الجمعة، 10 أكتوبر 2014

حدث في الخامس عشر من ذي الحجة

في الخامس عشر من ذي الحجة من عام 64 استشهد الضحاك بن القيس في معركة مرج راهط، شرقي دمشق، التي وقعت بين جيشه المؤيد لعبد الله بن الزبير وبين مروان بن الحكم الأموي.
ولد الضحاك بن قيس بن خالد الفِهري القرشي، في مكة المكرمة سنة 4، وكنيته أبو أنيس وقيل أبو عبد الرحمن، وكان والده من أشراف قريش ويعمل في خصاء الغنم، ومثلَه مَثل كثير من الصحابة والتابعين لا تفيدنا المصادر كثيراً عن حياته ونشأته، وقبل أن نتحدث عن حياته ومقتله، يبنغي أن نذكر أخته الصحابية الفاضلة فاطمة بنت قيس، المتوفاة سنة 50،  وهي أكبر منه بعشر سنوات، والتي كانت من المسلمات المهاجرات مع زوجها أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، ولها عدة أحاديث أشهرها حديث في النفقة بعد طلاق أبي عمرو لها واستشارتها الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن تتزوجه، وإشارة الرسول الكريم عليها بالزواج من أسامة بن زيد، وكانت ذات عقل وافر وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى لما قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لانتخاب خليفته.
ويختلف العلماء في إن كانت للضحاك صحبة للرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كانت له صحبة فهي على الأغلب بسيطة لا تذكر، فهو حينئذ معدود في صغار الصحابة، ويرد أول ذكر له عن مشاركته في فتح دمشق في جيش أبي عبيدة بن الجراح، وأنه سكن دمشق مع من سكنها من الصحابة والتابعين، ثم وقوفه مع معاوية في نزاعه مع علي رضي الله عنه، وسواء كان صحابياً صغيراً أم تابعياً كبيراً فلا شك أنه كان من كبار الشخصيات السياسية في أيامه، كما سنرى.
ولما توفي أبو عبيدة بن الجراح سنة 18 في طاعون عمواس، عن 58 سنة، نزل الضحاك بن قيس في قبره مع معاذ بن جبل وعمرو بن العاص، وفي هذا دلالة على مكانة الضحاك من قومه بني فهر، فقد كان أبو عبيدة رضي الله عنه فهرياً كذلك من ولد الحارث بن فهر، والضحاك من ولد محارب بن فهر، وهناك ثالث هو غالب بن فهر، فبنو فهر ثلاثة بطون.
وكان الضحاك قائد المشاة في عسكر دمشق في موقعة صفين سنة 37، فقد جعل معاوية على ميمنته ابن ذى الكَلاع الحِميَرى، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهرى، وعمرو بن العاص على خيول أهل الشام كلها، ومسلم بن عقبة المرى على رجالة أهل دمشق، والضحاك بن قيس على رجالة الناس كلها. ولما رفع أهل الشام المصاحف وطالبوا بتحكيم كتاب الله، أدرك الإمام عليٌّ رضي الله عنه ما يراد بذلك، ودعا على قادة جيش معاوية الذين ذكرنا واحداً واحداً في قنوت صلاة الفجر.
وقاد الضحاك أكثر من حملة أرسلها معاوية في سنة 38 وما بعدها على المناطق التي بسط عليها علي رضي الله عنه سلطانه مثل تدمر والبادية، يغير ويعود إلى الشام، وأراد علي أن يشن حملة مضادة فتقاعس أنصاره، فاستاء من ذلك وقال لهم علي المنبر:  أكلما أقبل منسر من مناسر أهل الشام، أغلق كل امرئ بابه وانجحر في بيته انجحار الضب والضبع الذليل في وجاره؟ أُفٍ لكم! لقد لقيت منكم! يوماً أناجيكم ويوما أناديكم، فلا إخوان عند النجاء، ولا أحرار عند النداء، إن قلت نعم قلتم لا، وإن قلت لا قلتم نعم، إن استنفرتكم في الحر، قلتم الحر شديد فإذا جاء الشتاء نفرنا، وإذا جاء الشتاء واستنفرتكم، قلتم البرد شديد وإذا كان الصيف نفرنا، ولكن لا رأي لمن لا يطاع! وددت أن لي بجماعتكم ألف فارس.
وإلى جانب ذلك كان الضحاك من أهل الشورى لدى معاوية مع عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر ابن أبي أرطأة وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وأبي الأعور السلمي وشرحبيل بن السمط الكندي، وتقول بعض الروايات إنه ممن مهد لمعاوية استخلاف يزيد على ولاية العهد من بعده.
ولما مات زياد بن أبيه سنة 53 ، عن 65 سنة، ولى معاوية الضحاك بن قيس على الكوفة، فسار فيهم سيرة حسنة يعفو ويصفح مع تهديد ووعيد دون ظلم أو تنكيل، خطب الضحاك بن قيس بالكوفة فقال: إنه بلغني أن فيكم رجالا يشتمون أئمة الهدى وينتقصون أمير المؤمنين عثمان، والله لئن لم ينتهوا لأضعن فيكم سيف زياد بن أبي سفيان ثم لا تجدوني ضعيف السورة، ولا كليل الشفرة، والله إني لصاحبكم الذي أغرت على بلادكم فسرت فيما بين الثعلبية وشاطيء الفرات أعاقب من شئت وأعفو عمن شئت، ولقد ذعرت المخبآت في خدورهن حتى أن المرأة لترهب صبيانها بي إذا بكوا فما تسكنهم إلا باسمي، واعلموا أني الضحاك بن قيس أبو أنيس قاتل ابن عميس.
فقام إليه عبد الرحمن بن عبيد فقال: صدق الأمير، أعرف والله ما تقول، ولقد لقيناك بغربي تدمر فوجدناك صبوراً وقوراً أبياً. ثم جلس وقال: يفخر علينا بما صنع ببلادنا؟! لقد ذكرته أبغض مواطنه إليه! ثم قال الضحاك: لقد رأيت منكم رجلاً بغربي تدمر وما كنت أرى في الناس مثله، حمل علينا فما كذب أن ضرب في الكتيبة بسيفه فصرع رجلاً وضربت رأسه ضربة شديدة وضربني فلم يصنع شيئاً، فما راعني إلا مجيئه عاصباً رأسه مقبلاً، فقلت له: أما نهتك الأولى عن الأخرى؟ فقال: ولمَِ وأنا أحتسب ذلك في سبيل الله؟ ثم حمل علي فطعنني وطعنته، وحمل أصحابه فاقتتلنا ثم تحاجزنا. فقال عبد الرحمن بن عبيد: ذلك يوم قد شهده هذا، يعني ربيعة بن ناجذ الأزدي، ولا أحسب هذا الفارس الذي ذكره الأمير يخفى عليه، قال له أتعرفه؟ قال: نعم، قال: من هو؟ قال: أنا، قال: فأرني الضربة. فأراه إياها فقال: أرأيك اليوم كرأيك يومئذ؟ قال: لا، رأيي اليوم الجماعة. قال الضحاك: ما عليكم مني بأس، أنتم آمنون ما لم تظهروا خِلافاً، ولكن العجب كيف نجوت من زياد فلم يقتلك فيمن قتل أو يسيرك؟! قال: أما التسيير فقد سيرني، وقد عافى الله من القتل.
ثم عزل معاوية الضحاك بن قيس سنة 57 وولى مكانه عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي ابن أخته أم الحكم، وولى الضحاك شرطة دمشق، فبقي عليها 16 سنة حتى مات معاوية، وصاحب الشرطة منصب هام آنذاك يكاد يعدل نائب الأمير، بل إن معاوية لما قصد العراق سنة 41 بنية الصلح مع الحسن بن علي رضي الله عنهما، استخلف الضحاك على الشام.
وكان الضحاك مقرباً من معاوية بن أبي سفيان لا يغادر مجلسه، كان على عقيل بن أبي طالب دين فأتى أخاه علياً رضي الله عنه ليؤديه عنه، فرفض أن يعطيه من بيت مال المسلمين، فاستأذنه بالذهاب إلى معاوية، وكان عقيل زوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة خالة معاوية، فلما دخل على معاوية قال له: يا أبا يزيد، كيف تركت علياً وأصحابه؟ قال: كأنهم أصحاب محمد، إلا أني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، وكأنك وأصحابك أبو سفيان وأصحابه، إلا أني لم أر أبا سفيان فيكم. فلما كان الغد قعد معاوية على سريره، وأمر بكرسي إلى جنب السرير، ثم أذن للناس فدخلوا، وأجلس الضحاك بن قيس معه على سريره، ثم أذن لعقيل فدخل عليه، فقال: يا معاوية، من هذا معك؟ قال: الضحاك بن قيس. فقال: الحمد لله الذي رفع الخسيسة وتمم النقيصة! هذا الذي كان أبوه يخصي بَهمَنا بالأبطح، لقد كان بخصائها رفيقاً. فقال الضحاك: إني لعالم بمحاسن قريش، وإن عقيلاً عالم بمساويها. وأمر له معاوية بخمسين ألف درهم، فأخذها ورجع.
ونذكر استطراداً أن قول الضحاك عن عقيل إنه أعلم بمساوئ قريش، له أصل فقد روي عن ابن عباس قال: كان في قريش أربعة يتنافر الناس إليهم ويتحاكمون: عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل الزهري، وأبو جهم بن حذيفة العدوي وحويطب بن عبد العزى العامري. وكان الثلاثة يعدون محاسن الرجل إذا أتاهم، فإذا كان أكثر محاسن نفروه على صاحبه. وكان عقيل يعد المساوئ، فأيما كان أكثر مساوئ تركه. فيقول الرجل: وددت أني لم آته، أظهر من مساويّ ما لم يكن الناس يعلمون.
كان الضحاك بن قيس مشهوراً بالشجاعة والإقدام ذا خبرة بالحرب والقتال، قال فيه الشويعر الحنفي، هانيء بن توبة:
إذا شمر الضحاك للحرب شبَّها ... غلامٌ غذته للحروب ربائبه
ودخل الضحاك بن قيسٍ على معاوية، فتمثل معاوية بقول الشاعر:
تطاولت للضاحك حتى رددته ... إلى حسبٍ في قومه متقاصر
فقال الضحاك: قد علم قومنا أننا أحلاس الخيل، فقال: صدقت، أنتم أحلاسها، ونحن فرسانها، أنتم الساسة ونحن القادة. وأصل الحلس كساءٌ يوضع تحت البرذعة على ظهر البعير ويلزمه، ومعناه هنا: أنهم من أصحاب الخيل يقتنوها، ويلزمون ظهورها.
كان الضحاك سرياً جواد، قدم المدينة فصلى بين القبر والمنبر، فرآه رجل من التجار يكنى أبا الحسين وعليه بُرد ثمين من كسوة معاوية، فقال له وهو لا يعرفه: يا أعرابي أتبيع بردك؟ فواقفه من ثمنه على ثلاثمئة دينار، وقال: انطلق حتى أدفعه إليك. فأتى منزل حويطب بن عبد العزى فقال: يا جارية، هلمي بعض أردية أخي، فأخرجت إليه برداً فارتدى به، ثم قال للرجل: أراك قد أُغريت ببردي وأعجبت به، وقبيح بالرجل أن يبيع رداءه فخذه فهو لك. فأخذه الرجل فباعه فكان سبب يساره.
ولما حضرت معاويةَ الوفاةُ كان ابنه وولي عهده يزيد في الصيد، فاستدعى معاويةُ الضحاكَ بن قيس الفهري، وكان كما أسلفنا على شرطة دمشق، ومسلم بن عقبة فقال لهما: أبلغا يزيد وصيتي: انظر أهل الحجاز؛ فإنهم أصلك وعترتك، وأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب، وإن سألك أهل العراق في كل يوم أن تعزل عنهم عاملا وتولي عليهم عاملا فافعل، فإن عزل عامل واحد أخف من أن يشهر عليك مئة ألف سيف، ولا تدري على من تكون الدائرة! وانظر أهل الشام، فليكونوا بطانتك وعيبتك، وإن رابك شيء من عدوك، فانتصر بهم، فإن أظفرك الله عليهم، فاردد أهل الشام إلى بلادهم؛ ولا يقيموا في بلاد غيرهم، فيتأدبوا بغير أدبهم، ولست أخاف عليك من قريش سوى ثلاثة، الحسين، وابن عمر، وعبد الله بن الزبير، فأما ابن عمر فقد وقدته العبادة، وأما الحسين فرجل ضعيف وأرجو أن يكفيكه الله تعالى بمن قتل أباه وخذل أخاه، وإن له رحِما ماسّة وحقا عظيما، وقرابة من محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه، فإن قدرت عليه فاصفح عنه فإني لو صاحبته عفوت عنه. وأما ابن الزبير فإنه خَبٌّ ضَبٌّ، فإن شَخَصَ لك فانبذ إليه إلا أن يلتمس منك صلحا،: فإن فعل فاقبل منه، واصفح عن دماء قومك ما استطعت.
