الأحد، 11 مايو 2008

أيما خير إسنادك أو إسنادي؟

جاء سائل إلى الإمام المحدث إسحاق بن راهويه يسأله شيئاً فقال له: صنع الله لك، فقال: ما جئتُ لتدعو لي، إنما جئتُ لتعطيني، فقال إسحاق: حدثنا روح قال: حدثنا عوف عن الحسن قال: إذا جدَّ السؤال جدَّ المنع.

فقال السائل: يا أبا يعقوب عندي حديثٌ خيرٌ من حديثك، وإسنادٌ خيرٌ من إسنادك، فقال: هات، فقال السائل: حدثنا سيما الصغير عن سيما الكبير عن زغليتج عن أمير المؤمنين علي أنه قال: اقعد تَمنّا خيرٌ من أن تَعمَل تَعنّا، فقال إسحاق: إدفعي إليه يا جارية درهمين ورغيفين وعودين حطب، فلما تسلم السائل ما دُفع إليه، التفت إلى إسحاق فقال له: أيما خير: إسنادك أو إسنادي؟ فقال إسحق: إسنادك خير، انصَـرِفْ.

السبت، 10 مايو 2008

يجيزون شهادة الحمير

كان بمكة سفيه يجمع بين الرجال والنساء على الرِيَب، فشكا أهل مكة ذلك إلى الوالي فغرّبه إلى عرفات، فاتخذها منزلاً ودخل إلى مكة مستتراً فلقي بها حرفاؤه من الرجال والنساء، فقال: وما يمنعكم مني؟ فقالوا: وأين بك وأنت بعرفات؟ فقال: حمار بدرهمين؛ وصرتم إلى الأمن والنزهة والخلوة واللذة، قالوا: نشهد إنك لصادق؟ فكانوا يأتونه.

فكثر ذلك حتى أفسد على أهل مكة أحداثهم وحواشيهم، فعادوا بالشكية إلى أميرهم، فأرسل إليه فأتي به فقال: أي عدو اللّه! طردتك من حرم اللّه فصرت إلى المشعر الأعظم تفسد فيه وتجمع بين الخبائث! فقال: أصلح اللّه الأمير! إنهم يكذبون عليَّ ويحسدونني! فقالوا للوالي: بيننا وبينه واحدة: تجمع حُمُرَ المكارين وترسلها إلى عرفات، فإن لم تقصد إلى بيته لما تعودت من إتيان السفهاء والفُجَّار إياه، فالقول ما قال. فقال الوالي: إن في هذا لدليلاً، وأمر بجمع الحُمُرِ فجُمعت ثم أُرسلت فقصَدَت منزله.

وأتى الأميرَ أمناؤه فقال: ما بعد هذا شيء، جَرِّدوه! فلما نظر إلى السياط قال: ولا بد من ضربي؟ قال: لا بد يا عدو اللّه، قال: اضرب فواللّه ما في هذا شيء بأشد من أن يسخر بنا أهل العراق ويقولون: أهلُ مكة يجيزون شهادة الحمير مع تقريعهم لنا بقبول شهادة الواحد مع يمين الطالب، قال: فضحك الأمير وقال: لا أضربك اليوم، وأمر بتخلية سبيله وترك التعرض له.

الجمعة، 9 مايو 2008

كذاك البر

روى الإمام أحمد عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نِمْتُ فرأيتُني في الجنةِ فسمعتُ صوت قارئٍ يقرأُ فقلتُ: من هذا؟ قالوا: هذا حارثة بن النعمان فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: كَذَاكَ الْبِرُّ كَذَاكَ الْبِرُّ. وكان أبرَّ الناسِ بِأُمِّه.

حارثة بن النعمان الخزرجي شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي في خلافة معاوية، روى مسلم عن ابنته أم هشام قالت: لقد كان تَنُّورُنَا وتنور رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً سنـتينِ أو سَنَةً وبعضَ سنة، وما أخذتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلا عن لسانِ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤُها كل يوم جمعةٍ على المنبرِ إذا خَطَبَ النَّاسَ.

