الجمعة، 14 مارس 2014

حدث في العاشر من جمادى الأولى

 في العاشر من جمادى الأولى من سنة 791، أعاد الملك الظاهر برقوق الخطبة بالقاهرة للخليفة العباسي المتوكل على الله، بعد أن بقي قرابة ست سنوات معزولاً محجوراً، والمتوكل على الله هو أبو عبد الله، محمد، ابن أبي بكر المعتضد بالله، ابن سليمان المستكفي، ابن أحمد العباسي، من خلفاء الدولة العباسية الثانية بمصر، وأحد أطول خلفائها مدة، دام في الخلافة 45 سنة.

وكان الملك الظاهر برقوق، المولود سنة 738، قد انتزع السلطنة من الملك الصالح سنة 784، وتسمى بالملك الظاهر، وكان أول من بايعه الخليفة المتوكل على الله، ولكنه ما لبث فيما يبدو أن طمح إلى السلطنة، فتآمر لقتل الظاهر برقوق مما أدى إلى عزله في منتصف سنة 785.
فقد وشى أحد الأمراء للسلطان برقوق أن الخليفة قد أشركه في مؤامرة يدبرها مع عدة أمراء لقتل الملك الظاهر وتولية نفسه، وقال إن الخليفة طلبه وقال له: هؤلاء ظَلَمة، وقد استولوا على هذا الملك بغير رضائي، وإني لم أقلد برقوقاً السلطنة إلا غصباً، وقد أخذ أموال الناس بالباطل، ودعاه للقيام لله تعالى ونصرة الحق. وكانت المؤامرة تقضي أن ينقض المتآمرون على السلطان ويقتلوه عند نزوله من القلعة إلى الميدان للعب بالكرة.
وجمع الملك المتآمرين وحقق معهم، فأقر بعضهم بما نمى إليه، ونفى الخليفة كل ما قيل، فأمر الظاهر برقوق بسجنه في برج الحية بقلعة الجبل، وعين محله ابن عمه عمر بن إبراهيم بن الحاكم بأمر الله العباسي، الذي لُقِب بالواثق بالله، ثم مات الواثق سنة 788 فعين محله أخاه زكريا ولقب المستعصم بالله، واستمر في الخلافة وبقي المتوكل محبوساً جتى أفرج عنه برقوق في 2 جمادى الأولى من سنة 791.
وكان من شعراء ذلك الوقت شهاب الدين ابن العطار، أحمد بن محمد بن علي الدنيسري، المولود سنة 746 والمتوفى سنة 794،  وكان شاعراً مكثراً ينظم في ما يجري من أحداث معبراً عن الرأي العام، فلما سُجِنَ الخليفة، واستهجن ذلك الناس وتعاطفوا مع المتوكل على الله، قال شهاب الدين ابن العطار:
أبشر أمير المؤمنين فما جرى ... أقوى دليل أن عزك سرمد
لا تختشي فيد العدا مغلولة ... ويد الخلافة لا تطاولها يد
وما كان الخليفة المتوكل ليخرج من سجن برقوق، لولا حركة تمرد بدأ بها الأمير يلبُغا الناصري في حلب، وكان من جملة مآخذها على السلطان برقوق أنه خلع الخليفة الشرعي وسجنه، وضيّق برقوق في البداية على الخليفة السجين ومنع عنه الناس، ولكن لما انضمت دمشق إلى التمرد، بدا لبرقوق أن يستل أحد عناصر النقمة عليه، فاستدعى في منتصف ربيع الأول من سنة 791 شيخَ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني إلى مسجد داخل القلعة، واستدعى الخليفةَ المتوكل على الله من محبسه، فقام إليه وتلقاه، وأخذ في ملاطفته والاعتذار إليه، وتحالفا، ومضى الخليفة إلى موضعه، فبعث إليه السلطان عشرة آلاف درهم، وعدة بُقج فيها صوف وثياب سكندرية وفرو، قيمتها نحو ألف دينار، فبعث الخليفة بجزء وافر من ذلك إلى شيخ الإسلام، وإلى والي القلعة.
ولما قوي تمرد يلبغا أفرج برقوق عن الخليفة المتوكل، في الثاني من جمادى الأولى، وأرسل إليه أميرين من الأمراء الكبار، فأحضراه إلى السلطان فقام إليه وتلقاه وأجلسه، وأشار إلى القضاة فحلَّفوا كلا منهما للآخر، فحلفا على الموالاة والمناصحة، وخلع السلطان على الخليفة، وأركبه فرساً شهباء بسرج وكنبوش وسلسلة ذهب، فركب ونزل من القلعة إلى داره، وركب معه الأمراء والقضاة، ونشرت على رأسه الأعلام السود، في موكب جليل إلى الغاية، وفرح الناس به فرحاً عظيماً، ولم يبق أحد حتى خرج لرؤيته فكان يوماً مشهوداً، وأُعيدت إقطاعاته ورواتبه، وأُخلي له بيت بالقلعة ليسكنه، فنقل إليه حرمه، وسكنه، وصار يركب وينزل لداره، ويسير حيث شاء، من غير ترسيم، إلا أنه لا يبيت إلا بمنزله من القلعة.
ولم تكن هذه أول مرة يخلع فيها السلطانُ الخليفة، فقد خلع معز الدولة البويهي الخليفة المستكفي في بغداد سنة 334، بل لم تكن أول مرة يُخلع فيها المتوكل على الله، فقد خُلع لفترة وجيزة في سنة 779! ولذلك قصة:
وكان الخليفة المتوكل على الله، المولود في القاهرة بعد سنة 740، قد بويع بالخلافة في سنة 763بعد وفاة أبيه بعهد منه، وسارت الأمور بهدوء حتى أراد الأمير الكبير أينبك أن يخلع الملك المنصور علي بن الأشرف، وأن يجعل في السلطنة الأمير أحمد بن الأمير يلبغا العمري، فرفض ذلك المتوكل على الله وتعلل بأنه ابن أمير وليس من بيت الملك، وأبى ذلك تماماً، فسبه الأمير أينبك، وقال له: ما أنت شاطر إلا في اللعب بالحمَام، والاشتغال بالجواري المغنيات، والضرب بالعود. ونهره، وأمر به فأخرج منفياً إلى قوص، فنزل خارج القاهرة ريثما يتجهز للسفر، وفي اليوم التالي ومن الغد طلب أينبك ابن عم الخليفة المتوكل نجمَ الدين زكريا بن إبراهيم ابن الخليفة الحاكم بأمر الله العباسي، وخلع عليه، واستقر به في الخلافة عوضاً عن المتوكل على الله، ولقبه بالمعتصم بالله، من غير مبايعة، ولا خلع المتوكل من الخلافة نفسه، وبات الناس في قلق، وعلى تخوف من اختلاف الأمراء وتقاتلهم، واستمرت الأزمة 20 يوماً، وأعيد بعدها المتوكل للخلافة.
وهنا يجدر أن نذكر شيئاً عن الملك المنصور علي ووالده الملك الأشرف شعبان، فقد تولى الملك الأشرف شعبان الحكم سنة 764 وعمره 10 سنوات، ولما اتفق الأمراء على سلطنته أحضروا الخليفة المتوكل على الله والقضاة الأربعة فبايعوه، وفي آخر سنة 778 كان الملك الأشرف في العقبة عندما تمرد عليه بعض أمرائه وكسروه فهرب للقاهرة، وجاء الأمراء المتمردون إلى الخليفة المتوكل على الله، وكان أيضاً في صحبة السلطان الملك الأشرف وقالوا له: يا أمير المؤمنين تسلطن ونحن بين يديك. فامتنع الخليفة من ذلك، وقال: بل اختاروا من شئتم وأنا أولِّيه.
ومن غرائب الصدف أن يقع تمرد في القاهرة في نفس الوقت، وأشاع المتمردون أن السلطان الأشرف قد قتل في العقبة، ونادوا بتنصيب ابنه وولي عهده الطفل علي، وعمره حوالي 7 سنوات، وأرادوا بذلك استمالة الناس إليهم، فقد كان الملك الأشرف محبوباً لعدله وحسن إدارته وفطنته، ولما وصلت أيديهم إلى الملك الهارب قتلوه، وما عاد أمامهم مناص من تنصيب ابنه، فاستدعوا الخليفة المتوكل على الله والقضاة وجددوا البيعة للملك الطفل، على أن يكون الأمير أيبنك البدري هو الوصي عليه والمدبر لأمور المملكة، فما كان منه بعد بضعة شهور إلا أن أراد خلع الملك المنصور وتولية غيره فعارضه الخليفة المتوكل على الله، فخلعه وعين ابن عمه كما رأينا.
ثم دارت الدائرة على الأمير أينبك وقتله الأمراء بعد أيام، وما لبث الملك المنصور أن توفي بالجدري سنة 783، فاتفق الأمراء على تعيين أخيه الكبير واسمه أمير حاج أو حاجي ولقبوه بالملك الصالح، وكان عمره حوالي 9 سنوات، على أن يكون الأتابك برقوق أتابك العساكر ومدبر الممالك لصغر سن السلطان، فبايعه الخليفة، وحلف له الأمراء وباسوا يده، وخلع على الخليفة المتوكل على الله خلعة جميلة، وجرت قراءة مرسوم الخليفة بتعيين الملك في حضور الخليفة والقضاة والأمراء والعساكر، وعند فراغ القراءة أخذ كاتب السر التقليد وقدمه للخليفة، فعلَّم عليه بخطه.
وكان من المحتم أن يقوم برقوق بتقوية مركزه واستمالة الأنصار ثم أن يخلع الملك، وهكذا تسلطن برقوق في رمضان سنة 784، وجرت بيعته في اجتماع ضم الخليفة المتوكل على الله والقضاة وشيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، وخطب المتوكل على الله خطبة بليغة، ثم بايعه على السلطنة وقلده أمور المملكة، ثم بايعه من بعده القضاة والأمراء.
وفي سنة 785 جرى ما ذكرناه حول المؤامرة التي بلغت الظاهر برقوق، فأمر بسجن المتوكل، حتى أفرج عنه في سنة 791 بعد أن اشتد أزر التمرد الذي قاده الأمير يلبغا الناصري في بلاد الشام.
ونعود للتمرد الذي امتد حتى دق أبواب القاهرة بعد أسبوع، وشارك الخليفة المفرج عنه حديثاً في ترتيبات السلطان للدفاع عن القاهرة ورفع معنويات سكانها، فقد خرج في 6 جمادى الأولى على فرس مع الأمير سودون الشيخوني نائب السلطة، وقضاة القضاة، وشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني، فكان الموكب للخليفة وبجانبه شيخ الإسلام وبين يديه النائب والحجاب والقضاة والأعيان، وداروا، ورجلٌ على فرس أمامهم يقرأ من ورقة، أن السلطان قد أزال المظالم، وهو يأمر الناس بتقوى الله، ولزوم الطاعة، وأنا قد سألنا العدو الباغي في الصلح، فأبى وقد قوي أمره، فاحفظوا دوركم وأمتعتكم، وأقيموا الدروب على الحارات والسكك، وقاتلوا عن أنفسكم وحريمكم. فتزايد خوف الناس وقلقهم، وشرعوا في عمل الدروب وشراء الأقوات، والاستعداد للقتال والحصار، وكثر كلام العامة وانتقاصهم للدولة، وتجمع الزعر والدُعَّار ينتظرون قيام الفتنة، لينتهبوا الناس.