ولما توفي معاوية، عن 73 سنة، في رجب من سنة 60 كان للضحاك بن قيس موقف في ضبط الأمور وحسم الفتنة المحتملة، فقد حمل أكفان معاوية، وصعد المنبر وخطب الناس وقال: إن أمير المؤمنين معاوية كان حد العرب، وعود العرب، قطع الله به الفتنة، وملّكه على العباد، وسير جنوده في البر والبحر، وكان عبداً من عبيد الله، دعاه فأجابه، وقد قضى نحبه، وهذه أكفانه فنحن مدرجوه ومدخلوه قبره، ومخلوه وعمله فيما بينه وبين ربه، إن شاء رحمه، وإن شاء عذبه.
وأرسل الضحاك إلى يزيد بمرض أبيه طالباً منه العودة إلى دمشق، فقدم وقد مات معاوية، وركب الضحاك بن قيس في جيش وخرج ليتلقى يزيد بن معاوية فلما وصل سلم عليه الناس بالإمارة وعزوه في أبيه، وهو يخفض صوته في رده عليهم، والناس صامتون لا يتكلم معه إلا الضحاك بن قيس.
ولم تمض أيام إلا وصحت نبوءة معاوية وتمرد عبد الله بن الزبير بالمدينة، ودام حكم يزيد 4 سنوات إلى وفاته في ربيع الأول من سنة 64، حدثت فيها أحداث جسام بغيضة، منها قتل الحسين رضي الله عنه في المحرم من سنة 61، ومنها موقعة الحَرَة بالمدينة في ذي الحجة من سنة 63، حين خلع وجهاء أهل المدينة يزيد بن معاوية وكانوا قد رجعوا من عنده وقد أكرمهم وكساهم، وأخرجوا  من المدينة بني أمية ومواليهم، فسيَّر إليهم يزيد جيشاً على رأسه مسلم بن عقبة، حاصر المدينة ثم هاجمها وهزم أهلها واستباحها ثلاثة أيام قُتل فيها سبعمئة من حملة القرآن وعشرة آلاف من سائر الناس. وروى المدائني أن مسلم بن عقبة بعث روح بن زنباع إلى يزيد ببشارة الحرة، فلما أخبره بما وقع قال: واقوماه، ثم دعا الضحاك بن قيس فقال له: ترى ما لقي أهل المدينة؟ فما الذي يجبرهم؟ قال: الطعام والأعطية. فأمر بحمل الطعام إليهم وأفاض عليهم أعطيته.
وتوفي يزيد في ربيع الأول من سنة 64، وتولى الملك بعده وبعهد منه ابنه معاوية بن يزيد، وكان شاباً صالحاً ناسكاً زاهداً في الملك، لم يخرج إلى الناس ويصلي بهم كما هي عادة الخلفاء، وكان الضحاك بن قيس هو الذي يصلي بالناس ويسير الأمور، ثم توفي معاوية بن يزيد بعد بضعة أسابيع من ولايته، ورفض أن يعين خليفة له، قيل له لما حضرته الوفاة: ألا توصي؟ فقال: لا أتزود مرارتها إلى آخرتي وأترك حلاوتها لبني أمية.
لما مات معاوية بن يزيد مال أكثر الناس إلى ابن الزبير، وقالوا: هو رجل كامل السن، وقد نصر أمير المؤمنين عثمان، وهو ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمه بنت أبي بكر الصديق، وله فضل في نفسه ليس كغيره، وتبع أمراء الشام الرأي العام فدعا النعمان بن بشير بحمص إلى عبد الله بن الزبير، ودعا إليه كذلك زُفر بن الحارث بقنسرين، وأما الضحاك بن قيس فدعا في دمشق إلى ابن الزبير سراً لمكان من بها من بني أمية وكلب، واستتب الأمر لابن الزبير إلا في فلسطين والأردن.
وجرى ذلك في ظل استقطاب شديد بين القبائل العربية المنتمية إلى قيس وموطنها الحجاز وأواسط الجزيرة العربية والتي أيدت عبد الله بن الزبير، وبين القبائل المنتمية إلى كلب وموطنها جنوب الجزيرة العربية واليمن والتي أيدت الأمويين، وبالطبع لم يخل الأمر من مداخلات تبين سخف هذه النعرة العصبية الجاهلية المنتنة نذكر منها على سبيل المثال أن بني أمية من قيس، وأن الضحاك والنعمان بن بشير كانا متزوجين من كلب.
وكان الأمير على  فلسطين والأردن حسان بن مالك بن بَحْدل الكلبي، وكانت عمته ميسون زوجة معاوية ووالدة يزيد، وكان صاحب رأي وتدبير، ويطمح لأن يكون الخليفة قريبه خالد بن يزيد، وعلم بميل الضحاك بن قيس إلى ابن الزبير فكتاب له كتاباً ليثنيه عن ذلك، وذكر فيه فيه حق بني أمية وبلاءهم عنده، وذم ابن الزبير وذكر خلافه ومفارقته الجماعة، ودعا إلى مبايعة رجل من بني حرب من بني أمية،  وقال لرسوله: إن قرأ الضحاك كتابي على الناس، وإلا فاقرأه أنت. وكتب إلى بني أمية يعلمهم ما كتب به إلى الضحاك، ويأمرهم أن يحضروا ذلك.
ولم يقرأ الضحاك كتاب حسان على الناس، ومرت أيام ثم خرج الضحاك ذات يوم فصلى بالناس صلاة الصبح، ثم ذكر يزيد بن معاوية فشتمه، فقام إليه رجل من كلب فضربه بعصاً، واقتتل الناس بالسيوف، ودخل الضحاك دار الإمارة، فلم يخرج، وافترق الناس ثلاث فرق: فرقة زبيرية، وفرقة بَحْدلية - هواهم لبني حرب - والباقون لا يبالون لمن كان الأمر ما دام في بني أمية.
وكان أحد أسباب ضعف مركز المعسكر الأموي هو أن خالد بن يزيد المرشح لخلافة معاوية بن يزيد كان لا يزال غلاماً، وكان ابن الزبير كهلاً معروفاً بالتقوى والورع، وقال جمهور المعسكر الأموي لزعمائه:  إنا نكره تولية هذين الغلامين عبد الله وخالد ابني يزيد، فإنهما حديثةٌ أسنانهما، ونحن نكره أن يأتينا الناس بشيخ ونأتيهم بصبي.  فاتجه الأمويون لمبايعة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فأبى، وما لبث أن مات
وأرسل الضحاك بن قيس إلى بني أمية فأتاه مروان بن الحكم، وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية، وعمرو بن سعيد بن العاص الملقب بالأشدق، وكان والي معاوية ويزيد على الحجاز، وكان خطيباً بليغاً محبوباً عند أهل الشام، فاعتذر الضحاك إليهم، وذكر حسن بلائهم عنده، وأنه لم يُرِد شيئاً يكرهونه، وقال: اكتبوا إلى حسان بن مالك بن بحدل حتى ينزل الجابية، ثم نسير إليه فنستخلف رجلاً منكم، فكتبوا إلى حسان، فنزل الجابية، وخرج الضحاك بن قيس وبنو أمية يريدون الجابية.
وفي الطريق إلى الجابية قال معن بن ثور السُّلمي ومن معه لقيس: دعوتنا إلى بيعة رجل أحزم الناس رأياً وفضلاً وبأساً، فلما أجبناك خرجت إلى هذا الأعرابي من كلب تبايع لابن أخته خالد بن يزيد! قال: فما الرأي؟ قالوا: نظهر ما كنا نخفي، وندعو إلى طاعة ابن الزبير. ففعل وبايعه الناس، وبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إلى الضحاك بعهده على الشام، وكتب الضحاك إلى أمراء الأجناد ممن دعا إلى ابن الزبير فأتوه.
ويبدو أن تحول الضحاك عن تأييد الأمويين إلى عبد الله بن الزبير بدأ على الأقل مع وفاة يزيد لأنه كتب حينذاك كتاباً إلى قيس بن الهيثم السلمي، المتوفى سنة 85، وكان والي خراسان الأسبق ومن أعيان البصرة، وكان كذلك مؤيداً لبني أمية ثم تحول فأيد عبد الله بن الزبير، وكانت رسالة الضحاك تدعوه إلى التشاور قبل أن يتخذ موقفاً من تأييد الأمويين أو ابن الزبير: سلام عليك، أما بعد. فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، فتنا كقطع الدخان، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه؛ يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع أقوام خَلاقهم ودينهم بعَرَض من الدنيا. وإن يزيد بن معاوية قد مات، وأنتم إخواننا وأشقاؤنا فلا تسبقونا حتى نختار لأنفسنا.
وكان عبد الله بن الزبير، على سابقته في الإسلام وصلاحه وعبادته، صاحب خصال لا تناسب الخلافة الموفقة، فقد كان مستبداً برأيه إذا عرض له أمر أمضاه برأيه من غير روية ولا مشاورة، ومن ناحية أخرى كان شحيحاً في إنفاقه على من حوله، جاءه أخوه مصعب بوجوه أهل العراق وقال له:  يا أمير المؤمنين، جئتك بوجوه أهل العراق، لم أدع لهم بها نظيراً، لتعطيهم من هذا المال؛ قال: جئتني بعبيد أهل العراق لأعطيهم مال الله! والله لا فعلت. فلما دخلوا عليه وأخذوا مجالسهم، قال لهم: يا أهل الكوفة، وددت والله أن لي بكم من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم، بل لكل عشرة رجلاً. قال عبيد الله بن ظبيان: أتدري يا أمير المؤمنين ما مَثلنا ومَثلك فيما ذكرت؟ قال: وما ذلك؟ قال: فإن مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام، كما قال أعشى بكر بن وائل:
علِّقتُها عَرضاً وعُلِّقت رجلاً ... غيري وعلق أخرى غيرها الرجل
أحببناك نحن، وأحببت أنت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك. ثم انصرف القوم من عنده خائبين، فكاتبوا عبد الملك بن مروان وغدروا بمصعب بن الزبير.
وبسبب من الخصلة الأولى ارتكب خطأ سياسياً جسيماً، فقد أخرج بني أمية من مكة، وكتب إلى عبد الله بن مطيع واليه بالمدينة أن يخرج من بها من بني أمية إلى الشام، فزادهم حنقاً على حنق، وجعلهم بعيداً عن سلطانه، وجمع وجوههم في مكان واحد يتشاورون ويأتمرون، وكان مروان بن الحكم بن أمية يومئذ شيخهم، وهو المولود سنة 2، وابنه عبد الملك ناسكهم ومن يصدرون عن رأيه، وكانت سن عبد الملك يومئذ 28 سنة، وبه جدري قد ظهر به، فدخلهم من إخراجهم عن المدينة أمر عظيم، وحمل مروان ابنه عبد الملك على جمل وشده عليه شدا.
ثم إن وجوه قريش ومشايخهم اجتمعوا إلى ابن الزبير فقالوا: بلغنا ما أمرت به من إلحاق بني أمية بالشام، وإنما بعثت عليك أفاعي لا يبل سليمها، أمِثلُ مروان وبني أمية يُشخَصون إلى الشام؟ فوجه ابن الزبير رسولا إلى ابن مطيع بكتاب منه يأمره فيه بإقرار بني أمية بالمدينة وترك إشخاصهم، فاتبعهم حتى وافاهم بأداني أرض الشام فعرض عليهم الانصراف فأبوا، وقال عبد الملك وقد نقه من مرضه للرسول: قل لأبي خبيب إنا نقول لا حول ولا قوة إلا بالله، يصنع الله.