الخميس، 8 مايو 2008

أخلاق آل البيت

أبو عبد الله الحسين بن داود بن علي بن عيسى بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب العلوي المتوفى سنة 355.

قال الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ صاحب المستدرك على الصحيحين: كان الحسين بن داود شيخ آل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره بخراسان وسَّنِيَّ العلوية في أيامه – أي أرفعهم نسباً - وكان من أكثر الناس صلاة وصدقة ومحبة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحبتُهُ برهةً من الدهر، فما سمعتُه ذَكَرَ عثمان إلا قال: أمير المؤمنين الشهيد رضي الله عنه وبكى، وما سمعتُه ذَكَرَ عائشة إلا قال: الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله وبكى.

الأربعاء، 7 مايو 2008

لا خير في عيش نائي الدار مغترب

من للغريب البعيد النازح الوطن * من للأسير أسير الهم والحزن
من للغريب الذي لا مستراح له * من الهموم ولا حظ من الوسن
خلى العراق وقد كانت له وطنا * لا خير في كل مشغول عن الوطن
لا خير في عيش نائي الدار مغترب * يأوي إلى الهم كالمصفود في قَرَنِ
يا أهل كم نابني من حسن مستمَعٍ * منكم وفارقته من منظر حسن
وكم تجرعت للأيام بعدكم * من غصة أزعجت روحي مع البدن

الثلاثاء، 6 مايو 2008

تقوى وتواضع

حدث الإمام محمد بن إسحاق، قال: جاء أعرابي إلى القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق المتوفى سنة 107، فقال: أنت أعلمُ أو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب؟ - المتوفى سنة 106 - قال: ذاك منزل سالم، فلم يزد عليها حتى قام الأعرابي.

قال ابن إسحاق رحمه الله كره أن يقول: هو أعلم مني فيكذب، أو يقول: أنا أعلم منه فيزكي نفسه. وكلاهما من فقهاء المدينة السبعة، رحمهم الله جميعاً.

الاثنين، 5 مايو 2008

فما بان عن أطلال ساحتها القلب

أبو النجيب سداد بن إبراهيم بن محمد الظاهر الجزري نسبة إلى جزيرة ابن عمر، وله بها مسجد يعرف بمسجد الظاهر، وفاته في حدود 400. كان شاعراً مطبوعاً، حلو الألفاظ سهلها، لطيف المعاني، وله أبيات يتشوق فيها حلب:

أيا حلبُ الغراء والمنزلُ الرحبُ ... ويا بلداً قلبي بتذكاره صبُ
لئن بان جسمي عن معالم ربعها ... فما بان عن أطلال ساحتها القلب
علام أُسلي النفسَ عنك وفيك لي ... علائقُ منها هدَّ مهجتيَّ الحبُ:
هواؤك لولا صحةٌ في هبوبه ... وماؤك لولا أنه باردٌ عذبُ

الأحد، 4 مايو 2008

والله ما وُزرِتَ وبَقَيَ أحد!

الوزير نجم الدين سليم بن محمّد بن مصال، كان شهماً مقداماً، تولىّ وزارة الملك الظافر الفاطمي نحواً من خمسين يوماً، ثم قُتل عام 544. كان ابن مصال من أهل برقة، وخدم أولاً في البيزرة – أي تربية البزاة والصقور - والصيد هو وأبوه، فتقدم في الخدم حتى نال الوزارة.

واتفق أنه مرّ في وزارته مرةً فقالت له امرأة كانت تعرفه في حال فقره: سليم؟ ووُزِرت؟ فقال لها: نعم. قالت: والله ما وُزرِتَ وبَقَيَ أحد! فضحك وأمر لها بصلة.

السبت، 3 مايو 2008

اللهم أدِّ عني أمانتي

كان رجل من أهل البصرة قد أودع وديعة عند أبي عبد الله الحسين بن المبارك الزبيدي البغدادي المولد والدار المتوفى سنة 631 هجرية، وقال له: اذا بلغ أولادي سلمها إليهم – وكأنه كان مُشفياً على الموت - ولم يعلم بها أحد، فاحتاج الحسين إليها فأنفقها، وسار الى الشام وحدّث بها، وحصل له بالشام ذهبٌ فعزل الوديعة، واتفق أنه قدم بغداد من الشام وهو مريض، فقال لولده عمر: في عنقي أمانة، أريد أن أنزِعَها من عُنُقي وأجعلها في عُنُقك، فقال: وما هي؟ قال: لبني فلان البصري عندي مائتا دينار وهي هذه لا يعلمها أحد إلا الله توصلها إليهم، وأخاف أن لا أصح، فتسلمها ابنه منه.

