الاثنين، 9 نوفمبر 2015

حدث في الخامس والعشرين من المحرم

في الخامس والعشرين من المحرم من عام 1201=1785 ولد شيخ الإسلام العلامة أحمد عارف حكمت، القاضي الفقيه العلامة، وصاحب المكتبة الوقفية العظيمة في المدينة المنورة؛ مكتبة عارف حكمت.
ولد شهاب الدين أحمد عارف حكمت بن إبراهيم عصمت بن إسماعيل رائف بن إبراهيم باشا زاده الحنفي، في أسرة ينتهي نسبها إلى بيت النبوة الحسيني، ونشأ في بيت والده الذي كان من رجالات الدولة العثمانية المعروفين بالفضل والكرم، وفي تسمية والده له بعارف قال عارف حكمت:
ألم تعلم بأنَّ سماءَ فكري ... تجولُ بأُفقِها شمسُ المعارفْ
تفرَّسَ والدي فيَّ المعالي ... فيومَ ولدتُ سمّاني بعارف

وحفظ عارف القرآن في صغره واتجه لطلب العلم، وحفظ كثيراً من المتون قيل إنها بلغت نحو 50 متناً، وحفظ جانباً غير قليل من القاموس المحيط، وألقى أول درس وهو في العاشرة من عمره في سنة 1211، ولم يرد صراحة ذكر أنه رحل في شبابه في طلب العلم إلى خارج الأراضي التركية، ولكنه أخذ عن الفقيه المالكي الكبير المعروف بالشيخ الأمير، محمد بن محمد بن أحمد السنباوي المصري، المولود في مصر سنة 1154 والمتوفى سنة 1232، وذلك أن السنباوي توجه في بعض المقتضيات إلى دار السلطنة، وألقى هناك دروساً حضره فيها علماؤهم، وشهدوا بفضله واستجازوه فأجازهم بما هو مجاز به من أشياخه، وكان منهم الشيخ عارف حكمت.
ومع ما سبق ذكره يبدو أنه قد حج في سنة 1218 لأن ديوانه يتضمن أبياتاً في رثاء الشيخ صالح الفلاني المالكي، المتوفى في تلك السنة والمولود سنة 1166، إلا إن كان تلك الأبيات من ضمن كتاب للتراجم بدأ فيه عارف حكمت ولم يكمله، ولكن مصادر ترجمته تذكر صراحة أنه حج إلى بيت الله الحرام في سنة 1229، وتصادف أن احترقت سترة الكعبة الداخلية البيضاء اللون، فقال في ذلك شعرأ:
تحمَّل بيتُ الله عن كل زائر ... ذنوباً بها اسودت له الكسوة البيضا
فلما استحقوا النار من كثر مأثم ... فلم يرض إلا أن تحمّلها أيضا
وفي سنة 1231 جعله السلطان محمود الثاني على قضاء القدس، وصادف أن كانت تلك السنة في قحط وغلاء، فقام عارف حكمت بشراء القمح وتوزيعه على المحتاجين دون أن يُظهر اسمه، وفي سنة 1236 تولي قضاء مصر، فسافر في البحر تحفُّه الأخطار لاندلاع التمرد اليوناني، وفشلِ الحملات التي أرسلها السلطان محمود الثاني في إعادة الهدوء والقضاء على التمرد، وفي توليه قضاء مصر قال:
توليتُ مصرَ أسأل الله نُصرة ... بحكم القضا لما استقلوا المواليا
على أنني راض بأن أحمل القضا ... وأخلص منه؛ لا عليَّ ولا ليا
وفي سنة 1239 تولى قضاء المدينة المنورة، وفي سنة 1242=1826 عين رئيساً لمشيخة استانبول، وفي سنة 1245 جعل مسؤولاً عن إحصاء سكان الولايات الغربية المعروفة باسم روم إيلي، ولما رجع من هذه المهمة عين في منصب نقابة الأشراف سنة 1246 وبقي فيها إلى حين استعفائه منها سنة 1250، ونقيب الأشراف منصب عالي المرتبة يأتي في المراسم السلطانية بعد الصدر الأعظم، وكثير منهم كان من يقلد السلطان سيف السلطنة عند تسنمه العرش، وإن كانت مهمته الأساسية النظر في أمور السادة الأشراف وتمثيلهم لدى الدولة العثمانية.
وجرت في تلك الفترة حروب جسام خسرتها الدولة العثمانية، فقد انتهى تمرد اليونان باعتراف الدولة العثمانية باستقلالها في سنة 1246=1830، واحتل الفرنسيون الجزائر في نفس السنة، ثم أرسل محمد علي باشا من مصر ابنه إبراهيم باشا في سنة 1247على رأس حملة عسكرية استولت على مدن الشام ومضت شمالاً حتى هزمت الجيش العثماني في قونية سنة 1248 = 1832، قبل أن تتدخل الدول الأوربية وتعيد محمد علي إلى حدود مصر.
وفي سنة 1249 جُعل رئيساً لمشيخة الأناضول، وفي سنة 1252 جعل رئيساً لمشيخة روم إيلي، وفي سنة 1255=1839 توفي السلطان محمود وخلفه ابنه السلطان عبد المجيد الأول، الذي باشر في إجراء إصلاحات واسعة على طريقة عمل الحكومة في استانبول وفي المقاطعات، وفي هذا الصدد أرسل السلطان بعد قليل من توليه السلطنة عارف حكمت في لجنة لإحصاء نفوس 360 قرية في مقاطعة روم إيلي، وعينه كذلك رئيساً للمحكمة العليا التي كانت تدعى مجلس الأحكام العدلية، وبعد عودته جعل عضواً في دائرة الشورى العسكرية، ويبدو أن والده عصمت توفي في سنة 1256 لأن ديوانه يتضمن قصيدة تركية تؤرخ وفاته في هذه السنة.
وفي ذي الحجة من سنة 1262=1846 توفي شيخ الإسلام مصطفى عاصم أفندي، فولى السلطان عبد المجيد عارف حكمت في منصب شيخ الإسلام، واستمر فيه سبعة أعوام ونصف عام، إلى أن أقيل في منتصف سنة 1270=1854، وعين السلطان محله عرب زاده محمد عارف أفندي، وبصفته شيخ الإسلام شارك عارف حكمت مع اثنين من كبار ضباط الدولة العثمانية؛ أمين باشا وفؤاد باشا، في وضع نظام الكلية الحربية العثمانية وتأسيسها في سنة 1264=1848، وهي الكلية التي تحول بها الجيش العثماني إلى النظام الجديد على النمط الأوربي في الدراسة والتدريب، وكانت مدة الدراسة بها 4 سنوات.
ومشيخة الإسلام منصب في غاية الأهمية، ودفعاً لما يتبادر للذهن من مشابهته لمنصب المفتي، فنتحدث عنه للفائدة نقلاً عن موسوعة الإمبراطورية العثمانية: بدأ استعمال لقب شيخ الإسلام في القرن التاسع الهجري أيام السلطان مراد الثاني، حيث كان ذلك لقب مفتى استانبول والذي كان رئيساً لكل المفتين في السلطنة، ثم أضيفت إليه مهام أخرى مثل التدريس في مدرسة السلطان بايزيد والإشراف على الأوقاف السلطانية، ثم أضيفت إليه مهمة تعيين كبار القضاة، المسميين قاض عسكر، وسائر القضاة ومدرسي المدارس ومشايخ الطرق الصوفية، وبلغ نفوذ شيخ الإسلام أوجه في أيام كمال باشا زاده وأبي السعود أفندي. وبعد القضاء على الإنكشارية في سنة 1242=1826، شملت الإصلاحات منصب شيخ الإسلام، فجرى نقل مقره إلى المبنى الذي كان يضم قيادة الإنكشارية، وسمي بالفتوى خانه، وجمعت في المبنى المحاكم العليا لاستانبول والأناضول وروم إيلي، وأصبح منصب شيخ الإسلام بمثابة أعلى محكمة يرجع إليها في نظام السلطنة العدلي، وأصبح شيخ الإسلام عضواً في مجلس الوكلاء ومكانته تعادل مكانة الصدر الأعظم أو رئيس الوزراء، وبقي منصب شيخ الإسلام أكثر من 500 سنة حتى إلغائه في سنة 1924، وكان ثالث أركان الحكم العثماني إلى جانب الموظفين الإداريين وضباط الجيش، والذين كانوا يسمون في الأيام العثمانية: القلمية والسيفية.
وكان شيخ الإسلام، رغم تلقبه بلقب أفندي، يتمتع بمكانة كبيرة في المراسم السلطانية احتراماً لمكانته العلمية والدينية، فهو الوحيد من رجال الدولة الذي يجب أن يستقبله السلطان واقفا، وبدلا من أن يقبل يد السلطان فإن شيخ الإسلام يصافحه بكلتا يديه ثم يقبل كتفه، ولا يخرج شيخ الإسلام في حملة عسكرية يقودها غير السلطان كالصدر الأعظم أو غيره، بل ينوب عنه في هذه الحالة أحد قضاة العسكر.
وفي آخر سنة 1263=1847 احتفل السلطان عبد المجيد بختان ولديه السلطان مراد والسلطان عبد الحميد، ودعا إلى الحفل وجهاء الولايات العثمانية، وكان منهم عن دمشق الشيخ عبد الرحمن الطيبي والشيخ حسن بن إبراهيم البيطار، والد الشيخ المؤرخ عبد الرزاق البيطار، والمولود سنة 1206 والمتوفى سنة 1272، فصارت بينه وبين شيخ الإسلام عارف حكمت مودة مستحكمة، ذكرها الشيخ عبد الرزاق في كتابه: حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر، فقال ساجعاً:
وكانت مشيخة الإسلام إذ ذاك لحضرة من تصرَّفَ من حين شبيبته بدراسة المعارف، وإفاضة العوارف، وكلف بالعلم حتى صار ملهج لسانه، وروضة أجفانه، السيد أحمد عارف حكمت بيك، فكان لوالدي منه الالتفات الوافر، والميل المتكاثر، وكان يكثر بينهم البحث والحديث، خصوصاً فيما يتعلق بالتفسير والحديث، فلذلك كان مقدماً عنده على ما سواه، وملحوظاً بعين عنايته ورضاه، وكل منهما أخذ عن الآخر وأجازه، وأسمعه حديث الأوَّلية وذكر معناه وحقيقته ومجازه، ثم قرأ كل منهما الفاتحة، ودعوا لهما وللمسلمين بالدعوات الصالحة، وقد مدح الأستاذُ الأعظم شيخ الإسلام والمسلمين الأكرم والدي بهذه الأبيات على الارتجال، من غير إمهال، وهي:
يا قلب أبشر بما ترجوه من منن ... فقد حظيت بشهم كامل فطن
حليفِ علم إمام سيد ثقة ... أخلاقه الشم قد جاءت على سنن
فقلت للقلب هذا ما تؤمله ... لقد بلغت المنى والأنس من حسن
فأجابه سيدي الوالد حفظه الله، وأحسن مثواه، بقوله:
شمس المعارف تغنينا عن السرج ... ومنهج الفضل لا يخفى لمن يلج
وطالع السعد لا يعروه كاسفة ... وعارف الدهر محفوظ من العوج
شيخ الأنام الذي طابت مآثره ... بحر الكمالات ذو الأمواج واللجج
فرع النبوة وصف الحسن لابسه ... فنوره ظاهر في وجهه البهج
شهم همام وللمختار نسبته ... فيا لها نسبة تسمو لمبتهج
رب المعارف والأبحاث شاهدة ... بكونه عارفاً حقاً بلا حرج
طود من العلم والإحسان جملَّه ... حلم به قد سما الأسمى من الدرج
فالله يحفظه من كل نازلة ... ممتعاً بسرور عنه لم يعج
ما نال كل المنى في مدحه حسن ... معطراً من ثناه نفحة المرج
وكانت لعارف حكمت علاقة وطيدة بالشيخ شمس الدين محمد الجابي أحد علماء دمشق، المولود سنة 1208 والمتوفى سنة 1298، ففي ديوان عارف حكمت بضعة أبيات كتبها إلى: الألمعي الأريب، واليلمعي الأديب، المحب المحابي، أخينا الشيخ محمد الجابي، الناشئ غصنا يافعا في ربى دمشق الشام، بأخلاق تحكي عواطر أعراف البشام، وهو حينئذ بقسنطينية نزيل، وبمجانسة الود لا يعد فينا من الدخيل. وفي سنة 1265 عين شيخ الأسلام عارف حكمت الشيخَ الجابي على قضاء بغداد، فمدحه عبد الباقي أفندي الفاروقي العمري بقصيدة طويلة أشار فيها لحسن اختيار شيخ الإسلام فقال:
فيه شيخ الإسلام ما ضن لكن ... ظن خيراً فأحسن الله ظنه
وفي سنة 1267 خرج من بغداد إلى استانبول شهاب الدين الألُّوسي، محمود بن عبد الله، المولود سنة 1217 والمتوفى سنة 1270، يريد أن يعاد إليه منصب الإفتاء ببغداد مع بعض الأمور الأخرى التي انتزعت منه، ودامت رحلته هذه سنتين ونصف، وكتب فيها كتابه غرائب الاغتراب، وتحدث فيه هناك عن لقائه الأول بشيخ الإسلام عارف حكمت، وذلك لتقديم تفسيره المسمى روح المعاني إلى السلطان عبد المجيد، قال الألوسي: فأمرَّ عليه بَرْقَ نظره الحالي، فأمر أن أذهب به وأقدمه إلى الباب العالي، وقال: العادة تقتضي أن تعرضه على الصدر الأعظم هناك، فحينئذٍ يصدره إلي فأورده النظر الدقيق إذ ذلك، وسأعطيه إن شاء الله تعالى حقه، وأرصع بجواهر المدح طوقه.
وذكر الألوسي كيف تحولت العلاقة الرسمية في أول لقاء إلى صداقة ومودة، وأن شيخ الإسلام عارف حكمت سعى له بمكافآت ورواتب من السلطنة، وتكلل ذلك بتعيينه قاضياً على أرزن الروم، وهو الأمر الذي لم يكن بخلد الألوسي الذي ما كان ليرضى ببلده بديلاً، قال الألوسي: فقلت: يا مولاي دون الإقامة، أهوال يوم القيامة، وكيف أترك أهلاً وأوطاناً، أم كيف ألتذ برفعة في غير بلدتي ولو أضحيت سلطاناً!  ولما عاد الألوسي إلى بغداد أهداه عارف حكمت ساعة قائلاً له: لتذكرني في كل ساعة.
ومما يفيدنا به الألوسي في رحلته أن شيخ الإسلام عارف حكمت كان قد بدأ في إنشاء مدرسته وإرسال الكتب لها، لأنه في معرِض الحديث عن إحدى نفائس المكتبات يضرب بها المثل فيقول: فكأنها كتب شيخ الإسلام، التي أوقفها وسيرها إلى مدينة النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل لي: كيف كتبك بالنسبة إلى هذه الكتب النفيسة؟ فأنشدتُ - وحاشاني ولله تعالى الحمد - من نفس حسودة خسيسة:
هي كتبي فليس تصلح من بعدي لغير العطار والإسكافِ
هي أما مزاود للعقاقير وأما بطائن للخفاف