ولما أجمع أمراء الشام على بيعة ابن الزبير، فقد الأمويون الأمل حتى إن مروان بن الحكم قرر أن يبايعه، وخرج يريد السفر إلى ابن الزبير في الحجاز ليبايع له ويأخذ منه أماناً لبني أمية، وخرج معه عمرو بن سعيد، فلقيهم عبيد الله بن زياد بأذرعات مقبلاً من العراق، فأخبروه بما أرادوا، فقال لمروان: سبحان الله، أرضيت لنفسك بهذا؟ تبايع لأبي خُبيب وأنت سيد قريش، وشيخ بني عبد مناف؟؟ والله لأنت أولى بها منه. فقال له مروان: فما الرأي؟ قال: الرأي أن ترجع وتدعو إلى نفسك، وأنا أكفيك قريشاً ومواليها، فلا يخالفك منهم أحد. فأخذ مروان بهذا الرأي وعاد.
وكان عبيد الله بن زياد يزور الضحاك كل يوم ، فقال له يوماً: يا أبا أُنيس، العجب لك وأنت شيخ قريش تدعو لابن الزبير وتدع نفسك، وأنت أرضى عند الناس منه، لأنك لم تزل متمسكاً بالطاعة والجماعة، وابن الزبير مشاقٌ، مفارق، مخالف، فادع إلى نفسك. فدعا إلى نفسه ثلاثة أيام، فقال الناس له: أخذت بيعتنا وعهودنا لرجل ثم دعوتنا إلى خلعه من غير حدث أحدثه، وأن نبايع لك! وامتنعوا عليه، فلما رأى ذلك الضحاك عاد إلى الدعاء إلى ابن الزبير فأفسده ذلك عند الناس، وغيَّر قلوبهم عليه، وكان ذلك مكيدة من عبيد الله بن زياد الذي تابع كيده فقال للضحاك: قد حصرت نفسك بدمشق، من أراد ما تريد لم ينزل المدائن والحصون، فاخرج فعسكِرْ ناحية يأتيك الناس من كل أوب، فإنك كبير قريش والمنظور إليه. فخرج الضحاك فنزل مرج راهط، وبقي عبيد الله بدمشق، ومروان وبنو أمية بتدمر، وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية عند حسان بن مالك بن بحدل، وكتب عبيد الله إلى مروان أن ادعُ الناس إلى بيعتك، ثم سر إلى الضحاك. فقد بان أمره للناس.
فلما اجتمع رأيهم على البيعة لمروان بن الحكم قام روح بن زنباع الجذامي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنكم تذكرون عبد الله بن عمر بن الخطاب وصحبته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدمه في الإسلام، وهو كما تذكرون؛ ولكن ابن عمر رجلٌ ضعيفٌ، وليس بصاحب أمة محمد الضعيف، وأما ما يذكر الناس من عبد الله بن الزبير ويدعون إليه من أمره، فهو والله كما يذكرون بأنه لابنُ الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أسماء ابنة أبي بكر الصديق ذات النطاقين، وهو بعد كما تذكرون في قدمه وفضله؛ ولكن ابن الزبير منافق، قد خلع خليفتين: يزيد وابنه معاوية ابن يزيد، وسفك الدماء، وشق عصا المسلمين، وليس صاحب أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم المنافق؛ وأما مروان بن الحكم؛ فوالله ما كان في الإسلام صدعٌ قط إلا كان مروان ممن يشعب ذلك الصدع، وهو الذي قاتل عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان يوم الدار، والذي قاتل علي بن أبي طالب يوم الجمل عن عائشة، وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير ويستشبوا الصغير - يعني بالكبير مروان بن الحكم، وبالصغير خالد بن يزيد بن معاوية.
وبايع مروانَ بنو أمية وأنصارهم، وتزوج أمَّ خالد بن يزيد بن معاوية، وهي فاختة ابنة أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، واجتمع الناس على بيعة مروان فبايعوه، وخرج عبيد الله حتى نزل المرج، وكتب إلى مروان، فأقبل في خمسة آلاف، وأقبل عبيد الله بن زياد من حُوّارين في ألفين من مواليه وغيرهم من كلب، وثار يزيد بن أبي النمس الغساني بدمشق وأخرج عامل الضحاك منها، وأمدّ مروان بسلاح ورجال.
وكتب الضحاك إلى أمراء الأجناد، فقدم عليه زُفر بن الحارث الكلابي من قنّسرين، وأمده النعمان بن بشير الأنصاري بشرحبيل بن ذي الكلاع في أهل حمص، فتوافوا عند الضحاك بالمرج، فكان الضحاك في ثلاثين ألفاً من قبائل قيس وسائر مضر ونزار ومعهم ناس من قضاعة، ومروان في ثلاثة عشر ألفاً، أكثرهم رجَالة، فأقاموا بالمرج عشرين يوماً، يلتقون في كل يوم ويقتتلون، فقال عبيد الله بن زياد يوماً لمروان: إنك على حق، وابن الزبير ومن دعا إليه على باطل، وهم أكثر منك عدداً وعدة، ومع الضحاك فرسان قيس، فأنت لا تنال منهم ما تريد إلا بمكيدة، فكِدهم، فقد أحلّ الله ذلك لأهل الحق، والحرب خدعة، فادعُهم إلى الموادعة ووضع الحرب حتى تنظر، فإذا أمِنوا وكفّوا عن القتال فكُرّ عليهم.
فأرسل مروان إلى الضحاك يدعوه إلى الموادعة ووضع الحرب حتى ينظر، فأصبح الضحاك والقيسية فأمسكوا عن القتال، وهم يطمعون أنَّ مروان يبايع لابن الزبير، وقد أعد مروان اصحابه، فلم يشعر الضحاك وأصحابه إلا بالخيل قد شدت عليهم، وغشتهم وهم على غير عدة، فنادى الناس: يا أبا أُنيس، أعجزاً بعد كَيْس؟! فقال الضحاك: نعم أنا أبو أُنيس، عجز لعمري بعد كيس! فاقتتلوا، ولزم الناس راياتهم، وصبروا وصبر الضحاك، فترجّل مروان وقال: قبح الله مَن يُولِّيهم اليوم ظهره، حتى يكون الأمر لإحدى الطائفتين، وقتل الضحاك بن قيس، قتله رجل من كلب، يقال له زُحمة بن عبد الله الكلبي، وانهزم جنوده فنادى منادي مروان: لا تتبعوا مولِّياً. فأمسكوا عنهم.
ووقعت معركة مرج راهط في النصف من ذي الحجة من عام 64، وانجلت عن مقتل عدد كبير من كبار القوم وسراتهم وفقهائهم من الجانبين، وكثير منهم من أنصار معاوية الذين انحازوا إلى عبد الله بن الزبير، وقُتل كذلك ابن مروان الأكبر: عبد العزيز، وقُتِل من جرائها النعمان بن بشير رضي الله عنهما، وهو أول مولود بعد الهجرة من الأنصار، فقد بلغه مقتل الضحاك وكسرة جيشه، فخرج هارباً ليلاً ومعه امرأته نائلة بنت عمارة الكلبية، ومع ثقله وولده، فتبعه بعض أهل حمص فأدركوه وقتلوه، وجاء الكلبيون من أهل حمص فأخذوا نائلة وولدها.
وأصابت القيسية في هذه المعركة مَقتلة لم يُقتلوها في موطن قط، وبقيت أصداء هذه المعركة يرددها الشيطان في أفكار القبائل العربية ليس في بلاد الشام والمشرق فحسب، بل في الأندلس البعيدة حتى انقسم أهلها شيعاً وأحزاباً بين قيسية شامية وبين يمانية كلبية، فدب فيهم الوهن وصاروا لقمة سائغة لأعدائهم المتربصين بهم، ولعل مروان وهو الحاذق الخبير أدرك عواقب ما جرى، فاستاء لما حدث وبخاصة مقتل الضحاك الذي كان مخلصاً للأمويين، وقال: الآن حين كبرت سني، واقترب أجلي، أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض؟
ولما انهزم جيش الضحاك هرب زُفر بن الحارث الكلابي ومعه شابان من بني سُليم، فجاءت خيل مروان تطلبهم، فقصَّر فرسا الشابين وأدركتهم خيل مروان، فقالا لزفر: يا هذا، انج بنفسك، فأما نحن فمقتولان. فمضى زفر وتركهما حتى أتى قرقيسيا، وهي الميادين اليوم في شرق سورية، فاجتمعت إليه قيس، فرأسوه عليهم، وفي ذلك يقول زفر:
لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... لمروان صدعاً بيننا متنائيا
أريني سلاحي لا أبا لك إنني ... أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا
أبعد ابن عمرو وابن معن تتابعا ... ومقتل همام أرجي الأمانيا
أتذهب كلب لم تنلها رماحنا ... وتترك قتلى راهط هي ما هيا
فلم تُر مني نَبوَة قبل هذه ... فراري وتركي صاحبي ورائيا
عشية أعدو في الفريقين لا أرى ... من القوم إلا من عليَّ ولا ليا
أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامي وحسن بلائيا
فلا صلح حتى تنحط الخيل في القنا ... وتثأر من نسوان كلب نسائيا
فقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا
وأرسل مروان إلى أيمن بن خريم رضي الله عنه، وهو ممن أسلم يوم الفتح شاباً يافعاً: ألا تتبعنا على ما نحن فيه؟ فقال: إن أبي وعمي شهدا بدراً، وإنهما عهِدا إليَّ ألا أقاتل رجلاً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن جئتني ببراءة من النار فأنا معك. فقال: لا حاجة لنا بمعونتك. فخرج وهو يقول:
ولست مقاتلاً أحداً يصلي ... على سلطان آخر من قريش
له سلطانه وعلى إثمي ... معاذ الله من سفه وطيش
أأقتل مسلماً في غير جرم ... فلست بنافعي ما عشت عيشي
واستقام الشام لمروان، وبث فيه عماله ورجاله، وسار في جنوده من أهل الشام إلى مصر فحاصرها، وكانوا مع ابن الزبير، فجرى بينهم وبين مروان قتال يسير، ثم توافقوا على الصلح، واستعمل ابنه عبد العزيز عليها، ودامت ولاية مروان 9 شهور وتوفي في رمضان من سنة 65، وخلفه ابنه عبد الملك.
تزوج الضحاك بن قيس أم عبد الله بنت يزيد الكلبية، وكانت امرأة شجاعة مقدامة، كانت قبله عتد حبيب بن مَسلمة، فأمره عثمان أن يخرج إلى غزو الروم في أرمينية، فقرر ذات يوم أن يهاجم بطريقهم في الليل، فسألته امرأته: فأين موعدي معك؟ قال: سُرادق البطريق أو الجنّة. ثم بيّتهم، فقتل من واجهه منهم حتى وصل السرادق فوجد امرأته قد سبقته إليه، وتوفي عنها حبيب فتزوجها الضحاك وهي أم  أولاده.
أعقب الضحاك أولاداً منهم ابنه الأكبر عبد الرحمن بن الضحاك، كان من سروات قريش وكرمائهم، ولاه يزيد بن عبد الملك على المدينة سنة 101، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، لن تعدموا مني ثلاث خلال: لا أجمر لكم جيشاً، وإن أُمِرت فيكم بخير عجلته لكم، أو بشرٍّ أخرّته عنكم، ولا يكون بيني وبينكم حجاب. والتجمير: إطالة حبس الجيش بالثغور فلا يقفلون إلى أهاليهم.
فمكث في الولاية 4 سنوات حسن السيرة، وكان على موسم الحج، ثم عزله يزيد بن عبد الملك سنة 104 وأغرمه 40.000 دينار، ويقال إن ذلك بسبب خطبته فاطمة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهما، ورفضها الزواج منه وإلحاحه عليها إلحاحاً وصل إلى حد التهديد بمعاقبة أولادها، فشكته إلى يزيد فغضب وعزله وكتب إلى والي الطائف عبد الواحد بن عبد الله النصري: إني قد وليتك المدينة فأغرم ابن الضحاك أربعين ألف دينار، وعذبه حتى أسمع صوته، وأنا على فراشي.
