة 248، وخلفه ابن عمه المستعين بالله، أحمد بن محمد بن المعتصم، المولود سنة 219،  فرد بختيشوع إلى الخدمة وأحسن إليه إحساناً كثيرا، وثار الأتراك على المستعين في سنة 251 وعزلوه، وخلفه المعتز بالله، محمد بن المتوكل، المولود سنة 232، حتى خلعه الأتراك بعد قرابة 4 أشهر في سنة 255، وجعلوا مكانه المهتدي بالله، محمد بن الواثق بالله، المولود سنة 222، الذي لم تطل أيامه فانتقض عليه الأتراك وقتلوه في سنة 256.
وشكا بختيشوع إلى المهتدي يوماً ما أخذ منه في نكبته أيام المتوكل، فأمر أن يُدخل إلى سائر الخزائن فكل ما اعترف به فليُردُّ إليه بغير استئمار ولا مراجعة، فلم يبق له شيء إلا أخذه، وأطلق له سائر ما فاته وحاطه كل الحياطة.
وورد على بختيشوع كتاب من وكيله في بغداد يذكر فيها أن سليمان بن عبد الله بن طاهر، والي بغداد، قد تعرض لبعض بيوته فيها، فعرض بختيشوع الكتاب على المهتدي بعد صلاة العَتمة، فأمر بإحضار سليمان بن وهب في ذلك الوقت، فحضر، وتقدم إليه بأن يكتب من حضرته إلى سليمان بن عبد الله، بالإنكار عليه لما اتصل به من وكيل بختيشوع، وأن يتقدم إليه بإعزاز منازله وأسبابه بأوكد ما يكون، وأنفذ الكتاب، من وقته، مع أخص خدمه إلى مدينة السلام.
وشكر بختيشوع المهتدي على ذلك ثم قال له في آخر الوقت بعض انفضاض المجلس: يا أمير المؤمنين، ما افتصدتُ ولا شربتُ الدواء منذ أربعين سنة، وقد حكم المنجمون بأني أموت في هذه السنة، ولست أغتم لموتي وإنما غمي لمفارقتكم. فكلمه المهتدي بكلام جميل، وقال: قلما يصدق المنجم. قيل فلما انصرف كان آخر العهد به ومات بعدها.
ولما توفي بختيشوع خلف عبيد الله ولده، وخلف معه ثلاث بنات، وكان الوزراء والنظار يصادرونهم ويطالبونهم بالأموال، فتفرقوا واختلفوا.
ولبختيشوع بن جبرائيل من الكتب كتاب في الحجامة على طريق المسئلة والجواب، وكتاب التذكرة في الطب، وكان صديقاً للجاحظ، المولود سنة 163 والمتوفى سنة 255، والذي ذكره في كتابه الحيوان فقال: وزعم لي بختيشوع بن جبريل، أنه عاين الخرق الذي في إبرة العقرب، وإن كان صادقا كما قال، فما في الأرض أحدُّ بصراً منه، وإنه لبعيد وما هو بمستنكر.
وكان حفيده بختيشوع بن يوحنا، المتوفى ببغداد سنة 329، حظيا عند الخلفاء وغيرهم، واختص بخدمة المقتدر بالله ثم الراضي بالله، وكان له منهما الإنعام الكثير والإقطاعات من الضياع.
وكان حفيد الحفيد جبرائيل بن عبيد الله بن بختيشوع، المولود سنة 311 والمتوفى في ميافارقين سنة 396، من أبرز الأطباء في زمانه، رحل من بغداد إلى شيراز، وصار طبيب عضد الدولة البويهي، ثم أرسله لعلاج الصاحب ابن عباد من مرض هضمي، فأفلح في علاجه وأغدق عليه الصاحب إحسانه، وسافر إلى القدس ودمشق، فاتصل خبره بملك مصر فدعاه إليه، فاعتذر وعاد إلى بغداد، فتوفي فيها. وكانت له مصنفات في الطب منها الكافي، في 5 مجلدات، والكُناش الصغير، والمطابقة بين أقوال الأنبياء والفلاسفة.
وللحفيد هذا ابن طبيب هو أبو سعيد، عبيد الله بن جبرائيل، عاش في ميافارقين، وكان من فضلاء الأطباء، متقناً للطب ولأصوله وفروعه. وكان جيد المعرفة بمذهب النصارى، وتوفى سنة 451، وله كتب في طبائع الحيوان.
كان بختيشوع خفيف الروح صاحب مداعبة، وكان يداعب الطبيب يوحنا بن ماسويه كثيرا فقال له يوما في مجلس إبراهيم بن المهدي، وهم في معسكر المعتصم بالمدائن في 220: أنت أبا زكريا أخي ابن أبي! فقال يوحنا لإبراهيم بن المهدي: اشهد على إقراره! لأقاسمنه ميراثه من أبيه! فقال له بختيشوع: إن أولاد الزنا لا يرثون ولا يورثون، وقد حكم دين الإسلام للعاهر بالحَجَر. فانقطع يوحنا ولم يحر جوابا.
وسئل بختيشوع عن أشعر الشعراء، فقال متأثراً بصنعته: أبو العتاهية الذي يقول:
أحمد، قال لي ولم يدر ما بي ... أتحب الغداة عتبة حقا؟
فتنفست ثم قلت: نعم! حبا جرى في العروق عرقا فعرقا
لو تجسين يا عتيبة روحي ... لوجدت الفؤاد قَرحا تفقا

الأحد، 29 نوفمبر 2015

حدث في الخامس عشر من صفر

في الخامس عشر من صفر من عام 1331، الموافق 23 كانون الثاني/يناير 1913، قامت مجموعة من الضباط الأتراك الشبان يترأسهم أنور بك، وينتمون إلى جمعية الاتحاد والترقي بعمل انقلاب عسكري دموي على حكومة محمد كامل باشا المنتخبة، كان له أثر وبيل على مستقبل الدولة العثمانية، فقد انتقلت من الشورى إلى الاستبداد والطغيان، وتسبب الانقلاب بخوضها خاسرة الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا.
وللوصول إلى قصة الانقلاب، لابد لنا أن نعود إلى خلع السلطان عبد الحميد وتنصيب السلطان محمد رشاد، والذي جرى قبل قرابة أربع سنوات في سنة 1327=1909، فقد جرى خلع السلطان بتدخل الفيلق الثالث من الجيش العثماني الذي كان يقوده الفريق محمود شوكت العمري، المولود في بغداد سنة 1275=1858، وصار الحكم في يد جمعية الاتحاد والترقي، ويقال لأعضائها: الاتحاديون.
وارتكب الاتحاديون سلسلة من الأخطاء في السياسة الخارجية، أدت إلى كوارث كادت أن تطيح بالدولة من أساسها، وألبت عليهم الرأي العام، فقد خسرت الدولة ليبيا بعد أن غزتها إيطاليا في أيلول/سبتمبر 1911، ورغم محاولات الاتحاديين مقاومة الغزو بإرسال بعض القوات وعدد من ألمع الضباط، إلا أن عبأ المقاومة وقع على المجاهدين الليبيين بقيادة السنوسي، ولم يكن هؤلاء ليستطيعوا مقاومة جيش منظم مدرب حديث كالجيش الإيطالي آنذاك،  ولم تكن تلك الخسارة الوحيدة بل كانت الطامة الكبرى خسارة المقاطعات البلقانية.
ذلك إنه في آخر أيام السلطان عبد الحميد استغلت النمسا فرصة الاضطرابات التي سبقت خلعه، فأعلنت في أكتوبر 1908 ضم البوسنة والهرسك إليها نهائيا، وكانت من قبل تديرها مع تبعيتها الصورية للدولة العثمانية، وتبعتها بلغاريا فأعلن أميرها فرديناند استقلالها وتسمى بالقيصر فرديناند الأول، واستغل الاتحاديون هذه الأحداث، وأججوا بها مشاعر الرأي العام العثماني، حتى استطاعوا أن يخلعوا السلطان عبد الحميد بعد 40 سنة من الحكم، وبعد أن تولى الاتحاديون الحكم في سنة 1909 كان الرأي العام يتطلع إليهم ليقرنوا القول بالفعل، ويستعيدوا بعض ما فقدته الدولة في البلقان.
وفي ربيع 1912 أنشأت دول البلقان؛ بلغاريا وصربيا واليونان والجبل الأسود، العصبة البلقانية بتشجيع ورعاية من روسيا، وكان هدفها انتزاع مقدونيا من تركيا المشغولة بحرب إيطاليا في ليبيا، وفي تلك الفترة أجريت الانتخابات في تركيا في نيسان/أبريل 1912، وفاز فيها الاتحاديون بالأغلبية، وذلك بسلوكهم كل الحيل المعوجة التي تضمن لهم الفوز، وشكلوا حكومة ترأسها كُجُك سعيد باشا، والذي كان في هذه المنصب ثمانية مرات من قبل، ولكنه كان عديم الفائدة متردداً في اتخاذ القرارات، فاستقال في منتصف سنة 1912، مما أتاح الفرصة لتدخل زعماء جمعية الاتحاد والترقي في الدولة وعمل ما يريدون.
وكان ارتباط زعماء الاتحاد والترقي بضباط الجيش، وتحريضهم الضباط على التدخل في السياسة من أعظم الأخطار التي هددت كيان الدولة الجديد والذي قام على الانتخابات والشورى، ونفر منه العقلاء حتى كبار الضباط في الجيش، ونشأ عنه توتر شديد في أوساط الضباط كاد أن يتطور إلى تنازع مكشوف، وفي مقابل الضباط الاتحاديين قامت مجموعة من الضباط أسمت نفسها ضباط الخلاص، كان منهم ناظم باشا الذي قُتِل في الانقلاب، والذي كاد أن يسرح كبار الضباط الاتحاديين لولا أن أقسم له أنور بك وجمال بك أنهما لن يشتغلا بالسياسة.