وكذلك يفيدنا الألوسي بمكانة شيخ الإسلام العلمية، فيقول: ولم أستجز أحداً من علماء هاتيك المغاني، غير شيخ الإسلام ... بل أقول في حقيقة أمرهم على سبيل الإيجاز: أنه ليس فيهم بعد شيخ الإسلام يستجاز، وأن شيخ الإسلام إنما نال ما نال، وحصل له ما حصل من الكمال، بواسطة علماء العرب الأمجاد، الذين اجتمع بهم فيما طافه من البلاد، فلقد طاف مصر والقدس والحجاز، فرأى علماءها الأجلة بين مجيز ومجاز، فحرك ذلك غيرته، فملأ من الإجازات الشريفة عيبته، ومن سِواه منهم أما قد عدم الغيرة، أو غشي على عينيه العجب فلم ير في العالم عالماً غيره، نسأل الله تعالى العفو والعافية، والقلوب السليمة الصافية.
ويختم الألوسي كتابه بمدح عارف حكمت ومعرفته بالأدب العربي وهو في ذلك فرد بين علماء الترك: حيث شعرت منه أنه يحب العلم ويتمنى أن لا يكون له شغل سواه، وكم رأيته يتنفس الصعداء على أوقات له حلت ومرت، وجلت إذ تجلت فخلت وما استمرت، حيث كانت الفواكه العلمية أقواتاً لهاتيك الأوقات، والفكاهات الأدبية نزلاً لما يمر به من ضيوف الساعات، ومجلسه اليوم مع هذا غاص في كثير من ساعاته بالمباحث العلمية، وهو سلمه الله تعالى لا زال ينتهز الفرصة متى وجد أهلاً لكلماته فيحشي سمعه من درره البهية، لكن ذلك الأهل هنالك كالأبلق العَقوق، ومسايره في هاتيك المسالك أعز مثالاً من بيض الأَنوق، لأنه سلمه الله تعالى وقف لكثرة كتبه، على حقائق ودقائق لم يقف عليها جميع صحبه، وتضلع بحر أدب، من كل حبر من علماء جزيرة العرب، وعلماءُ القسطنطينية، أجهل الناس بالفنون الأدبية، ولذا ترى كلامه إياهم السكوت، وهم لا يسألون منه إلا المناصب والقوت، وأما الشعر العربي فطريقه بينهم بالكلية غير مسلوك، ولا بدع فالعربي بين الترك من قديم متروك.
وكتب الألوسي في عارف حكمت كتاباً أسماه: شهي النغم في ترجمة شيخ الإسلام وولي النعم، والكتاب يعطينا لمحات عن عارف حكمت، ولكنه لا يشفى الغليل، فقد كتبه الألوسي قبل لقائه لعارف حكمت في استانبول ليقدمه بين يدي اللقاء، ولذا كال له فيه الثناء كيلاً، فهو ليس بترجمة حقيقية من عارف بعارف، بل مديح من سامع يرغب أن يحوز القبول من ممدوحه، فينيله ما يريد.
وفي منتصف سنة 1270=1854 أقيل عارف حكمت من منصب شيخ الإسلام، فانتقل إلى السكنى في حصار روم إيلي في منزل كان السلطان قد منحه إياه لما تولى مشيختها، وفي هذه السنة اكتملت مكتبته التي أنشأها في المدينة المنورة، وكان قد بدأها قبل بضع سنوات، فأمر بأن يقام مبنى قرب الحرم النبوي في الجهة الجنوبية منه قريباً من باب جبريل، على أرض يذكر أنه كانت عليها دار الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وبُني المبنى المربع الشكل بأحجار الحَرَّة السوداء تعلوه قبة عثمانية، وجعلت خزائنه من الخشب المتين الجميل، وقد أخذني والدي رحمه الله وأنا يافع في زيارة له لتلك المكتبة التي كان يزورها باستمرار إذا جاء للمدينة المنورة.
وتضم المكتبة قرابة 5400 كتاب في شتى المواضيع بما في ذلك الفلك والحساب والطب، ومخطوطاتها من أنفس المخطوطات، ذلك إن عارف حكمت اختار لها أهم الكتب من حيث الموضوع والمضمون، وأفضل النسخ من حيث الخط والجودة في الضبط والتذهيب، ولذا فإن كثيرا من مخطوطاتها هي بخط أفضل الكتاب في زمانهم، وقد ذكر الأمير شكيب أرسلان أنه شاهد في المكتبة نسخة من المصحف مكتوبة على جلد النعام بخط أندلسي مذهبة في آخرها، وقد جاء فيها أنها كتبت في المرية بالأندلس سنة 488، وأنه شاهد نسخة غير تامة من تفسير القرآن لعبد الله بن عباس على جلد غزال كتبت سنة 310، ومن أقدم كتب المكتبة بعد هذين كتاب تقويم الأبدان في الطب لابن جزلة البغدادي، المتوفى سنة 493، وقد نسخه ناسخه سنة497.
وفي المكتبة نسخة من تفسير الكشاف للزمخشري كُتبت أولا بمجلد واحد بخط مشرقي جميل وجداول مذهبة، ثم أضيف إليه في الهامش الكشف على الكشاف، بإلصاقه على جوانب المتن الثلاثة إلصاقا يكاد لا يظهر إلا للناقد البصير،  وتذكر بعض المصادر أنه قد كتب بخط يده على الصفحة الأولى أنه بذل لشرائه 300 جنيه ذهبي.
وفي المكتبة ديوان شعر بالفارسية اسمه غزليات شاهي، أمير شاهي المتوفى سنة 830، كٌتب سنة 855 بحروف من ورق قطعت تقطيعا دقيقاً بديعا، ثم ألصقت على صحائف من الورق الملون، فجاءت عجيبة معجزة لما هي عليه من غاية الجودة والإتقان وحسن التنسيق.
وفي إحدى مخطوطاتها اللغوية تجد أن أرقام الأبواب والفصول والمباحث كتبت بلون أغمق وأكبر من المستعمل في كتابة المخطوط، وتجد في مخطوطة حديثية أخرى سماعات وتوقيعات وبلاغات ومقابلات، وأنها مقروءة على عدد كبير من الحفاظ المتقنين وعليها توقيعاتهم وأنها منقولة من أصل صحيح. وتتضمن المكتبة كذلك بعض الإجازات الحديثية الخاصة بعارف حكمت كما ذكر ذلك المحدث الكبير عبد الحي الكتاني في كتابه فهرس الفهارس، فقال بعد أن عدد أسماء من روى عنهم عارف حكمت: استفدت أسماء جلّ من ذُكِر ووقفت على عين إجازات جلِّهم له أثناء تفتيشي بمكتبته التي وقفها بالمدينة المنورة.
وكان في المكتبة سجل للزوار يطلب القائم عليها من الزائر أن يكتب فيه اسمه ولقبه وبلده وتاريخ الزيارة وما طالع في المكتبة من كتب، ويدون فيه آرائه وملاحظاته، وهذا السجل بحد ذاته تحفة أثرية لما يتضمنه من خطوط لكبار علماء ووجهاء العالم الإسلامي الذي زاروا المكتبة منذ تأسيسها.
ووقف عارف حكمت على المكتبة عقارات كثيرة في المدينة المنورة وفي استانبول، لا يقل دخلها آنذاك عن 15.000 جنيه ذهبي، وجعل لها نظاماً للتأكد من بقاء البركة فيها وانتفاع طلبة العلم بها، فجعل لها ناظراً وأربعة مساعدين اشترط أن يكونوا: من العلماء الصالحين الذين صاروا فارغي البال، محمودي الخصال.  وإلى جانبهم مجلِّدٌ وبواب وسقاء وكناس، واشترط أن يبدأ القيمون على المكتبة عملهم بقراءة جزئين من القرآن الكريم يقرأهما اثنان بالتناوب، ومنع أن يُحرم طالب علم من الاستفادة من مراجعة كتبها، ومنع إخراج أي كتاب منها وأوصى بأن تجرد كل ثلاث سنوات بإشراف قاضي المدينة المنورة. وقد أزيل المبنى في توسعة الحرم النبوي ونقلت الكتب إلى مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة.
وكان من عزم عارف حكمت أن يهاجر إلى المدينة المنورة ويقضي بها بقية أوقات عمره، ويحمل معه بقية كتبه التي تعادل عدداً ونفاسة ما أوقف في المدينة المنورة، فقد كانت مكتبته تبلغ حوالي 10.000 كتاب، ولكن المنية أدركته في 16 شعبان من سنة 1275=1859، وتذكر بعض المراجع أن كتبه بيعت مع ترِكتِه بأبخس الأثمان، ومنها كتاب الأغاني الذي بيع بخمسة عشر جنيها، ثم باعه من اشتراه بستين جنيها، وطبع بعد ذلك عن تلك النسخة، ودفن في تربة أعدها في ضاحية أُسكدار لا تزال قائمة معروفة إلى اليوم، وفي ضاحية إيجادية من أسكدار يوجد حمام وقفي بناه شيخ الإسلام في سنة 1270 يعرف باسم حمام الجبل؛ داغ حمامي.
لا نجد ذكر أية أولاد لشيخ الإسلام عارف حكمت في كتب التراجم ولا في كتاب الألوسي الذي ما كان ليغفل ذكرهم أو الثناء عليهم في كتابه، ولكن نجد ذكراً لزوجته التي جاءت بعد وفاته للمدينة المنورة وتوفيت فيها، وأوقفت شيئاً من مالها على المكتبة كذلك، ذلك إن عبد الحي الكتاني، المولود سنة 1305 والمتوفى سنة 1382، التقى بها في المدينة المنورة في سنة 1323، وقال عنها في فهرس الفهارس: المعمرة الناسكة الفريدة فاطمة شمس جهان الجركسية المدنية، لقيتها بالمدينة المنورة فأجازتني بما ذُكر عن زوجها، وأجزت لها أيضاً، كما عندي إجازتها بختمها. أي أنه التقى بها بعد قرابة 48 سنة من وفاة زوجها.
وإلى جانب ديوان شعره، فإن لعارف حكمت مجموعة تراجم ، وله كذلك كتاب في فقه الأرض الزراعية اسمه الأحكام المرعية في الأراضي الأميرية، ألفه ليكون مرجعاً في الإصلاحات التي قام بها السلطان عبد المجيد بعد توليه السلطنة، والتي شملت التوسع في السماح بزراعة الأراضي المملوكة للدولة، كما يتبين من مقدمته التي قال فيها: فلما اشتبه بعض أحكام الأراضي وكثر عنه السؤال، أردت أن أجمع ما عليه العمل من القوانين السلطانية ليتضح ما خفي من الأحوال، وأحرر ما يتفرع عليها من المسائل ليزول الإشكال، بعد ما صدر بذلك أمر حضرة من وجب لأمره الامتثال، وسميته بالأحكام المرعية في الأراضي الأميرية، راجياً من الله سبحانه التوفيق والإعانة، إنه ولي الأجابة، وهو حسبي في البداية والنهاية. والكتاب باللغة التركية باستثناء هذه المقدمة الموجزة، وخطبة للكتاب جاءت في آخر النسخة المطبوعة باستانبول في سنة 1267، راعى فيها موضوع الكتاب، وهذا نصها نورده مثالا على نثر شيخ الإسلام عارف حكمت:
الحمد لله الذي وضع الأرض للأنام، فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام، والحب ذو العصف والريحان، فسبحانه من متفضل جزيل الإحسان، والصلاة والسلام على من طابت ببركته الثمار، واخضرت من بقية وضوئه الأشجار، وعلى آله وصحبه الذين أحيوا أموات قلوبنا بهواطل الروايات، فنلنا من مزارع فضائلهم حصائد الخيرات والبركات، وبعد.
فإن خليفتنا الأعظم، وسلطاننا الأفخم، ولي نعمة العالم، المتحمل أعباء الخلافة من نوع بني آدم، خاقان البرين والبحرين، خادم الحرمين الشريفين، ظل الله سبحانه في أرضه، مالك الربع المعمور في طوله وعرضه، المتخلق بخلق الراحمون يرحمهم الرحمن، المتمثل لقوله سبحانه ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان، السلطان ابن السلطان ابن السلطان، السلطان عبد المجيد خان ابن السلطان الغازي محمود خان ابن السلطان الغازي عبد الحميد خان، خلد الله ملكه، وجعل الدنيا بأسرها ملكه، ولا زالت أيام دولته كالشمس وضحاها، ولا برحت ليالي سلطنته كالقمر إذا تلاها، وعساكره منصورة في غدوها ومسراها، ومواهبه شاملة للبرية أقصاها وأدناها، ما تبرج ظهور ظهر الأرض رافلة بالخلع الخضراء من وشي الربيع، وتبسمت ثغور الروض من محاسن الصنع البديع، لما اقتعد غارب سرير الخلافة، بسط بساط الإنصاف فائقاً أسلافه الكرام وأخلافه، وتيقظ في إزالة ظلم المظالم حتى إن أنام الأنام في أمان، وبهرت أيامه كالشامة في غرة وجه الزمان، وبالغ في الأمر وأمره مطاع، بقلع شقة الجور والاعتساف من البلاد والضياع، ومد على البرايا جناح الرأفة والشفقة، وعمهم بجزيل الإحسان والصدقة، فمن بدائع عواطفه البهية، وصنائع عوارفه السنية، صدور أمره الشريف بتوسيع الحقوق في الأراضي، وكان ذلك قاصراً في القانون الماضي، كما يطلع عليه من يطالع الصور المكللة المكملة، في بطون هذه المجلة المجللة المجملة، رحمةً للضعفاء وفقراء رعيته، ورغبةً للثواب الجزيل ومضاعفته، فأيدِ اللهمَ هذا السلطان الرحيم الحليم الأفخم، والملك الكريم السليم الأكرم، بالفتح المبين، والنصر على الأعداء والمشركين، بجاه سيد المرسلين، وخاتم النبيين، عليه وعلى آله وصحبه أفضل صلاة وأكمل تسليم، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. كتبه الفقير، المستمنح آلاء ربه القدير، أحمد عارف حكمت بن إبراهيم عصمت الحسيني عوملا بعفو مولاهما الغني. آمين.
كان عارف حكمت ينظم الشعر بالعربية والفارسية والتركية، قال الشيخ عبد الرزاق البيطار في ترجمته له: كاد أن يقال ليس له مثيل، له ذهن يكشف الغامض الذي يخفى، وفكر لحل المشكلات أروق من الزلال وأصفى، يبصر الخفيات بفهمه، ويقصر فكها على خاطره ووهمه، فجاء بالنادر الذي أعجز، مع تبديل التطويل بالمختصر الموجز، ونظم عقود اللآلي في لبة القريض، ونثر درر المعالي على هام مادحيه فكانوا يفدون عليه وفود البحر الطويل العريض، وكان بعاصمة الروم سراً للإحسان، وحاكياً جود زياد وشعر حسان، وقد نظم ونثر، ما يزدرى رقة بنسيم السحر. ومن شعر عارف حكمت:

مدى ليل الشباب رقدت لهوا... وعيس الدهر بالأعمار تحدي
فأيقظني صباح الشيب لكن ... على ما فات حزني ليس يجدي

وقال:

قميص دجا شبابي شق دهري ... وكنت به أداري ضير
فمن كل الجوانب لاح شيبي ... فأرجو أن يكون صباح خير

وقال:

ألا أن أهنا العيش باكورة الصبا ... أوان الفتى في روضه يانع الغُصنِ
وأصعبه ما جاور الشيب حينما ... حكى البدنُ المنفوشَ من ناعم العِهْنِ

ومن جملة توسلاته:

يا من إليه الملتجا ... فيما يُخاف ويرتجى
أنت المجيب لكل من ... يدعوك في غسق الدجى
ولكم كشفت غياهباً ... من بعد ما انقطع الرجا
أنت المغيث لكل ملهوف ... حشاه تأججا
قد أقلق المهج الضعا ف أذى الزمان وأزعجا
يتلجلج النطق الفصيح ... لدى الرجاء تلجلجا
ولقد أضاق عليَّ من ... كل الجهات المخرجا
بين الجوانح والحشا ... حر الهموم تأججا
بحياة خيرتك الذي ... للخير أوضح منهجا
أزكى الصلاة مع السلا ... م عليه ما داعٍ نجا

ومنها:

إذت ما جن ليل الهم يوما ... وضاجعك العناء ولا براح
ترقَّب تجتلي فرحاً قريباً ... فهل ليل وليس له صباح

وختاماً نورد أبيات له في حبه للكتب ونهمه في مطالعتها:

أروح وأغدو في التهاب وغلة ... لفرط اشتياقي في مطالعة الكتب
إذا ما خلت نفسي وصرت جليسها ... أراني كعطشان على المنهل العذب
أهِمُّ ولو كانت بحوراً بشربها ... ولكنه لا يرتوي أبداً قلبي