ومات الحسين في تلك الليلة، فمضى ولده وسأل عن أولاد ذلك الشخص المودع، فوجد عليهم ديوناً قد لزّهم الخصوم فيها ولهم آدُرٌ – أي دور - قد عزموا على بيعها ووجدهم متودرين من الخصوم – أي واقعين في الهلاك منهم - فقال لبعض الجيران حين سأل عنهم: إن لهم عندي ذهباً، فاجتمعوا به وسلم إليهم الوديعة فوفوا دينهم، وسلمت أملاكهم.

قال الراوي: فاجتمعت بابنه وسألته عن ذلك، فشقّ عليه سؤالي، ثم أخبرني به، قال: وكان الحسين كثيرا ما يدعو اللهم أدِّ عَنْي أمانتي

الجمعة، 2 مايو 2008

تكفى همك ويغفر لك ذنبك

روى الترمذي عن الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه.

قال أُبيّ: قلت: يا رسول الله إني أُكْثِرُ الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئت، قال قلت: الربع؟ قال: ما شِئْتَ، فإن زِدْتَ فهو خيرٌ لك، قلت: النصف؟ قال: ما شِئْتَ، فإن زِدْتَ فهو خيرٌ لك، قال: قلت: فالثلثين؟ قال: ما شِئْتَ، فإن زِدْتَ فهو خيرٌ لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها. قال: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ

قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله: هذا حديث حسن صحيح

الخميس، 1 مايو 2008

ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي

قال القاضي سوار بن عبد الله العنبري: ما رأيت أحداً أعلم من ربيعة الرأي، قيل: ولا الحسن البصري وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين، وما كان بالمدينة رجل أسخى بما في يديه لصديق أو غيره من ربيعة الرأي: أنفق على إخوانه أربعين ألف درهم، ثم جعل يسأل إخوانه، فقيل له: أذْهبتَ مالَكَ وأنت تُخلِقُ جاهك! فقال: لا يزال هذا دأبي ما وجدتُ أحداً يغبطني على جاهي.

قال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأي، فكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذاك الطاق؟ فأتينا ربيعة فأنبهناه وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم، قلنا: أنت الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم،، فقلنا: كيف حَظيَ بك مالك وأنت لم تحظ بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالاً من دولة خيرٌ من حِملِ علم!

قيل له: ربيعة الرأى، لأنه كان يعرف بالرأى والقياس، ,كان رحمه الله أستاذ أبي حنيفة، وتوفي في سنة ست وثلاثين ومائة بأرض الأنبار من العراق، وقال مالك بن أنس: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي.

الأربعاء، 30 أبريل 2008

لا يطيب العيش للمشتاق

الله يجمع بيننا في غبطة * ويزيل وحشتنا بقرب تلاق
ما طاب لي عيش فديتك بعدما * ناحت عليَ حمامةٌ بفراق
إن الإله لقد قضى في خلقه * أن لا يطيب العيش للمشتاق

الثلاثاء، 29 أبريل 2008

رحمة شاملة لجنس الإنس

وكان قد شاع الخبر بأن ملوك الفرنج واصلون، وهم حاشدون حافلون، فوصل ملك إفرنسيس فيليب في ثاني عشر ربيع الأول 587 في ست بطس – أي سفن تجارية - عظام، مملوءة بفوارس ذوي إقدام، فقلنا: ما أحمل الماء لأهل النار، وما أجلبه للدوائر إلى الديار، وكان عظيما عندهم من كبار ملوكهم، ينقادون له بحيث إذا حضر حكم على الجميع، وما زالوا يتواعدونا به حتى قدم.