وانقسم الاتحاديون على الصعيد الداخلي إلى قسمين: قسم دستوري، يرى عودة الجيش إلى ثكناته ومهماته العسكرية، وأن يترك السياسة للسياسيين، وقسم يريد أن يدير البلاد دون معارض أو حسيب، وكان زعيم القسم الأول أحد أكبر أعضائهم وأكثرهم احتراماً، وهو أمير الألاي صادق بك، أي أمير لواء، والذي كان عسكرياً مخلصاً لوطنه، راجح العقل حي الضمير متواضع النفس، حتى إنه رفض أن يمنح وساماً لما قام به في خلع السلطان عبد الحميد والإتيان بحكم دستوري.
كان من رأي صادق بك بعد أن استقر أمر الدستور وتألف مجلس الأمة؛ أن تترك جمعية الاتحاد والترقي للحكومة الحرية في عملها، وتكتفي بالمراقبة عليها، فلا تتعرض لشيء إلا إذا رأت الدستور مهدداً بالزوال، وفي الطرف الآخر كانت هناك عصبة من الضباط الشباب قد تواطأت على أن تسيطر على زعامة الجمعية وتستبد بالحكم أو تسيّره في أضعف الأحوال، واستمال هؤلاء كثيرا من زملائهم من الضباط بضروب الترقيات والإغراءات، وأدخلوهم في وظائف الدولة الإدارية، ونفخوا في روعهم الاستخفاف بكبار رجال الدولة من عسكريين وسياسيين وموظفين.
وتصور صادق بك أن لديه من القوة والشعبية ما يمكنه من تغيير اتجاه الأمور، فقدم استقالته من الجيش ومن جمعية الاتحاد والترقي، وكتب مذكرة لهيئتها المركزية اشترط فيها لبقائه عاملاً في الجمعية شروطا منها: أن يترك طلعت بك نظارة الداخلية، وجاويد بك نظارة المالية، وأحمد رضا بك رئاسة المجلس؛ لأنه لا ينبغي لزعماء الجمعية أن يكونوا رؤساً في الحكومة لما لهم من القوة التي تمكنهم من الاستبداد.
وكبر ذلك على هؤلاء الزعماء بعد أن مكنوا لأنفسهم في الدولة وصاروا هم أئمتها الوارثين، ولكنهم كانوا في أمر مريج لما تمتع به صادق بك من القبول والطاعة في أوساط الجيش، وخشوا أن يقود هو حركة عسكرية تطيح بهم، وهو أمر كان في مقدوره دون كبير عناء، فبدأوا في الاحتياط لأنفسهم من ذلك، ولكن صادق بك صاحب الضمير المخلص أشعر أحد الوسطاء أنه لن يريق الدماء ويجعل الجيش يقاتل بعضه بعضاً، فاستقال من الجمعية ورجع عن استقالته من الجيش.
وأفسحت استقالة صادق بك من جمعية الاتحاد والترقي الطريق لهؤلاء الضباط الشباب للسيطرة عليها، وكان من وسائلهم الفعالة أن جعلوا التصويت على القرارات علنياً ليتسنى لهم الترهيب والترغيب، وشكلوا من وراء الستار تحالفات ذات منافع مادية، وبثوا الفُرقة بين أعضائها حتى يسهل التحكم بهم، وبدأ هؤلاء الضباط في اتخاذ سياسات متطرفة تتعارض مع مصلحة دولة الخلافة العثمانية، أولها الدعوة القومية الطورانية التي تنفر من العرب والإسلام، ولذا قامت حكومات الاتحاد والترقي بتتريك الوظائف، ومحاربة التعليم العربي حتى في البلدان العربية، ومنعت الألبان والأكراد من تدوين لغتهم، وجرت هذه التطورات في وجود مجلس الأمة المنتخب، وتفاقم الاستياء من تصرفات زعماء الاتحاد والترقي، فقد كانت البلاد تحكم من خلال جمعية سرية لا وزارة مسؤولة كما يقتضي الدستور، وضج مجلس الأمة بالشكوى، وبلغت المعارضة حداً اضطر معه طلعت بك إلى الاستقالة من نظارة الداخلية، وتبين في هذه الأحداث أن الاتحاديين لم يكونوا بالقوة أوالشعبية التي كانوا يتصورون أو يُصوِرون.
وكانت هناك قضية أخرى دقت بسببها أجراس الخطر لدى المخلصين من سياسيين وغيرهم، فقد كان الفساد الإداري الذي استعمله الاتحاديون لوضع ضباطهم وأنصارهم في مفاصل الدولة، يواكبه فساد يستهدف المقومات التاريخية للأمة العثمانية من دين وآداب وأخلاق، فقد جعل الاتحاديون الصلاة في مدارس الحكومة ولا سيما الحربية أمراً اختيارياً، وجاهر بعض زعمائهم  بأن علينا: أن نمشي وراء فرنسا في كل خطوة في الأمور المادية والمعنوية جميعًا، وأن نعصر رجال الدين عصرا!
وكان صادق بك يراقب هذا التطورات بصمت فلما رأى قوة المعارضين للاتحاديين ووزارتهم من أحزاب المجلس قد عظمت، ورأى أن المنصفين من الاتحاديين قد انفضوا من حول أولئك الزعماء، بدأ يتحرك في تجميع المعارضة وتشجيعها على مواجهة المستبدين من الاتحاديين، فاشتدت عزائم المعارضين، وشكلوا ائتلافاً حزبياً سموه حزب الحرية والائتلاف، ويقال لأعضائه الائتلافيين، وأسقطوا في تموز/يوليو 1912 وزارة سعيد باشا الاتحادية، وشكلوا وزارة من أهل التجارب والثقة برئاسة أحمد مختار باشا الغازي، ولكن ليس قبل أن يوعز الاتحاديون إلى محمود شوكت باشا وزير الحربية بإقالة صادق بك من الجيش بحجة تدخله في السياسة، وفكر صادق بك في رفض القرار ثم قبله، فقد كان ضابطاً مثالياً في الطاعة والانضباط.
واستقال أحمد مختار باشا من رئاسة الوزارة بعد 3 أشهر، وجاء بعده محمد كامل باشا، ، المولود في قبرص سنة 1247=1832، وفي تشرين الأول/أكتوبر 1912 أعلنت دول العصبة البلقانية الحرب على الدولة العثمانية، واستطاعت جيوشها في 8 أشهر أن تنزل  هزائم متتالية بالجيش التركي وتحتل كل المقاطعات الغربية بما فيها مدينة أدرنة عاصمة الخلافة السابقة، ففقدت الدولة العثمانية جناحها الغربي بعد أن بقي في جسمها 550 سنة، وبسبب الوضع في البلقان وقعت الحكومة معاهدة لوزان مع إيطاليا، تخلت فيها عملياً عن ليبيا مع بقاء بعض المناصب العثمانية الرمزية فيها.
ومهد الاتحاديون للانقلاب في أوساط الرأي العام بتحميلهم الحكومة مسؤولية خسارات أراضيها في البلقان وليبيا، وكان للانقلابيين ما يكفي من الأنصار وسط الضباط في القوات الموجودة في استانبول ليضمن لهم أنها لن تتدخل عند وقوع الانقلاب أو أن تدخلها سيكون ضعيفاً مشتتاً.
وجرى الانقلاب على نحو فيه كثير من الجرأة والمغامرة، وكان قطبه أنور بك يحمل رتبة مقدم أركان حرب ويبلغ من العمر 31 سنة، ومعه العقيد الركن جمال باشا ويبلغ من العمر 41 سنة، وحدد الانقلابيون وقت الانقلاب في الثانية بعد الظهر ليتم أثناء اجتماع الوزارة، وجاءوا بنحو مئتي شخص من أنصارهم ووزعوهم في المقاهي الواقعة أمام الباب العالي، وفي الوقت المعين تجمع هؤلاء أمام الباب العالي، وجاء أنور بك على جواده يحيط به أربعة من أنصاره قد وضعوا مسدساتهم تحت ستراتهم إلا أنها كانت ظاهرة لكبر حجمها، وقام شيخان من أنصارهم يصيحان في المتجمهرين وفي جند حراسة الباب العالي: أيها المسلمون! استغفروا الله، أيها المسلمون! استغفروا الله. الله أكبر، الله أكبر. فيجيبهما الجميع: أستغفر الله، أستغفر الله.
وكان الانقلابيون يهدفون من ذلك أن يستثيروا العواطف الدينية في الحراس من غير أنصارهم فيترددون في قمع المتجمهرين أو إطلاق النار عليهم، أما أنصارهم في الحراس فكانوا على ترتيب معهم ليظهروا شيئاً من الممانعة ثم يسمحون لهم بالدخول، وهكذا كان فبعد أن دخل أنور بك ومرافقيه الباب الخارجي الكبير أقفلوا الباب وراءهم ومنعوا غيرهم من الدخول.