وانضم إلى تمرد يلبغا الناصري كثير من الأمراء أرسالاً، وعلى رأسهم الأمير تمر بغا الأفضلي المعروف بمنطاش، وحشد السلطان برقوق قواته ومعه الخليفة المتوكل، واشتبك مع جيش يلبغا الناصري ثم انهزم أمامه واختفى، ثم أُخِذَ وأرسل منفياً إلى الكرك في 22 جمادى الآخرة وبقي فيها معززاً مكرماً.
ولما اختفى الملك الظاهر برقوق سار الأمير منطاش في اليوم التالي إلى القلعة، وأخذ الخليفة المتوكل وعاد به إلى الأمير يلبغا الناصري، فقام إليه وتلقاه، وأجلسه بجانبه، وقال له أمام الأمراء: يا مولانا أمير المؤمنين ما ضربت بسيفي هذا إلا في نصرتك! وبالغ في تعظيمه وتبجيله، وحضر القضاة والأعيان، ثم قام الخليفة إلى خيمة أعدت له، والقضاة إلى خيمة أخرى، واجتمع الأمراء للتشاور في أمر من يتسلطن، واستقر الحال على إعادة الملك الصالح في الملك، فأُجلس على تخت الملك، وغيَّر لقبه إلى الملك المنصور.
ولم تمض شهور حتى وقع الخلاف بين بين الأمير يلبغا الناصري وبين الأمير منطاش، فأرسل يلبغا الخليفةَ المتوكل على الله إلى منطاش يسأله في الصلح وإخماد الفتنة، فذهب الخليفة إليه وكلمه في ذلك، فأبى وقال: والله ما أرجع عنه حتى أقتله أو يقتلني! فعندئذ هجم عليه يلبغا بجنوده وجرت بينهما وقعة انجلت عن انكسار يلبغا، فقبض عليه منطاش وحبسه بالإسكندرية مع عدة من أصحابه من أعيان الأمراء، وأرسل منطاش إلى الكرك رسولاً يأمر بقتل الظاهر برقوق ليصفو له الجو.
ولكن أمير الكرك رفض تنفيذ الأمر وأخرج السلطان برقوق من السجن، واجتمع حوله عدد من مماليكه من الأمراء كان منطاش ويلبغا قد نفوهم إلى الشام، وتتابع المنضمون إلى برقوق فاتجه إلى دمشق وناوشها، وخرج منطاش بالسلطان الملك المنصور حاجي والعساكر المصرية لقتال الملك الظاهر برقوق، ومعه الخليفة المتوكل والقضاة، ، والتقوا في أول سنة 792 في شقحب جنوبي دمشق، وكانت الكسرة على الملك الظاهر برقوق، وهرب الأمير كمشبغا الحموي نائب حلب، فتبعه منطاش هو يظن أنه برقوق، واستمر كمشبغا متوجهاً إلى حلب، وهو لا يعلم ما وقع من بعده.
وبقي مع الملك الظاهر نحو 200 مملوك، انحاز بهم إلى تلة، فرأى منها الملك المنصور والخليفة المتوكل والقضاة، فاتجه إليهم واحتوى عليهم وعلى أثقالهم من غير أن يقاتله أحد، ثم تراجع إليه بعض أمرائه وعسكره وجماعة من أمراء الجيش القادم من مصر لمقاتلته، فعادت القوة إلى معسكره، ورجحت كفته.
وتنازل الملك المنصور لبرقوق عن المملكة، وقام الخليفة المتوكل بمبايعته ثم بايعه القضاة والأمراء، ولما رجع منطاش ليقضي على برقوق، كانت الكسرة على منطاش فعاد وتحصن بدمشق، فأراد الملك الظاهر أن يتبعه، فمنعه من ذلك أعيان دولته وقالوا له: أنت سلطان مصر أم سلطان الشام؟ امض إلى مصر واجلس على تخت الملك، فتصير الشام وغيرها في قبضتك! فصوب الملك الظاهر هذا الرأي، وسار من وقته بمن معه من الملك المنصور والخليفة والقضاة إلى جهة الديار المصرية، ودخل القاهرة في صفر 792، واستقبل الناس موكبه بالفرح والسرور، وكانت العادة أن تعطى الزينات لمماليك دار السلطان فأمرهم بتركها للعامة الذين نثر عليهم الذهب والفضة.
ولما وصل برقوق اصطبل القلعة استَدعى الخليفةَ المتوكلَ على الله وشيخ الإسلام وقضاة القضاة وأهل الدولة، فجددوا له في الاصطبل عقد السلطنة والتفويض من الخليفة، فشهد بذلك القضاة على الخليفة ثانياً، وأفيضت التشاريف الخليفتية على السلطان، ثم أفيضت التشاريف السلطانية على الخليفة، وركب السلطان من الإصطبل، وصعد القلعة، وتسلم قصوره، وجلس برقوق على تخت الملك سلطاناً من جديد، وأرسل برقوق بالإفراج عن الأمير يلبغا الناصري وغيره من الأمراء من سجن الإسكندرية، وجرد جيشاً لقتال منطاش والقضاء عليه وجعل على رأسه الأمير يلبغا الناصري.
ولم يتعرض السلطان برقوق بعدها للخليفة بسوء، بل أمضى بقية أيامه معززاً مكرما، ولكن على هامش الأحداث، قال المقريزي في السلوك في أحداث سنة 801: أهلَّ هذا القرنُ التاسع وخليفة الوقت أمير المؤمنين المتوكل على الله، وليس له أمر ولا نهي ولا نفوذ كلمة، وإنما هو بمنزلة واحد من الأعيان، وسلطان الديار المصرية، والبلاد الشامية، والحرمين الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد برقوق بن أنص أول ملوك الجركس.
وفي شوال من سنة 801 توفي السلطان برقوق بعد مرض دام 10 أيام، ولما شعر السطان بقرب منيته، استدعى الخليفةَ المتوكل والقضاة وسائر الأمراء، فحدثهم في العهد لأولاده. فابتدأ الخليفة بالحلف للأمير فرج ابن السلطان أنه هو السلطان بعد وفاة أبيه، ثم حلف بعده القضاة والأمراء، فلما تم الحلف لفرج، حلفوا أن يكون القائم بعد فرج أخوه عبد العزيز، وبعد عبد العزيز أخوهما إبراهيم، وأسند برقوق إلى عدد من الأمراء مناصب يتولونها في دولة ابنه القادمة، ووجعل الخليفة المتوكل ناظراً على الجميع.
ومات برقوق تاركاً وراءه من الذهب ألف ألف دينار وأربعمئة ألف دينار، ومن الغلال والنقود والأعسال والسكر والثياب وأنواع الفرو ما قيمته ألف ألف وأربعمئة ألف دينار. ومن الجمال نحو خمسة آلاف جمل، ومن الخيل نحو سبعة آلاف فرس، وبلغت رواتب مماليكه في كل شهر نحو تسعمئة ألف درهم فضة، وبلغت عدة مماليكه خمسة آلاف مملوك.
وتمت البيعة للملك فرج الذي لُقِب بالملك الناصر، واجتمع كبار الأمراء وسائر أمراء الدولة، واستدعوا الخليفة وقضاة القضاة، وشيخ الإسلام البلقيني، فلما اكتمل الجمع، أحضروا فرج بن السلطان الملك الظاهر برقوق، وخطب الخليفة، وبايعه بالسلطنة، وقلده أمور المسلمين، وأحضرت خلعة سوداء فأفيضت على فرج، وركب بشعار السلطنة، ولبس الخليفة تشريفاً جليلاً.
وكان من المحتم أن يقع النزاع بين الأمراء للاستئثار بالنفوذ في وجود ملك عمره 10 سنين، ولذا استقل أمير دمشق بها فيما يشبه العصيان، وبدأت سلسلة طويلة من النزاعات بين الأمراء المحيطين بالسلطان، ويدعون الخاصكية، وبقية الأمراء الكبار، وهي نزاعات قتل فيها أمراء وسجن آخرون، وكان للخليفة المتوكل دور جيد، ذو نتائج متواضعة، في محاولة تسكين هذه الفتن والإصلاح بين المتناحرين المتنافسين.
وفي ربيع الأول سنة 808 اختفى السلطان فرج فجأة بعد أن ملَّ من سيطرة الأمراء عليه وخاف على نفسه من المؤامرات التي لا تتوقف، فاجتمع كبار الأمراء ومعهم الخليفة المتوكل على الله والقضاة الأربعة، وتكلموا فيمن ينصبوه سلطاناً، حتى اتفقوا على سلطنة الأمير عبد العزيز بن الملك الظاهر برقوق، لأنه ولي عهد أخيه في السلطنة حسبما قرره والده الملك الظاهر برقوق قبل وفاته، فاستدعوه إليهم من الحريم، وهو فتى قد ناهز الحلم، فعهد إليه الخليفة أبو عبد الله محمد المتوكل على الله بالسلطنة، ولقبوه الملك المنصور عز الدين.
توفي الخليفة المتوكل على الله في رجب من سنة 808، وتولى الخلافة بعده ابنه المستعين بالله العباس، بعهد من أبيه سنة 808، وهو شاب دون العشرين، ثم جمع بين الخلافة والسلطنة في سنة 815، كحل وسط بين الأمراء بعد مقتل الملك الناصر فرج، على أن يكون الأمير شيخ المحمودى نائبه، ثم مالبث شيخ أن خلعه وتسلطن هو في سنة 816، وسجنه في الإسكندرية وتوفي بها سنة 833.
توفي المتوكل على الله عن ثروة عريضة ومال واسع، وهو أول من اتسعت أحواله من الخلفاء العباسيين في مصر، وخلف المتوكل على الله 10 أبناء و7 بنات، وتولى الخلافة بعده خمسة من أولاده، أولهم المستعين، ثم تلاه أخوه المعتضد بالله داود، المولود سنة 755، وبويع بالخلافة سنة 816، واستمر بها حتى وفاته سنة 845، فتلاه أخوه المستكفي بالله سليمان، المولود سنة 792، وبويع له بالخلافة سنة 845 واستمر بها حتى وفاته سنة 855، فتلاه أخوه القائم بأمر الله حمزة، المولود سنة 791، وبويع له بالخلافة سنة 855، واختلف مع الملك الأشرف إينال فخلع منها سنة 859 وسجن بالإسكندرية حتى توفى بها سنة 862، ثم يوسف المستنجد بالله، المولود سنة 798 والذي تولى الخلافة سنة 859 إلى وفاته سنة 884.
هذه صورة من صور الخلافة في قعر انحدارها اختياراً ومساراً، يعينه السلطان المتحكم، وهو لا حل له ولا عقد، لا يجاب ولا يسمع، ولا يفكر في رأي له فيتبع، ليس لهم من الخلافة إلا اسمها ولقبها، وقد يتبرك بالخليفة بعض سلاطين الأقاليم، ويرسلون إليهم أحياناً يطلبون تقليداً بالسلطنة، فيكتبون إليهم تقليداً ويعهدون إليهم بالسلطنة عهداً.
ولا يفوتنا أن نذكر حدثين وقعا في خلافة المتوكل وإن لم يكن له يدٌ فيها: تمييز الأشراف أو السادة من سلالة الرسول صلى الله عليه وسلم، بأن تكون لهم علامة خضراء في عمائمهم، أمر بذلك الملك الأشرف في سنة 773، وفي سنة 785 أمر محتسب القاهرة المؤذنين أن يقوموا عقب الأذان بالصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم.