ولما عزل الجراح صعد المنبر، فبكى، وبكى الناس لبكائه، وقال: والله ما أبكي جزعاً من العزل، وضناً بالولاية، ولكني أربأ بهذه الوجوه أن يتبدلها بعدي من لا يرى لها من الحق ما كنت أراه، وإني وإياكم يا معشر أولاد المهاجرين والأنصار لكما قال أخو كنانة:
فما القيد أبكاني ولا السجن شفني ... ولا من حذار الموت يا قوم أجزع
ولكن أقواماً أخاف عليهم ... إذا مت أن يُعطُوا الذي كنتُ أمنع
وكانت بنو أمية تسير بالعامل المعزول في الطريق وتمر به يقف الناس حامدين أم شامتين، فوقف الجراح في الشمس في جبة صوف، فكان القرشيون يمرون فيعدلون إليه ويثنون عليه، ويظللون عليه، حتى صاروا حلقة ضخمة؛ وسقط خف رجليه من الشمس حتى حمل حملاً.
ذكرنا أن السياسة غلبت على الضحاك، وينبغي أن نشير إلى أنه - رغم الاختلاف على صحبته - روى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدث عنه صحابة مثل عمير بن سعد الأوسي، المتوفى سنة 45، ومعاوية بن أبي سفيان ووصفه بالعدالة، وحدث عنه كبار التابعين مثل سعيد بن جبير، المولود سنة 45 والمقتول سنة 94، وعامر بن شراحيل الشعبي، المولود سنة 19 والمتوفى سنة 103 ، وسماك بن حرب الذهلي المتوفى سنة 123.
أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ

الجمعة، 3 أكتوبر 2014

حدث في التاسع من ذي الحجة

في التاسع من ذي الحجة من سنة 749 توفي في دمشق، عن 49 عاماً، ابن فضل الله العمري، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يحيى بن فضل الله، المؤرخ الجغرافي والكاتب البليغ والشاعر الرقيق، صاحب الموسوعة الجغرافية كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، وغيره من المؤلفات المفيدة النافعة.
ولد ابن فضل الله العمري في دمشق ونشأ فيها، وكانت أسرته عريقة في الكتابة والإنشاء، فوالده القاضي الرئيس محيي الدين يحيي، المولود بالكرك سنة 654 والمتوفى في القاهرة سنة 738 والمدفون بدمشق، عمل في كتابة الإنشاء بدمشق وهو في السابعة، تحت ظل أخيه الكبير شرف الدين عبد الوهاب، وترقى في الوظائف حتى صار كاتب السر لدى نائب السلطنة بالشام، ثم انتقل إلى مصر ليكتب للسلطان، قال الإمام الذهبي: كان صدراً معظماً وقوراً كامل العقل حسن الصيانة، تاركاً لمعاشرة الناس، خبيراً بوظيفته، بديع الكتابة، جزل العبارة، لا يكاد يتكلم إلا جواباً. وقال المؤرخ صلاح الدين الصفدي، خليل بن أيبك المولود سنة 696والمتوفى سنة 764، في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر: لم أر فى عمري من كتب النسخ وخرج التخاريج والحواشي أحلى وأظرف ولا ألطف منه ... ولم أر عمري من نال سعادته في مثل أولاده وأملاكه ووظائفه وعمره، وكان السلطان قد بالغ أخيراً في احترامه وتعظيمه.
وكان عمه الذي ذكرنا: شرف الدين عبد الوهاب، المتوفى عن 94 سنة عام 717، كاتباً للسلاطين والأمراء، فاق في الترسل المنسجم الخالي عن التكلف والتصنع، وأجاد في الخط، قال الصفدي: يكتب خطاً لو كان للحدائق يوماً ما احتاجت للأزاهر، أو للغواني ما تحلت بالجواهر! وكان وفير الثراء ظاهر النعمة، ومعظماً من الأمراء والسلاطين، ومتع بحواسه لم يفقد منها شيئاً ولم تتغير كتابته، ومات وهو جالس ينفذ البريد إلى بعض النواحي.
ودرس العربية على الشيخ كمال الدين ابن قاضي شهبة، عبد الوهاب بن محمد، المتوفى سنة 726، الذي كان يدرس المبتدئين النحو والفقه، ودرسها كذلك على قاضي القضاة شمس الدين محمد بن مسلم المولود سنة 662 والمتوفى بالمدينة سنة 726، والذي كان آية في العلم والتواضع، ودرس على الشيخ برهان الدين ابن الفركاح، إبراهيم بن عبد الرحمن، المولود سنة 660 والمتوفى سنة 729، وكان لطيفاً متواضعاً، وقرأ الحديث على الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وأخذ العروض والأدب على الشيخ شمس الدين الصايغ، محمد بن الحسن المتوفى سنة 722، وعن علاء الدين الوداعي، علي بن المظفر المولود في الإسكندرية سنة 640 والمتوفى بدمشق سنة 716، وكان أديباً بارعاً، ودرس علم البديع والبيان كما قرأ مجموعة من الدواوين وكتب الأدب على العلامة شهاب الدين محمود بن سلمان، المولود سنة 644 والمتوفى بدمشق سنة 725، وكان شيخ صناعة الانشاء في عصره، ويقال: لم يكن بعد القاضى الفاضل مثله. وهو إلى ذلك شاعر مكثر.
وأخذ في مصر عن الشيخ أثير الدين ابن حيان، محمد بن يوسف، المولود بغرناطة سنة 654 والمتوفى بالقاهرة سنة 745،: سمع عليه كتاب الفصيح لثعلب والمعلقات الست والمقصورة الدريديَّة وأكثر ديوان أبي تمام وغير ذلك؛ وكان أثير الدين كما يصفه الصفدي : الشيخ الإمام الحافظ العلامة، فريد العصر وشيخ الزمان، وإمام النحاة... وله إقبال على الطلبة الأذكياء وعنده تعظيم لهم... وله الموشحات البديعة وهو ثبت فيما ينقله محرر لما يقوله عارف باللغة ضابط لألفاظها، وأما النحو والتصريف فهو إمام الدنيا فيهما لم يذكر معه في أقطار الأرض غيره في العربية، وله اليد الطولى في التفسير والحديث والشروط.
وفي سنة 729 أصاب الفالج كاتبَ سر السلطان القاضي علاء الدين بن الأثير، فطلب السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون، المولود سنة 684 والمتوفى سنة 741، والد شهاب الدين القاضي محيي الدين إلى القاهرة وجعله كاتب سره، وصار شهاب الدين هو الذي يقرأ كتب البريد على السلطان، وفي سنة 732 أعاده السلطان إلى كتابة سر دمشق وعاد هو معه، وبعد 8 أشهر طلب السلطان والده فعاد معه يقرأ على السلطان البريد، واستعفى والده من السلطان لثقل سمعه وكبر سنه إذ قارب الثمانين،  فأذن له أن يقيم ابنه شهاب الدين مكانه، فصار االاسم لمحيى الدين والقائم بالعمل شهاب الدين.
واستمر شهاب الدين حتى سنة 737 حين ترك على نفرة من السلطان، وكان السبب أن الأمير تنكز نائب السلطنة في دمشق سأل السلطان الناصر أن يقرر في كتابة سر دمشق أحد الكتاب في ديوان مصر وهو علم الدين محمد بن قطب الدين أحمد بن مفضل المعروف بابن القطب، وكذلك بابن فضل الله، والذي كان أجداده أقباطاً ثم أسلموا، ولم يعجب هذا التعيين ابن فضل الله وغض من مكانة ابن القطب، ونبزه بالقبطي، فلم يلتفت السلطان الناصر لذلك، فكتب له مرسوم التعيين على كُره، ولما أمره السلطان أن يكتب فيه زيادة في راتبه امتنع فعاوده فقال للسلطان مغضباً: ما أفلح من خدمك! وخدمتك علي حرام! ثم ترك المجلس، وكان هذا منه بحضرة الأمراء فغضبوا لذلك وهمّوا بضرب عنقه، فأغضى السلطان عنه وبلغ محيي الدين ما كان من ابنه فبادر إلى السلطان وقبل الأرض، واعترف بخطأ ابنه واعتذر عن تأخره بثقل سمعه، وسأل العفو، فأمره أن يقيم ابنه علاء الدين علي في موضع شهاب الدين، وأن يلزم شهاب الدين داره فيما يشبه الإقامة الجبرية،  ولم يكن علي، المولود سنة 712، بمهارة أخيه المعزول ولكنه كان أمهر أهل عصره في الخط وتعتيق الورق وتقليد المخطوطات، وتوفى سنة 769.
وبقي شهاب الدين قرابة سنتين بطالاً منزوياً، وحج في سنة 738، ثم أراد السفر إلى الشام فأرسل يستأذن السلطان، فتذكره بالعقوبة وأمر بطلبه وصادره واعتقله في شعبان سنة 739، وجلس في الاعتقال قرابة  8 أشهر، ثم جرت حادثة لم يعرف خبرها أحد من الديوان، فقالوا: اسألوا أحمد بن فضل الله، فسألوه فعرف القصة وأخبر بها مفصلة، وتبين تميزه عن غيره والحاجة إليه فأمر الناصر بالإفراج عنه.
ثم قام السلطان الناصر بعزل الأمير تنكز من منصب نائب السلطنة بدمشق، وعزل معه كاتب سره شهاب الدين القيسراني، وأمر بمصادرة أمواله وقطع يده، واستدعى الناصرُ شهابَ الدين العمري واستحلفه على المناصحة وجعله كاتب السر في دمشق، فرجع إلى دمشق وسعى حتى خلص القيسراني من العقوبة.
وبقي شهاب الدين في منصب كتابة سر دمشق قرابة سنتين ثم عزل في منتصف سنة 743 وطُلب إلى مصر لكثرة الشكايات منه فشفع فيه أخوه علاء الدين، فأعيد إلى دمشق بطالاً مع مرتب قدره 1000 درهم شهرياً، وتفرغ للتأليف والتصنيف، حتى أدركه الأجل.
ورُبَّ ضارة نافعة فقد ألف ابن فضل الله في هذه الفترة كتابه العظيم مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، وسنتحدث عنه بعد قليل.
وجاءت وفاة ابن فضل الله حين وقع بدمشق الطاعون سنة 749 فقلق لذلك شهاب الدين وراعى القواعد الطبية في الانعزال عن الناس، ثم عزم على الحج فسافر بزوجته وولديه إلى الحجاز ماراً بالقدس الشريف وصاموا فيه رمضان، ووافت المنية زوجته هناك فدفنها وعاد إلى دمشق وقد أثقله الحزن، فلم تمض أسابيع إلا وتوفي رحمه الله في يوم عرفة سنة 749 ، ودفن بالصالحية عند والده وأخيه بدر الدين محمد. ورثاه الصفدي بقصيدة منها:
الله أكبر يا ابن فضل الله ... شغلت وفاتُك كلَّ قلبٍ لاه
ما كنت إلاّ واحد الدهر الذي ... يسمو على الأنظار والأشباه
أما القلوب فإنّها رهن الأسى ... ترد القيامة وهي فيك كما هي
أبداً يخيّل لي بأنك حاضر ... تملي الفوائد لي وأنت تجاهي
وكان المؤرخ الصفدي قريباً كثيراً من ابن فضل الله العمري وأسرته، وما أكثر ما ينقل عنه وعن مؤلفاته في كتبه، ولما ذكره في الوافي للوفيات قال: رزقه الله أربعة أشياء لم أرها اجتمعت في غيره وهي: الحافظة، قلَّما طالع شيئاً إلا وكان مستحضراً لأكثره، والذاكرة التي إذا أراد ذكرى شيء من زمن متقدم كان ذلك حاضراً كأنه إنما مرَّ به بالأمس، والذكاء الذي تسلط له على ما أراد، وحسن القريحة في النظم والنثر... وأضاف الله تعالى له إلى ذلك كله حسن الذوق الذي هو العمدة في كل فن... ولم أر من يعرف تواريخ ملوك المغل من لدن جنكزخان وهلم وجرّاً معرفته وكذلك ملوك الهند الأتراك. وأمّا معرفة الممالك والمسالك وخطوط الأقاليم ومواقع البلدان وخواصها فإنه فيها إمام وقته، وكذلك معرفة الاسطرلاب وحل التقويم وصور الكواكب.