وبلغ خبر هذا التجمع للوزارة المجتمعة، فترك الاجتماع وزير الحربية ناظم باشا وأعطى أوامره لمرافقه نافذ بك أن يأمر الجنود بتفريق المجتمعين، ولما وصل أنور بك وأعوانه إلى داخل مبنى الباب العالي وأرادوا الدخول إلى غرفة مجلس الوزراء منعهم نافذ بك، فأطلق عليه أحد الضباط من مرافقي أنور بك النار فأرداه، ثم أردى الانقلابيون مرافق الصدر الأعظم ومرافق شيخ الإسلام لما تصدبا لهم، ولما سمع ناظم باشا إطلاق النار خرج ليرى الأمر فلما رأى أنور قال له: ألست أنت الذي أقسمت ألا تتدخل في السياسة؟! أنذال غشاشون! فعاجله أحدهم برصاصتين أودتا بحياته.
ودخل الانقلابيون غرفة مجلس الوزراء وفي يد أنور بك عريضة استقالة باسم الصدر الأعظم كامل باشا، فقبض على المسدس بيد وبسط العريضة بالأخرى لكامل باشا قائلاً: وقِّع على هذه العريضة حالاً، فالأمة لا ترضى بوزارتكم. فما كان من الشيخ الثمانيني إلا أن وقع الورقة، فغادر أنور بك على الفور، وترك بعض رجاله وأمرهم ألا يسمحوا لأحد بالخروج  من المبنى أو الدخول إليه.
وركب أنور بك سيارة كانت في انتظاره واتجه بها نحو السراي السلطانية في دولمه بقجه، وكان مئات من أنصار الاتحاديين قد تظاهروا كذلك عندها، فدخل إليها ثم خرج بأمر سلطاني موقع بقبول استقالة كامل باشا وتعيين محمود شوكت باشا في منصب الصدر الأعظم، وتعيين طلعت بك وكيلاً لوزارة الداخلية إلى أن تتألف الوزارة الجديدة، وكان هذان ينتظرانه مع آخرين عند السراي فعاد بهم أنور بك إلى الباب العالي، وتلي الفرمان السلطاني على المتجمهرين، وبعد ذلك خطب محمود شوكت باشا فقال: إني قبلت هذا المنصب وأنا على علم بحرج الموقف، وإني واثق بالله أن يوفقني إلى خدمة الوطن. ثم طلب من المتظاهرين أن يتفرقوا، فذهبوا من الباب العالي إلى حزب الحرية والائتلاف فنهبوه، وأخذوا أوراقه ودفاتره، وحطموا زجاج نوافذه.
وكان الانقلابيون قد خططوا لما يريدون تنفيذه في حالة نجاحهم من تعيينات في مفاصل الحكم والدولة، فتكونت الوزارة الجديدة من محمود شوكت باشا في منصب الصدر الأعظم ووزارة الحربية، وتولى محمد أسعد أفندي، أمين الفتوى، منصب شيخ الإسلام، وعادل بك الحاج في وزارة الداخلية ولكن أُسند منصب الوكيل لطلعت بك الاتحادي المتنفذ، وضمت الوزارة 3 من اليهود هم بساريا أفندي في وزارة الأشغال، وهو من والاشيا في رومانيا والتي يسميها الأتراك الفلاخ، ونسيم مازلياح وزير التجارة والزراعة، ومندوب أزمير سابقاً في مجلس الأمة، وجاويد بك وزير المالية وأصله من الدونمة. وتهكمت مجلة المنار عندما أوردت خبر الوزارة فقالت في حديثها عن بساريا أفندي: ذهب كل الفلاخ من يد الدولة وإنما بقي لنا منهم بحمد الله هذا الناظر، ثم علقت على خلو الوزارة من العرب فقالت: في الوزارة 3 وكلاء من قبل الجمعية الصهيونية: نسيم مازلياح، وجاويد بك، وبساريا أفندي؛ أما العرب فلا يوجد لهم فيها ولا رجل واحد، وهذا معقول مفهوم؛ لأنه لا يوجد عرب في البلاد العثمانية!
وحدد الانقلابيون كذلك من يريدون توقيفه وسجنه ممن يتوقعون منهم المعارضة، فقبضوا على مدير عام البوليس، وعلى عدد من الصحافيين وأصحاب الصحف التي كانت تنتقد الاتحاديين وأغلقوها، وعزلوا عدداً من محافظي الولايات بينهم محافظ الآستانة إلى جانب عدد من كبار الموظفين، وأصدر طلعت بك بياناً عن وزارة الداخلية يحمل الرواية الرسمية لخبر الانقلاب: لما كانت وزارة كامل باشا قد تجاوزت على حقوق الأمة فتركت للأعداء ولاية أدرنة كلها، وجمعت في السراي السلطانية مجلس مشورة من أعضاء مجلس شورى الدولة ورؤساء الموظفين دعته المجلس الملي، ثار الشعب وأصبح في حال الغليان، فقام بمظاهرة أمام الباب العالي أدت إلى استعفاء الوزارة، فصدرت إليَّ الإدارة السنية بإدارة أمور نظارة الداخلية بالوكالة إلى أن تعين الوزارة، وباشرت الأمر مستعينًا بقوته تعالى...
وشكل الصدر الأعظم الجديد عقبة أمام الاتحاديين، فلم يكن محمود شوكت الشركسي الأصل، العربي المنبت، والمولود في بغداد سنة 1275=1858 عضواً في جمعية الاتحاد والترقي، ولكنهم أتوا به لخلو صفوفهم ممن يصلح لتولي هذا المنصب، من حيث الوجاهة أمام الشعب، ومن حيث الخبرة بالحكومة، وبالرغم من أخطائه السابقة وتأييده للاتحاد والترقي، فقد أحسن محمود شوكت العمل في وزارته، وكانت خطته لم شعث الدولة وإعادة بنائها بعنصريها العربي والتركي، بعد أن تركتها العناصر البلقانية واليونانية، ولم يكن محمود شوكت من أنصار أن يعمل العسكريون في السياسة، وسبق له أن صرح: بعد... تأسيس الدستور لم يبق محل لاشتغال الجيش بالسياسة، وأنا... أوصيت... بكل عزم وإخلاص أن يحصر الجيش همته في وظيفته العسكرية المقدسة. ولكن ما لبث محمود شوكت أن لقي مصرعه غيلة أمام نظارة الحربية في 11 حزيران/يونيو 1913، وهكذا رحل آخر شخص كان في مقدوره الوقوف في وجه الاتحاديين.
وانتهز الاتحاديون مصرعه للتنكيل بكل خصومهم السياسيين الذين اتهموهم باغتياله، فأحالوا إلى التقاعد عدداً كبيراً من الضباط ورجال الدولة المخضرمين الذين شكوا في ولائهم أو خافوا من استقامتهم أو معارضتهم، وأنشأ الاتحاديون مجلس قضاء عُرفي ترأسه محافظ العاصمة جمال باشا، الذي سيعرفه العرب بالسفاح فيما بعد، وأصدر أحكامه بالإعدام والسجن والنفي على مئات من المعارضين، وجرى إعدام عدد منهم وهرب من لم يدركوه إلى خارج البلاد، وخلا بذلك للاتحاديين وجه البلاد والعباد.
أجبر الاتحاديون السلطان رشاد على تعيين الأمير سعيد حليم باشا في منصب الصدر الأعظم، وهو أمير من أسرة محمد علي التي كانت تحكم مصر، ولكن السلطة بأكملها كانت للباشوات الثلاثة؛ طلعت بك وزير الداخلية، وأنور باشا في الجيش، وجمال باشا في البحرية ثم المقاطعات العربية، وطَرَدَ الثلاثي الحاكم رئيسَ الحركة السابق أحمد رضا بك، وجاءوا بضياء الدين كوك ألب ليكون منظِّراً للحركة ويتولى الجوانب الفكرية والثقافية فيها.
وتنازعت دول العصبة البقانية على تقسيم ما استولت عليه من أراض، فقامت الحرب بينها، فانتهز الأتراك الفرصة واسترجعوا بعض أراضيهم في شرق ووسط تراقيا، ودخل أنور بك أدرنه على رأس القوات التركية، فأعاد ذلك شيئاً من القوة المعنوية للعثمانيين، وانتهت حرب البلقان الثانية بمعاهدة بوخارست في آب/أغسطس 1913، والتي وزعت الأسلاب بين دول البلقان وتركت لتركيا الفتات، واستاء منها الرأي العام التركي استياء كان له أثره في الابتعاد عن بريطانيا والميل للألمان.
ونشبت الحرب العالمية الأولى في 28 تموز/يوليو من عام 1914، وقامت الحكومة الاتحادية بعدة تصرفات خرقت فيها الاتفاقات الدولية المتعلقة بالمضايق والبحر الأسود، وفي 28 تشرين الأول/أكتوبر شنت البحرية العثمانية هجوما على مرافئ روسيا على البحر الأسود، مما دفع بروسيا وفرنسا وبريطانيا إلى إعلان الحرب على الدولة العثمانية التي أعلنت رسمياً دخولها الحرب مع الجاتب الألماني.
ودخلت الحكومة الحرب لهوى في نفوس زعمائها أنور باشا وطلعت بك وجمال باشا، رغم أن كثيراً من كبار الضباط الأتراك كانوا قد حذروا أنور بك من دخول الحرب، وذلك في اجتماعات القيادة العسكرية التركية، وكذلك في تقارير رفعوها إليه مباشرة، ومن هؤلاء كمال أتاتورك وعصمت أينونو وكاظم قرا بكر.