 
 

الجمعة، 7 مارس 2014

حدث في الثالث من جمادى الأولى



في الثالث من جمادى الأولى من عام 808 توفي في القاهرة، عن 65 سنة، كمال الدين الدَمِيري، محمد بن موسى بن عيسى، العلامة الفقيه الأديب، صاحب كتاب حياة الحيوان. والدميري نسبة إلى دميرة، وهي قرية في دلتا نيل مصر تابعة لمركز طلخا في محافظة الدقهلية، قال في تاج العروس: ودميرة كسفينة: قريتان بمصر بالسَّمنُودية، القبلية والبحرية، وقد يضاف إليهما بعض الكفور فيطلق على الكل الدمائر.
ولد الدميري في القاهرة سنة 742، وتزخر تلك الحقبة بكثير من الملقبين بالدميري من فقهاء ووزراء وقضاة، ولكن لا توجد أية دلالة على صلته أو صلة أسرته بهم، ويبدو أنه كان من أسرة عادية لم تتصف بطلب العلم، ويدل على ذلك أنه ابتدأ حياته عاملاً في الخياطة، ثم اتجه لطلب العلم وهو في العشرين أو قبلها بقليل، ولأن الأصل أن يبدأ طالب العلم في سن أبكر من ذلك، فإننا نجد كتب التراجم تشير إلى أنه تكسب بالخياطة ثم اتجه للتعلم.
وكان والده قد سماه كمالاً، وبذلك كان يكتب بخطه في كتبه، ثم تسمّى محمّداً، وكأنه رأى أن في ذلك تزكية للنفس أو تسمياً بما يليق بالله تعالى وحده.
أخذ الدميري عن مشايخ زمانه فلازم كثيراً الشيخ بهاء الدين السبكي، أحمد بن علي، المولود بالقاهرة سنة 717 والمتوفى بمكة سنة 773، وانتفع منه الدميري، وكان السبكي إلى جانب عمله قاضيا، يدرس الفقه بجامع ابن طولون ويتولى الخطابة والوعظ به، ويدرس الفقه بالمدرسة المنصورية، كما تولى قضاء العسكر وإفتاء دار العدل ودرس الشافعية بالشيخونية، وكان معروفاً بالتقوى والورع ويكثر الحج والعمرة، وقد وافته المنية في جوار بيت الله الحرام.
وأخذ عن الشيخ العلامة اللغوي المحقق، جمال الدين الإسنوي، عبد الرحيم بن الحسن، المولود سنة 704 والمتوفى سنة 772، وكان شيخ الشافعية ومفتيهم، وله اشتغال في أصول الفقه والفقه والعربية، وقد درس عليه أغلب علماء الديار المصرية، ولذا أغلب تصانيفه شروح لكتب الفقه الشافعي التي كتبها غيره، وقد وصفه أحد معاصريه فقال: أوحد زمانه، وشيخ الشافعية في أوانه. وولي الإسنوي الحسبة ووكالة بيت المال، ثم اعتزل الحسبة. ولما صنف الإسنوي كتابه التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، مدحه الدميري بأبيات، فكتب له الشيخ جمال الدين الإسنوي، وأثنى عليه ثناء كثيراً.
وأخذ كذلك علم الحديث عن الحافظ العراقي، عبد الرحيم بن الحسين، المولود سنة 725 والمتوفى سنة 806، وهو محدث الديار المصرية آنذاك وعلم من أعلام علم الحديث والرجال، وأخذ كذلك عن سراج الدين ابن الملقن، عمر بن علي، المولود سنة 723 والمتوفى سنة 804، وكان من أكابر العلماء بالحديث ولافقه وتاريخ الرجال، وسمع الدميري المسند من علاء الدين العرضي الدمشقي، علي بن أحمد، المولود سنة 677 والمتوفى سنة 764.
وأخذ عن عالم مكة وقاضيها وخطيبها كمال الدين النويري، محمد بن أحمد، المولود بمكة سنة 722 والمتوفى بها سنة 786، انتهت إليه رياسة فقهاء الشافعية بالحجاز، واستمر في القضاء 23 سنة، وانتفع الناس به وحدث بكثرة من مسموعاته. وأخذ عن جمال الدين اليافعي المكي، عبد الله بن أسعد، المولود في عدن سنة 698، والمتوفى سنة 768 بمكة المكرمة، وهو مؤرخ متصوف شافعي، له كتاب مرآة الجنان، وعبرة اليقظان، في معرفة حوادث الزمان، وأشار إليه الدميري عدة مرات في حياة الحيوان ووصفه بشيخنا الإمام العارف بالله.
ودرس الدميري الأدب واللغة على الشاعر برهان الدين القيراطي، إبراهيم بن عبد الله الطائي، المولود سنة 726 والمتوفى بمكة مجاوراً سنة 781، والذي اتسم بالتقوى والعبادة مع قوله الشعر وتدبيجه النثر، وأورد له الدميري بعض نظمه في كتابه حياة الحيوان، وأخذ الدميري العربية والنحو عن الإمام النحوي الكبير ابن عقيل، عبد الله بن عبد الرحمن، المولود سنة 694والمتوفى سنة 769، وصاحب الشرح المشهور على ألفية ابن مالك.
ولما صار الدميري في مقام أن يدرس، وأُذِنَ له بالإفتاء والتدريس، باشر بعض الدروس في مساجد القاهرة، فدرس الحديث بالخانقاه الركنية التي بناها الأمير ركن الدين بيبرس، وكان يعظ الناس في جامع الظاهر بيبرس بالحسينية، وكانت هذه غاية ما تولاه من مناصب، لأنه لم يسع لتقلد القضاء مخالفاً بذلك كثيراً من معاصريه من العلماء والفقهاء، ولم يغير زيه ليتميز بكونه من كبار العلماء، وهذا يدل على تواضع وفضل في النفس والشيم.
وقد درس على الدميري أغلب من طلب العلم في القاهرة ومكة المكرمة، وصار هو في مقام من يمنح الإذن بالإفتاء لطلبة العلم، ولا حاجة لتعدادهم أو ذكر أسمائهم، ونكتفي بالإشارة إلى واحد منهم لما في ذلك من لمحة نادرة عن شخصية الدميري، فقد درس الحديث على الدميري الشهاب الحجازي، شهاب الدين أحمد بن محمد الأنصاري الخزرجي الشافعي، المولود بالقاهرة سنة 790، والمتوفى سنة 875، فقد واظب هذا الشاب على حضور شرح ابن ماجه والمقامات والعربية، وكان الكمال ينوه بنجابة تلميذه وقوة ذكائه وحافظته، وكان إذا فات التلميذ شيء من الدرس يقول الدميري:  نعيد للشيخ الصغير!
وكان الدميري صاحب عبادة دائمة لا يفتر لسانه عن تلاوة القرآن الكريم، وله أذكار يواظب عليها، وعنده خشوع وخشية وبكاء عند ذكر الله سبحانه، وكان كثير الصيام، يكاد يسرده مع أنه كان في صباه أكولاً نهماً، وتذكر عنه كرامات، وإخبار بأمور مغيبات وكان يخفي هذه الكرامات فإن أظهرها أحالها على غيره يسندها إلى المنامات تارة، وإلى بعض الشيوخ أخرى، وغالب الناس يعتقد أنه يقصد بذلك الستر والبعد عن الشهرة والرياء.
وكان الدميري حريصاً على الحج والعمرة والمجاورة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكانت أول زيارة له للحرمين سنة 762، وكان في كل مرة يمكث بضع سنين، وتزوج إحدى زوجاته من مكة المكرمة، وهي فاطمة بنت يحيى بن عياد الصنهاجية المكية، وهو زوجها الثالث، وولدت له عدة أولاد وكانت تقيم بمكة وهو بالقاهرة، ثم زارته سنة 783 ومكثت فيها 3 سنين ثم عادت إلى مكة المكرمة وتوفيت فيها سنة 816، وولدت له ابنتين هما أم سلمة وأم حبيبة وابناً اسمه عبد الرحمن، وتزوج ابنتيه أخوين عالمين كانت في أسرتهما إفتاء الأحناف في مكة المكرمة هما جمال الدين محمد وجلال الدين عبد الواحد ابنا إبراهيم بن أحمد المرشدي، ولأم حبيبة رواية لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصار أسباط الدميري فينا بعد من علماء مكة المرموقين.
وكان من معاصري الدميري وأصدقائه المؤرخ العلامة تقي الدين المقريزي، أحمد بن علي المولود سنة 766 والمتوفى سنة 745، وقال عنه في كتاب درر العقود الفريدة: صحبته سنين، وحضرت مجلس وعظه مراراً لإعجابي به، وأنشدني وأفادني، وكنت أحبه ويحبني في الله، لسمته وحسن هديه، وجميل طريقته، ومداومته على العبادة، لقيني مرة فقال لي: رأيت في المنام أني أقول لشخص لقد بعد عهدي بالبيت العتيق، وكثر شوقي إليه، فقال: قل لا إله إلا الله، الفتاح العليم، الرقيب المنان. فصار يكثر ذلك فحجَّ في تلك السنة، رحمه الله وإيانا ونفعنا به.
ترك الدميري لنا عدداً من المؤلفات أغلبها شروح جرياً على عادة علماء ذلك الزمان، منها النجم الوهاج لشرح المنهاج، شرح به كتاب منهاج الطالبين في فروع المذهب الشافعي للإمام النووي ، وابتدأ فيه من حيث انتهى شيخه الأسنوي، وانتهى من في سنة 786، وجاء شرحه في أربعة مجلدات، ضمنها فوائد مما استفاده من شيخه السُّبكيّ وفوائد كثيرة من قبله، خارجة عن الفقه، ويستشهد به كثير من المصنفين ممن جاؤوا بعده
وللدميري باع طويل في الأدب واللغة، اختصر كتاب الصفدي: الغيث الذي انسجم شرح لامية العجم  للطغرائي، وله كتاب في شرح المعلقات السبع، وكتاب غاية الأرب في كلام حكماء العرب، وكتاب الجوهر الفريد في علم التوحيد، وقد وصفه هو بأنه  كتاب مهم عمدة في هذا الشأن، لا يستغني عنه طالب، وهو في ثمان مجلدات ضخمة جداً.
وللدميري في فقه الشافعي أرجوزة طويلة فيها فروع غريبة وفوائد حسنة، اسمها رموز الكنوز، وله شرح على سنن ابن ماجه أسماه الديباجة في شرح سنن ابن ماجة، كتب مسودّته وبيّض بعضه، ولكنه مات قبل تحريره، ومن الطريف أن الشاعر أبو البقاء الأنصاري الطاهري، محمد بن إبراهيم، المولود سنة 748 والمتوفى سنة 830، وكان مزّاحاً قال له عابثاً: سمه بعثرة الدجاجة!
وأشهر كتبه على الإطلاق كتاب حياة الحيوان، وهو كتاب موسوعي ذكر أنواع الحيوان مرتبة على الأحرف البجدية، وذكر ما ورد حول هذا الحيوان في كتاب الحديث والأدب وغيرها، ويذكر من خصائص الحيوان وصفاته أشياء كثيرة مع استطراد من شيء إلى شيء، وتعزو بعض المصادر إلى الدميري قوله إنه جمعه من 560 كتاباً و199 ديوان شعر، وهو قول ليس موجوداً في نسخ الكتاب التي راجعتها، ويتبين فضل الدميري وسعة اطلاعه، في هذا الكتاب الذي كتبه وهو شاب، عمره 31 سنة، بعد أن انتهى من طلب العلم ودخل مرحلة التأليف والتدريس، كما يتبين أسلوبه في ذكر كل ما يتعلق بالحيوان المذكور، من حديث وفقه وتاريخ وأدب ولغة وطب وتعبير الأحلام.
وكان كتاب حياة الحيوان من الكتب التي شاعت وأقبل عليها الناس في زمانه، مثلما يقبلون اليوم على مشاهدة - لا قراءة - غرائب الطبيعة وعالم الحيوان، ولذا نسخت منه نسخ كثيرة بعضها مزين بالصور الجميلة، موجودة في مراكز المخطوطات في أنحاء العالم، واختصره بعض المصنفين وأضاف إليه آخرون، وأثار الكتاب اهتمام الكولونيل أتمارام ساداشيف جايكارJaykar ، الهندي المولود سنة 1844 والمتوفى سنة 1911، والذي كان جراحاً في الجيش البريطاني في مسقط بعُمان منذ سنة 1878 إلى قريب من وفاته، فترجم قرابة نصفه إلى الإنجليزية لطرافة موضوعه في سنتي 1906 و1908، ولعل الكتاب جعله من بعدها يهتم بالحيوان حيث قام بتعريف وتصنيف عدد من الحيوانات التي تتوطن عمان، وصار جايكار يسمي نفسه بالمسقطي.
ومن المناسب أن نستعرض شيئاً من هذا الكتاب الموسوعي، يقول الدميري في مقدمة كتابه بعد حمد الله والصلاة على رسوله:
وبعد، فهذا كتاب لم يسألني أحد تصنيفه، ولا كلفتُ القريحة تأليفه، وإنما دعاني إلى ذلك أنه وقع في بعض الدروس، التي لا مخبأ فيها لعطر بعد عروس، ذكر مالك الحزين والذيخ المنحوس، فحصل في ذلك ما يشبه حرب البسوس، ومزج الصحيح بالسقيم، ولم يفرق بين نسر وظليم، وتحككت العقرب بالأفعى، واستنت الفصال حتى القرعى، وصيروا الأروى مع النعام ترعى، وقضوا باجتماع الحوت والضب قطعاً، واتخذ كلٌ أخلاق الضبع طبعاً، ولبس جلد النمر أهل الإمامة، وتقلدها الجميع طوق الحمامة.
والقوم إخوان وشتى في الشيم ... وقيل في شأنهم: اشتدي زِيَم