كان لشهاب الدين ولد اسمه عبد الوهاب أدخله والده في في ديوان الانشاء معه بمصر ومع عمه علاء الدين، وكان يكتب جيداً، ثم لما رجع والده إلى دمشق معيناً في وظيفة كاتب سر دمشق بقي يكتب معه وكان يدخل بالعلامة إلى النائب، ثم استقر في توقيع الدست في أوائل سنة 750 واستمر إلى أن توفي سنة 754، وكان جواداً فيه حدة.
لابن فضل الله مؤلفات كثيرة وقيمة أكثرها شهرة وأكبرها حجماً كتابه مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، وقد جعله على قسمين : في الأرض والثاني: في سكان الأرض، وقد بين منهجه النقدي الدقيق في خطبة الكتاب فقال: فاستخرت الله تعالى في إثبات نبذة دالَّة على المقصود في ذكر الأرض وما فيها ومن فيها: الأظهَر فالأظهر، والأشهر فالأشهر، وما لم أجد بُدّا من ذكره في ذلك ومثله، وحالة كل مملكة، وما هي عليه، هي وأهلها في وقتنا هذا... لُيبصر أهل كلِّ قطر القطر الآخر، وبينته بالتصوير: ليُعرف كيف هو، كأنه قُدَّام عيونهم بالمشاهدة والعِيان، مما اعتمدت في ذلك على تحقيق معرفتي له، فيما رأيته بالمشاهدة، وفيما لم أره بالنقل ممَّن يعرِف أحوال المملكة المنقول عنه أخبارها، مما رآه بعينه أو سمعه من الثقات بأُذنه، ولم أنقل إلا عن أعيان الثقات، من ذوي التدقيق في النظر، والتحقيق للرواية، واستكثرت ما أمكنني من السؤال عن كلِّ مملكة، لآمن من تغفُّل الغفلاء وتخيُّل الجهالات الضالَّة، وتحريف الأفهام الفاسدة.
ولم أُعرِّج إلى ملوك الكفَّار ركابي، ولا أرسيت بجزائر البحر سفني، ولا أسهرت في الظلمات عيني، ولا أتعبت في المحفورة يدي، إلا ما الممت منه إلْمامة الطيف المنفّر، ونغبت منه نُغبة الطائر الحذر، لأن غالب ما يقال - والله أعلم -  أسماء لا يُعرف لها حقيقة، ومجاهل لا توصل إليها طريق.
وإن كان في العمر فسحة، وفي الجسم صحَّة، وللهمَّة نشاط، وللنفس انبساط، وما ذلك على الله بعزيز... لأُذيِّلنَّ بممالك الكفَّار هذا التصنيف، وأجيء بفارسه المُعْلَم وخلفه من سبيهِّم رديف.
ولم أذكر عجيبة حتى فحصت عنها، ولا غريبة حتى ذكرت الناقل، لتكون عهدتها عليه... وقطعت فيه عمر الأيّام والليالي، وأثبتُّ فيه بالأقلام أخبار العوالي. وشُغلت به الحين بعد الحين، واشتغلت ولم أسمع قول اللاَّحِين. وحرصت عليه حرص الضّنين، وخلصت إليه بعد أن أجريت ورائي السنين.
ويبدو أن ابن فضل الله وفى بوعده في وصف ممالك الكفار، إذ تورد مصادر ترجمته أن له كتاباً أسماه: وممالك عباد الصليب. وفي كتاب مسالك الأبصار مشاهدات شخصية له في دمشق وفلسطين ومصر تبين التزامه بمنهجه في العزو والتدقيق التمحيص، ومنها ما يذكره حول الأهرام وما بنيت له، فيقول: ولقد أصْعَدْتُ غير مرَّة، مارّا على الأهرام بجميع بلاد الجيزة، ورأيت منها ما دثر بعضه، وما دثر كله. فإذا هي مصفحة البناء، شيئا على شيء، لا فُسحة في أوساطها، كما تكون ساحات الدور بين الجدران، وإنما هي بناء ملتصق على بناء، بعضها فوق بعض. ووجدتُ بعض الأهرام مبنيّة بالطوب، وهذا أكبر دليل على أنها لم تُتَّخذ ملجأ من الطوفان.
فأما مقدار الهرمين المشار إليهما، في ارتفاعهما ومساحة أقطارهما، فإنه مذكور في الكتب ذكرا مستوعبا لم أحققه بالقياس. وأبى لي تحقيقي في هذا الكتاب أن أذكره بمجرَّد التقليد، مع إمكان التحقيق، مع كثرة تردّدي عليها، وسكني في القاهرة في جوارها، ولعذر مانع في وقت هذا التأليف، قعدتُ عن معاودتها بالنظر والتحقيق.
وهو عندما يتحدث عن مدافن الفراعنة في الصعيد يقول:  رأيت بها مختلفات من صور الحيوان: من نوع الإنسان والدوابّ والوحش والطير، على صور مختلفة، وأشكال متباينة، مصبَّغة بأنواع الأصباغ، مرسومة في الجُدُر والسقوف والأركان، من باطن البناء وظاهره، لم تنطمس رسومها، ولا حالت أصباغُها: كأنَّ يد الصانع ما فارقت صورها، وكفَّ الصبّاغ ما مسح دهانها.
ويتحدث عن منابع النيل فيقول: والأقوال في أوّل مجرى النيل كثيرة، ذكر فيها المسعودي وغيره ما لا فائدة فيه، والشائع على ألسنة الناس أنّ أحدا ما وقف على أوّله بالمشاهدة، وجعل كل واحد منهم سببا لعدم الوقوف على حقيقة أوّله.
ومن الفريد توقعه وجود أمريكا وراء بحر الظلمات فيقول: لا أمنع أن يكون ما انكشف من الماء من الأرض، من جهتنا، مكشوفاً من الجهة الأخرى، وإذا لم أمنع أن يكون منكشفاً من تلك الجهة، لا أمنع أن يكون به من الحيوانات والنبات والمعادن مثل ما عندنا، أو من أنواع أو أجناس أخرى.
ومؤلفه الهام الآخر هو كتابه التعريف بالمصطلح الشريف، وهو ليس في الحديث كما يتبادر للذهن، بل هو مرجع أساسي للكُتَّاب في دواوين السلطنة والحكومة يبين لهم كيف يكتبون شكلاً ومضموناً الرسائل والمراسيم والاتفاقات والمعاهدات وغيرها مما تصدره الدولة أو توافق عليه، وجعله سبعة أقسام تتضمن: رُتب المكاتبات، وعادات العهود والتقاليد والتفاويض والتواقيع والمراسيم والمناشير، ونُسخ الأيمان، وفي الأمانات و الدفن و الهدن والمواصفات والمفاسخات، وفي نطاق كل مملكة وما هو مضاف اليها من المدن والقلاع، وفي مراكز البريد والحمام ومراكز هُجن الثلج و المراكب المسفرة به في البحر والمناظر والمحرقات، وسابعاً: فيأاوصاف ما تدعو الحاجة إلى وصفه.
وقد أشار لفضل الكاتب وكتابه القلقشندي، أحمد بن علي المولود سنة 756 والمتوفى سنة 821، في صبح الأعشى في صناعة الإنشا، وهو فيه يكثر النقل جداً عن ابن شهاب، قال القلقشندي: مَلِك الكتابة وإمامها، وسلطان البلاغة ومالك زمامِها... أنفَس الكتب المصنفة في هذا الباب عِقْدا، وأعدلها طريقاً وأعذبُها وِرْدا، قد أحاط من المحاسن بجوانبها، وأُعقِمت الأفكارُ عن مثله ففاز من الصنعة بأحمدِ مذاهِبها.
وينقل القلقشندي عن ابن فضل الله صيغة أيمان يُحلّف بها النصارى على الإخلاص للسلطان، أورد بعضاً منها للفائدة والغرابة:
والله والله والله العظيم، وحق المسيح عيسى ابن مريم، وأمه السيدة مريم، وما أعتقده من دين النصرانية، والملة المسيحية ، وإلا أبرأ من المعمودية، وأقول: إن ماءها نجس، وإن القرابين رجس، وبرئت من مار يوحنا المعمدان والأناجيل الأربعة، وقلت: إن مَتَّى كذوب، وإن مريم قول اليهود، ودنت بدينهم في الجحود، وأنكرت اتحاد اللاهوت بالناسوت، وبرئت من الأب والابن وروح القدس، وكذبت القسوس، وشاركت في ذبح الشماس، وهدمت الديارات والكنائس، وكنت ممن مال على قسطنطين ابن هيلانة، وتعمد أمه بالعظائم، وخالفت المجامع التي أجمعت الأساقفة برومية والقسطنطينية، ووافقت البرذعاني بأنطاكية، وجحدت مذهب الملكانية، وسفهت رأي الرهبان، وأنكرت وقوع الصلب على السيد اليسوع، وكنت مع اليهود حين صلبوه، وحدت عن الحواريين، واستبحت دماء الديرانيين، وجذبت رداء الكبرياء عن البطريرك، وخرجت عن طاعة الباب، وصمت يوم الفصح الأكبر، وقعدت عن أهل الشعانين، وأبيت عيد الصليب والغطاس، ولم أحلف بعيد السيدة، وأكلت لحم الجمل، ودنت بدين اليهود، وأبحت حرمة الطلاق، وخنت المسيح في وديعته، وتزوجت في قرن بامرأتين وهدمت بيدي كنيسة قمامة، وكسرت صليب الصلبوت، وقلت في البنوة مقال نسطورس، ووجهت إلى الصخرة وجهي، وصديت عن الشرق المنير حيث كان المظهر الكريم، وإلا برئت من النورانيين والشعشعانيين، ودنت غير دين النصارى، وأنكرت أن السيد اليسوع أحيا الموتى، وأبرأ الأكمة والأبرص، وقلت بأنه مربوب، وأنه ما رؤي وهو مصلوب، وأنكرت أن القربان المقدس على المذبح ما صار لحم المسيح ودمه حقيقة...
أما وقد استشهدنا بالقلقشندي رحمه الله فينبغي أن نشير إلى أن كتابه صبح الأعشى هو أحد أربعة من الكتب الموسوعية، التي كتبت في الحقبة المملوكية وامتازت بضخامتها وتنوعها وطرافتها؛ وهي: مسالك الأبصار، ونهاية الأرب للنويري، المتوفى سنة 733، ولسان العرب لابن منظور، محمد بن مكرم المتوفى سنة 711.
ولكونه عمرياً وضع ابن فضل الله كتاب فواضل السمر في فضائل آل عمر، وقد اختصر كتاب قلائد العِقيان في محاسن الأعيان الذي ألفه الفتح بن محمد بن خاقان الإشبيلي، وله مجموع رسائل أسماه الشتويات، وكتاب النبذة الكافية في معرفة الكتابة والقافية، وكتاب الدائرة بين مكة والبلاد، وله في الأدب كتاب يقظة الساهر، وكتاب نفحة الروض، وكتاب دمعة الباكي ويقظة الساهي، وله في المدائح النبوية ديوان صبابة المشتاق، وله كذلك قصيدة مطولة رائية اسمها حسن الوفا لمشاهير الخلفا، وكتاب تذكرة الخاطر.
وله كتاب أسماه ذهبية العصر ترجم فيه لأعلام عصره في الشرق والغرب، وذكر أشعارهم وأخبارهم على نهج يتيمة الدهر للثعالبي، وقال في مقدمته: لما رأيت أكثر الناس أصدقاء العظم الرميم، وأعداء الأحياء، قمت لأهل عصري منتصرا وجنيت فيه لفحول الرجال وجمعت فيه ذيل المشرق والمغرب وقصرته على أهل المئة الثامنة.
نختم بما ذكره ابن فضل الله في مسالك الأبصار: مررت بعد حين من الدهر بمعاهد كنت آلفها أوّل عمري، والشيب ما عارض عارضي ولا عذري؛ وعقد الاجتماع منظوم، وأهلها أهلَّة ونجوم. فوجدتها خالية بعد أهلها، ظامية بعد عَلِّها ونهلها؛ وقد أصبحت عارية من ريفها وظلِّها، عادمة لكثرها وقُلِّها، وقد كتب عليها بعض من ولِع:
هذه دارُهمْ وماتُوا جَميعا ... هكذا هكذا يُعادِي الزمانُ!