وأعلن السلطان محمد رشاد الجهاد الأكبر بصفته خليفة المسلمين، ولكن ذلك النداء لم يكن له صدى يذكر في العالم الإسلامي، فشتان ما بين السلطان عبد الحميد الذي اعتبره ملايين المسلمين سلطانهم الشرعي وما بين السلطان محمد رشاد الذي عرف العالم كله أنه دمية بيد جمعية الاتحاد والترقي، والجدير بالذكر أن السلطان عبد الحميد عندما علم بإعلان الجهاد قال: كان هذا سلاحاً كبيراً، وتأثيره يكون أكبر في حالة عدم استعماله، ما كان ينبغي استعماله أبدا.
قدمت الأمة العثمانية من أتراك وعرب تضحيات هائلة في الحرب العالمية الأولى، فقد سيق أبناؤها شباباً وشيباً لساحات القتال، ليكونوا 9 جيوش مشكلة من 63 فرقة، وخاضوا أغلب المعارك ببسالة واستماتة رغم التدريب المتواضع والتجهيزات الهزيلة، واستغرق المجهود الحربي أموال الأمة وأرزاقها وزراعتها، وانجلت الحرب عن وصول القوات البريطانية إلى استانبول، ونزول القوات اليونانية في الأناضول وهي تطمع أن تضم إليها المنطقة المحيطة بأزمير، وخسرت الدولة العثمانية الشام وفلسطين والعراق والحجاز، وكان للشريف الحسين بن علي وقواته دور هام في قتال الأتراك وتتبع فلولهم، وعلى الجبهة مع روسيا في الشمال الشرقي من الأناضول، هلك الجيش الثالث التركي الذي قاده أنور باشا بنفسه في المعارك، وكان يظن نفسه قائداً عسكرياً عظيماً ولكن الجنرال الألماني العظيم ليمان فون ساندرز كان يعتبره متبجحاً غير كفؤ!
وانحاز الأرمن في تلك المناطق وفي شرقي الأناضول إلى الروس، وقتلوا السكان الأتراك المسلمين في تلك المناطق، فلما عادت تلك المناطق إلى أيدي الأتراك كالوا لهم الصاع صاعين، وقرروا تهجير هذا الخطر الذي اندلع بين ظهرانيهم، وبخاصة أن تاريخ الدولة العثمانية مع الأرمن كان متميزاً في الاعتماد عليهم ومنحهم أعلى المناصب وأرقاها في الدولة، وهكذا جرى تهجير حوالي نصف مليون أرمني في ربيع سنة 1915 من شرقي الأناضول إلى بلاد الرافدين وسوريا ولبنان، وهي مآساة لا تزال أشباحها تحول بين تحسن العلاقات بين الأتراك وبين الأرمن، وهما الشعبين الذين تجاورا قروناً طويلة، ولعل الأرمن هم أكثر عنصر مسيحي اختلطت تاريخه وعاداته وثقافته بتلك لدى الأتراك، فترك بصماته الكثيرة عليها وتأثر بها في كافة مناحي حياته.
ولئن استاء الأتراك من أن يطعنهم الشريف حسين في ثورته من الحجاز، فقد كان من نتائج الحرب أن استاء العرب كذلك من الأتراك وحكومة الاتحاد والترقي، ففي إبان الحرب وفي سنة 1916 قام جمال باشا قائد الجيش الرابع الذي مقره دمشق بإعدام 20 من الشخصيات العربية كان كثير منهم أعضاء سابقين في جمعية تركيا الفتاة، وكانت جريرتهم الاتصال مع القنصلين البريطاني والفرنسي، وهي تهمة قد تكون صحيحة في ذاتها وخاطئة في استنتاجهها أن هؤلاء، أو أن بعضهم على الأقل، خونة ومتآمرون، فقد كان هؤلاء من كبار المفكرين والسياسيين العرب يدعون إلى اللامركزية، أو الحكم المحلي، ومن مهمة قناصل بريطانيا أو فرنسا سبر الرأي العام في البلدان التي يعملون فيها والتأثير عليه، ولعل الذنب الحقيقي لكثير منهم هو تأييدهم لحزب الحرية والائتلاف بعد أن تبينت سياسات التتريك في جمعية الاتحاد والترقي.
وكانت هناك في وسط هذه الغيوم المتلبدة أشعة شمس برزت ساطعة، وهي الانتصار الحاسم الذي حققته الجيوش العثمانية في معارك جناق قلعة والهزيمة المنكرة التي حلت بالحلفاء في شبه جزيرة غاليبولي، ورد هذا الانتصار الاعتبار لشرف الجندي العثماني، ذلك إن الهزيمة السريعة والكاملة التي حلت بالدولة العثمانية في الحرب البلقانية الأولى، واحتلال بلغاريا أدرنة، جعل الدول الأوربية تستصغر الجيش العثماني وتستخف به، وساورت الشكوك حول قدرات هذا الجيش حتى حلفاءه الألمان الذين دربوه وسلحوه، فلما ثبتت الجيوش العثمانية 11 شهراً أمام موجات الإنزال الحليف المتتالية، والتي تفوقت عليها في العدد والعدة، حتى أفشلتها وردتها خائبة، وكبدتها قرابة 220.000 قتيل، أثبت المقاتل العثماني أنه حقاً لا يقهر إذا توفرت لدى قواده إرادة القتال والتخطيط السليم.
ولنتصور ما الذي يمكن أن يحدث لو بقي الحكم في إطار الشورى وكانت قرارات الحكومة مبنية على آراء الخبراء لا أهواء المستبدين وخاضعة للمسائلة والتدقيق؟ ما من شك أن الحكومة العثمانية كانت ستلتزم الحياد ولن تدخل الحرب العالمية الأولى، وأن ثروتها البشرية والاقتصادية في تركيا والمقاطعات العربية ستبقى مزدهرة نامية، وسيبقى جيشها قوياً مهاباً يقوده آلاف الضباط المدربين خير تدريب، وستكون لها الكلمة الأقوى في الشرق الأوسط والبحر المتوسط، ولما كان المستعمر البريطاني والفرنسي يستطيع أن يبسط يده على العراق والشام وفلسطين، وربما...وربما... 
ولنختم حديثنا باستعراض حياة ومآل الباشوات الثلاثة أبطال هذا الانقلاب، أو جُنْاتِه إن شئت.
ولد إسماعيل أنور باشا في استانبول في سنة 1298=1881، وكان أحد مؤسسي جمعية تركيا الفتاة، وبرزت شهرته عندما شارك سنة 1911 في جيش الخلاص الذي قاده محمود شوكت باشا من سلانيك إلى استانبول ليقوم بإجبار السلطان عبد الحميد على الاستقالة، ثم لمع نجمه أكثر عندما ذهب إلى ليبيا بعد الغزو الإيطالي لتنظيم الدفاع عنها ومقاومة إيطاليا، كان أنور بك مسلماً متديناً، مختالاً فخوراً، جسوراً إلى حد المغامرة، مستهتراً لا يبالي بالعواقب، ولا يقيم وزناً لكبير ولا لقانون أو نظام، قام بالانقلاب ورقى نفسه من مقدم ركن إلى لواء دون أن يصبح عقيداً، وصار وزيرا للحربية وعمره 33 سنة، تزوج ابنة أخت السلطان محمد رشاد، فصار يلقب بالداماد؛ صهر السلطان، وكان لزوجته أثر محمود في كبح جماحه الذي لا يعرف الحدود. كان أنور ملحقاً عسكرياً في برلين برتبة رائد لفترة من الزمن وكان محل عطف من القيصر وليم الثاني فاقم في غروره وزاد من إعجابه بألمانيا التي كان يعتقد أنه ليست هناك قوة أخرى تستطيع هزيمة جيشها.
وبعد استسلام تركيا في نوفمبر 1918 واحتلال الحلفاء استانبول، هرب أنور إلى ألمانيا، وذهب بعد 6 أشهر في سنة 1919 إلى روسيا التي كان الشيوعيون يحكمونها منذ الثورة البلشفية في سنة 1917، وحاول هناك دون جدوى أن يحصل على مساعدة روسية لتغيير حكومة كمال أتاتورك بالقوة، ومن موسكو سافر إلى تركستان التي اندلعت فيها ثورة على الشيوعيين في سنة 1921 فما كان منه إلا انضم إلى الثوار ولقي حتفه  في سنة 1340=1922 وهو يقاتل الجيش الأحمر الروسي.
أما محمد طلعت باشا فولد في أدرنه سنة 1291= 1874، وعمل موظفاً في شركة البرقيات، ولكنه انخرط في العمل السياسي في جمعية تركيا الفتاة، ولما قامت حركة تركيا الفتاة في سنة 1908 صار مندوباً عن أدرنة في مجلس النواب، وبعدها في سنة 1909 وزيراً للداخلية، ثم أصبح الأمين العام لجمعية الاتحاد والترقي، وصار بعد الانقلاب وزير الداخلية والمسؤول عن كثير من المآسي التي حصلت في تلك الفترة ومنها تهجير الأرمن، وفي سنة 1917 تسنم طلعت باشا منصب رئيس الوزراء، ومع اقتراب نهاية الحرب العالمية الأولى هرب إلى ألمانيا قبل استسلام تركيا بقليل، ولقى حتفه في برلين في سنة 1921 على يد أحد الأرمن. كان طلعت ضعيف التدين قليل الثقافة قومي النزعة، وكان يتمتع بذكاء ومكر لا حدود له، خشن الطباع له قسوة لا تعرف الرحمة.