وظن الكبير أنه أصدق من القطا، وأن الصعوة كالفاختة غلطاً، وصار الشيخ الأفيق كذات النحيين، والمفيد ذو التحقيق كالراجع بخفي حنين، والمقيد كالأشقر تحيراً، والطالب كالحباري تحسراً، والمستمع يقول: كل الصيد في جوف الفرا، والنقيب كصافر يكرر: أطْرِق كَرا، فقلت عند ذلك في بيته يؤتى الحكم، وبإعطاء القوس باريها تتبين الحِكم، وفي الرهان سابق الخيل يرى، وعند الصباح يحمد القوم السرى، واستخرت الله تعالى وهو الكريم المنان، في وضع كتاب في هذا الشان، وسميته حياة الحيوان، جعله الله موجباً للفوز في دار الجنان، ونفع به على ممر الأزمان، إنه الرحيم الرحمن، ورتبته على حروف المعجم، ليسهل به من الأسماء ما استعجم.
وثم نورد ما ذكره الدميري عندما تحدث عن الطاووس، مثالاً على مادة الكتاب مع اختصار صفحتين أو ثلاث، قال رحمه الله:
الطاووس: طائر معروف وتصغيره طويس، بعد حذف الزوائد، وكنيته أبو الحسن وأبو الوشي، وهو في الطير كالفرس في الدواب، عزاً وحسناً، وفي طبعه العفة وحب الزهو بنفسه والخيلاء والإعجاب بريشه وعقده لذنبه كالطاق، لاسيما إذا كانت الأنثى ناظرة إليه.
والأنثى تبيض بعد أن يمضي لها من العمر ثلاث سنين، وفي ذلك الأوان يكمل ريش الذكر ويتم لونه، وتبيض الأنثى مرة واحدة في السنة اثنتي عشرة بيضة وأقل وأكثر، ولا تبيض متتابعاً ويسفد في أيام الربيع، ويلقي ريشه في الخريف كما يلقي الشجر ورقه، فإذا بدا طلوع الأوراق في الشجر طلع ريشه، وهو كثير العبث بالأنثى، إذا حضنت، وربما كسر البيض ولهذه العلة يحضن بيضه تحت الدجاج، ولا تقوى الدجاجة على حضن أكثر من بيضتين منه، وينبغي أن تتعاهد الدجاجة بجميع ما تحتاج إليه من الأكل والشرب، مخافة أن تقوم فيفسده الهواء.
والفرخ الذي يخرج من حضن الدجاجة، يكون قليل الحسن، ناقص الخلق وناقص الجثة، ومدة حضنه ثلاثون يوماً، وفرخه يخرج من البيضة كالفروج كاسياً كاسباً، وقد أحسن الشاعر في وصفه حيث قال:
سبحان مَنْ مِنْ خلقه الطاووس ... طيرٌ على أشكاله رئيس
كأنه في نقشه عروس ... في الريش منه ركبت فلوس
تشرق في داراته شموس ... في الرأس منه شجر مغروس
كأنه بنفسج يميس ... أو هو زهر حرم يبيس
وأعجب الأمور أنه مع حسنه يتشاءم به، وكأن هذا، والله أعلم، أنه لما كان سبباً لدخول إبليس الجنة، وخروج آدم منها، وسبباً لخلو تلك الدار من آدم مدة دوام الدنيا، كرهت إقامته في الدور بسبب ذلك.
حكي أن آدم لما غرس الكرمة، جاء إبليس فذبح عليها طاوساً، فشربت دمه فلما طلعت أوراقها، ذبح عليها قرداً فشربت دمه، فلما طلعت ثمرتها ذبح عليها أسداً فشربت دمه، فلما انتهت ثمرتها ذبح عليها خنزيراً فشربت دمه، فلهذا شارب الخمر تعتريه هذه الأوصاف الأربعة، وذلك أنه أول ما يشربها وتدب في أعضائه، يزهو لونه ويحسن كما يحسن الطاووس فإذا جاءت مبادي السكر لعب وصفق ورقص، كما يفعل القرد فإذا قوي سكره جاءت الصفة الأسدية، فيعبث ويعربد ويهذي بما لا فائدة فيه ثم يتقعص كما يتقعص الخنزير، ويطلب النوم وتنحل عراقوته.
فائدة
طاوس بن كيسان فقيه اليمن كان اسمه ذكوان، فلقب بطاوس لأنه كان طاوس القراء والعلماء. وقيل: اسمه طاوس وكنيته أبو عبد الرحمن، كان رأساً في العلم والعمل، من سادات التابعين أدرك خمسين صحابياً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع ابن عباس وأبا هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن الزبير، وروى عنه مجاهد وعمرو بن دينار وعمرو بن شعيب، ومحمد بن شهاب الزهري وآخرون.
توفي طاوس وهو ابن بضع وسبعين سنة حاجاً بمكة، قبل يوم التروية بيوم، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، وهو أمير المؤمنين، وذلك في سنة ست ومائة. وحج أربعين حجة وكان مجاب الدعوة.
الحكم
يحرم أكل لحم الطاووس لخبث لحمه، وقيل: يحل لأنه لا يأكل المستقذرات واللحوم، وعلى الوجهين يصح بيعه إما لحل أكله، وإما للتفرج على لونه. وقد تقدم في الصيد، أن أبا حنيفة قال: لا يقطع سارق الطيور لأن أصلها على الإباحة، وخالفه الشافعي ومالك وأحمد.
الأمثال
قالوا: أزهى من طاوس وأحسن من طاوس. قال الجوهري: وقولهم: أشأم من طويس، هو مخنث كان بالمدينة، قال: يا أهل المدينة توقعوا خروج الدجال ما دمت حياً بين ظهرانيكم، فإذا مت فقد أمنتم، لأني ولدت في الليلة التي مات فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وفطمت في اليوم الذي مات فيه أبو بكر، وبلغت الحلم في اليوم الذي قتل فيه عمر، وتزوجت في اليوم الذي قتل فيه عثمان وولد لي في اليوم الذي قتل فيه علي.
الخواص
لحم الطاووس عسر الهضم رديء المزاج، وأجوده الحديث ينفع المعدة الحارة، وسلقه قبل طبخه بالخل، يدفع ضرره، وهو يولد كيموساً غليظاً يوافق الأمزجة الحارة. وقد كرهت الحكماء لحوم الطواويس وقالوا: إنها أغلظ لحوم جميع الطيور وأعسرها انهضاماً، ويجب أن يذبح ويبيت مثقلا ويطبخ وينضج، ويمنع منه أصحاب الترفه والرفاهية، فإنه من أغذية أصحاب الرياضة.
قال ابن زهر، في خواصه: إن الطاووس إذا رأى طعاماً مسموماً، أو شم رائحته فرح ونشر جناحيه ورقص، وبان منه السرور، ومرارته إذا سقي منها المبطون بالكنجبين والماء الحار أبرأه. ونقل عن هرمس، أن مرارته إذا شربت بخل نفعت من لدغ الهوام، لكن قال صاحب عين الخواص: قالت الحكماء، وأطهورس: إن مرارة الطاووس، إن سقي منها إنسان جن، قال وقد جربته. وقال هرمس: إن خلط دم الطاووس بالأنزروت والملح وطلي به القروح الرديئة الرطبة، التي يخاف منها الأكلة، أبرأها. وزبله، إن طلي به الثآليل قلعها، وعظامه، إذا أحرقت وسحقت وطلي بها الكَلَف أبرأته بإذن الله تعالى.
التعبير
الطاووس تدل رؤيته على التيه والعجب بالحسن والجمال لمن ملكه، وربما دلى رؤيته على النميمة والغرور والكبر والانقياد إلى الأعداء، وزوال النعم، والخروج من النعيم إلى الشقاء، ومن السعة إلى الضيق، وربما تدل رؤيته على الحلي والحلل، والتاج والأزواج الحسان والأولاد الملاح. وقال المقدمي: الطاووس في المنام، امرأة عجمية ذات مال وجمال، لكنها مشؤومة الناصية. والذكر من الطواويس ملك أعجمي، فمن رأى أنه يواخي الطواويس، فإنه يواخي ملوك العجم، وينال منهم جارية نبطية. وقال ارطاميدورس: الطواويس في الرؤيا تدل على أقوام صباح الوجوه، ضحاك السن. وقيل: الطاووس امرأة أعجمية غير مسلمة والله أعلم.
والكتاب مع ذلك مشحون بالخرافات السائدة والأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، وبالرُقى والفوائد المجربة التي لا أصل لها في شرع أو عقل، ومنها على سبيل المثال قوله: إذا دخل إنسانٌ على من يخاف شره فليقرأ قوله تعالى ﴿كهيعص و﴿حم عسق، وعدد حروف الكلمتين عشر، يعقد لكل حرف إصبعاً من أصابعه يبدأ بإبهام اليد اليمنى ويختم بإبهام اليد اليسرى، فإذا فرغ عقد جميع الأصابع، وقرأ في نفسه سورة الفيل فإذا وصل إلى قوله: ﴿ترميهم كرر لفظ ترميهم عشر مرات، يفتح في كل مرة إصبعاً من الأصابع المعقودة، فإذا فعل ذلك أمن شره، وهو عجيب مجرب.
وهنا يحتار المرء هل هذا مما صنفه الدميري أم هو من الزيادات التي طرأت على الكتاب بعده، وتقول بعض المصادر بأن المؤلف جعل كتابه نسختين كبرى وصغرى، وتتضمن الكبرى زيادات منها ما هو خارج عن خطة الكتاب مثل استعراض تاريخي من أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلافة المستكفي الذي بويع سنة 845، وأنا أرجح ذلك وأعتقد أن الصغرى هي الأولى والتي يشير الدميري في آخر كتابه أنه انتهى من مسودتها سنة 773.، ذلك إنه يقول في مادة وحش: هكذا أفادنا هذه الفائدة شيخنا الحافظ العلامة زين الدين بن عبد الرحيم العراقي رحمه الله وأحسن إليه. والحافظ العراقي قد توفي سنة 806، فمعنى هذا أنه قد راجع الكتاب مرة أو مرات حتى وفاته سنة 808، ولكنه أبقى على إشارة انتهائه من المسودة في سنة 773.
ونبني على هذا أن نستبعد أن يكون الاستعراض التاريخي الذي يبلغ قرابة 100 صفحة من عمل النميري لأنه ينتهي في سنة 845، أي بعد وفاته بثلاثة عقود، وأن نرجح أن تكون كثير من الفوائد والاستطرادات التي يحفل بها الكتاب، والتي لا محل لها من الإعراب، ولا موضع لها في خطة الكتاب، من عمل المؤلف كلها أو جلها، لا من عمل النساخ، وهذا يتعارض مع ما ذكره شمس الدين السخاوي، محمد بن عبد الرحمن، المولود سنة 831 والمتوفى سنة 902، في ترجمته للدميري في كتاب الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، فقال: وله فيه زيادات لا توجد في جميع النسخ، وأتوهم أن فيها ما هو مدخول لغيره، إن لم تكن جميعها، لما فيها من المناكير.
ولعل تبرير ما أميل إليه يكمن في أن يكون الدميري قد صنف كتابه أولاً وخرج به على الناس، فلما صار له هذا القبول والإقبال عليه، قرأه على طلبة العلم في مجالس، دخل فيها الاستطراد وصار الحديث فيها ذو شجون، أما كون هذه الزيادات خارجة عن خطة الكتاب أو لا تليق محتوياتها الخرافية بمكانة الدميري العلمية، فإنني أشير أن الاستطراد سمة من سمات الدميري في تصانيفه، فنجده في أرجوزته الفقهية يورد 14 بيتاً تحوي الأفعال المبنية للمجهول ، وهو في مؤلفاته الأخرى يورد الغرائب كذلك، ثم إنه في كتاب حياة الحيوان يعزو بعض هذه الغرائب لمشايخه، ولذا يصعب أن نقول إنها من إضافات النساخ. ويؤيد هذا كثيراً ما أورده السخاوي في كتاب النجم الساطع في ترجمة المؤرخ تقي الدين ابن فهد المكي الشافعي، محمد بن محمد، المولود سنة 787 والمتوفى بمكة سنة 871، فقد قال: وأفرد زوائد الكمال الدميري من النسخة الأخيرة بحياة الحيوان على النسخة الأولى إلى غيرها.
ومن الطريف أن الدميري في اختصاره لشرح الصفدي على لامية العجم للطغرائي يقول في خطبة الكتاب: وقد شرحها أوحد زمانه، وفريد أوانه، الشيخ صلاح الدين الصفدي، سقى الله ثراه، وجعل الجنة مأواه، شرحا تُضرب أباطُ الإبل فيما دونه، وتقف فحول الرجال عنده ولا يعدُونه، والتزم أن يذكر فيه ما سمع فوعى، وما جمع فأوعى، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة من فوائده وفرائده إلاّ أظهرها، ولا نكتة بديعة من لطائف معناه إلاّ وفي ذلك الكتاب سطّرها، ولله درّه، فقد أودعه فوائد جمة، ومسائل مهمة ... غير أنه ينتقل فيه من علم إلى علم، ومن نكتة إلى نكتة، ومن غريبة إلى غريبة، وكأنه تمسك بقول القائل:
لا يُصلِح النَفسَ إذْ كانَت مُدبرةً ... إِلّا التَنَقُّلُ من حالٍ إلى حالِ
وللدميري بعض النظم على عادة الفقهاء، ومن ذلك قوله:
بمكارم الأخلاق كن متخلقاً ... ليفوح ند شذائك العطر الندي
واصدق صديقك إن صدقت صداقة ... وادفع عدوك بالتي فإذا الذي
ولما سافر إلى دمشق، شمس الدين بن العمري، محمد بن عبد الله، المولود نحو سنة 760 والمتوفى سنة 829، كتب إليه الدميري وهو بدمشق رسالة جاء فيها:
الصالحية جنة ... والصالحون بها أقاموا
فعلى الديار وأهلها ... مني التحية والسلام