وصحبه من بلاده باز عظيم عنده، هائل الخلق، أبيض اللون، نادر الجنس، وكان يعزه ويحبه حبا عظيما، فطار من يده حتى سقط على سور عكا، فاصطاده أصحابنا، وأنفذوه إلى السلطان، وبذل الفرنج فيه ألف دينار فلم يجابوا. ولقد رأيته وهو يضرب إلى البياض مشرق اللون ما رأيت بازيا أحسن منه.

وكان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام العدو، فيسرقون منهم حتى الرجال ويخرجون، فأخذوا ذات ليلة طفلا رضيعا له ثلاثة أشهر، فلما فقدته أمه باتت مستغيثة بالويل والثبور في طول تلك الليلة حتى وصل خبرها إلى ملوكهم، فقالوا لها إن السلطان صلاح الدين رحيم القلب، وقد أذِنا لك في الخروج إليه، فاخرجي واطلبيه منه فانه يرده عليك.

فخرجت تستغيث لليزك – أي طليعة الجيش - الإسلامي وأخبرتهم بواقعتها، فأطلقوها وأنفذوها إلى السلطان، فأتته وهو راكب على تل الخروبة، وأنا في خدمته وفي خدمته خلق عظيم، فبكت بكاءً شديداً ومرغت وجهها في التراب، فسأل عن قصتها فأخبروه، فَرَقَ لها ودمعت عينه، وأمر باحضار الرضيع، فمضوا فوجدوه قد بيع في السوق، فأمر بدفع ثمنه إلى المشتري وأخذه منه، ولم يزل واقفا رحمه الله حتى أُحضر الطفلُ وسلم إليها، فأخذته وبكت بكاء شديداً، وضمته إلى صدرها، والناس ينظرون إليها ويبكون، وأنا واقف في جملتهم فأرضعته ساعة، ثم أمر بها فحملت على فرس وألحقت بمعسكرهم مع طفلها. فانظر إلى هذه الرحمة الشاملة لجنس الإنس، اللهم إنك خلقته رحيماً فارحمه رحمة واسعة آمين.

الاثنين، 28 أبريل 2008

شجون الفقهاء: ناسخ الحديث ومنسوخه

قال الإمام محمد بن شهاب الزهري، المتوفى 124 هجرية ومن أول من دوّن الحديث: أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناسخه من منسوخه.

وكان الزهري لا يترك أحدا يكتب الحديث بين يديه، فأكرهه الخليفة هشام بن عبد الملك فأملى من حديثه على بنيه، فلما خرج من عنده دخل المسجد، فأسند ظهره إلى عمود من عمده ثم نادى: يا طلبة الحديث، فلما اجتمعوا إليه قال: إني كنت منعتكم أمراً بذلته لأمير المؤمنين آنفا؛ هلم فاكتبوا. فكتب عنه الناس من يومئذ.

قال الإمام مالك بن أنس: مات العلم يوم مات الزهري، وإن كتبه حملت على البغال.

الأحد، 27 أبريل 2008

عملته لله فما أريد به سواه جزاءً

كان الفرنج مذ نزلوا على عكا صمموا على الإقامة والحصر، فشرعوا في بناء الأبراج العظام العالية، ونقلوا في البحر آلاتها وأخشابها الجافية وأقطاع الحديد، وبنوا ثلاثة أبراج عالية في ثلاثة مواضع من أقطار البلد، فتعبوا فيها سبعة أشهر فلم يفرغوا منها إلا في ربيع الأول 586، فعلت كأنها ثلاثة أطواد قد ملئت طبقاتها بعدد وأعداد، وكل برج لا بد له في أركانه من أربع أسطوانات عاليات غلاظ جافيات، طول كل واحدة خمسون ذراعا، ليشرف على ارتفاع سور البلد، وبَسَطوها على دوائر العجل، ثم كسوها بعد الحديد والوثوق الشديد بجلود البقر والسلوخ، وكل يوم يقربونها ولو ذراعا على حسب التيسير في تسييرها، وسقوها بالخل والخمر وكشفوا من جوانبها الثلاثة سور البلد، وشرعوا في طم الخندق.