أما جمال باشا فولد في استانبول سنة 1289=1872 ودخل في سلك العسكرية وانضم وهو ضابط إلى جمعية الاتحاد والترقي، وأصبح من كبار قادة الجيش بعد حركة 1908، وصار والياً على بلاد الشام بعد اندلاع الحرب، ولم يفلح في هجماته في غزو مصر والاستيلاء على قناة السويس، ولقبّه العرب بالسفاح لأعدامه عدداً من الشخصيات العربية بتهمة الخيانة، وبعد انتهاء الحرب بقي جمال باشا في تركيا يعمل مع الحكومة الجديدة، ولقي مصرعه في تبليسي في جورجيا في سنة 1922 على يد أحد الأرمن. كان جمال باشا معجباً بفرنسا يود لو أمكن التفاهم معها، ومن ثم مع بريطانيا، فلا تدخل تركيا الحرب العالمية بجانب ألمانيا، ولكن لندن وباريس المتحالفتين لم تظهرا اهتماماً بعقد اتفاق كهذا.
نشر السيد محمد رشيد رضا في مجلة المنار أنباء الانقلاب ثم نشر هذه الكلمات لكاتب شهد الانقلاب بنفسه، ولعله الأمير شكيب أرسلان:
 
نشر السيد محمد رشيد رضا في مجلة المنار أنباء الانقلاب ثم نشر هذه الكلمات لكاتب شهد الانقلاب بنفسه، ولعله الأمير شكيب أرسلان:
أكتب إليكم، وأنا أشهد بعيني، وأسمع بأذني كيف تكون مصارع الدول، وكيف تخط مضاجع الأمم، وكيف يفتك العلم بالجهل، وتستولي النباهة على الخمول، وكيف تنشب القوة مخالبها في الضعف فتمزق أشلاءه، وكيف يتضاءل المقصرون أمام السابقين، ويتضاغر المهملون لصولة العاملين، أشهد كيف يحتفر الجاهل قبره بيده، ويهدم قصره بفأسه ومعوله، حتى لا يترك للعدو سبيلاً إلى العناء.
 
 

الأحد، 22 نوفمبر 2015

حدث في الثامن من صفر

 
في الثامن من صفر من سنة 1349 الموافق 4 تموز/يوليو 1930 خرجت بعد صلاة الجمعة في فاس وسلا بالمغرب جموع المواطنين في مظاهرات واسعة تندد بالظهير البربري الذي أصدرته في 17 ذي الحجة من عام 1348=16 أيار/مايو 1930 حكومة الحماية الفرنسية، وإن حمل توقيع السلطان محمد بن يوسف الذي سيعرف فيما بعد باسم الملك محمد الخامس، ذلك إن الملك الشاب كان تحت استبداد الصدر الأعظم الحاج محمد المقري، المولود سنة 1277=1860والمتوفى سنة 1377=1957، والذي كان متعاوناً مع الفرنسيين لأبعد الحدود.
ونشير هنا أننا استعملنا كلمة البربر ذات الأصل اللاتيني والتي تعني المتوحشين أو الهمجيين، والتي أطلقها الرومان في غزواتهم التاريخية على السكان الأصليين للمغرب، تنقيصاً من شأنهم، والاسم الأصيل الذي اختاره هؤلاء لأنفسهم هو الأمازيغ، وكان من الأصح استعماله لولا السوابق التاريخية الكثيرة التي استعملت اسم البربر في هذا السياق.
ونصَّ الظهيرُ البربري على أن: المخالفات التي يرتكبها المغربيون في القبائل ذات العوائد البربرية ... يقع زجرها هناك من طرف رؤساء القبائل... وأن الدعاوى المدنية أو التجارية تنظر فيها محاكم خصوصية تعرف بالمحاكم العرفية ... كما تنظر المحاكم المذكورة في جميع القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية أو بأمور الإرث وتطبق في كل الأحوال العوائد المحلية... والمحاكم الفرنسية التي تحكم في الأمور الجنائية حسب القواعد الخاصة بها لها النظر في الجنايات التي يقع ارتكابها في النواحي البربرية.
وهكذا جعل هذا الظهير نظاميين قضائيين في بلد واحد، فرتب إنشاء محاكم في مناطق البربر على أساس الأعراف والعادات البربرية، وأحل قانون العقوبات الفرنسي محل قانون العقوبات الشريفي، أي السلطاني، المستمد من الشريعة الإسلامية، وجعل الظهير إدارة المنطقة البربرية تحت سلطة الإدارة الاستعمارية الفرنسية، وأبقى المناطق العربية تحت سلطة حكومة المخزن والسلطان المغربي، وقد أبدى بعض الكتاب الفرنسيين استغرابهم من فرض العرف البربري، وهو الذي كان يعامل المرأة كسلعة يملكها أبوها أو زوجها أو أخوها مما يتعارض تعارضاً فاضحاً مع قيم الحرية التي تتغنى بها فرنسا.
وكان الهدف من هذا القانون العزل المزدوج للمناطق البربرية عن بقية مملكة المغرب؛ عزل الإدارة السلطانية عنها، وعزل الشريعة الإسلامية عن أن تكون وسيلة التقاضي فيها، ولم تكن أهداف فرنسا من هذا القانون إنصاف البربر، بل كان تريد منه أن تفصل سكان المغرب المسلمين إلى عرب وبربر، وتضع البربر في مواجهة إخوانهم العرب وتضعف مكانة السلطان المغربي والشريعة الإسلامية، وتجعل فرنسا من نفسها حامية لحقوق البربر المزعومة، وبخاصة أنها فتحت المدارس في مناطق البربر لتشجيع النزعة الانعزالية فيهم، ومنعت الحديث فيها باللغة العربية، ودرست فيها التاريخ على أن العرب غزاة، وأن البربر هم أصحاب البلاد الأصليون، وأنهم قريبون من الحضارة الأوربية التي تنتمي إلى الحضارة اليونانية، بل كان من بعض رجال الاستعمار أن زعم أن البربر أوربيو الأصل.
وكانت هذه الحركة تهدد لحمة النسيج المغربي، فقد كان البربر يشكلون آنذاك نصف سكان المغرب، وينتشرون في الريف وجبال الأطلس، ولو نجحت الآمال الفرنسية لانقسم المغرب إلى دويلتين ضعيفتين سياساً، هزيلتين اقتصادياً، خاضعتين ذليلتين للمستعمر الفرنسي وسطوته العسكرية وتفوقه الحضاري.
ومن طبيعة السياسات الاستعمارية أن تركز على التحكم في التعليم لسبك بوصلة الأجيال المتعلمة فتيمم وجهها دائماً تلقاء المستعمر وثقافته وأفكاره، وتعتقد أنها ما ينبغي أن تتحول إليه وتسير عليه، وإذا نجح المستعمر في إحداث هذا التحول فقد نجح في جعل استعماره استعماراً دائماً للعقول والوعي المعرفي، لا يزول وإن زال الاستعمار العسكري من تلك البلد، وتميز البريطانيون عن الفرنسيين في تقبلهم للتقاليد المحلية وتساهلهم مع رموزها، أما فرنسا فكانت سياستها في الدول التي استعمرتها أن تمحو الثقافة واللغة الأصلية وتجعل الثقافة واللغة الفرنسية هي محور النهضة والتقدم في تلك البلاد.
وقد نجحت هذه السياسة نجاحاً ظاهراً في الدول الإفريقية، وذلك لكون مجتمعاتها ذات حضارة بسيطة، تتألف من عدد كبير من القبائل المتعددة في لغاتها ومناطقها، ويدين لها أبناؤها بالولاء قبل أن يعرفوا الدولة المركزية، ولذا فإن الدولة المركزية التي ورثت المستعمر أو أورثها، أصبحت قائمة على اللغة والثقافة الفرنسية إذ جعلها المستعمر الفرنسي من خلال نظام التعليم الرابط الذي يجمع هذه القبائل والعناصر المختلفة، وهو ما نراه اليوم في بلدان كالسنغال والجابون والنيجر وتشاد، والتي أضحت اللغة الفرنسية لغة مؤسساتها الرسمية.
ولكن هذه السياسة فشلت إلى حد كبير في المجتمعات ذات الشخصية القوية والتاريخ العريق، ولم يقتصر ذلك على دول المغرب العربي، بل نذكر كذلك فيتنام التي احتلتها فرنسا عام 1883 وبقيت فيها حتى عام 1954، والتي فشلت فرنسا في فرنستها.
وكانت هذه السياسة نتاج أفكار وأبحاث مفكري ومستشرقي الدولة الاستعمارية، ونشير أن مركز الدراسات العليا العسكرية عقد مؤتمراً في سنة 1923 تحت عنوان: الإسلام والمسائل الإسلامية من وجهة النظر الفرنسية، وقد صدر كتاب حمل نتائج المؤتمر، وكان محرره أحد كبار خبراء الفرنسيين في القضايا الإسلامية وهو الجنرال إدوارد بريمون Édouard Brémond، وأورد الكتاب مداولات وتوصيات مما جاء فيها: من الخطأ الكبير أن ننشر الإسلام بين قبائل البربر، وأن نجبرهم على اللغة العربية والشريعة الإسلامية... يجب محو إسلام البربر وفرنستهم. وسيصدر الجنرال فيما بعد كتاباً أسماه: البربر والعرب، يحاول فيه إثبات أن البربر في الأصل شعب من شعوب أوربا.
ويقول المستشرق الفرنسي موريس جودفروا دومومبين Maurice Gaudefroy-Demombynes, ، المولود سنة 1279=1862 والمتوفى سنة 1377=1957، في كتابه: المهمة الفرنسية فيما يخص التعليم في المغرب، L'œuvre française en matière d'enseignement au Maroc ، الصادر عام 1928: إن الفرنسية، وليست البربرية، هي التي يجب أن تحل مكان العربية كلغة مشتركة وكلغة حضارة. ثم يقول: وجود العنصر البربري مفيد كعنصر موازن للعرب يمكننا استعماله ضد حكومة المخزن... إن قوام السياسة البربرية هو العزل الاصطناعي للبربر عن العرب، والمثابرة في تقريبهم منا من خلال التقاليد.