الجمعة، 28 فبراير 2014

حدث في السابع والعشرين من ربيع الآخر

 
في السابع والعشرين من ربيع الآخر من سنة 258 توفي في نيسابور، عن 86 سنة، الإمام المحدث أبو عبد الله، محمد بن يحيى بن عبد الله الذُهلي النيسابوري. والذهلي نسبة إلى قبيلة ذهل بن شيبان، كان لأحد أجداده علاقة ولاء فيها.
ولد سنة 172 في نيسابور، في شمالي شرق إيران قرب الحدود مع أفغانستان، وطلب الحديث وهو صغير، ثم في سنة 197 ارتحل منها في طلب الحديث إلى الري، وهي طهران اليوم، فأخذ فيها عن قاضيها الإمام المحدث يحيى بن ضريس البُجلي الرازي، المتوفى سنة 203، وكان من بحور العلم وعنده عن حماد بن سلمة عشرة آلاف حديث.
وأخذ في نيسابور عن عالم خراسان الحافظ يحيى بن يحيى التميمي المنقري النيسابوري، المتوفى سنة 226، وكان يرجع إليه في المشكلات ويقول: هو إمام فيما بيني وبين الله. وفي مجلس هذا الإمام الجليل جاءت الذهلي نصيحة وجهته للمبادرة بالرحلة في طلب الحديث وإدراك المشايخ، فقد نظر علي بن سلمة اللبقي، المتوفى سنة 252، إلى حسن خطه وتقييده، فقال: يا بني، ألا أنصحك؟ إن أبا زكريا يحدثك عن سفيان بن عيينة وهو حي، وعن وكيع وهو حي بالكوفة، وعن يحيى بن سعيد وجماعة أحياء بالبصرة، وعن عبد الرحمن بن مهدي وهو حي بأصبهان، فاخرج في طلب العلم، ولا تضيع أيامك. فتأثر بهذا القول وأخذ بهذه النصيحة، وخرج إلى الرحلة في طلب الحديث.
رحل الذهلي إلى البصرة سنة 198 فدخلها يوم توفي الإمام المحدث يحيى بن سعيد القطان، ولكنه أدرك الإمام عبد الرحمن بن مهدي، المولود سنة 135، فأدام مجالسته والأخذ عنه، وكان في هذا موفقاً لأنه ابن مهدي توفي بعد 4 شهور، وهو أكبر شيوخه في الحديث، وأخذ كذلك عن أبي داود الطيالسي، سليمان بن داود ، المولود سنة 133والمتوفى سنة 204، وكان يقول: أسرد ثلاثين الف حديث ولا فخر!
وأخذ الذهلي عن الإمام يحيى بن معين، المولود سنة 158 والمتوفى سنة 233، ونقل عنه قوله العظيم السديد: الذَّبُّ عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله، فقال له متساءلاً مستغرباً: الرجل ينفق ماله، ويتعب نفسه، ويجاهد، فهذا أفضل منه!؟ قال ابن معين: نعم، بكثير.
ومن الطبيعي أن يحط الذهلي رحاله عند الإمام أحمد بن حنبل إذ كان هو إمام العصر ومحدثه، على كثرة من حوله من الأئمة والمحدثين، وكانت علاقة الذهلي بالإمام أحمد بن حنبل علاقة وثيقة قائمة على الاحترام وتقدير العلم الذي يحمله، وكان الإمام أحمد إذ دخل عليه محمد بن يحيى، يقوم إليه  ويقرب مجلسه، ويأمر بنيه وأصحابه أن يكتبوا عنه، وكان يسأل عن أخباره الواردين من نيسابور ويثني عليه أمامهم، وقال لأحدهم مرة: لو أنه عندنا، لجعلناه إماما في الحديث.
وولد للذهلي ابن أسماه يحيى، ويلقب حيكان، ورحل به ليسمع الحديث كما هي عادة كثير من المحدثين في ذلك الوقت، وحيث كانت علاقته مع الإمام أحمد بن حنبل جِدُّ وثيقة، فقد ذهب به ليسمع منه، وصاحبه في رحلته عدد من طلبة الحديث، وجرت له قصة مع الإمام أحمد بينت عن عقله وحكمته، قال محمد بن يحيى: لما رحلت بابني إلى العراق صحبني جماعة من الغرباء، فسألوني: أي حديث عند أحمد بن حنبل أغرب؟ فكنت أقول: إذا دخلنا عليه، سألته عن حديث تستفيدونه. فلما دخلنا سألته عن حديث يحيى بن سعيد، عن عثمان بن غياث، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر حديث الإيمان،  فقال: يا أبا عبد الله، ليس هو عندي عن يحيى بن سعيد. فخجلت، وقمنا، فأخذ أصحابنا يقولون: إنه ذكر هذا الحديث غير مرة، ثم لم يعرفه أحمد، وأنا ساكت لا أجيبهم.
وتابع الذهلي الرحلة مع أصحابه إلى البصرة ليسمعوا من محدثيها، وعلى رأسهم الإمام علي بن المديني، علي بن عبد الله، المولود سنة 161 والمتوفى سنة 234، ثم عادوا في طريقهم إلى بغداد، قال الذهلي: ثم قدمنا بغداد، فدخلنا على أحمد، فرحب بنا، وسأل عنا، ثم قال: أخبرني يا أبا عبد الله: أي حديث استفدت عن مسدد، عن يحيى بن سعيد؟ فذكرت له حديث الإيمان. فقال أحمد: حدثناه يحيى بن سعيد، ثم أخرج كتابه، وأملى علينا. وسكت الذهلي ولم يقل للإمام: سألناك عنه من قبل، فلم تتذكره، وتعجب أصحابه من صبره، ثم أُخبِرَ الإمام أحمد أنه كان سأله عن الحديث قبل خروجه إلى البصرة، فأعجبه عقله ورزانته، وكان إذا ذكره يقول: محمد بن يحيى العاقل!
ثم خرج مع الحاج إلى الحجاز فسمع الحديث من مشايخ المدينة المنورة ومكة المكرمة، ثم رحل منها إلى اليمن حيث أخذ الحديث عن محدثي اليمن وروى قدراً كبيراً من أحاديث الإمام عبد الرزاق الصنعاني، عبد الرزاق بن همام المولود سنة 126 والمتوفى سنة 211.
وأخذته رحلته في طلب العلم إلى مصر والشام وجزيرة ابن عمر، وصارت لديه حصيلة وافرة من الحديث، ولم تكن رحلته هذه الأولى والأخيرة فقد كانت له بعدها رحلتان، وكان الذهلي يتحدث بنعمة الله عليه في ذلك فيقول: ارتحلت ثلاث رحلات، وأنفقت على العلم مئة وخمسين ألفا.
وعاد الذهلي إلى بلده نيسابور بعد أن حمل العلم والحديث عن الكبير والصغير، والبعيد والقريب، والمحدث والمفتي، وأهل الحديث وأصحاب المذاهب، فصار إمامها وشيخها الأكبر مع السؤدد والتعظيم، أشبه بما تمتع به الإمام أحمد بن حنبل في بغداد والإمام مالك بن أنس في المدينة المنورة، ولم ينقطع الذهلي بتسنمه هذه الوجاهة عن طلب العلم والتحقيق، والتعب في سبيل ذلك، قال ابنه يحيى: دخلت على أبي في الصيف الصائف وقت القائلة، وهو في بيت كتبه، وبين يديه السراج، وهو يصنف، فقلت: يا أبة، هذا وقت الصلاة، ودخان هذا السراج بالنهار، فلو نفست عن نفسك. قال: يا بني، تقول لي هذا، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين!!
وبقي الذهلي على صلة وثيقة بالعلماء الذين رحل إليهم، ويدلنا على ذلك رواية وصلتنا عن رسالة أتته من البويطي، أبو يعقوب يوسف بن يحيى، خليفة الشافعي في درسه ومذهبه، فقد امتحنه الخليفةُ العباسي الواثق، وأمر بإحضاره في الأغلال الثقيلة من مصر إلى بغداد ليجبره على القول بخلق القرآن، ومات البويطي مسجوناً مظلوماً، وأرسل من سجنه رسالة للذهلي يسأله الدعاء له في محنته، قال مستملي الذهلي: حضرنا مجلس محمد بن يحيى الذهلي، فقرأ علينا كتاب البويطي إليه، وإذا فيه: أسألك أن تعرض حالي على إخواننا أهل الحديث، لعل الله يخلصني بدعائهم، فإني في الحديد، وقد عجزت عن أداء الفرائض والطهارة والصلاة. فضُج الناس بالبكاء والدعاء له.
وتميز الذهلي بجمعه لمرويات الإمام محمد بن شهاب الزُهري، المولود سنة 58 والمتوفى سنة 124، وهي من الأهمية بمكان لكونه من أوائل من جمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبخاصة ما يتعلق بالسيرة والشمائل، وقد انفرد الزهري بسنن كثيرة وبرجال عدة لم يرو عنهم غيره، وكان للعلماء ثقة في عمل الذهلي فلم يتعقبوه أو يزيدوا على ما فعل، قال سعيد بن منصور ليحيى بن معين: لم لا تجمع حديث الزهري؟ فقال: كفانا محمد بن يحيى ذلك. وبقي الثناء على هذا الكتاب حتى ممن جاؤوا بعدهم وكان من سماتهم التعقب والتدقيق، فقد جرى بين الإمام الدارقطني، علي بن عمر، المولود سنة 306 والمتوفى سنة 385، وبين أبي عبد الرحمن السلمي النيسابوري، محمد بن الحسين، المتوفى سنة 412،  جرى بينهما حديث عن محمد بن يحيى الهذلي فقال له الدارقطني: من أحب أن ينظر ويعرف قصور علمه عن علم السلف، فلينظر في علل حديث الزهري لمحمد بن يحيى.
ويبدو أن الذهلي جمع الأحاديث الزهريات وهو في الطلب لم يعد بعد إلى نيسابور، فقد ذكر محمد بن أحمد بن الجراح، أبو عبد الرحيم الجوزجاني قال: قلت لأحمد بن حنبل: إني أريد البصرة، وقد عرفتَ أصحاب الحديث وما بينهم، فقال: إذا قدمت فسل عن محمد بن يحيى النيسابوري، فإذا رأيته فالزمه، ثم قال: ما قدم علينا أحد أعلم بحديث الزهري منه، ولا أصح كتاباً منه.
وقصد المحدثون نيسابور من كل الأقطار للسماع من محمد بن يحيى الذهلي والرواية عنه، فقد صارت الرحلة إليه لازمة لكل محدث، ومن أبرز من أخذ عنه الإمام المحدث ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، المولود سنة 209 والمتوفى سنة 273، والإمام المحدث أبو داود السجستاني، سليمان بن الأشعث، المولود سنة والمتوفى سنة 275، وكلاهما من أصحاب السنن.