السبت، 31 أكتوبر 2015

حدث في الثامن عشر من المحرم

في الثامن عشر من المحرم من عام 1385 الموافق 20 أيار/مايو 1965 توفي في الجزائر، عن 79 سنة، الإمام المجاهد والعالم الأديب والخطيب المصقع الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، أحد رواد النهضة الإسلامية في الجزائر والمغرب العربي.
ولد محمد البشير  بن محمد السعدي بن عمر الإبراهيمي في 13 شوال 1306=منتصف 1889، في بليدة تدعى أولاد ابراهيم، وهي اليوم تتبع بلد رأس الوادي في ولاية برج بوعريريج من الجزائر، والتي تقع في منطقة الهضاب العليا الشرقية، وتبعد قرابة 150 كيلومترا عن ميناء بجاية على البحر الأبيض المتوسط، وغالب سكانها من البربر.
ولأسرة الإبراهيمي تاريخ قديم في العلم يرجع إلى قرون، وكانوا مرجعا في الفتيا الدينية، والصلح بين العشائر، وملاذا لطلبة العلم لا تخلو بيوتهم من عشرات منهم يرحلون إليهم من أقاصي البلاد، فيقومون بإطعامهم وتعليمهم، ومنهم من لا يخرج من بيتهم إلّا عالما، وكان جده لأبيه الشيخ عمر الإبراهيمي عالمهم الكبير، وقد أدركه محمد البشير قبل وفاته، وكان البشير الولد الوحيد لوالده من الذكور.
تلقى البشير الإبراهيمي تعليمه الأول على يد عمه شقيق أبيه الأصغر الشيخ محمد المكي الإبراهيمي، الذى لاحظ أن الولد قد رزق حافظة عجيبة وذاكرة قوية، فاستغلها في تعليمه؛ فجعل له برنامجاً تعليمياً في ليله ونهاره، وكان يملي عليه من شعر العرب القدماء والمحدثين، وحفظ البشير القرآن الكريم مع معالم مفرداته وهو ابن تسع سنين، وحفظ مع ذلك في أثناء هذه المدة المتون المهمة في العلم، وتفقه في قواعد النحو والفقه والبلاغة، وشهد في يفاعته في منطقته كيف هجر الفرنسيون كافة القبائل التي حاربتهم في جبال البيبان دون رحمة أو شفقة، وسميت هذه الجبال بالبيبان لوعورة مسالكها وارتفاع قممها.
وتوفي عمه سنة 1320=1903 وقد ترك تلميذا نجيباً وعالماً متمكناً، فخلفه الإبراهيمي في التدريس، وانثال عليه طلبة العلم من البلدان القريبة، والتزم والده بإطعامهم والقيام عليهم كعادة الأسرة، وفي سنة 1326= 1908 خرج والده من الجزائر إلى المدينة المنورة هرباً من ظلم المستعمر الفرنسي، وفي سنة 1330=1911 لحق الإبراهيمي بوالده، وفي طريقه مكث في القاهرة 3 أشهر درس فيها على بعض علماء الأزهر، وزار الشاعرين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وفي المدينة المنورة تابع تعليمه في الفقه والحديث والنحو واللغة، وكان أكبر شيوخه في دراسته الشيخ العزيز الوزير التونسي، والشيخ حسين أحمد الفيض أبادي الهندي، قال البشير الإبراهيمي: كانت إقامتي بالمدينة المنوّرة أيام خير وبركة عليّ، فكنت أنفق أوقاتي الزائدة في إلقاء دروس في العلوم التي لا أحتاج فيها إلى مزيد كالنحو والصرف والعقائد والأدب، وكنت أتردّد على المكتبات الجامعة، فلا يراني الرائي إلا في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت، حتى استوعبت معظم كتبها النادرة قراءة، وفي المكتبات الغاصة بالمخطوطات.
وفي سنة 1331=1913 زار المدينةَ الشيخُ عبد الحميد بن باديس المولود سنة 1307=1889 والتقى بالإبراهيمي الذي ذكر أنهما لم يفترقا مدة إقامة ابن باديس بالمدينة المنورة، وأنهما كانا يقضيان الليل كله يدرسان أوضاع الجزائر، ويتلمسا شروط ووسائل نهضتها، وزار المدينة في الفترة ذاتها الشيخ العربي بن بلقاسم بن مبارك بن فرحات التبسي، المولود سنة 1302=1895، وهو من تبسة في أقصى شرقي الجزائر، وكان يدرس في الزيتونة بتونس، وكان في المدينة كذلك الشيخ الطيب بن محمد العقبي، المولود بسيدي عقبة سنة 1307=1889، والمتوفى سنة 1385=1965، وكان مقيماً مع أهله الذين هاجروا إليها وهو صغير، وكان لقاء هؤلاء المشايخ أمر ستكون له أهميته فيما بعد في عملهم الإسلامي والجهادي المشترك في الجزائر، فقد كانوا هم أقطابه ومن أرسى أسسه وأعلى بنيانه، وفي رحاب المدينة المنورة تبلورت خطتهم الإصلاحية لإعلان شأن الإسلام في الجزائر ومقاومة مخططات المستعمر الفرنسي الذي احتلها منذ سنة 1830.
وشبت نار الحرب العالمية الأولى في منتصف سنة 1914، وقام الشريف الحسين بن علي بثورته على الأتراك في منتصف سنة 1916، وبدأت قواته في قتال الأتراك وحاصرت المدينة المنورة التي دافعت عنها حاميتها ولم تسلمها إلا بعد انتهاء الحرب، وبسبب الحصار وقلة الطعام أجْلَت الحكومة التركية سكان المدينة المنورة إلى الشام وتركيا، فغادر الإبراهيمي المدينة إلى دمشق في سنة 1335=1916، حيث اشتغل في دمشق بالتدريس، وشارك في تأسيس المجمع العلمي الذي كان من غاياته تعريب الإدارات الحكومية، ولقي من علماء دمشق وأدبائها من حسن الوفادة وكرم الصحبة، ما جعله يقول عنهم بعد ثلاثين سنة من عودته إلى الجزائر: ولقد أقمت بين أولئك الصحب الكرام أربع سنين إلا قليلاً، فأشهد صادقاً أنها هي الواحة الخضراء في حياتي المجدبة، وأنها هي الجزء العامر في عمري الغامر، ولا أكذب الله، فأنا قرير العين بأعمالي العلمية بهذا الوطن؛ الجزائر، ولكن... مَن لي فيه بصدر رحب، وصحب كأولئك الصحب؛ ويا رعى الله عهد دمشق الفيحاء وجادَتْها الهوامع وسقت، وأفرغت فيها مـا وسقت، فكم كانت لنا فيها من مجالس نتناقل فيها الأدب، ونتجاذب أطراف الأحاديث العلمية.
ورحيل الإبراهيمي إلى دمشق ليس بغريب وإعجابه بما لقيه ليس بجديد، فطالما ضمت دمشق عدداً كبيراً من أعلام المغرب العربي من علماء وأدباء ومجاهدين، ووجدوا من أهلها وفي رحابها ما كاد ينسيهم أهلهم وأوطانهم، ومن بقي منهم في دمشق صاروا أعلاماً في العلم والدعوة، ويكفي أن نشير لأسرة المبارك الجزائرية الأصل التي كان زميله في التدريس عميدها الأستاذ عبد القادر المبارك والد الأستاذ المرحوم محمد المبارك علم التربية والتعليم ومثال التجرد والإخلاص، وأخيه الأستاذ مازن المبارك علامة اللغة العربية، أطال الله في عمره.
وبعد إقامة سنوات خمس، وخمود نار الحرب العالمية الأولى في آخر سنة 1918، عاد الإبراهيمي في سنة 1338= 1920 إلى الجزائر، ليبدأ دعوته إلى الإصلاح ونشر التعليم الديني، وبدأ ذلك في مدينة سطيف القريبة من مسقط رأسه، وكانت حكومة المستعمر الفرنسي تسيطر على المساجد وتتحكم برسالتها، فكان من أول أهدافه إقامة مسجد حر فيها لا يتحكم برسالته المستعمر الفرنسي.
وكان الشيخ عبد الحميد بن باديس قد عاد إلى الجزائر عام 1913، واستقر في بلده مدينة قسنطينة، عاصمة الشرق الجزائري، وشرع في تنفيذ خطته في العمل التربوي والتي كان المسجد محورها، فبدأ في رحابه بدروس للصغار ثم للكبار، ثم انتقل منها لوضع إطار مؤسسة دعوية تشمل الجزائر كلها، فكانت فكرة تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وبدأ في مشاورات بشأنها مع عدد من العلماء الذين رجعوا من المشرق ومن تونس، وتبلورت معالمها في اجتماع عقده هؤلاء في سنة 1928 كان مقدمة لإعلان تأسيس الجمعية في سنة 1931 في نادي الترقي بالجزائر العاصمة.
وكانت فرنسا قد احتفلت في سنة 1930 بمرور مئة عام على احتلالها للجزائر، وبدا تماما أن الفرنسيين في سكرة نشوتهم قد اعتقدوا أن شعب الجزائر قد أصبحت فرنسي الثقافة والمشرب إلى غير رجعة، وجاء تأسيس الجمعية وخطتها التربوية التعليمية رداً عملياً على هذه الأحلام الاستعمارية.
وكان الثقل في الساحة الدعوية في الجزائر حكراً على أهل الطرق الصوفية الذين شكلوا تحالفاً ضمنياً، وظاهراً في بعض الأحيان، مع سلطات المستعمر، وفحواه أن لا يثيروا الناس على الاستعمار مقابل أن يخلي الساحة الإسلامية لصالحهم وطالحهم، وأهل المغرب العربي يطلقون على هؤلاء الطُرقيين، وعن ذلك الوضع يقول الإبراهيمي: فأجمعنا في معرض الرأي الفاصل على أننا أمام استعمارين يلتقيان عند غاية، أحدهما استعمار روحاني داخلي يقوم به جماعة من إخواننا الذين يُصلُّون لقبلتنا باسم الدين، وغايتهم استغلال الأمة، ووسيلتهم صد الأمة عن العلم، حتى يستمرّ لهم استغلالها، وهؤلاء هم مشائخ الطرق الصوفية التي شوّهت محاسن الإسلام، والثاني استعمار مادي تقوم به حكومة الجزائر باسم فرنسا، وغايته استغلال الأمة، ووسيلته سد أبواب العلم في وجه الأمة حتى يتم لها استغلالها، والاستعماران يتقارضان التأييد، ويتبادلان المعونة، كل ذلك على حساب الأمة الجزائرية المسكينة، أولئك يضلّونها، وهؤلاء يذلّونها، وجميعهم يستغلّونها. كنا نتّفق على هذا، ولكننا نجمل الرأي في أي الاستعمارين، يجب أن نبدأ بالهجوم عليه، ولم يكن من الصعب علينا الاتفاق على الهدف الأول للهجوم، فاتفقنا على أن نبدأ بالهجوم على الاستعمار الأول وهو الطرق الصوفية، لأنها هي مطايا الاستعمار الفرنسي في شمال أفريقيا ووسطها وغربها، ولولاها لم يتم له تمام.