وقامت كل هذه السياسات والدراسات على أساس أن البربر هم الحلقة الأضعف في الكيان المغربي الذي يقاوم الاستعمار، وأنهم يمكن أن يكونوا حلفاء له في المغرب العربي، واستند هذا على افتراض أن إسلام البربر لم يكن إلا إسلاماً سطحياً لكونهم ما زالوا محتفظين بكثير من عاداتهم القبلية، ولذا فإن من الممكن تحويلهم إلى الدين المسيحي بعد خلق فجوة بينهم وبين العرب.
كان هذا الظهير البربري ظهيراً للنشاطات التنصيرية في أوساط البربر، وعلى الرغم من أن الدولة الفرنسية دولة شديدة التعصب للعلمانية إلا أنها في مستعمراتها كانت تحالف الكنيسة الكاثوليكية، وغالباً ما تضافرت المؤسسات التنصيرية مع المؤسسات الاستعمارية وسارت في ركابها، وحسبنا أن نشير لقول الباحث والمؤرخ أمديه جيرو Amédéé Guiraud في كتابه: العدلية الشريفية: أصولها،عملها، تنظيمها المستقبلي La justice cherifienne  الصادر عام 1930: يجب توجيه غزو معنوي للبربر ... وسيكون الغزاة الإرساليات التبشيرية... لنكلم هؤلاء الناس حول المسيح.
ولم يكن الظهير البربري أول خطوة تخطوها فرنسا للحد من سلطات السلطان المغربي، بل سبقه ظهير مماثل أصدره في 11أيلول/سبتمبر سنة 1914 المقيم العام الفرنسي الجنرال هوبرت ليوتي أخرج البربر من دائرة القضاء الشرعي وينص على: القبايل البربرية الموجودة بإيالتنا الشريفة تبقى شؤونها جارية على مقتضى قوانينها وعوايدها الخصوصية تحت مراقبة ولاة الحكومة. وكانت فرنسا بحجة الحرب قد قسمت البلاد إلى مناطق عسكرية يديرها ضباط فرنسيون، وأصدرت فرنسا في سنة 1927 ظهيراً يسمح بانتزاع ملكية الأراضي المشاع في مناطق قبائل البربر لصالح من ينوي استصلاحها من الأجانب.
واتخذت السلطات الفرنسية عدداً من الإجراءات التي تعضد فصل البربر عن العرب وتنصيرهم، فقد سمحت باسم حرية الدين للمنصرين بالتجول في القبائل والحضور في أسواقها ومواسمها، والدعوة إلى الديانة المسيحية، كما سمحت لهم بإحداث ملاجئ للأيتام ولقطاء المسلمين وإحداث مدارس للبنين والبنات، ومنحتهم الأموال والأراضي من ميزانية الدولة الشريفية وأراضيها، وعينت الرهبان والمنصرين مدرسين أو مديرين في مدارس الحكومة الشريفية، وجرى ذلك في الوقت التي فرضت فيه السلطات جوازات للتنقل داخل المغرب وبخاصًة بين المدن وبين القبائل البربرية، وذلك لمنع فقهاء الكتاتيب والمشارطين من تعليم اللغة العربية والقرآن الكريم للقبائل، ولمنع الوعاظ والعلماء وشيوخ الطرق الصوفية من التجول في أنحاء المغرب وتعليم الناس أحكام دينهم وحثهم على شعائره.
وفي بداية الأمر لقي الظهير البربري ترحيباً لا بأس به من بعض زعماء البربر، لأنه في ظاهره سيمنحهم سلطة ووجاهة بين قبائلهم، ولكن غالبية البربر استنكرت أن تعود إلى الوراء فتحكم بغير الشريعة، ولما طردت السلطات الفرنسية القضاة الشرعيين الذين كانوا في قبائل البربر، أرسلت القبائل وفودا إلى السلطان تطالبه بإرسال القضاة الشرعيين وإقامة محاكم شرعية إسلامية على أساس متين، وقامت السلطات الفرنسية بسجن بعض هؤلاء وبدأت في إجبار زعماء قبائل البربر على توقيع رسائل تعبر عن شكر لفرنسا والامتنان لها، ومن امتنع منهم نال العقوبة المهينة.
ولم يخف على نبهاء الشباب في المغرب أهداف هذا المرسوم وما سبقه وتبعه من ترتيبات إدارية، رغم أن الإدارة الفرنسية تلطفت كثيراً في ديباجته وفي صياغته، فاتخذوا منه قضيتهم الأولى، واتصلوا بالعلماء والوجهاء، وقام كل بدوره في مقاومة هذا المرسوم المغرض الذي يخالف حتى معاهدة فاس المعقودة في 30 آذار/مارس سنة 1912 بين فرنسا وبين سلطان المغرب مولاي عبد الحفيظ بن الحسن، والتي بموجبها طلب السلطان الحماية الفرنسية لتخليصه من ثورة أخيه المولى زين وتمرد قبائل فاس، فقد نصت المعاهدة على التزام فرنسا بجعل القبائل المغربية كلها، عربية وبربرية، تحت رعاية السلطان تجري عليها أوامره كما كان الأمر قبل الحماية، وأن يتم إصلاح القوانين المغربية وفق الشريعة الإسلامية.
وفي أول الأمر أطلق القائمون على الحركة الوطنية المعارضِة للظهير اسم: الطائفة، واتخذ مؤسسوها أسماء حركية على أسماء العشرة المبشرين بالجنة، وضمت الحركة شباباً من خريجي المدارس الفرنسية في الرباط أمثال أحمد بلافريج، إلى جانب شباب القرويين بفاس أمثال علال الفاسي، ولم يمض وقت طويل حتى جرت اجتماعات ضمت علماء المغرب ووجهاءه وشبابه لبحث السبل التي تؤدي لإلغاء هذا المرسوم، وكانت أبرز هذه الاجتماعات في فاس وتطوان وسلا، فقد اجتمع علماء ووجهاء فاس في دار السيد أحمد مكوار بن الحاج طاهر وانتخبوا منهم وفداً ليرفع عريضة للملك تطالبه بإلغاء الظهير، وفي تطوان كان لأسرة بنونة دور كبير فقد كانت هذه الأسرة على اتصال بالأمير شكيب أرسلان، واستضافته في زيارته للمغرب قبل حوالي 9 أشهر من صدور الظهير، واتصل الأخوان عبد السلام ومحمد بنونة بالوطنيين في مدن المغرب لتشكيل حركة مقاومة موحدة، وكان للأستاذ عبد اللطيف الصبيحي دور في الكشف عن الظهير قبل أن يصدر في الجريدة الرسمية، حيث كان يعمل في القسم القانوني في الديوان الشريفي، فاطلع على الظهير فنبه إليه مجموعة من الشباب في مدينته سلا، ولنضاله ضد الظهير نفاه الفرنسيون ثم اعتقلوه لفترة من الزمن.
واتخذ الجهاد ضد الظهير مظاهر متعددة، منها الكتابة في الجرائد المحلية والفرنسية، ومنها أن يرفع العلماء والوجهاء رسالة للملك بهذا الصدد، ونشير على سبيل المثال إلى رسالة موجهة إلى السلطان وقع عليها 111 من كبار العلماء والشخصيات يستنكرون الظهير وأهدافه، ولكن أقوى هذه المظاهر كان التجمعات في المساجد والانطلاق منها في مظاهرات تحتج على الظهير وتطالب بإلغائه، واختارت الحركة يوم الجمعة 8 صفر 1349 لانطلاق هذه التجمعات والتظاهرات في عدة مدن مغربية، فجرى تجمع كبير في المسجد الكبير بسلا، وكان أكبر تجمع في ذلك اليوم في فاس، فما أن انتهى الإمام من الصلاة حتى بدأ الحاج العربي بوعياد قراءة الدعاء اللطيفي، وهو تقليد مغربي عريق جميل قائم على دعاء الله عزوجل باسمه: يا لطيف، الطف بنا فيما جرت به المقادير، ولا تفرق بيننا وبين إخواننا البربر. ولم تقتصر قراءة اللطيفية على صلوات الجمعة أو التجمعات المخصوصة، بل كان المصلون يقرؤونها بعد انتهائهم من صلاة الجماعة في المساجد.
وأصدرت السلطات الفرنسية بياناً في 13 ربيع الأول 1349= آب/أغسطس 1930 باسم السلطان تحاول تبرير الظهير البربري وأنه ليس إلا تجديداً لظهير 1914، ومما جاء في البيان: غير خفيٍّ أن للقبائل البربرية عوائد قديمة يرجعون إليها في حفظ النظام ويجرونها في ضبط الأحكام، وقد أقرهم عليها الملوك المتقدمون ... فتمشوا على مقتضاها منذ مدة مديدة وسنين عديدة، وكان أخر من أقرهم على ذلك مولانا الوالد قدس الله روحه... وحيث إن ذلك من جملة الأنظمة المخزنية اقتضى نظرنا الشريف تجديد حكم الظهير المذكور لأن تجديده ضروري لإجراء العمل به بين الجمهور، وقد قامت شرذمة من صبيانكم الذين يكادون لم يبلغوا الحلم وأشاعوا، ولبئس ما صنعوا، أن البرابر بموجب الظهير الشريف تنصروا، وما دروا عاقبة فعلهم الذميم وما تبصروا، وموهوا بذلك على العامة، وصاروا يدعونهم لعقد الاجتماعات بالمساجد عقب الصلوات لذكر اسم الله تعالى اللطيف، فخرجت المسألة من دَوْر التضرع والتعبد إلى دور التحزب والتمرد، فساء جنابنا الشريف أن تصير مساجد قال الله في حقها: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾ محلات اجتماعات سياسة تروج فيها الأغراض والشهوات... فنأمركم أن تلزموا السكينة والوقار وأن ترجعوا إلى سلك الجادة والاعتبار.