وفي ذلك العصر ضاهت خراسان العراق في وجود محدثين أئمة بها صارت إليهم الرحلة، قال الحافظ أبو حامد ابن الشرقي، أحمد بن محمد المولود سنة 240 والمتوفى سنة 325: قيل لي وأنا أكتب الحديث في بلدي: لم لا ترحل إلى العراق؟ فقلت: وما أصنع في العراق وعندنا من بنادرة الحديث ثلاثة: محمد بن يحيى الذهلي، وأبو الأزهر أحمد بن الأزهر، وأحمد بن يوسف السلمي، فاستغنينا بهم عن أهل العراق. وتوفي أبو الأزهر سنة 261، والسلمي سنة 264. ويقصد بالبنادرة: التجار المتمرسين.
وقد أورد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد قصة تدل على متانة علم الذهلي ونجاحه في الاختبارات الخفية التي ينصبها المحدثون سبراً لمتانة علم الشيخ الذي يأخذون عنه، وقد جرت مع الإمام المحدث صالح جزرة، صالح بن محمد، المولود سنة 210 والمتوفى سنة 293، ولقب بجزرة لانه صحف في حديث: كان لأبي أمامة خرزة يرقي بها المريض. فقال: جزرة.
قال صالح جزرة: لما خرجت من الري قلت للفضل بن العباس المعروف بفضلك الرازي: عمن أكتب بنيسابور؟ قال: إذا قدمت نيسابور فانظر إلى شيخ بهي، حسن الوجه، حسن الثياب، راكباً حماراً، وهو محمد بن يحيى، فاكتب عنه فإنه من قرنه إلى قدمه فائدة. قال: فلما قدمت نيسابور استقبلني محمد بن يحيى، فعرفته بهذه الصفة، فذهبت معه، وانتخبت عليه مجلساً وقرأته عليه، فلما فرغت قلت له: أفادني الفضل بن العباس الرازي حديثاً عنك عند الوداع لأسمعه من الشيخ، فقال: هات، فقلت: حدثكم سعيد بن عامر، حدثنا شعبة، عن عبد الله بن صبيح، عن محمد بن سيرين، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا خالي فليرني امرؤ خاله. فقال محمد بن يحيى: من ينتخب مثل هذا الانتخاب، ويقرأ مثل هذه القراءة، يعلم أن سعيد بن عامر لا يحدث بمثل هذا الحديث؟ فقلت: نعم حدثكم سعيد بن واصل.
قال الخطيب البغدادي: قصد صالح امتحان محمد بن يحيى في هذا الحديث، لينظر أيقبل التلقين أم لا، فوجده ضابطاً لروايته، حافظاً لأحاديثه، محترزاً من الوهم بصيراً بالعلم. ولذلك عندما سئل صالح جزرة عن الذهلي، أجاب: ما في الدنيا أحمقُ ممن يسأل عن محمد بن يحيى!
وكان الذهلي يعتمد على أبي بكر الجارودي في مصنفاته لاتقانه العربية، والجارودي حافظ إمام عُرفت أسرتُه باتباعها للمذهب الحنفي، وكان جده الجارود صاحب أبي حنيفة، وصار أفرادها من أئمته في خراسان، وهو الإمام الحافظ محمد بن النضر بن سلمة بن الجارود، المتوفى سنة 291، وكان منزله بالقرب من منزل محمد بن يحيى الذهلي فنشأ معه وفي صحبته، وحدث مرة أن حدَّث محمد بن يحيى في مجلس الإملاء فردًّ عليه الجارودي، فزبره محمد بن يحيى، فلما كان المجلس الثاني قال محمد بن يحيى: ههنا أبو بكر الجارودي؟ قال له: نعم، قال: الصواب ما قلتَه، فإني رجعت إلى كتابي فوجدته على ما قلت.  فاعجب لرجوع الإمام الذهلي وخضوعه للحق، واعجب لسكوت الجارودي مع كونه محقاً في تصويبه.
وفي سنة 250 جاء الإمام محمد بن إسماعيل البخاري إلى نيسابور، بعد مراسلات بينه وبين الإمام الذهلي، ثم جرت بينهما قضية مؤسفة أدت بالبخاري أن يترك البلد حزيناً بائساً، فقد كان للبخاري رأي في مسألة خلق القرآن لا يتفق في جزئية مع الرأي السائد آنذاك في أوساط العلماء، ولم تشفع له عند بعضهم أن مكانته في علماء الحديث كانت كالشمس في النجوم، إذ لم يبق أحد منهم إلا وأثنى على علمه وعمله وإتقانه،
وكانت قضية خلق القرآن قد خفتت أصواتها بتولى المتوكل سنة 232 إذ كان من أول ما أمر به أن ينادى على المنابر بترك الجدل في القرآن، وأن الذمة بريئة ممن يقول بخلقه أو غير خلقه، فهدأت الفتنة وسارت الأمور على خير، حتى إن الإمام أحمد بن حنبل أثنى على البخاري، وهو يعلم موقفه المخالف في هذه الجزئية، ولكن الإمام أحمد توفي سنة 241، ثم قتل المتوكلَ ابنه المنتصر سنة 247، فعادت الفتن تموج في عالم السياسة وفي غياب حزم السلطان عاد كثير من المتعالمين إلى ديدنهم في إثارة القضايا الخلافية ومنها  بل أولها خلق القرآن.
ولما جاء البخاري إلى نيسابور، قال عالمها وشيخها محمد بن يحيى الذهلي في مجلسه: من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غدا، فليستقبله، فإني أستقبله، فاستقبله محمد بن يحيى، وعامة علماء نيسابور، لم يستقبلوا بمثله واليا ولا عالما، استقبلوه من مرحلتين من البلد، أو ثلاث، فدخل البلد، فنزل دار البخاريين، وحذر محمد بن يحيى العلماء والتلاميذ: لا تسألوه عن شئ من الكلام في خلق القرآن، فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه، وقع بيننا وبينه، وشمت بنا كل ناصبي ورافضي وجهمي ومرجئ بخراسان.
ونزل البخاري في دار البخاريين في نيسابور، وعقد فيها مجلس التحديث، وازدحم الناس على درسه حتى امتلأت الدار والسطوح، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث من يوم قدومه، قام إليه رجل فسأله عن اللفظ بالقرآن، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن، مخلوق هو أو غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه، فألح عليه ثلاثا، فقال البخاري: حركات البشر وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين، المثبت في المصاحف، المسطور المكتوب، الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بخلق، قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾، وأفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يصنع كل صانع وصنعته.
ولما كان كثيرٌ من أهل الحديث يرقى بهذا القول إلى الخروج من الدين، فقد انفضوا عن البخاري وسماع الحديث منه، وقال له بعض الناصحين: ترجع عن هذا القول حتى يعودوا إليك، فقال البخاري:  لا أفعل، إلا أن يجيئوا بحجة فيما يقولون أقوى من حجتي.
وكان محمد بن يحيى الذهلي يحث الناس على الذهاب إلى مجلس البخاري وقول: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم، فاسمعوا منه، بل كان هو لا يتحرج أن يستفيد من البخاري أمام الناس، ويذكر أحد طلبة الحديث أنه رأى البخاري في جنازة ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكُنى وعلل الحديث، ومحمد بن إسماعيل يمر في الجواب مثل السهم، كأنه يقرأ قل هو الله أحد.
ولكن الذهلي بعد أن صرح البخاري برأيه عاداه معاداة شديدة، وحرم على الناس مجالسته والاقبال عليه والسماع منه، وقال الذهلي: القرآن كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته، وحيث يتصرف، فمن لزم هذا استغنى عن اللفظ وعما سواه من الكلام في القرآن، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، وخرج عن الإيمان، وبانت منه امرأته، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وجعل ماله فيئاً بين المسلمين، ولم يدفن في مقابر المسلمين، ومن وقف وقال: لا أقول مخلوق أو غير مخلوق، فقد ضاهى الكفر، ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق، فهذا مبتدع، لا يجالس ولا يكلم، ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه، ألا من يختلف إلى مجلسه لا يختلف إلينا، فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ ونهيناه فلم ينته، فلا تقربوه ومن يقربه فلا يقربنا!
ويعزو بعض الرواة موقف الذهلي إلى أن البخاري أضحى منافساً له في المكانة،وأن مجلس الذهلي لم يعد كما كان ممتلأً لانصراف الناس إلى مجلس البخاري، فحسده الذهلي بعد ذلك وتكلم فيه، وأنا أستبعد ذلك لأن الذهلي من أهل البلد وله عزوة وعصبية فيه لا تضعف بوجود البخاري، وأرجح أن يكون ذلك بسبب بعض "أهل الخير" في بغداد الذين كتبوا للذهلي يؤزونه على البخاري كما أشار الذهلي في كلامه.
وبسبب هذا التحذير والوعيد انقطع الناس عن البخاري إلا الإمام مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة النيسابوري، وكان للإمام مسلم  موقف قوي في استنكار هذا فإنه عندما سمع هذا القول من الذهلي، أخذ رداءه فوق عمامته، وقام فترك المجلس على رؤوس الناس، ثم بعث إلى الذهلي جميع ما كان كتبه عنه على ظهر حمَّال، ولم يحدث في صحيحه عنه.
وخشي البخاري على نفسه من البقاء في نيسابور، وعاد إلى بخارى مسقط رأسه، ولم تجعله هذه الحادثة المؤلمة يمتنع عن الرواية عن الذهلي في صحيحه.
ولما توفي الذهلي تقدم في الصلاة عليه أمير خراسان محمد بن طاهر بن عبد الله بن الحسين الخزاعي،  وخلفه في المشيخة ولده يحيى والملقب بحيكان، كما ذكرنا من قبل، وكان يحيى عالماً عابداً مجاهداً، ترأس المطوعة بخراسان، وترأس ثورة أهلية على أحد أمراء عمرو بن الليث الصفار، وهو أحمد بن عبد الله الخُجُستاني، لظلمه وعسفه، فخذلته جموعه عند اللقاء، فقبض عليه وقتله، في سنة 267.
 