ولهذا السبب تلطَفَ المؤسسون في تأسيس جمعيتهم، فوجهوا الدعوة  إليها من طرف هيئة مؤسِّسة مؤلفة من أشخاص حياديين ينتمون إلى نادي الترقي غير معروفين بالتطرف، ولا يثير ذكرهم حساسية أو شكوكا لدى سلطات المستعمر، ولا عند الطرقيين، وأعلنوا: أن الجمعية دينية تهذيبية تسعى لخدمة الدين والمجتمع، لا تتدخل في السياسة ولا تشتغل بها. ويذكر الشيخ خير الدين البسكري أن ابن باديس دعا الشيخ محمد عبابسة الأخضري وطلب إليه أن يقوم بالدعوة إلى تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في العاصمة، وكلفه أن يختار ثلة من جماعة نادي الترقي الذين لا يثير ذكر أسمائهم شكوك الحكومة، أو مخاوف أصحاب الزوايا، حتى يتم الاجتماع في هدوء وسلام، وتتحقق الغاية المرجوة من نجاح التأسيس، وأن ابن باديس خطَّط أن لا يلبي دعوة الاجتماع ولا يحضر يومه الأول حتى يقرر المجتمعون استدعاءه ثانية بصفة رسمية، فيكون بذلك مدعوا لا داعيا، ويتجنب ما قد يكون من ردود فعل السلطة الفرنسية وأصحاب الزوايا، ومن يتحرجون من كل عمل يقوم به ابن باديس.
وحضر الاجتماع التأسيسي أكثر من سبعين عالما من مختلف جهات الجزائر، ومن شتى الاتجاهات الدينية والمذهبية: مالكيين وإباضيين، مصلحين وطرقيين، موظفين وغير موظفين، وانتخبوا مجلسا إداريا للجمعية يتكون من ثلاثة عشر عضوا برئاسة الشيخ ابن باديس واختاروا البشير الإبراهيمي نائباً له، وعهد ابن باديس إلى الشيخ البشير الإبراهيمي أن يتولى العمل الذي يجري في غرب الجزائر انطلاقا من تلمسان، وإلى الشيخ الطيب العقبي، نائب الأمين العام للجمعية، أن يشرف على العمل في العاصمة وما جاورها، وأبقى ابن باديس قسنطينة وما جاورها تحت إشرافه شخصيا.
وبادر الإبراهيمي لما ندبته إليه الجمعية، فأسس المدارس الحرة، وبث روحاً إسلامية جديدة في غرب الجزائر مستخدماً ما آتاه الله من براعة في الخطابة والأدب،وما لبثت الفئات المتنفذة المتعاونة مع فرنسا من السياسيين والطُرقيين أن تنبهت لما يمثله من تهديد، فبدأت في معاداته وسعت وراء إبعاده، ولكن الشيخ استمر في نشاطه، وبرزت المدارس العربية في وهران التي كانت تعتبر معقلاً حصيناً للصوفية الطرقيين.
ووجدت الجمعية وبرامجها استجابة شعبية واسعة، لثقة الناس بصدق وأخلاص مؤسسيها والقائمين عليها، وقدم الناس لها التبرعات فاستطاعت أن تؤسس المساجد وتنشئ المدارس والنوادي بأموالها الخاصة، وتفرِّغ العلماء وتيسِّر لهم الاضطلاعَ بمهامهم، ونمت فروعها في الجزائر بسرعة لم يتوقعها أحد، وأقبل الجزائريون على مدارسها ودروسها بأعداد كبيرة، ففي السنة الأولى تم تأسيس 22 شعبة، وفي سنة 1936 كان عدد الشعب 33 شعبة، ووصل في سنة 1938 إلى 58 شعبة، وذلك رغم العقبات التي بدأت توضع في طريقها، وانتشرت مدارسها في جميع مدن الجزائر وقراها، وكان من حكمة القائمين على الجمعية أن جعلوها ذات تصميم معماري واحد لتُعرف به ويقر في نفوس الناس توسعها ونجاحها، وإزاء هذا النمو المبارك بادر ابن باديس بوضع إطار فكري تنظيمي للجمعية لتسير على هديه في نشاطها الإصلاحي والتعليمي، وذلك في سنة1937 في مقال نشره في مجلة الشهاب التي كان يصدرها تحت عنوان: دعوة جمعية العلماء وأصولها. ثم طُبع ووزع على عموم الناس في لفتة ذكية، إذ بذلك أصبح ميثاقاً واضحاً بين الجمعية وبين جمهورها العريض من الشعب الجزائري.
وأصدرت الجمعية جريدة الدفاع "La Defense" باللغة الفرنسية حتى تصل إلى المتعلمين بلغة الاستعمار وتطلعهم على أهداف الجمعية وأنشطتها، وعهدت برئاسة تحريرها إلى الأمين العام لجمعية علماء المسلمين؛ الشيخ محمد الأمين العمودي المولود سنة 1891=1308 والمتوفى سنة 1377=1957، والذي كان صاحب خبرة عريقة في الصحف إذ قد أصدر عدة صحف قبلها.
وأصدرت الجمعية عدة صحف باللغة العربية ينبغي أن نذكرها وهي جريدة السنة النبوية المحمدية التي صدرت في آخر سنة 1351=1933 ثم أوقفتها سلطات الاستعمار في أول سنة 1352=1933،  فأصدرت الجمعية جريدة الشريعة النبوية المحمدية بعدها بثلاثة أسابيع فعطلها المستعمر بعد 7 أسابيع، فأصدرت بعدها بأسبوعين جريدة الصراط السوي التي صدر منها 17 عددا حتى أوقفت في رمضان 1352=1934، فقدمت الجمعية طلب ترخيص آخر وافقت عليه السلطة الاستعمارية بعد قرابة سنتين، وصدرت جريدة البصائر في شوال 1354= 1935، ورأس تحريرها الشيخ الطيب العقبي، وتوقفت بعد 180 عدداً بسبب الحرب العالمية الثانية في أواخر سنة 1939، وعادت إلى الصدور بعد انتهائها في سنة 1947 بإشراف وإدارة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، إلى أن قرر القائمون عليها التوقف في سنة 1956 بسبب احتدام ثورة التحرير الجزائرية وتأزم الأوضاع.
وفي سنة 1936دعا ابن باديس إلى مؤتمر إسلامي يضم التنظيمات السياسية كافة من أجل دراسة قضية الجزائر، وقد وجه دعوته من خلال جريدة الدفاع، واستجابت أكثر التنظيمات السياسية لدعوته، وكذلك بعض الشخصيات المستقلة، وأسفر المؤتمر عن تشكيل جمعية سياسية تحت اسم: المؤتمر الإسلامي، تهدف إلى المطالبة ببعض الحقوق للجزائر، وشكل المؤتمر وفداً من الشخصيات الجزائرية سافر إلى فرنسا لعرض هذه المطالب، وضم الوفد ابن باديس والإبراهيمي والطيب العقبي ممثلين لجمعية العلماء، ولكن فرنسا لم تستجب لأي مطلب وفشلت مهمة الوفد، وتوقف نشاط الجمعية بعد ذلك.
ومع إرهاصات الحرب العالمية الثانية والضعف الواضح في موقف فرنسا العسكري إزاء ألمانيا، كتب الإبراهيمي في سنة 1939 مقالاً في جريدة الإصلاح التي كان يصدرها الشيخ الطيب العقبي، طالب  فيه ببعض الإصلاحات، فنفته فرنسا إلى بلدة أفلو في شمال الصحراء الجزائرية، وبعد وفاة ابن باديس في سنة 1940 انتخب رئيساً لجمعية العلماء وهو لا يزال في المنفى، ولم يُفرج عنه إلا عام 1943، ثم اعتقل مرة ثانية عام 1945 وأفرج عنه بعد سنة.
وفى عام 1947 عادت مجلة البصائر للصدور ورأس تحريرها البشيرالإبراهيمي وكانت مقالاته فيها على قدر من البلاغة ومن الصراحة والنقد القاسي لفرنسا وما يسميهم عملاء فرنسا، يقول عن زعماء الأحزاب السياسية: ومن خصومها (أي الجمعية) رجال الأحزاب السياسية من قومنا من أفراد وأحزاب يضادّونها كلما جرَوا مع الأهواء فلم توافقهم، وكلما أرادوا احتكار الزعامة في الأمة فلم تسمح لهم، وكلما طالبوا تأييد الجمعية لهم في الصغائر - كالانتخابات - فلم تستجب لهم، وكلما أرادوا تضليل الأمة وابتزاز أموالها فعارضتهم.
وكان الإبراهيمي في مقالاته يهاجم الفرنسة والمتفرنسين ويؤكد على مكانة اللغة العربية ومستقبلها في الجزائر فيقول: اللغة العربية في القطر الجزائري ليست غريبة، ولا دخيلة، بل هي في دارها وبين حماتها وأنصارها، وهي ممتدة الجذور مع الماضي مشتدة الأواصر مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل.
وفي ظل ما نراه اليوم في كثير من البلدان قد يستغرب القارئ صدور جريدة البصائر واستمرارها تحت سمع وبصر المستعمر الفرنسي، وتفسير ذلك أن المستعمر على ضراوته في جوانب كان يحافظ على الحد الأدنى من الحرية والمظاهر الإجرائية، ومن ناحية أخرى كان البشير الإبراهيمي يلجأ كثيراً للتلميح لا التصريح وللرموز بدلاً من الحقائق، قال الأستاذ أنور الجندي في مجلة الرسالة: تطرق الحديث إلى الوسائل التي يستطيع بها رجال جمعية العلماء إعلان آرائهم دون أن يقف الاستعمار في وجههم، فقال لنا السيد البشير الإبراهيمي: إن الأدب الرمزي هو الوسيلة الوحيدة لهذا، وإنه قد ابتدع لونا من فنون الأدب هو: سجع الكهان، استطاع عن طريقه أن يفصح عن كثير من آرائه الجريئة الحرة في الكثير من المسائل والأشخاص.