وجاء عوّام سباحة من عكا فأخبر السلطان صلاح الدين، فركب بالعسكر ولازمهم من الجمعة إلى الجمعة، يقاتلهم صباحا ومساء ليشغلهم، فافترقوا قسمين فريق للقتال وفريق آخر مع الأبراج، فأشفى البلد على السقوط، وبقي له رمق ضعيف، ورميت الأبراج بكل قارورة نفط فما أثرت.

وكان بعكا شاب من أهل دمشق يعرف بعلي ابن عريف النحاسين، وكان أبدا بجمع آلات الزراقين مولعا، ولتحصيل عقاقيرها متتبعا، وكل من عرفه عذله - أي عاتبه - وينكر عمله، وكان قد ألف منها مقادير وقدورا، وملأ بغيظٍ من أهل تلك الصناعة صدورا، ولم يكن النفط من صناعته، ولكن الله وفقه لسعادته، فجاء إلى الأمير قراقوش وهو مغتاظ، وأخلاقه فظاظ غلاظ، وقال: تأذن لي في تصويب المنجنيق، لأحرق البروج، والله ولي التوفيق. فزجره وزبره، ونهاه ونهره، وقال: صنّاع هذا الشغل قد خاروا وحاروا، وبعدما أنجدوا غاروا! فقال الناس: دعه وشأنه، وما يدريك أن الله وفقه وأعانه؟

فرمى ابن العريف البرج الأول قدورَ نفط خالية من نار حتى عرف أنه سقاه ورواه، ثم رماه بقدر محرقة، وأردفها بأخرى مزهقة، فتسلطت النار على طبقاتها، فأضرم على أهل السعير سعيرا، وكان يوما على الكافرين عسيرا، ثم أحرق الثاني والثالث، فاجتمع عليه الأصحاب يفدّونه – أي يقولون له فداك نفسي - ومن أولياء الله يَعُدُونه، وحملوه بعد ذلك إلى السلطان فلم يقبل عطاء، وقال: عملته لله فما أريد به سواه جزاءً.

السبت، 26 أبريل 2008

لئلا يعتادوا من الصغر سفك الدم

وفي تاسع ربيع الأول 587 بلغ السلطان صلاح الدين الأيوبي أن العدو يخرج منه طائفة للاحتشاش - أي جمع الحشيش - فأمر أخاه الملك العادل أن يكمن بالعسكر خلف التل الذي كانت فيه الوقعة المعروفة به، وسار هو فكمن وراء تل العياضية ومعه من أولاده الصغار والقاضي الفاضل، ونذر الفرنج – أي جاء من أنذرهم - فلم يخرج منهم أحد.

ووصل في أثناء ذلك اليوم خمسة وأربعون أسيرا من الفرنج أخذوا في بيروت، فيهم شيخ كبير هرم لم يبق في فمه ضرس، ولم يبق فيه قوة إلا مقدار ما يتحرك فسأله السلطان عن مجيئه، فقال: للحج إلى قمامة – أي كنيسة القيامة - وبيني وبين بلادي مسيرة أشهر، فَرَقَ له صلاح الدين وأطلقه، وأعاده إلى العدو راكبا على فرس، وطلب أولاد السلطان الصغار أن يأذن لهم في قتل أسير، فلم يأذن وسئل عن ذلك فقال: لئلا يعتادوا من الصغر سفك الدم ويهون عليهم.

الجمعة، 25 أبريل 2008

فإنه جنتك ونارك

روى الإمام أحمد والنسائي عن الحصين بن محصن الأنصاري، عن عمة له أنها أتت رسول الله صلى عليه وسلم لحاجة لها، فلما فرغت من حاجتها قال: أذات زوج أنت؟ قالت: نعم. قال: فكيف أنتِ له؟ قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه، قال: فانظري أين أنت منه فأحسني، فإنه جنتك ونارك.

الخميس، 24 أبريل 2008

لم يخلف في خزائنه سوى سبعة وأربعين درهما

فلما كانت ليلة السبت 16 من صفر سنة 589، نزل بالسلطان صلاح الدين الأيوبي مرض، فأمر يوم السبت ولده الأفضل أن يجلس على الطعام، فجلس في موضع السلطان، واستمر السلطان في تزايد من المرض إلى ليلة الأربعاء 17 صفر، فاحتُضِر ومات بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء المذكور، فركب الأفضل ، ودار في الأسواق ، وطيّب قلوب العامة.