 

الجمعة، 21 فبراير 2014

حدث في العشرين من ربيع الآخر

 
في العشرين من ربيع الآخر من السنة الخامسة للهجرة عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من حملته على منطقة دَُومة الجَندل شمال المدينة المنورة، ودامت الحملة 25 يوماً لم يهاجم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلدة دومة الجندل، ولم يكن فيها قتال، وسميت بغزوة دومة الجندل.
والدوم شجرة، والجندل الحجر بحجم رأس الإنسان، فكأن الاسم جاء من وجود شجر ملتف في أرض ملأى بالحجارة، وقيل سميت كذلك لأن سورها كان مبنياً بالجندل، وأن ملكها الأكيدر كان منزله أولاً مكان بالحيرة من العراق يدعى دومة الحيرة، وأنه كان في زيارة لأخواله فوجد البلدة متهدمة فأعاد بناءها وغرس فيها الزيتون، وسموها دومة الجندل تفرقة بينها وبين دومة الحيرة، والدومة بالفتح أو الضم.
أما موقع دومة الجندل اليوم، فقال الأستاذ المحقق عاتق بن غيث البلادي في كتابه المعالم الجغرافية الواردة في السيرة النبوية: دَومة الجندل، بالفتح، قرية في الجوف، يشرف عليها حصن مارد، حصن أكيدر الكِندي، والجوف: منطقة زراعية شمال تيماء على قرابة 450 كيلا، تصلها طريق معبدة بكل من تيماء فالمدينة المنورة.
جاءت هذه الغزوة والرسول لا يزال يواجه قريشاً المتربصة به والتي تؤلب عليه القبائل وتحشد له الأحلاف، ولكن رسول الله كان يراقب خطراً آخراً يتهدده من شمال الجزيرة العربية؛ من الروم البيزنطيين في الشام والقبائل العربية التي تدين لهم بالولاء وتخضع لسلطانهم.
وكانت دومة الجندل أحد مراكز الروم البيزنطيين على حدود الجزيرة العربية، مدينة عليها سور، ولها حصن مشهور، وتقع على مفترق طريق القوافل الذاهبة من جزيرة العرب إلى العراق والشام وبالعكس، وهي أرض نخل وزرع، يسقي أهلها على النواضح، وحولها عيون قليلة، وزرعهم الشعير، وكانت مركزاً تجارياً يعقد فيها سوقٌ سنوي عظيمٌ في ربيع الأول، ويُدفع لرئيسها عُشر قيمة البضائع، وهي موطن قبيلة كلب العربية، وفيها صنم وَدّ المذكور في سورة الحج، وكان عامل هرقل عليها الملك الأكيدر بن عبد الملك الكِندي، وكان على النصرانية، وكان يسيئ معاملة التجار والسابلة المارين ببلاده ويفرض عليهم المكوس، وكان تجار العرب شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ظلم الأكيدر، ثم بلغه أنه قد جمع جمعاً كبيراً، وانضم إليه قوم كثير من العرب من قضاعة وغسان، ويريدون أن يهاجموا المدينة.
فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، واستخلف على المدينة سِباع بن عُرفُطة الغِفاري، وخرج في ألف من المسلمين فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عُذرة يقال له مذكور، فلما دنا رسول الله من دومة الجندل مسيرة يوم، قال له الدليل: يا رسول الله، إن سوائمهم ترعى فأقم لي حتى أطلع لك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: نعم. فخرج العذرى طليعةً حتى وجد آثار النعم والشاء وهم مغربون، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فأخبره وقد عرف مواضعهم، فسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى هجم على ماشيتهم ورعاتهم، فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد بها أحدا، فأقام بها أياما وبث السرايا وفرقها، حتى غابوا عنه يوماً ثم رجعوا إليه ولم يصادفوا منهم أحدا، إلا أن محمد بن مسلمة الأوسي الأنصاري رضي الله عنه أخذ منهم رجلاً، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قومه، فقال: هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نَعمهم. فعرض عليه الإسلام فأسلم ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
وكان سعد بن عبادة رضي الله عنه من المشاركين في تلك الغزوة، فتوفيت أمه عمرة بنت مسعود بالمدينة وهو غائب، وكانت من أهل بيعة العقبة، فلما عاد الرسول وصحبه إلى المدينة قال له سعد: إن أم سعد ماتت، وإني أحب أن تصلي عليها. فجاء قبرها فصلى عليها.
وفي غياب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة دومة الجندل، بَنَتْ أمُ سلمة حجرتها بلبِن، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى اللبِن، فدخل عليها أول نسائه، فقال: ما هذا البناء ؟ فقالت: أردت يا رسول الله أن أكفَّ أبصار الناس، فقال: يا أم سلمة، إن شرَّ ما ذهب فيه مال المسلمين البنيان.
وعاد رسول الله في السنة القادمة في شعبان من السنة السادسة للهجرة، فأرسل عبد الرحمن ين عوف على رأس سرية إلى دومة الجندل، فدعاه وقال له: تجهز فإني باعثك في سريةٍ من يومك هذا، أو من غدٍ إن شاء الله. قال ابن عمر: فسمعت ذلك فقلت: لأدخلن فلأصلين مع النبي العداة، فلأسمعن وصيته لعبد الرحمن بن عوف.
قال: فغدوت فصليت فإذا أبو بكر، وعمر، وناس من المهاجرين، فيهم عبد الرحمن بن عوف، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان أمره أن يسير من الليل إلى دومة الجندل فيدعوهم إلى الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن: ما خلفك عن أصحابك؟ وكان قد مضى أصحابه في السحر، وعسكروا بالجرف على بعد ثلاثة أميال من المدينة، وكانوا سبعمئة رجل، فقال: أحببت يا رسول الله أن يكون آخر عهدي بك، وعلي ثياب سفري. وعبد الرحمن بن عوف متوشح سيفه وعليه عمامةٌ كرابيس سوداء قد لفها على رأسه ، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأقعده بين يديه فنقض عمامته بيده، ثم عممه فأرسل بها من خلفه أربع أصابع أو نحواً من ذلك، ثم قال: هكذا فاعتم يا ابن عوف، فإنه أحسن وأعرف! ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء، فدفعه إليه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذه يا ابن عوف،  اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تغلُّوا، ولا تغدروا، ولا تنكثوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، فهذا عهد الله وسنة نبيكم فيكم.
قال ابن عمر: ثم بسط يده، فقال: يا أيها الناس، اتقوا خمساً قبل أن يحل بكم؛ ما نقص مكيال قومٍ إلا أخذهم الله بالسنين ونقصٍ من الثمرات لعلهم يرجعون، وما نكث قومٌ عهدهم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما منع قومٌ الزكاة إلا أمسك الله عليهم قطر السماء، ولولا البهائم لم يسقوا، وما ظهرت الفاحشة في قومٍ إلا سلط الله عليهم الطاعون، وما حكم قومٌ بغير آي القرآن إلا ألبسهم الله شيعاً، وأذاق بعضهم بأس بعض.
فخرج عبد الرحمن حتى لحق أصحابه فسار حتى قدم دومة الجندل، فلما حل بها مكث بها ثلاثة أيامٍ يدعوهم إلى الإسلام، وقد كانوا أبوا أول ما قدم يعطونه إلا السيف، فلما كان اليوم الثالث أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانياً وكان رأسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية، فكتب عبد الرحمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك، وبعث رافع بن مكيث الجهني، وكتب يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد أراد أن يتزوج فيهم، فكتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج ابنة الأصبغ واسمها تُماضِر، فتزوجها عبد الرحمن، ولما قدم بها المدينة رغب القرشيون في جمالها، فجعلوا يسترشدونها، فترشدهم إلى بنات أخواتها وبنات إخوتها.
ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له عندما أرسله: إن أطاعوا فتزوج ابنة ملكهم. وكانت قريش لا تتزوج من كلب، أنفة وكبرياء، فأبطل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تماضر بنت الأصبغ أول كلبية تزوجها قرشي،  ولها ولد وحيد هو الفقيه الجليل أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف، واسمه كنيته، المتوفى سنة 94 عن 72 سنة.
وفي رجب من السنة التاسعة للهجرة بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن الروم البيزنطيين تجمعوا في الشام، فخرج إلى تبوك، في غزوة العسرة، يترقب جيش الروم، وأقام صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة دون أن يلقى عدواً ثم عاد إلى المدينة، وخشية من أن يكون الروم قد حركوا أعوانهم على أطراف الجزيرة بدلاً من أن يهجموا بأنفسهم، أرسل رسول الله من تبوك خالد بن الوليد إلى الأكيدر في دومة الجندل، وأمره أن يعتقله ولا يقتله، ويأتي به إليه فيجدد العهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله على رأس سرية قوامها 420 فارساً، فلما عهد إليه عهده، قال خالد: يا رسول الله كيف بدومة الجندل وفيها أكيدر، وإنما نأتيها في عصابة من المسلمين، فقال لخالد: لعل الله يلقيك أكيدر فستجده يصيد بقر الوحش، فخذوه أخذاً فابعثوا به إلي ولا تقتلوه.