ولذا رأينا البصائر تقف مع مصر في سنوات 1951-1952 في أوج فورانها للتخلص من المستعمر البريطاني، بل ويصدر البشير الإبراهيمي عدداً خاصاً من البصائر عن مصر ونضالها افتتحه بمقالة تبين حكمته وتقواه جاء فيها: فلعمرك - يا مصر - إنهم لم يقاتلوك بالحديد والنار، إلا ساعة من النهار؛ ثم بالكتاب الذي يزرع الشك، وبالعلم الذي يمرض اليقين، وبالصحيفة التي تنشر الرذيلة، وبالقلم الذي يزين الفاحشة، وبالبغي التي تخرب البيت، وبالحشيش الذي يهدم الصحة، وبالممثلة التي تمثل الفجور، وبالراقصة التي تغري بالتخنث، وبالمهازل التي تقتل الجد والشهامة، وبالخمر التي تذهب بالدين والبدن والعقل والمال، وبالشهوات التي تفسد الرجولة، وبالكماليات التي تثقل الحياة، وبالعادات التي تناقض فطرة الله، وبالمعاني الكافرة التي تطرد المعاني المؤمنة من القلوب. فإن شئت أن تذيبي هذه الأسلحة كلها في أيدي أصحابها فما أمرك إلا واحدة، وهي أن تقولي: إني مسلمة... ثم تصومي عن هذه المطاعم الخبيثة كلها... إن القوم تجار سوء، فقاطعيهم تنتصري عليهم... وقابلي أسلحتهم كلها بسلاح وهو التعفف عن هذه الأسلحة كلها... فإذا أيقنوا أنك لا حاجة لك بهم، أيقنوا أنهم لا حاجة لهم فيك وانصرفوا.. وماذا يصنع المرابي في بلدة لا يجد فيها من يتعامل معه بالربا؟
ولم تقتصر أنشطة جمعية العلماء المسلمين الجزائرية على الجزائر، فقد كانت فرنسا محط كثير من الجزائريين الذين استقروا فيها للعمل أو الدراسة، ولذلك أسست الجمعية مراكز بفرنسا تحت مسمى النوادي، كانت أول مراكز إسلامية في أوروبا، وأرسل ابن باديس الشيخ سعيد صالحي مبعوثا إلى فرنسا سنة 1938 للقيام بسلسلة من المحاضرات في مختلف المدن الفرنسية، يعلم فيها أعضاء الجالية أساسيات دينهم، ويحثهم على تعليم أبنائهم اللغة العربية، ولما زاد عدد الجزائريين في فرنسا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، إذ قاتل كثير منهم ضمن القوات الفرنسية، وكذلك قصدها بعد الحرب عدد كبير من العمال لحاجتها إليهم في البناء الذي أعقب الحرب، أوفد البشير الإبراهيمي في سنة 1947 الأمين العام للجمعية الشيخ سعيد صالحي إلى فرنسا ليدرس الأحوال ويمهد الأمور، وسرعان ما عاد النشاط وتوسع ولم يقتصر على العمال الجزائريين بل شمل حتى طلبة الكليات بفرنسا من أبناء الجزائر.
وفي سنة 1952 كلفت جمعية علماء مسلمي الجزائر الشيخ البشير الإبراهيمي بالسفر للشرق والسعي لدى الحكومات العربية لقبول أبناء الجزائر الذين تبتعثهم الجمعية في معاهدها وجامعاتها، وطلب العون المادي من حكومات العرب والمسلمين حتى تستطيع الجمعية أن تواصل أعمالها بقوّة، بعد أن اتسع ميدان عملها، فزار الشيخ مصر ثم باكستان والعراق وسوريا والحجاز.
وفي الباكستان التقى الإبراهيمي بالأستاذ أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية وأعجب به أيما إعجاب، ويقول في رسالة إليه: ذلك أنني عميق التأمل في تاريخ الإسلام ومراحله المتدرجة في الكون مع الدهر، وطالما وقف هذا التأمل بي على أن البدء تتبعه إعادة، وأن هذا الانحطاط قد بلغ غايته ولم يبق إلّا الارتقاء، سنة الله في الأديان وحامليها، وإذا كانت الإرهاصات مقدمات للنبوة والدين، فإنها كذلك مقدمات لتجديد شباب الدين، ويقيني أن هذه البوارق ستتبعها صواعق، وأن هذه الرعود سيتبعها غيث مدرار، وأن وجودكم ووجود عصبة من أمثالكم، متفرقة في الأقطار الإسلامية، لإيذان من الله جلت قدرته بقرب تبلج الفجر الصادق المرتقب بعد هذا الليل الطويل الحالك.
قامت ثورة الجزائر المسلحة في سنة 1374=1954 وتطورت وتوسعت في نضال دام مرير استمر قرابة  8 سنوات لم تترك فيها فرنسا وسيلة إلا واستعملتها لقمعها، ومع انطلاقة الثورة الجزائرية انتقل البشير الإبراهيمي إلى مصر، حيث كانت حكومة الرئيس جمال عبد الناصر من أقوى الداعمين للثورة، والممدين لها بالسلاح والعتاد، ومن مصر أصدر البشير الإبراهيمي بياناته المؤيدة للثورة دون تردد أو شك، في وقت كثر فيه المشككون والمرجفون، وهو موقف جريء تتضح قوته لو استحضرنا الثورات والانتفاضات الجزائرية السابقة التي لم تكلل بالنجاح، وأورد هنا مقتطفات من أحد بياناته التي أصدرها في آخر سنة 1954 تحت عنوان: نداء إلى الشعب الجزائري المجاهد، نعيذكم بالله أن تتراجعوا! وخاطب البيان المسلمين الجزائرين قائلاً:
حياكم الله وأحياكم، وأحيا بكم الجزائر، وجعل منكم نورا يمشي من بين يديها ومن خلفها. هذا هو الصوت الذي يُسمع الآذان الصم ... وهذه هي اللغة التي تنفذ معانيها إلى الأذهان البليدة... كان العالم يسمع ببلايا الاستعمار الفرنسي لدياركم، فيعجب كيف لم تثوروا... وكانت فرنسا تسوق شبابكم إلى المجازر البشرية في الحروب الاستعمارية، فتموت عشرات الآلاف منكم في غير شرف ولا محمدة، بل في سبيل فرنسا، وتوسيع ممالكها، وحماية ديارها، ولو أن تلك العشرات من الآلاف من أبنائنا ماتوا في سبيل الجزائر، لماتوا شهداء وكنتم بهم سعداء.
اذكروا غدر الاستعمار ومماطلته، احتلت فرنسا وطنكم منذ قرن وربع قرن... فما رعت في حربها لكم دينا ولا عهدا، ولا قانونا ولا إنسانية، بل ارتكبت كل أساليب الوحشية، من تقتيل النساء والأطفال والمرضى، وتحريق القبائل كاملة، بديارها وحيواناتها وأقواتها.
ثم حاربتم معها وفي صفها، وفي سبيل بقائها نصف هذه المدة، ففتحت بأبنائكم الأوطان وقهرت بهم أعداءها، ورحمت بهم وطنها الأصلي، فما رعت لكم جميلًا، ولا كافأتكم بجميل، بل كانت تنتصر بكم، ثم تخذلكم، وتحيا بأبنائكم، ثم تقتلكم، وما كانت قيمة أبنائكم الذين ماتوا في سبيلها، وجلبوا لها النصر، إلّا أنها نقشت أسماء بعضهم في الأنصاب التذكارية، فهل هذا هو الجزاء؟
طالبتموها من أربعين سنة، بأن ترفق بكم، وتنفس عنكم الخناق قليلا، فما استجابت! ثم طالبتموها بحقكم الطبيعي، يقركم عليه كل إنسان، وهو إرجاع أوقافكم ومعابدكم وجميع متعلقات دينكم، فأغلقت آذانها في إصرار وعتوّ، ثم ساومتموها على حقوقكم السياسية بدماء أبنائكم الغالية التي سالت في سبيل نصرها، فعميت عيونها عن هذا الحق الذي يقرره حتى دستورها.
لم تبقِ لكم فرنسا شيئًا تخافون عليه، أو تدارونها لأجله، ولم تبقِ لكم خيطا من الأمل تتعللون به. أتخافون على أعراضكم وقد انتهكتها؟ أم تخافون على الحرمة وقد استباحتها! لقد تركتكم فقراء تلتمسون قوت اليوم فلا تجدونه؟ أم تخافون على الأرض وخيراتها، وقد أصبحتم فيها غرباء حفاة عراة جياعًا، أسْعَدُكُم من يعمل فيها رقيقًا زراعيًّا يباع معها ويُشْتَرى، وحظكم من خيرات بلادكم النظر بالعين والحسرة في النفس؟ أم تخافون على القصور، وتسعة أعشاركم يأوون إلى الغيران كالحشرات والزواحف؟ أم تخافون على الدين؟ ويا ويلكم من الدين الذي لم تجاهدوا في سبيله، ويا ويل فرنسا من الإسلام: ابتلعت أوقافه وهدمت مساجده، وأذلت رجاله، واستعبدت أهله، ومحت آثاره من الأرض، وهي تجهد في محو آثاره من النفوس.
أيها الإخوة المسلمون! إن التراجع معناه الفناء، إن فرنسا لم تبقِ لكم دينا ولا دنيا، وكل إنسان في هذا الوجود البشري إنما يعيش لدين ويحيا بدنيا، فإذا فقدهما فبطن الأرض خير له من ظهرها.
إنكم في نظر العالم العاقل المنصف لم تثوروا، وإنما أثارتكم فرنسا بظلمها الشنيع وعُتُوِّها الطاغي، واستعبادها الفظيع لكم قرنا وربع قرن، وامتهانها لشرفكم وكرامتكم، وتعديها المريع على مقدساتكم... وقد قمتم الآن قومة المسلم الحر الأبي فنعيذكم بالله وبالإسلام أن تتراجعوا أو تنكصوا على أعقابكم؛ إن التراجع معناه الفناء الأبدي والذل السرمدي.
إن شريعة فرنسا أنها ... تنظر إليكم مسالمين أو ثائرين نظرة واحدة،... ووالله لو سألتموها ألف سنة، لما تغيرت نظريتها العدائية لكم، وهي بذلك مصممة على محوكم، ومحو دينكم وعروبتكم، وجميع مقوماتكم، إنكم مع فرنسا في موقف لا خيار فيه، ونهايته الموت، فاختاروا ميتة الشرف على حياة العبودية التي هي شر من الموت.
أخلصوا العمل وأخلصوا بصائركم في الله واذكروا دائما، وفي جميع أعمالكم، ما دعاكم إليه القرآن من الصبر في سبيل الحق، ومن بذل المهج والأموال في سبيل الدين، واذكروا قبل ذلك كله قول الله ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ الله وقول الله ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