فحرّكني هذا البيت، لسكان ذلك البيت، وأيامنا نحن وساكنه الميت، وتذكرت تلك الأيام الماضية، والعيشة الراضية، ثم ما غرت الحوادث، وسدّت من الأبواب والبواعث، فقلت ارتجالا:
أين دهْرٌ مضى لنا أول العُمْر وأينَ الزمانُ والإخْوانُ!
حَدَثَتْ بعدَنا عليهم أمورٌ! ... هاتِ شيئاً ما اغتالهُ الحَدَثان؟
ذهب الكلُ في زمان تقضّى ... كلُّ شيء يأتي عليه الزمان!
ما تَبَقّى لنا من الكل إلا ... قولُنا للتذكار: كُنَّا وكانوا!

الجمعة، 26 سبتمبر 2014

حدث في الثاني من ذي الحجة

في الثاني من ذي الحجة من عام 1271 الموافق 16 آب/أغسطس 1855 بدأت في القِرِم معركة تشِرنايا، النهر الأسود؛ وهو نهر على ضواحي سيباستوبول عاصمة القرم، بين الجيش الروسي وبين قوات التحالف العثماني الفرنسي الإيطالي، وانجلت المعركة عن اندحار ذريع للقوات الروسية، وكانت بداية النهاية لحرب القرم التي دامت قرابة سنين ونصف، من 1270=1853 إلى سنة 1272=1856، وخلفت وراءها مئات الألوف من القتلى والجرحى والمصابين.
كان السبب الظاهري المباشر لهذه الحرب التنافس بين روسيا وبين فرنسا على امتيازات الكنائس المسيحية في فلسطين التي كانت تحت الحكم العثماني، أما السبب العريق فيعود إلى عهد بطرس الأكبر التي جلس على عرش روسيا من سنة 1107=1696 إلى وفاته سنة 1137=1725، حيث أرسى استراتيجية اتبعتها الحكومات الروسية المتعاقبة، وهي توسيع رقعة روسيا حتى تصل إلى البحرين: البحر الأسود في الجنوب وبحر البلطيق في الشمال الغربي، وتتطلع للاستيلاء على القسطنطينية - إن أمكن - لكون روسيا وريثة الإمبراطورية البيزنطية في كونها دولة الكنيسة الأرثوذكسية، وينبغي أن تكون لها زعامة النصارى الأرثوذكس في العالم.
وقد ساعد روسيا أن الدولة العثمانية لم تعمل على أسلمة رعايا البلقان؛ بل تركت لهم حريتهم الدينية وحكومتهم الذاتية ولغتهم القومية، فاستغلت روسيا الروابط الدينية والقومية التي تربطها بسكان البلقان، وعملت دائماً على خلق المتاعب في وجه السلطان، وسارعت إلى نصرة الثائرين بقواتها.
ونظراً للضعف الذي طرأ على الدولة العثمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، سعى القيصر لتحقيق توسع روسي في الرقعة الجغرافية والنفوذ السياسي على حساب الرجل المريض، كما كانت تسمى الدولة العثمانية، ولكن ذلك أخاف بريطانيا وفرنسا فوقفتا له بالمرصاد.
وكانت الدولة العثمانية في تلك الفترة رجلاً مريضاً يتعاقب على علاجه أطباء لا يحملون له الود ولا يريدون له العافية التامة، ذلك إن السلطان عبد المجيد، المولود سنة 1234=1822، تسنم العرش سنة 1255=1839 بعد وفاة والده محمود الثاني وقد تزلزت أركان الدولة العثمانية، فجيوش محمد علي باشا المنتصرة في موقعة نصيبين تتجه شمالاً نحو القسطنطينة، ولولا تدخل الدول  الغربية ومعها روسيا خشية من دولة فتية طموحة تقوم على أنقاض الدولة العثمانية المترهلة، لصار محمد علي باشا سلطان المسلمين، وتلا ذلك فتنة جبل لبنان التي تدخلت فيها الدول الأوربية حماية للأقلية المسيحية من عدوان الدروز.
أما الامتيازات للكنائس المسيحية في فلسطين، فقد كانت فرنسا تسعى دائماً في علاقتها بالدولة العثمانية وفي المعاهدات التي تنجزها معها، أن تحصل للكنيسة الكاثوليكية على امتيازات تمثيل النصارى في فلسطين وإدارة ما فيها من الكنائس الكبيرة والمشاهد المسيحية المقدسة، ولعل ذلك استمرار لتيار الحروب الصليبية في العقلية الفرنسية، وحصلت فرنسا في سنة 1740 على امتياز يمنح الرهبان الكاثوليك امتياز امتلاك وإدارة الكنائس والمشاهد في فلسطين.
وكان للرهبان الأرثوذكس نفوذ هائل على الحكام والرعايا الروس، وكان القيصر يعتبر نفسه حامي الكنيسة الأرثوذكسية تديناً وسياسة، مَثَلُه في هذا مَثل السلطان العثماني إزاء المسلمين في العالم، وكان من شأن نجاح هذه السياسة أن  تمنح القيصر نفوذاً كبيراً بين الأرثوذكس من رعايا السلطنة العثمانية، والذين بلغ عددهم أكثر من عشرة ملايين شخص، فأصبحوا الدين الثاني بعد الإسلام، ولذا سعت روسيا لتجريد الكاثوليك من هذا الامتياز وإعطائه للأرثوذكس.
وتعدى القساوسة الأرثوذكس على الامتيازات الكاثوليكية في غفلة من فرنسا حين انشغلت قرابة 60 سنة بالثورة الفرنسية سنة 1789 ثم بحروب نابوليون والحكومات الملكية الضعيفة، حتى جاءت ثورة 1848 وتلاها تعيين نابوليون الثالث رئيسا للجمهورية الفرنسية الثانية، وكان رجلاً طموحاً يتوق للحكم الفردي، بعيداً عن الأحزاب والشخصيات الكبيرة، وكان من سياسته في مواجهتهم أن يستعين بالشارع الفرنسي، وأراد استمالة الرأي العام في فرنسا فسعى لدى الدولة العثمانية لاستعادة ما خسرته الكنيسة الكاثوليكية من كنائس وأديرة، فعينت لجنة من أعضاء مختلفي المذهب للفصل في الأمر بمقتضى المعاهدات القديمة، فقررت في سنة 1268=1852 أحقية الكاثوليك في امتلاك عدة كنائس وأديرة.
وعارضت روسيا هذا القرار وهددت بالحرب لو نفذ، وبدأ القيصر نقولا الأول اتصالاته مع بريطانيا وفرنسا ليستميلهما في الحرب التي عزم على تأجيجها، فعرض على حكومة الملكة فكتوريا العمل سوية لإضعاف نفوذ فرنسا في الشرق، وتقاسم تركة الرجل المريض فتأخذ بريطانيا مصر وجزيرة كريت مقابل أن تأخذ روسيا المناطق الأرثوذكسية في السلطنة العثمانية، ولكن بريطانيا أجابت القيصر أن من الأولى معالجة هذا المريض لا القضاء عليه، ولم يكن ذلك إلا لمنع روسيا من الوصول للبحر المتوسط ومنافسة بريطانيا في السيطرة على البحار والمحيطات.
ولما أوصدت بريطانيا الباب في وجه القيصر اتصل بفرنسا وعرض عليها مقابل أن تتنازل عن طلباتها في فلسطين أن تتفق روسيا معها على احتلال تونس والحد من النفوذ البريطاني في البحر المتوسط، ولكن فرنسا رفضت أي تعاون لأن نابليون الثالث كان يسعى لإرجاع مجد فرنسا الغابر وجعلها صاحبة الكلمة الأولى في أوروبة كما كانت في عهد عمه نابليون الأول، ووجود روسيا قوية متنفذة سيحول دون ذلك.
وأجرى نابليون الثالث مباحثات مع بريطانيا للتعاون ضد روسيا ولتنفيذ المعاهدات الخاصة بالنصارى في فلسطين، والتي من شأنها أن تحد من النفوذ الروسي في الشرق العربي وبين الرعايا العثمانيين من الأرثوذكس، وحيث كانت الحكومة البريطانية قد اطلعت على المطامع الروسية الخطيرة فلم تكن بحاجة لمزيد إقناع لكبح المخطط الروسي، فوقفت مع فرنسا إلى جانب تركيا، وأخذت تعمل على المحافظة عليها، ولكنها لم تر بأساً من اقتطاع كثير من أملاكها في الوقت المناسب.
وأصدرت روسيا إنذاراً أرفقته بشروط منها أن يكون لروسيا حق حماية جميع المسيحيين الموجودين ببلاد الدولة العثمانية، ورفضه الباب العالي مع إعلانه احترامه حقوق الكنيسة الأرثوذكسية، فغادر السفير الروسي في منتصف سنة 1269= 1853، وبدأت سحب الحرب تتلبد في سماء الآستانة.
وكانت فرنسا قد أرسلت أسطولها إلى بحر إيجة استعدادا للحوادث، وأرسلت بريطانيا عدداً من السفن الحربية لتتربص في مالطة، ثم اجتمعت هذه السفن واتجهت لمضيق الدردنيل لمساعدة العثمانيين في حالة هجوم روسي صار وشيكاً.
واحتلت روسيا بعدها بأيام مولدافيا وشرق أوكرانيا وتوفقت على ضفة نهر الدون الشرقية، وأعلنت أنها ستنسحب منها حين تقبل الدولة العثمانية بتنفيذ مطالبها، وكانت تلك مناورة ومجازفة خطيرة أراد القيصر منها فرض الأمر الواقع على الدول الأوربية الأخرى، وكان يتوقع منهم أن يسايروه، وكان يتوقع تأييداً كاملاً من النمسا والمجر، وكان ابنه الأمير الكساندر متزوجاً من أميرة نمساوية، ولأنه سبق وأن ساعد صديقه الإمبراطور فرانسو جوزيف في قمع الثورة المجرية سنة 1848.
ورغم أن النمسا كانت لا تخفي عداءها للعثمانيين الذين اقتطعوا جانباً كبيراً من أملاكها في البلقان وفي الدانوب، وكانت تسعى دائماً لاسترداد ممتلكاتها، إلا أن مصالح النمسا كانت لا تختلف عن مصالح الدول الأوربية الأخرى في عدم تقوية النفوذ الروسي، واستناداً إلى علاقته الجيدة مع روسيا، دعا الإمبراطور إلى مؤتمر في فيينا للوصول إلى حل للأزمة الناشبة وتجنب الحرب، وطلب من الطرفين بقاء جيشيهما في مكانيهما والامتناع عن القتال حتى انعقاد المؤتمر وتوصله للقررات المناسبة.
وانعقد مؤتمر فيينا في آخر سنة 1269=1853 وسَعَت الدول لتجنب الحرب التي ستنشب في ظروف أوروبية متقلبة بسبب الروح الثورية التي عصفت ببلدانها، وتمخض المؤتمر عن صيغة اتفاق غامض العبارة سهل التأويل، قبلته روسيا ورفضته الدولة العثمانية، وعاضدتها في ذلك فرنسا وبريطانيا، فأصدر الباب العالي إلى الأمير جورشاكوف قائد الجيوش الروسية المحتلة إنذاراً بإخلاء الأراضي المحتلة خلال 15 يوماً، وإلا فستعتبر بقاء الجيوش فيها إعلانا للحرب.
ولم تستجب روسيا لهذا الإنذار فاجتازت الجيوش العثمانية بقيادة عمر باشا النهر في أول صفر من عام 1270، وجرت موقعة عظيمة هائلة انتصرت فيها الجيوش العثمانية على الجيوش الروسية وأخرجتها من معاقلها، وكان ذلك فوزا غير متوقع أدهش العالم، ثم حل الشتاء وتوقف القتال.
وفي هذه الأثناء رست السفن الفرنسية والبريطانية في البوسفور بموافقة الدولة العثمانية، لتكون أقرب إلى البحر الأسود وإلى حماية الاستانة لو حاول الروس الهجوم عليها بحرا، وفي 28 صفر سنة 1270= 30 نوفمبر سنة 1853، قام الأسطول الروسي في البحر الأسود بهجوم مباغت على الأسطول التركي الراسي في ميناء سينوب ودمره عن آخره، رغم أن روسيا تعهدت لفرنسا وبريطانيا ألا تقوم بأي عمل عدواني في البحر الأسود إذا لم تدخله سفن الدولتين، وعقب الهجوم أمرت الدولتان سفنها بالدخول إلى البحر الأسود، وأعلمت روسيا أنها ستصد أي اعتداء روسي على الموانيء أو السفن التركية.