فخرج خالد حتى رابط خارج الحصن على مرأى منه في ليلة مقمرة صائفة، والأكيدر على سطح له ومعه امرأته، فأتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله! قالت: فمن يترك هذه؟! قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه فأُسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان، فركب وخرجوا معه بمطاردهم، فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأسر أكيدر وامتنع أخوه حسان فقاتل حتى قتل.
وقال خالد لأكيدر: أرأيتك إن أجَرتُك تفتح لي دومة قال: نعم. فانطلق حتى دنا منها، فثار أهلها وأرادوا أن يفتحوا له فأبى عليهم أخوه، فلما رأى ذلك قال لخالد: أيها الرجل، خلني فلك الله لأفتحنها لك، إن أخي لا يفتحها لي ما علم أني في وثاقك. فأرسله خالد ففتحها له، فلما دخل أوثق أخاه وفتحها لخالد، ثم قال: اصنع ما شئت، فدخل خالد وأصحابه فذكر خالد رضي الله عنه له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي أمره، فقال له أكيدر: والله ما رأيتها قط جاءتنا إلا البارحة، يريد البقر، ولقد كنت أضمر لها إذا أردت أخذها، فأركب لها اليوم واليومين، ولكن هذا القَدَر! ثم قال: يا خالد، إن شئتَ حكمّتُك، وإن شئتَ حكمّتني. فقال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت، فأعطاهم ألفي بعير، وثمانمئة فرس، وأربعمئة درع، وأربعمئة رمح.
وأقبل خالد رضي الله عنه بأكيدر وهو يحمل هدايا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيها بغلة وثياب حرير فقبلها منه، واستعمل رسول الله صلى الله البغلة، وأعطى ثوب حرير علياً رضي الله عنه ليوزعه على نساء بني هاشم، وقال له: شقِّقهُ خُمُراً بين الفواطم. يقصد فاطمة الزهراء، وفاطمة بنت أسد أم علي، وفاطمة بنت حمزة. وكان في هدايا الأكيدر جرةٌ فيها المَنُّ، وبالنبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته يومئذ إليها حاجة، فلما قضى الصلاة أمر طائفا فطاف بها على أصحابه، فجعل الرجل يدخل يده فيستخرج فيأكل، فأتى على خالد بن الوليد فأدخل يده، فقال: يا رسول الله، أخذ القوم مرة، وأخذتُ مرتين فقال:  كل وأطعم أهلك. وكذلك أعطى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قطعة ثم إنه رجع إليه فأعطاه قطعة أخرى، فقال: إنك قد أعطيتني مرة، قال: هذا لبنات عبد الله. وكان والده قد استشهد في أحد وخلف 7 بنات.
وكتب له الرسول معاهدة، ختمها بظفره إذ لم يكن معه خاتمه، والكتاب على بساطته يوضح الملكية العامة في الفقرة الأولى وهي ما كان من الأراضي خارج السور أو لم يكن مستصلحاً أو له مالك، ثم يمنحهم حق الرعي فلا تُصرفُ سارحة ماشيتهم عن مَرْعى تُريده، ثم حظر عليهم التسلح والتحصن في الفقرة الثانية ليأمن غدرهم، ثم بين لهم حقوقهم وطمأنهم أن لا عُشر في البتات وهو المتاع الذي لا يكون للتجارة، ونص الكتاب هو:
من محمد رسول الله لأكيدر دومة حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها: إن لنا الضاحية من الضحل والبور والمعامي وأغفال الأرض، والحلقة والسلاح والحافر والحصن، ولكم الضامنة من النخل، والمَعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم، ولا تُعدُّ فاردتكم، ولا يحظر عليكم النبات، ولا يؤخذ منكم عُشرٌ البَتَات، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقها، عليكم بذلك عهد الله والميثاق، ولكم بذلك الصدق والوفاء. شهد الله ومن حضر من المسلمين.
وكان على الأخ القتيل حسان قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، ويتعجبون منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من هذا؟ فو الذي نفسى بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا.
وقال بَجير بن بجرة الطائي يذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر. وما صنع البقر تلك الليلة بباب الحصن، تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
تبارك سائق البقرات إني ... رأيت الله يهدي كل هاد
فمن يك حائدا عن ذي تبوك ... فإنا قد أُمِرنا بالجهاد
فقال له رسول الله: لا يفضض الله فاك. فعاش 90 سنة ما تحركت له سن ولا ضرس، لبركة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، واستشهد في القادسية.
وجاء بعض أهل دومة الجندل مسلمين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، منهم حارثة بن قّطَن، وحمل بن سعدانة، وتذكر كتب السيرة أن الرسول أعطى حارثة كتاباً يطابق ما أعطاه للأكيدر، فلعله كان نسخة وتأكيداً لذلك، وعقد الرسول بيده لحمل لواءً يحمله، وفي هذا إكرام متميز من رسول الله لهذا الصحابي الشجاع رضوان الله عليه، وشهد حمل مع خالد بن الوليد مشاهده، ومن رجزه الذي تمثل به شجعان العرب:
لَبِّثْ قليلاً يلحقِ الهيجا حَمَلْ
ما أحسنَ الموتَ إذا حانَ الأجلْ
وكان من نتائج هذه السرية الناجحة أن خشي زعماء العرب ممن يدينون بالولاء للدولة البيزنطية أن يصييهم ما أصاب الأكيدر من أسر وصَغار، فقدم على الرسول صلى الله عليه وسلم عدد منهم، من أبرزهم يوحنا بن رؤبة ملك أيلة، وهي اليوم العقبة، فصالحه وكتب له كتابا هذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا أمَنَة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن روبة وأهل أيلة، لسفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله، وذمة محمد رسول الله، ولمن كان معهم من أهل الشأم وأهل اليمن وأهل البحر، ومن أحدث حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وأنه طيبة لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يُمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يريدونه من بر وبحر. هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله.
ويبدو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل بعد ذلك سرايا أخرى لغير الأكيدر فخشي أن تكون إليه فجاء إلى رسول الله مستأمناً، فقد ذكر أصحاب السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل خيلاً فسمع بها الأكيدر، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنه بلغنا أن خيلا انطلقت، وأني خفت على أرضي ومالي، فاكتب لي كتابا لا يعرِضوا من شئ لي، فإني مقر بالذي علي من الحق. فكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن أكيدر أخرج قباء من ديباج منسوج مما كان كسرى يكسوهم، فقال: يا رسول الله اقبل عني هذا فإني أهديته لك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترجع بقباك فإنه ليس يلبس هذا في الدنيا إلا حُرِمَه في الآخرة. فرجع به حتى أتى منزله، ووجد في نفسه أن يرد عليه رسول الله هديته، فقال: يا رسول الله، إنا أهل بيت يشقُّ علينا رد هديتنا، فاقبل مني هديتي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلق فادفعه إلى عمر بن الخطاب. وكان عمر قد سمع ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فدمعت عيناه وظن أنه قد لحقه شئ، فانطلق فقال: يا رسول الله أحدث فيَّ أمر؟ قلتَ في هذا القباء ما قلت ثم بعثتَ به إليّ؟! فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وضع يده أو ثوبه على فيه ثم قال: ما بعثت به إليك لتلبسه، ولكن تبيعه وتستعين بثمنه.
ويختلف المؤرخون إن كان الأكيدر قد أسلم أم بقي على النصرانية مع ولائه لدولة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتذكر بعض الروايات مشاهدته في المدينة مرتدياً الحرير وعليه صليب من ذهب، وعلى كل حال فلا يختلف المؤرخون أن ذلك لم يكن آخر العهد بدومة الجندل، فبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نقض الأكيدر العهد، أو ارتد في رأي من يرون أنه أسلم، وحشد الحشود من قبائل كلب وغسان، وكان ممن عاضده جبلة بن الأيهم، فأرسل أبو بكر الصديق في السنة الثانية عشرة للهجرة خالد بن الوليد على رأس جيش فقمع تمرده وقتله، وثبت أخوه حريث بن عبد الملك على الإسلام، وتزوج يزيد بن معاوية ابنته.

 
log analyzer