وهكذا أخذت الحركة طابعاً إسلاميا مساجدياً، وربطت القضيةَ الوطنية بالدين الإسلامي، فكانت التجمعات الخطابية في المساجد يتلوها قراءة الدعاء اللطيفي، ثم تخرج المظاهرات التي تستمر في قراءة الدعاء اللطيفي، واتسعت رقعتها اتساعاً مذهلاً، حتى قُدر عدد المشاركين في صلاة الجمعة بعد شهر بتسعة آلاف شخص، وقامت سلطات الاستعمار بمواجهتها بالقوة وباعتقال بعض القائمين عليها، وحاصرت مدينة فاس عقوبة لها على المظاهرات، وأدى هذا لتأجيج الروح الوطنية وزيادة أعداد المتظاهرين، واستمرت المظاهرات في بعض المدن عدة أيام متصلة، واستمرت التظاهرات مدة تقرب من ثلاثة أشهر ثم توقفت بعد تشكيل الوفد الذي سيذهب لمقابلة الملك وتقديم مطالب المواطنين التي كانت: إلغاء التشريعات التي تفصل العرب عن البربر، وتوحيد التشريع والحكم في المغرب، وكف يد الإدارة الفرنسية وإعادة السلطة الحقيقية للملك.
وبناء على معرفته الوثيقة بالمجتمعات الغربية وسياسات حكوماتها، قام الأمير شكيب أرسلان بتوجيه الحركة التوجيه السديد، وكان من توصياته أن تنتقل الحركة إلى الصعيد الشعبي الأوسع فتشرك عامة الشعب في نضالها، ودعاها لمقاطعة البضائع الفرنسية قائلاً: إن المقاطعة هي السلاح الذي يخشاه الأوربيون؛ فهم الذين يضعون النقود فوق الله. فبدأت حركة مقاطعة واسعة امتنع فيها عامة المغاربة عن شراء واستعمال المنتجات الفرنسية كالسجائر والسكر والمنسوجات.
وقامت في أنحاء العالم الإسلامي الهيئات والشخصيات الإسلامية تستنكر هذا الظهير وتشير لأهدافه البعيدة، وأصدرت جمعية الشبان المسلمين في مصر، وهي أكبر جمعية إسلامية آنذاك، نداءً إلى ملوك الإسلام وشعوبه وعلمائه، جاء فيه: إن أمة البربر التي استهدت بالإسلام منذ العصر الأول، والتي طالما اعتمد عليها الإسلام في فتوحه وانتشاره، وطالما استند إليها مستنجدا أو مدافعا في خطوبه العظمى... هذه الأمة التي كانت منها دولتا المرابطين والموحدين، فكانت لها في تاريخ الإسلام أيام غراء مجيدة ... هذه الأمة التي ظهر منها العلماء الأعلام، والقادة العظام، والتي لرجالها في المكتبة الإسلامية المؤلَّفات الخالدة إلى يوم الدين ... تريد دولة فرنسا الآن إخراجها برمتها من حظيرة الإسلام بنظام غريب تقوم به سلطة عسكرية قاهرة ممتهنة به حرية الوجدان، ومعتدية على قدسية الإيمان، بما لم يعهد له نظير في التاريخ.
ثم قال النداء: إن فرنسا إذا لم ترجع عن هذه الجريمة فإن العالم الإسلامي يعتبر ذلك مجاهرة منها بعداوته، وسيعلن ذلك على منابر المساجد، وعلى صفحات المجلات والجرائد، وفي حلقات الدروس الدينية، وفي نظم الجمعيات الإسلامية.
ووقع النداء الرئيس العام لجمعية الشبان المسلمين عبد الحميد سعيد وإلى جانبه محمد شاكر وكيل مشيخة الأزهرالسابق، ومحمد رشيد رضا  منشئ مجلة المنار، وعدد من علماء الأزهر والقضاة منهم الأستاذ خليل الخالدي، رئيس الاستئناف الشرعي بفلسطين.
ونفت سلطات فرنسا عدداً من الشباب الوطني لمعرفتها أنهم هم الذين شكلوا كتلة العمل الوطني السرية، والتي صارت حركة سياسية واسعة القبول، فاعتقلت الأستاذ علال بن عبد الواحد الفاسي، المولود سنة 1326=1908 والمتوفى سنة 1394=1974، ونفته قرابة سنة إلى تازة، ولما عاد إلى بلده فاس منعته من التدريس، واعتقلت السلطات الفرنسية الأستاذ محمد المختار بن علي السوسي، المولود سنة 1318=1900 والمتوفى سنة 1383=1963، هو من أسرة علمية بربرية، وكان والده أكبر شيوخ الطريقة الدرقاوية الصوفية، ولكونه من رجالات البربر فقد كانت عقوبته لدى فرنسا أشد، فاعتقلته لبعض الوقت ثم وضع رهن الإقامة الجبرية مدة 5 سنوات في بلده إلغ في جنوب المغرب.
هكذا أيقظ الظهير البربري روح الوطنية المغربية القائمة على الولاء للإسلام واللغة العربية، فكان ذلك وبالاً على المستعمر من حيث لم يحتسب، وتطورت أساليب الحركة ونقلت جزءاً من نشاطها إلى فرنسا، وأصدرت سنة 1351=1932مجلة في المغرب وأخرى في باريس لمخاطبة الرأي العام الفرنسي، وكان برنامجها يتلخص في إلغاء مظاهر الحكم المباشر الفرنسي وتطبيق معاهدة الحماية نصا وروحا، وقيام حكم ملكي دستوري، وإلحاق المغاربة بالوظائف التي كانت شبه محتكرة للفرنسيين، وتأسيس مجالس بلدية وإقليمية ومجلس وطني جميع أعضائه من المغاربة.
ولما جاءت الانتخابات الفرنسية في ربيع سنة 1936 بتحالف مكون من الأحزاب اليسارية عُرف باسم الجبهة الشعبية، وكان زعماؤه أقل تشدداً مع المغرب، أصدرت الكتلة جريدتي الأطلس بالعربية، والعمل الشعبي بالفرنسية، وشرع علال الفاسي ومحمد الوزاني في تنظيم حزب حقيقي، انتخبت له لجنة مؤقتة ريثما تسمح الظروف بعقد مؤتمر وطني، ولما عمدت السلطات الفرنسية إلى حل الكتلة في آخر سنة 1355=1937، أعاد قادتها تكوينها باسم الحزب الوطني، وحصلوا على الاعتراف الرسمي، ولكن ذلك لم يطل فقد حلَّ المقيم العام الفرنسي الحزب بعد بضعة شهور ونفى قادته.
وكان الملك محمد الخامس، المولود سنة 1329=1911، قد تولى العرش في السادسة عشرة من عمره بعد وفاة والده يوسف بن الحسن في سنة 1346=1927، ولم يكن محمد أكبر إخوته، وإنما قدَّمه للعرش توهم الفرنسيين فيه الانقياد إليهم، لهدوء طبعه وصغر سنه، وجاء كما يقول الأستاذ الزركلي في الأعلام: في ظل احتلال فرنسى يعبر عنه بالحماية، فقد كان المقيم الفرنسي هو المرجع الأعلى في سياسة البلاد وإدارتها، وليس للملك الذى كان يدعى بالسلطان، ولا للديوان الملكى الذى يسمى المخزن إلا المظهر الدينى في مواسم الأعياد الإسلامية، ووضع الطابع الشريف، أي الخاتم، على الأحكام الشرعية وشؤون الأحباس المعروفة في المشرق بالأوقاف، ولما اكتمل شبابه اتصل في الخفاء بأهل الوعي من حملة الفكرة التحررية في بلاده، متجاوبا معهم في نجواهم وشكواهم، وتألفت كتلة العمل الوطني وبرز حزب الاستقلال فكان محمد الخامس ممن أقسم له اليمين سرا، وكتم ذلك فلا أعلم أن أحدا أذاعه قبل كتابة هذه الترجمة.
ولما نشبت الحرب العالمية الثانية في سنة 1939 أعلن السلطان محمد بن يوسف عن تأييده ودعمه لفرنسا وحلفائها، وهزم الألمان الجيوش الفرنسية هزيمة مخزية، وأنشأوا حكومة فيشي العميلة في فرنسا، وقوى ذلك من عضد الملك محمد الخامس فاتخذ عدداً من القرارات عصى فيها رغبة فرنسا الفيشية، منها قرار للتمييز ضد اليهود، ولما نزلت القوات الحليفة على سواحل المغرب في سنة 1942 رفض أمر المقيم الفرنسي أوجست نوجيه أن يرحل إلى الداخل، والتقى في سنة 1943 بالرئيس الأمريكي روزفلت في زيارته للمغرب لحضور مؤتمر الدار البيضاء، وذكّره بالعلاقات الوطيدة بين البلدين وأن المغرب كان أول دولة اعترفت بالولايات المتحدة الأمريكية عند ثورتها واستقلالها عن المستعمر البريطاني، وترك هذا اللقاء أثراً طيباً في نفس الرئيس الأمريكي الذي أصبح من أنصار استقلال المغرب وزوال الاستعمار الفرنسي.