وفي محاولة أخيرة لتجنب الحرب أرسل نابليون الثالث رسالة خطية إلى القيصر نقولا يعرض عليه عقد مؤتمر للصلح بشرط انسحاب الروس من الأراضي التي احتلوها، وتعهد له مقابل ذلك بسحب السفن من البحر الأسود، فأجابه القيصر يرفض التراجع عن موقفه أو سحب القوات ما دام عنده جندي واحد، وأنه لا يظن أن نابوليون الثالث كان يفعل غير ذلك لو كان في مكانه! وأصبح السؤال متى تنشب الحرب فلم يعد هناك شك في وقوعها، وسحبت فرنسا وبريطانيا سفيريها لدى روسيا، وهو في العرف الدبلوماسي آخر عمل سلمي قبل إعلان الحرب.
وخشي القيصر أن تنضم النمسا وألمانيا إلى الحلف الفرنسي البريطاني، فحاول استمالتها لتبقى على الحياد، ولكن محاولته لم تحقق النجاح المؤكد الذي كان يلتمسه، فقد كانت النمسا لا ترغب في أن تتوسع روسيا غربي نهر الدون في المناطق التي تعتبرها امتداداً لنفوذها السياسي.
وفي منتصف سنة 1270=1854 أعلنت فرنسا وبريطانيا اتفاقهما على الوقوف بجانب الدولة العثمانية في مواجهة العدوان الروسي، وأن ترسل فرنسا 50.000 جندي وبريطانيا 25.000 بشرط أن تنجلي جميعها عن بلاد الدولة بعد خمسة أسابيع من عقد الصلح مع روسيا، والتزام الدولتين بالحفاظ على سلامة الأراضي العثمانية ومنع ضم أي جزء منها إلى روسيا، وأن لا تباحث إحداهما روسيا بشأن الصلح أو توقيف القتال إلا بالاتفاق مع حليفتها، وخلال شهر حشدت الدولتان الجيوش وجمعت المؤن والذخائر وأنزلتها في خليجي غاليبولي والاستانة.
وابتدأ القتال في البحر الأسود قبل وصول الجيوش البرية، فقد أطلقت قلعة أوديسا نيران مدافعها على سفينة بريطانية جاءت ترفع العلم الأبيض لإجلاء  قنصل بريطانيا ورعاياها، فطلب الأدميرال البريطاني اعتذاراً عن هذا العمل العدائي، ولما لم يأته الجواب، قامت السفن البريطانية والفرنسية بقصف المدينة حتى تركتها قاعاً صفصافا، ثم بدأت في قصف ميناء سيباستوبول والموانئ الروسية في البحر الأسود.
وفي تلك الفترة أعلن القيصر نقولا الحرب على الدول المعادية، واجتازت جيوشه نهر الدون وحاصرت مدينة سلستريا 35 يوماً دون أن تتمكن من احتلالها، وكان هذا أول إخفاق للجيش الروسي الذي بلغ عدده 60000 جندي حيث صمدت له القوات العثمانية عددها 15000 جندي بقيادة القائد عمر باشا ذي الأصل الصربي، والذي ما أن رفع الروس الحصار عن المدينة حتى طاردهم بل وعبر نهر الدون وكاد يسترجع الأراضي من يد الروس المنسحبين لولا أن جاءت الجيوش النمساوية واحتلتها ومنعت عمر باشا من اتباع الروس حتى دخلوا أراضيهم، وكان هذا التصرف النمساوي بموجب اتفاق عقدته النمسا مع فرنسا وبريطانيا والدولة العثمانية، كحل وسط ريثما تتم المفاوضات النهائية، حيث لا يشكل ذلك أي تهديد للروس لعدم ميل النمسا للحرب.
وقررت الدول المتحالفة الهجوم على القرم وتدمير الأسطول الروسي الراسي في سيباستوبول، وبخاصة عندما علمت أن الكوليرا بدأت تنتشر في صفوفه، فأنزلت في آخر سنة 1270=1854 شمالي سيباستوبول 60000 جندي من الفرنسيين والأتراك والبريطانيين والمصريين، ودحروا هجوماً روسياً في ألما وردوه على أعقابه، ولكنهم لسوء تقديرهم أخطأوا فلم يتعقبوه، فمنحوه فرصة في التقهقر إلى  مدينة سيباستوبول التي كانت لم تستكمل استحكاماتها، وصارت لدى الروس فرصة لاتمام تحصينها برا وبحرا على نحو جعل الاستيلاء عليها من أصعب المهام، وتابع المتحالفون سيرهم جنوباً لحصار سيباستوبول ولم تستطع الهجمات الروسية المتكررة أن تحقق أية نتائج تغير سير الحرب، وبدأت الجيوش المتحدة في حصار سيباستوبول تمهيداً لاقتحامها والاستيلاء عليها، ولكن المقاومة الروسية المستميتة جعلتهم يعدلون إلى قرار استنزافها عبر حصار طويل.
واستمر الحصار سنة كاملة جرت فيها تطورات مهمة على الصعيد السياسي، فقد توفي في أثنائها القيصر نيقولا وتولى بعده ابنه الكساندر الثاني، وحاولت فرنسا وبريطانيا استمالة الدول الأوربية الأخرى للدخول في حلفها، فرفضت ألمانيا ووافقت النمسا وإيطاليا، وكانت إيطاليا في بدايات اتحادها وعلى خصومة مع النمسا التي كانت تحتل مقاطعتي لومبارديا وفينيتو، ولذلك قرر الملك فكتور إيمانويل الثاني الانضمام للتحالف الفرنسي البريطاني، حتى تعضد الدولتان موقف إيطاليا في سعيها للوحدة والاستقلال التام، ولذا أرسل جيشاً من 18000 جندي من مقاطعة ساردينيا يقوده الجنرال ألفونسو لا مارمورا.
وحقق المتحالفون انتصارات متتالية على الصعيد العسكري، واحتلوا عدداً من المدن والثغور واستطاعوا منع الإمدادات من الوصول إلى سيباستوبول، كانت ذروتها معركة تشرنايا التي نتحدث عنها.
وكان القيصر الكساندر الثاني قد أصدر أوامره للقائد الروسي الأمير ميخائيل جورشاكوف بالهجوم في أسرع وقت على القوات المتحالفة بغرض إجبارها على الانسحاب من حصارها لسيباستوبول، وكانت القوات المتحالفة التي ضربت الحصار تتكون من 10000 جندي عثماني يقودهم عثمان باشا، و18000 جندي فرنسي يقودهم الجنرال أيمابل بليسّيير، و9000 جندي إيطالي، وفي مواجهتهم من الروس 47000 جندي مشاة، و10000 من الخيالة و270 مدفعاً، موزعين على فرقتين.
وكان القيصر قد أدرك أن تحقيق انتصار نهائي في هذه الحرب قد صار بعيد المنال، ولكنه كان يأمل من وراء الهجوم أن يحقق نصراً يقوي موقفه في التفاوض لإنهاء الحرب بشروط أفضل، وإزاء أمر القيصر قيَّم جورشاكوف الموقف العسكري وانتهى إلى أن تحقيق الانتصار المأمول أمر مستبعد، ولكن فرص انتصاره ستكون أكثر بكثير لو فاجأ القوات الفرنسية والساردينية بهجومه في 16 آب/أغسطس حيث سيكون الفرنسيون يحتفلون بعيد الإمبراطور والإيطاليون بعيد الصعود، وقرر أن تتحرك قواته تحت غطاء الضباب في الصباح المبكر، وترابط على ضفاف نهر تشرنايا، ثم تنطلق من مواقعها لتشن هجوماً ذا شعبتين يطوق القوات المتحالفة، وأمر جورشاكوف قواته ألا تعبر النهر وتبدأ في الهجوم إلا عندما يأمرها بذلك.
وفي صباح ذلك اليوم تحركت القوات الروسية إلى ضفاف النهر، ولكن تحركها كان بطيئاً فخشي جورشاكوف أن ينكشف أمرها ويفقد عنصر المفاجأة، فأرسل رسالة يستحث قائديه على سرعة الحركة يقول فيها: تحركوا! تحركوا! ولكن الجنرالين فهما الرسالة على أنها إشارة ببدأ الهجوم، فعبرا بقواتهما النهر وقوات الاحتياط لما تزل في طريقها إلى ساحة المعركة، ودون دعم من الخيالة أو المدفعية.
وعلى الفور واجهت القوات الروسية المهاجمة مقاومة صلبة من القوات الفرنسية والإيطالية، واستطاع الفرنسيون عند إحدى الهضبات التصدي لهجوم الميمنة، فزج القائد الروسي بقوات الاحتياطي لزحزحة الفرنسيين ولكنه بدلاً من أن يدفعها كلها في هجمة واحدة أرسلها كتيبة تلو أخرى فلم تستطع اجتياح المواقع الفرنسية، ولما رأى جورشاكوف ذلك أمره بأن يزج كل قواته في الهجوم، ففعل وأجبر الفرنسيين على التقهقر للخلف، ولكنه لم يتمكن من احتلال الهضبة وترسيخ مواقعه، واضطر في النهاية للانسحاب.
وقُتل القائد الروسي أثناء الانسحاب فتولى جورشاكوف قيادة الميمنة، وأمر الميسرة أن ترسل بعض كتائبها لتقوى الميمنة، ولكن الساردينيين أصلوها بنيرانهم ولم يمكنوها من الالتحاق بالميمنة، وبحلول الضحى قرر جورشاكوف أن لا فائدة من الاستمرار فأمر بالانسحاب العام، وخسر الروس في المعركة 4000 قتيل ومفقود و4000 جريح، أما القوات المتحالفة فكان إجمالي إصاباتها 1700 من قتيل ومفقود وجريح.
وأبدت القوات الروسية بسالة في هذه المعركة واستماتت في هجومها رغم القصف المدفعي وانكشافها لنيران العدو، ولكن سوء التنظيم وكون أغلب الجنود من الأغرار قليلي الخبرة بالمعارك، جعل الدائرة تدور عليهم، وقد شهد هذه المعركة الكاتب الروسي الشهير الأديب الزاهد الحكيم ليو تولستوي، وكان عمره 27 سنة، وعاد منها مفعماً بالمرارة بعد أن رأى الجنرالات يزجون بالجنود الشجعان ليحصدهم القصف المدفعي مجموعة تلو الأخرى، ثم رآهم ينسحبون ويخلفون وراءهم آلاف القتلى، وقد نظم تولستوي أبياتاً بهذه المناسبة شاعت بين الجنود الروس تقول: ما أحكم خطتكم عندما رسمتوها على الورق، ولكنكم نسيتموها تماماً عند احتدام المعركة في الخنادق! وتحت قصف المدافع كتب تولستوي كتابه الذي أذاع شهرته: قصص سيباستوبول، وفيه تبدو شخصية تولستوي وإجلاله للحقيقة والشمائل الإنسانية والحب الأخوي ومقته لكل مظاهر الطغيان والعنف.
وبعد أسبوع من معركة تشرنايا بدأت القوات المتحالفة في قصف سيباستوبول للمرة السادسة والأقسى، فصبت مدفعيتها حمم 150000 قذيفة كانت توقع بالروس قرابة 3000 إصابة كل يوم، وبعد ثلاثة أيام شنت هذه القوات هجوماً على الروس الذين استبسلوا في الدفاع عن مواقعهم وأفشلوا الهجوم البريطاني، ولكنهم ما لبثوا أن انسحبوا من سيباستوبول بعد أن أحرقوا منها ما لم تدمره المدافع، وانتهت بذلك حرب القرم، مخلفة وراءها مئات الآلاف من القتلى والجرحى ومن توفي بالكوليرا وغيرها من الأمراض.
وبعد سقوط سيباستوبول أدركت روسيا أن من المستحيل عليها الانتصار على هذه القوى المتألبة ضدها، وتقدمت النمسا بوساطة قبلتها روسيا على الفور وانجلت عن الدعوة إلى مؤتمر انعقد في باريس وأقر في رجب 1272=1856 معاهدة باريس التي تضمنت إعلان السلام بين الدول المتحاربة والعودة إلى حدود ماقبل الحرب، أي إعادة شبه جزيرة القرم لروسيا، وإبقاء البحر الأسود خالياً من السفن العسكرية.