كان البشير الإبراهيمي على علاقة وثيقة برجال العروبة والإسلام في مصر، وعلى رأسهم جماعة الأخوان المسلمين التي كان يعتلي منبر مركزها العام للحديث عن جهاد الجزائر إزاء الاستعمار الفرنسي وتسلّطه على الشعب الجزائري المسلم، ولما حصلت الجفوة بين جماعة الإخوان المسلمين ورجال الثورة المصرية سنة 1954، بسبب انقلاب جمال عبد الناصر على الرئيس محمد نجيب وبقاء الجيش في الحكم، ظن  الإبراهيمي أن في مقدوره الوساطة بين الطرفين وبدأ يتلمس طريقه للإصلاح والتوفيق، ولكنه وجد الطريق مسدوداً فقد كان عبد الناصر يريد القضاء على الإخوان حتى يستطيع حكم مصر حكماً فردياً مطلقاً لا شورى فيه ولا محاسبة.
وقدرت فرنسا في بداية الأمر أنها ستستطيع القضاء على هذه الثورة كما قضت على الثورات السابقة، ولكن خاب فألها فقد اختلفت الظروف المحلية والعالمية، فقد أبدى الشعب الجزائري استعداداً للتضحية والبذل مكن الثورة الجزائرية من الصمود وإنهاك المستعمر، رغم النكسات العديدة التي تعرضت لها، وقام البشير الإبراهيمي وصحبه من رجالات جمعية العلماء المسلمين بجهود مضنية نجحت في توحيد الصف الجزائري والتوفيق بين أطراف الثورة المتنافسة المتناحرة، وقامت الدول العربية التي استقلت حديثاً مثل مصر وسوريا بدعم الثورة بالمال والسلاح، بل منحت الباكستان جواز سفر دبلوماسي لأحمد بن بلة زعيم الثورة الأبرز، ولقيت الثورة تأييداً معنوياً ومادياً من دول العالم الثالث التي تخلصت عن قريب من ربقة الاستعمار، كذلك تغيرت سياسة أمريكا الخارجي بفضل الرئيس الأمريكي الحكيم العاقل دوايت إيزنهاور الذي تولى السلطة في سنوات 1953-1961، فتحولت أمريكا من تأييد الاستعمار إلى تقليم أظافر الدول الاستعمارية مثل بريطانيا وفرنسا والحد من نفوذها في دول العالم الثالث، وكل ذلك جعل فرنسا تدرك أن لا مناص هذه المرة من التفاوض مع الثوار، فدخلت في مفاوضات معهم عرفت بمفاوضات إيفيان انجلت عن الاتفاق على استفتاء سكان الجزائر حول الاستقلال، وانتهت باستقلال الجزائر بعد قرابة 130 من الاحتلال الفرنسي، وفي كل هذه المراحل كان البشير الإبراهيمي يسعى لرأب الصدع ولملمة الشمل، فقد كانت الخلافات لا تكاد تتوقف بين زعماء الثورة بين من هم في الداخل وبين من هم في الخارج، وكثيراً ما كانت تستعين به في هذا الصدد الحكومة المصرية التي تبنت الثورة الجزائرية ورعتها حتى نجاحها، وكان ذلك أحد ردودها على العدوان الثلاثي في سنة 1956 والذي تحالفت فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على الهجوم على مصر واحتلال قناة السويس.
وعاد البشير الإبراهيمي وصحبه من المشايخ والعلماء إلى الجزائر بعد استقلالها، وفي الرابع من جمادى الآخرة 1382= 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1962 ألقى البشير الإبراهيم خطبة الجمعة في جامع كتشاوة بالجزائر العاصمة، وكانت أول جمعة تقام في المسجد بعد 124 عاماً من تحويل الاحتلال الفرنسي هذا المسجد إلى كاتدرائية حملـت اسم القديس فيليب، وقد صرح الإبراهيمي في خطبته ببقاء التبعية الفكرية للاستعمار بعد زوال الاستعمار العسكري فقال: إن الاستعمار كالشيطان الذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي أَرْضِكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ. فهو قد خرج من أرضكم ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم، ولم يخرج من ألسنتكم، ولم يخرج من قلوب بعضكم، فلا تعاملوه إلا فيما اضطررتم إليه، وما أبيح للضرورة يقدر بقدرها.
وكان من المدعوين للحفل الأستاذ الشاعر الكبير الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري والذي ألقى فيه قصيدة حذر فيها من عواقب أن تحيد الدولة الوليدة عن طريق الإسلام، فقال:
يجلجل الحق والأكوان آذان... بأن آية هذا النصر إيمان
جزائر المجد، والدنيا لها دُول ... ودولة الحق آباد وأكوان
قالوا: العروبة، قلنا: إنها رحِمٌ  ... وموطن ومروءات ووجدان
أما العقيدة والهدي المنير لنا ... دربَ الحياة، فإسلام وقرآن
وشرعة قد تآخت في سماحتها ... وعدلها الفذ أجناس وألوان
جزائر المجد، غيض الماء وانعقدت ... لك الحياة، ولم يغلبك طوفان
دهر من الظلم، لا عام ولا مئة ... ولا ثلاثون، بل كفر وبهتان
قد انمحى فاسجدي لله شاكرة ... فاليوم عدل، وتوحيد، وشكران
فحاذري أن يحيد السعي عن جَدد ...  الإيمان إن صراط الحق ميزان
وغيرة الله لا تنفك مسلطة ... يقظى، وللحكم عند الله إبّانُ
صلى البشير بكتشاوا وقد خلصت ... شيخاً تهدم، والآمال فتيان
هيهات تقدر أن تجتث ما غرست ... يدُّ الإله طواغيتٌ وأوثان
وإضافة إلى نزوع الحكومة الجزائرية إلى سلوك الطريق الاشتراكي، كانت مظاهر الاحتفالات تخفي وراءها أزمة شديدة في أوساط الطبقة السياسية دارت بين الحكومة الجزائرية المؤقتة وبين كبار ضباط الجيش، وانتهت بسيطرة أحمد بن بلة ومن ورائه رجل الجيش القوي هواري بومدين على مقاليد الأمور، وأعقب ذلك تمرد بعض رفاق الأمس من قادة جبهة التحرير الجزائرية ومعهم بعض القطعات العسكرية، ولكن حكومة بن بلة استطاعت القضاء على كل هذه المحاولات، لينتقل الصراع إلى داخل الحكومة بين بن بلة وبين حليفه السابق بومدين الممسك بالجيش، ومحوره: من سيحكم الجزائر، الجيش أم المدنيون في جبهة التحرير.
وما لبث بومدين أن أطاح بالرئيس بن بلة في منتصف 1965 لأنه: خرج عن خط الثورة الجزائرية واستأثر بالسلطة وأصبح ديكتاتوراً شوفينياً! وقال بومدين إنه لجأ إلى الانقلاب: إنقاذا للثورة وتصحيحا للمسار السياسي، وحفاظا على مكتسبات الثورة الجزائرية! وبالطبع كانت الديمقراطية آخر شيء يفكر في تحقيقه بومدين الذي أقدم على حل كل المؤسسات الدستورية التي أنشئت في عهد بن بلة، وبدأ في إبعاد من يخشى خطرَهم من الإنقلابيين في تكرار مزر لما حدث قبل 10 سنوات في مصر من انقلاب عبد الناصر على محمد نجيب.
ولم يكن البشير الإبراهيم بعيداً عن كل هذه المصائب التي تدور في صفوف طبقة الشباب التي تولت السلطة، ولم تخف عنه ميولها الماركسية الاشتراكية ومآلاتها الكارثية، فأصدر بياناً في أبريل/نيسان من عام 1964 رأى فيه بعين بصيرته ما تقود إليه هذه السياسات الخرقاء، ومما جاء في البيان: كتب الله لي أن أعيش حتى استقلال الجزائر، ويومئذ كنت أستطيع أن أواجه المنية مرتاح الضمير، إذ تراءى لي أني سلمت مشعل الجهاد في سبيل الدفاع عن الإسلام الحق، والنهوض باللغة العربية- ذلك الجهاد الذي كنت أعيش من أجله- إلى الذين أخذوا زمام الحكم في الوطن، ولذلك قررت أن ألتزم الصمت.
غير أني أشعر أمام خطورة الساعة، وفي هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الرابعة والعشرين لوفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله، أنه يجب علي أن أقطع ذلك الصمت، ان وطننا يتدحرج نحو حرب أهلية طاحنة، ويتخبط في أزمة روحية لا نظير لها، ويواجه مشاكل اقتصادية عسيرة الحل.
ولكن المسؤولين- في ما يبدو- لا يدركون أن شعبنا يطمح قبل كل شيء إلى الوحدة والسلام والرفاهية، وأن الأسس النظرية التي يقيمون عليها أعمالهم، يجب أن تنبعث من صميم جذورنا العربية الإسلامية، لا من مذاهب أجنبية.
لقد آن للمسؤولين أن يضربوا المثل في النزاهة وألا يقيموا وزنًا إلّا للتضحية والكفاءة، وأن تكون المصلحة العامة هي أساس الاعتبار عندهم، وقد آن أن يرجع لكلمة الاخوة- التي ابتذلت- معناها الحق، وأن نعود إلى الشورى التي حرص عليها النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد آن أن يحتشد أبناء الجزائر كي يشيدوا جميعا مدنية تسودها العدالة والحرية، مدنية تقوم على تقوى من الله ورضوان.
وأنَّى للشباب المغرور بالسلطة وجبروتها، والمستلَب بالماركسية ودعاويها، أن يصيخ لصوت الحق والعدل، أو أن يُعنى بالشورى التي ستطيح به أول ما تطيح، فوضعت الحكومة الجزائرية الشيخ قيد الإقامة الجبرية، وبقي رهنها قرابة سنة حتى توفاه الله في بيته، ورثاه الشاعر الكبير الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري رحمه الله بقصيدة منها:
قالوا: أتبكي؟ كيف لا أبكي أبًا وأخًا وأستاذًا فريد زمانه
أبكي المودة والوفاء سجية والنُّبْل، كان يشعّ من أردانه
أبكي الفضيلة والمروءة والنَّدَى والمكرمات تسير في ركبانه
أبكي الثقافة والحصافة والحِجا والذوق وازَى العلم في ميزانه
أبكي بصيرته وحِكْمَةَ فَصْلِهِ أبكي سَدادَ الرأي في إبَّانِه
 