وفي 16 محرم 1363=11 كانون الأول/ديسمبر 1944 عقد الوطنيون المغاربة مؤتمرا تأسيسياً تمخض عنه حزب الاستقلال الذي عدل عن سياسة الاستقلال المرحلي وطالب بإسقاط الحماية مباشرة شرطا مسبقاً للتفاوض مع فرنسا على تحقيق المطالب السابقة، وحرر حزب الاستقلال عريضة وقعها عدد كبير من الشخصيات الوطنية المغربية، ولقيت تأييداً واسعاً واستحساناً شاملا من عناصر الشعب المغربي، وقدم الحزب العريضة إلى السلطان محمد بن يوسف وممثلي حكومات فرنسا وبريطانيا وأمريكا وروسيا تطالبها فيها بالاعتراف باستقلال المغرب استقلالاً تاماً تحت ظل ملك البلاد السلطان محمد بن يوسف ... والرعاية الملكية لحركة الإصلاح، وإحداث نظام سياسي شوري تحفظ فيه حقوق وواجبات جميع مكونات الشعب المغربي.
وكانت لفتة ذكية من الحزب أن طلب في العريضة أن ينضم المغرب للدول الموقعة على ميثاق الأطلسي وميثاق الأمم المتحدة الذي أعقبه وتأسس عليه، وهو الإعلان المشترك الذي أصدره في 14 آب/أغسطس 1941 رئيس وزراء بريطانيا تشرشل والرئيس الأمريكي روزفلت، قبل دخول أمريكا الحرب، والذي نص في الفقرة الثالثة منه على أن الطرفين: يحترمان حق كل شعب في اختيار شكل الحكومة التي يريدها ويريدان أن تعود حقوق السيادة والحكم الوطني لأولئك الذين حرموا منها بالقوة.
ورفضت فرنسا عريضة حزب الاستقلال، وردت عليها بأن أعلنت عزمها على إدخال بعض الإصلاحات، وشكلت لجاناً لدراستها وتقرير ما ينبغي عمله، ولكن الرأي العام المغربي رفض هذه المماطلة، واستمرت المظاهرات في كافة أنحاء المغرب 3 أسابيع، وزجت فرنسا بالوطنيين في السجون، ونفت عدداً من وزراء الملك، وحلت الجمعيات والهيئات المغربية الوطنية التي كانت قد سمحت بها في السابق، واتهمت الوطنيين بالتواطئ مع عدوها اللدود ألمانيا الهتلرية، ولم يشفع لهم أن المغرب وضع تحت تصرف الدول الحليفة جميع موارده الطبيعية وموانئه وقواعده العسكرية، وأن أبناءه قاتلوا في صفوف الحلفاء لتحرير فرنسا وإيطاليا من النازية.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية انتقل محمد الخامس إلى العلن في تشجيعه لحركة الاستقلال، ولما سمحت له السلطات الفرنسية بزيارة طنجة في أبريل 1947 ألقى خطاباً لم يشكرها فيه بل أكد تمسك المغرب بمقوماته التاريخية والوطنية وبمقدساته الدينية وأشاد بتأسيس جامعة الدول العربية، وفي سنة 1950 تلقى الملك محمد الخامس دعوة لزيارة فرنسا التي استقبلته استقبالاً حافلاً بغرض استمالته، ولكنه لم يتراجع عن تجديد مطالبته باستقلال المغرب وأن المغاربة لن يرضوا عن ذلك بديلاً، وهو ما كان يردده في لقاءاته مع المسؤولين البريطانيين والأمريكان، ودفعت فرنسا بالتهامي بن محمد المزواري المراكشي الجلاوي، المتوفى سنة 1357=1956، وهو أحد كبار زعماء قبائل البربر في الجنوب، وكانت قد جعلته من قبل باشا مراكش، فجمع الجلاوي القبائل الموالية له وزحف على الرباط في ربيع الآخر 1370= 1951، وعندها حاصرت القوات الفرنسية القصر بدعوى حماية السلطان، وقدم المقيم العام إليه إنذارا يطالبه فيه بإصدار بيان إدانة لحزب الاستقلال أو التنازل عن العرش وإلا عزله، واضطر السلطان مكرها لتوقيع الاستنكار المطلوب دون ذكر للحزب.
وكان للتصرفات الفرنسية صداها السيء في البلاد العربية ودول العالم الثالث التي استقلت حديثاً، ورفعت الجامعة العربية القضية المغربية إلى هيئة الأمم المتحدة، فرفضت التدخل في المسألة، وقرر الفرنسيون ألا فائدة في إبقاء محمد الخامس على عرش المغرب، وأنه يزداد جرأة وصلابة بفعل التأييد الشعبي الذي أجمع على الاستقلال، ورفض الملك توقيع عديد من المراسيم التي بدون توقيعه لا تكتسب قوة القانون، وفي آخر سنة 1951 كرر الملك أمله في تحقيق اتفاق يضمن للمغرب السيادة التامة، وبقيت الأجواء متوترة إلى أن انفجرت في آخر سنة 1952 عندما تظاهر آلاف المغاربة في قلب الدار البيضاء احتجاجاً على اغتيال الفرنسيين للزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد، فألقى الفرنسيون القبض على مئات من الوطنين وسجنوهم لأكثر من سنتين دون محاكمة.
وحرك الفرنسيون الزعيم البربري التهامي الجلاوي، ومع أن الأسرة الكتانية في المغرب كانت في طليعة الحركة الوطنية، إلا أن العالم الكبير المحدث عبد الحي الكتاني انضم للتهامي الجلاوي، وشكلت فرنسا مجلساً للحكم ينوب عن السلطان يتكون من وزراء مغاربة ومدراء فرنسيين، وطلبت من السلطان أن يتنازل عن سلطاته التشريعية لهذا المجلس، ورغم أن السلطان فعل ذلك في نهاية الأمر، إلا أن الفرنسيين وصنعائهم قرروا خلعه في 20 أغسطس 1953، ونفوه إلى إلى جزيرة أجاكسيو في كورسيكا، ثم إلى مدغشقر، ونصبوا على العرش صنيعة لهم من الأسرة العلوية هو ابن عم الملك محمد بن عرفة.
ورفض العلماء والشعب مبايعة السلطان الذي أتى به الفرنسيون، وثار المغرب حواضره وبواديه مدة سنتين، وحيث خلع الفرنسيون السلطان دون تشاور مع الأسبان الذين كانوا يحتلون العرائش على الأطلسي ومناطق أخرى في المغرب، لم يخف الأسبان استيائهم من هذا القرار، وتساهلوا مع الوطنيين الذين لجأوا لمناطقهم، مما صعب مهمة المحتل الفرنسي في السيطرة على الموقف، فعاد الفرنسيون إلى مفاوضة محمد الخامس في منفاه ليقدم بعض التنازلات، ولكنه رفض ذلك رفضاً قاطعاً وأصر على الاستقلال الكامل في الوقت الذي كانت فيه مدن المغرب تغلي بالثورة، وبدأ بعض الوطنيين في حمل السلاح، فأخرج الفرنسيون ابن عرفة إلى طنجة، وأعادوا محمد الخامس إلى المغرب وأعلن استقلال المغرب في 3 مارس 1956، ليبدأ صفحة جديدة في تاريخه العريق.
ولئن أفشلت الحركة الوطنية المغربية مستندة إلى الإسلام أهداف الظهير البربري، إلا أنه بقي قانوناً حتى خطب الملك محمد الخامس في مهرجان شعبي في بلدة الخميسات فقال: هي سياسة قد أقبرت وألغيت نهائياً، ولم يبق العمل بها جارياً في المغرب الحر الموحد والمستقل، وأصدر الملك ظهيراً بإلغائه في 24 رجب 1375=7 آذار/مارس 1956.
وبقيت للظهير البربري رواسب تتمثل في الاستلاب اللغوي والفكري لدى فئة متنفذة من المجتمع المغربي، والذي تغذيه المدارس الفرنسية القائمة في المغرب والتابعة لوكالة التعليم الفرنسي في الخارج وللكنيسة الكاثوليكية، وهي شوائب ما زال المجتمع المغربي ينبذها شيئاً فشيئاً في ظل الصحوة الإسلامية ثم في اتصاله الذي يزداد قوة بأخوانه العرب والمسلمين بعد انهيار الحواجز الإعلامية واتساع رقعة الإعلام العابر للحدود .
أما القضية الأمازيغية فهي قضية يختلط فيها الحق بالباطل، ولا شك أن الأمازيغ قد عانوا من التمييز ضدهم لأسباب منها موضوعي ومنها جائر، ولكن قضيتهم تعرضت للاختطاف من اليساريين المعاديين للإسلام، والذين تستروا وراءها ووراء الفرانكوفونية في عداء ظاهر سافر للعرب والعربية، وهؤلاء بلا شك لا يعبرون عن الضمير المجتمعي الأمازيغي الذي بني على الإسلام وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعبرون عن التاريخ الأمازيغي الذي قدم للإسلام والمسلمين مجاهدين أشداء وعلماء فطاحل، فمن العبث فصلهم عن تاريخهم وجهادهم المشترك مع العرب المسلمين، ولعل التنمية والتطوير تزيل كثيراً من مظالمهم وتجعلهم عنصراً إيجابياً فعالاً في دول المغرب العربي.
 

 
log analyzer