شاركت في حرب القرم قوات مصرية وأبلى جنودها بلاء حسناً في ميدان القتال، وقدموا شهداء من ضباطهم وجنودهم، وقد قال في ذلك الأديب عبد الله فكري المتوفى سنة 1306= 1889:
لقد جاء نصر الله وانشرح القلب ... لأنَّ بفتح القرم هان لنا الصعبُ
وقد ذلت الأعداء في كل جانب ... وضاق عليهم من فسيح الفضا رحب
بحرب تشيب الطفل من فرط هولها ... يكاد يذوب الصخر والصارم العضب
إذا رعدت فيها المدافع أمطرت ... كؤوس منون قصَّرت دونها السحب
ورغم انتهاء حرب القرم بهزيمة الروس إلا أنها مكنتهم من التفرغ لقتال الإمام شامل في القوقاز، الذي طال الأمد على ثورته، فجهزوا جيشاً من 60.000 جندي بدأ في تضييق الخناق عليه، ونشط جواسيسهم وعملاؤهم لاستمالة بعض القبائل والأعيان إلى بما كانوا ينثرونه من الأموال الطائلة، فلما كان أواخر سنة 1274=1858 كان كثير من أهل الجهات النائية قد خرج على الإمام شامل، وأخذ يقوم ببعض الخدمات للقوات الروسية، كشق الطرق وحراستها وما إلى ذلك، وفي سنة 1275=1859 ضيقوا عليه الحصار في مكمن تلو الآخر حتى استسلم  في صفر من سنة 1276.
سبق الحديث أن السبب المباشر للحرب هو الامتيازات الأجنبية التي منحتها الدولة العثمانية للرعايا والدول الأجنبية، وهو أمر في أصله مبني على سماحة الإسلام في ترك غير المسلمين يمارسون شعائرهم وتقاليدهم الخاصة، ولكن ذلك خرج عن ذلك ليصير الرعايا غير المسلمين محور تنافس بين الدول الغربية، ثم صار وسيلة للتدخل في شؤون الدولة العثمانية وغيرها من الدول التابعة لها،  ولم ينته هذا الأمر مع حرب القرم، بل من المضحك المبكي أن تركية عقدت في سنتي 1861-1863 معاهدات تجارية جديدة مع فرنسا وبريطانية وإيطاليا وروسيا والنمسا والولايات المتحدة وألمانيا، وكلها تؤيد حق هذه الدول في حماية رعايها في دولة السلطنة.
تبلغ مساحة شبه جزيرة القرم 27.000 كيلومتراً مربعاً، وهي مساحة لا تذكر إزاء مساحة روسيا التي تبلغ  17 مليون كيلومتر مربع، ولكن موقع القرم الاستراتيجي وموانئها الطبيعية جعلوها في غاية الأهمية، وفتح العثمانيون القرم سنة 880= 1475 في أيام السلطان محمد الفاتح، المولود سنة 833 والمتوفى سنة 886، حين طردوا من سواحلها قوات مدينة جنوة الإيطالية التي كانت ناشطة في التجارة عبر البحار، وبذلك أصبحت القرم دويلة تابعة للدولة العثمانية، يعين السلطان حاكمها الملقب بالخان، وكان الإسلام قد وصل القرم قبل ذلك بقرون، وانتشر في أهلها من التتار المشهورين بالفروسية والشجاعة، حتى إن روسيا كانت تدفع مبلغاً سنوياً بصورة جزية لأمراء القرم حتى لا يهاجموا قوافلها التجارية، وبعد الفتح أصبح التتار من الفرق المهمة الشديدة البأس في جيوش محمد الفاتح والسلاطين من بعده.
وهذه الحرب التي تحدثنا عنها حلقة في سلسلة من الحروب التي خاضتها روسيا لإبقاء القرم تحت سيطرتها بعد أن اشتد عودها وتمكنت دولتها المركزية، ولعل أول محاولة روسيا ناجحة هي التي كانت في سنة 1107=1695 حين احتلت جيوش بطرس الأكبر مدينة آزوف، في أيام السلطان مصطفى الثاني، المولود سنة 1074والمتوفى سنة 1115، ولكن السلطان الذي اتصف بالشجاعة وكان ينفسه يقود الجيوش، هزم الروس وأجبرهم على الانسحاب.
ثم احتلت روسيا القرم في حرب سنة 1184= 1770 في أيام الإمبراطورة كاترين الثانية، وأقامت عليها خاناً من عملائها يدعى شاهين خان، وأخفقت الدولة العثمانية في استردادها ودمر الروس أسطولها في معركة ميناء چشمه في بحر إيجه، واضطر السلطان عبد الحميد الأول لعقد اتفاقية سلام مع روسيا، عرفت بمعاهدة قينارجه، وتضمنت تخلي العثمانيين عن القرم لتقوم فيه دولة مستقلة من أهله التتار، ومما جاء في الاتفاقية أن: الدولة العلية ودولة روسيا لا تتدخلان في أمر انتخاب الخانات المومأ إليهم، ولا في أمور حكومتهم بوجه ما، بل يكون حكمهم في حكومتهم وفي الأمور الخارجية كدولة مستقلة مثل سائر الدول المستقلة، وطائفة التتار تكون مقبولة ومعترفا بكونها غير تابعة لأحد سوى الحق سبحانه وتعالى.
وحيث إن الطائفة المذكورة هي من أهل الإسلام، وكون السلطان هو إمام المسلمين فإنها يجب ان تنظم أمورها المذهبية من طرف السلطان بمقتضى الشريعة الإسلامية.
وتضمنت المعاهدة كذلك السماح للسفن الحربية الروسية بالمرور من مضائق البوسفور والدردنيل في أي وقت، بعد أن كانت ممنوعة من ذلك.
وما لبثت روسيا بتأثير الجنرال القدير بوتمكين أن ضربت بالمعاهدة عرض الحائط، وذلك بعد أن تحالفت سراً مع النمسا، واتفقتا على تقاسم مغانم هذه الحرب، بل وإحياء الإمبراطورية البيزنطية في استانبول، فأعلنت الإمبراطورة كاترين ضم القرم في سنة 1783، فاندلعت الحرب ثانية في سنة 1787 وأعلنت النمسا الحرب على العثمانيين مساعدة لروسيا، وحققت الجيوش الروسية انتصارات متتالية في البلقان، ولكن الجيش النمساوي لقي عدة هزائم أمام الجيش العثماني، وتوفي الإمبراطور النمساوي جوزيف الثاني في سنة 1790وخلفه ليوبولد الثاني، وكانت الثورة الفرنسية في  سنة 1789 قد بدأت روحها الثورية في تهديد العروش عبر أوروبا كلها، فسعت النمسا للصلح مع العثمانيين وأبرمت معهم معاهدة سيستوفا سنة 1205=1791، ولكن روسيا استمرت في الحرب، ولما اقتحم جيشها بقيادة الكونت سواروف مدينة إسماعيل، وهي اليوم Izmail في جنوبي أوكرانيا، قاموا بإبادة السكان عن بكرة أبيهم، ثم سارت بريطانيا والنمسا وهولندا في الصلح وتم توقيع معاهدة جاسي في سنة 1206= 1792 والتي كان أهم ما أنجزته للروس هو توطيد نفوذهم في البحر الأسود، والقبول بسيادتهم على القرم، وفي المقابل أعادت للعثمانيين أغلب ما خسروه من أراضي.
وكما رأينا، كانت دول أوروبا الغربية تتوجس الخيفة من روسيا وطموح القيصر لبناء دولة قوية حديثة تنافسها، وقامت هذه الدول مجتمعة بمساع لتجريد روسيا من حق سفنها العسكرية في عبور المضائق، وتكللت هذه المساعي في سنة 1257=1841 في معاهدة دعيت بمعاهدة البوغازات، أي المضائق، والتي تنص الفقرة الأولى منها على أن: جلالة السلطان يعلن عزمه وتصميمه في المستقبل على حفظ واتباع القاعدة القديمة التي بموجبها منعت جميع مراكب الدول الأجنبية الحربية من المرور من بوغازي البوسفور والدردنيل، وأنه ما دامت حالة السلم فلن يسمح لأي مركب حربي أجنبي بالمرور من هذين البوغازين، ويعلن كل من جلالة إمبراطور النمسا، وملك المجر وبوهيميا، وملك فرنسا، وملكة بريطانيا العظمى وإرلندا، وملك بروسيا، وإمبراطور روسيا العظمى، احترام هذا العزم الصادر من جلالة السلطان واتباع القاعدة المقررة سابقا.
ولكن روسيا انتهزت قيام الحرب بين فرنسا وألمانيا في سنة 1870 فألغت المعاهدة، وفي سنة 1877 قامت الحرب بينها وبين تركيا، وتدخلت بريطانيا وأنذرت روسيا بأنها إذا هاجمت القسطنطينية فستضطر إلى التدخل، وأذعنت روسيا للتهديد البريطاني ووقعت مع تركيا معاهدة سان استفانو التي عدلت في مؤتمر برلين سنة 1878، وعقدت معاهدات حافظت على مبدأ إغلاق المضائق في وجه السفن الأجنبية.
أما مسلمي القرم فقد عمدت روسيا لإغلاق المدارس والمساجد، ومطاردة المسلمين وإجبارهم على مغادرة موطنهم القرم، فاضطر كثير من التتار إلى الهجرة إلى تركيا، ونفت روسيا كثيراً ممن بقي إلى مدن روسيا المختلفة لتذويبهم في المجتمع الروسي، وبعد قيام الثورة الشيوعية أعلن الاتحاد السوفياتي عن قيام جمهورية القرم الاشتراكية السوفياتية في سنة 1921، ولكن الاضطهاد لم يتغير وبلغ ذروته تقتيلاً وتهجيراً في أيام ستالين الذي استبدل في سنة 1929 الأحرف اللاتينية بالأحرف التترية، ولما قامت الحرب العالمية الثانية احتل الألمان أوكرانيا والقرم ، وأرسلوا 85000 تتري إلى ألمانيا كأيدي عاملة، وقد تعاون عدد ضئيل من التتار مع الألمان ولكن غالبيتهم قاومت الألمان وحاربت مع الجيش الروس.
وما أن انسحب الألمان أمام الهجوم الروسي المعاكس في سنة 1944، حتى حول الشيوعيون الجمهورية إلى منطقة وشرعوا في إعدام كل من اشتبه بتعاونه مع الألمان، وقاموا بتهجير مئات الآلاف من المسلمين إلى مناطق الأورال وسيبريا وكازاخستان وبقية جمهوريات أواسط آسيا التي تبعد آلاف الأميال عن مواطن سكناهم، وشحنوهم في قطارات في ظروف لا تليق بالحيوان فتوفي منهم ألوف، وقام الشيوعيون بجلب الروس إلى القرم حتى أصبحوا الأغلبية فيها، وبقيت حال المسلمين في القرم وفي مهاجرهم في كرب وضنك، وفي سنة 1954 قام الرئيس خروشوف بضم القرم إلى جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية، وتحدث في سنة 1956 أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي عن جرائم تهجير الشعوب التي أعدها ونفذها سلفه ستالين، وذكر أن تهمة تواطؤ التتار مع الألمان لم تكن صحيحة، وفي سنة 1967 صدر قرار يبرئهم من خيانة الوطن، ولكنهم بقوا محرومين من العودة إلى جزيرتهم حتى سقوط الاتحاد السوفييتي.
وعندما تفكك الاتحاد السوفييتي وأعلنت أوكرانيا استقلالها في سنة 1991، عقد التتار مؤتمراً في مدينة سيباستبول تمخض عن تكوين المجلس التتري، ولكن نسبة المسلمين في القرم، 12% من قرابة مليونين ونصف، لا تزال بعيدة عن أيام كانوا أغلبية في موطنهم وموطن آبائهم وأجدادهم، ومن قريب دار الزمن دورته وانتزعت روسيا القرم من أوكرانيا عنوة وأعادته إليها، ولعل فيما ذكرنا بيان لكثير من الأسباب التي حدت بالروس لذلك وقلة اكتراثهم بالمعارضة الأوروبية الشديدة.

 
log analyzer