كان الإمام محمد البشير الإبراهيمي إلى جانب إمامته في في الجهاد إماماً في الشريعة واللغة أديباً شاعراً خطيباً مفوهاً، ولذا اختير عضواً في مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وعضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق، وله عدد من المؤلفات الدعوية واللغوية، قال بتواضعه: لم يتسع وقتي للتأليف والكتابة مع هذه الجهود التي تأكل الأعمار أكلًا، ولكنني أتسلى بأنني ألفت للشعب رجالًا، وعملت لتحرير عقوله تمهيدًا لتحرير أجساده، وصححت له دينه ولغته فأصبح مسلمًا عربيًا، وصححت له موازين إدراكه فأصبح إنسانًا أبيًّا، وحسبي هذا مقرِّبا من رضى الرب ورضى الشعب.
عاش للبشير الإبراهيمي من الأولاد ابنتان وولدان؛ ابنه البكر محمد الذي توفي بعد مرض عضال، والدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، المولود سنة 1932، والذي ناضل في صفوف الثورة الجزائرية وتبوأ منصب وزير خارجية الجزائر، وأسس حزب الوفاء.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
عاش للبشير الإبراهيمي من الأولاد ابنتان وولدان؛ ابنه البكر محمد الذي توفي بعد مرض عضال، والدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، المولود سنة 1932، والذي ناضل في صفوف الثورة الجزائرية وتبوأ منصب وزير خارجية الجزائر، وأسس حزب الوفاء.
 

 
log analyzer