وكان صلاح الدين رحمه الله كثير التواضع، قريبا من الناس، كثير الاحتمال، شديد المداراة، محباً للفقهاء وأهل الدين والخير محسناً إليهم، مائلاً إلى الفضائل، يستحسن الشعر الجيد ويردده في مجلسه، ومَدَحه كثير من الشعراء، وانتجعوه من البلدان.

وكان شديد التمسك بالشريعة، سمع الحديث من أبي الحسن علي بن إبراهيم بن المسلم بن بنت أبي سعد، وأبي محمد بن بري النحوي، وأبي الفتح محمود بن أحمد الصابوني، وأبي الطاهر السِلَفي، وابن عوف، وجماعة غيرهم.

وكان كريماً: أطلق من الخيل بمرج عكا لمن معه اثني عشر ألف رأس ، سوى أثمان الخيل التي أصيبت في الجهاد، و لم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به ، وصاحبه ملازم في طلبه.

وكان ورعاً: رأى يوماً العماد الكاتب يكتب من دُواة محلاة بالفضة فأنكرها، وقال هذا حرام، فلم يعد يكتب منها عنده. وكان لا يصلى إلا في جماعة، وله إمام راتب ملازم، وكان يصلي قبيل الصبح ركعات إذا استيقظ، وكان يسوي في المحاكمة بين أكبر الناس وبين خصمه.

وكان شجاعا في الحروب، يمر في الصفوف وليس معه سوى صبي. وقرىء عليه جزء من الحديث بين الصفين، وهو على ظهر فرسه، وكان ذاكراً لوقائع العرب وعجائب الدنيا، ومجلسه طاهر من المعايب، رحمه الله وغفر له .

ولما مات جلس الأفضل للعزاء، وكثر بكاء الناس عليه، وغسّله الفقيه خطيب دمشق، أخرج بعد صلاة الظهر، وصلى الناس عليه أرسالا – أي أفواجاً - ودفن بداره التي مرض فيها بالقلعة، ثم نقل في يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة إلى تربة بنيت له بجوار جامع بني أمية.

وكان عمر صلاح الدين يوم مات نحواً من سبع وخمسين سنة، ومدة ملكه اثنتان وعشرون سنة وأيام. وترك من الأولاد سبعة عشر ذكرا وبنتا واحدة صغيرة، ولم يخلف في خزائنه سوى سبعة وأربعين درهما، ولم يترك دارا ولا عقارا.

الأربعاء، 23 أبريل 2008

أظننت أن البلاد تباع؟

كان السلطان صلاح الدين الأيوبي - المتوفى سنة 589 هجرية عن 57 سنة - يعظم أخاه الملك العادل – وهو أصغر منه بسنتين، وتوفي سنة 615 هجرية - ويعمل برأيه في جميع أموره ويتيمن بمشورته، ولا يُعلم بأنه أشار على السلطان بأمر فخالفه، وكان السلطان يجمع الأمراء للمشورة فإن كان العادل حاضراً سمع من رأيه، وإن لم يكن حاضراً لم يقطع أمراً في المهمات حتى يكاتبه بجلية الأحوال ثم يسمع رأيه فيها.

فلما حصل العادل بمصر وبَعُدَ عن السلطان، صار السلطان يتكلف في مكاتبته بالأخبار، ويؤخر الأمور إلى أن يرد عليه جوابه، فيفوته بذلك كثير من المنافع الحاصلة للدولة وللجهاد، فلما حاصر صلاح الدين الكرك كاتَبَه بالحضور إليه بعياله وأمواله وجميع أصحابه، وولى مصرَ ابنَ أخيه الملك المظفر تقي الدين.

ولما حَصَلَ الملكُ العادل عند أخيه صلاح الدين بأمواله وأثقاله، كانت الأموال قد قلت على السلطان، وقد حصلت عنده عساكر عظيمة، فأحضر العادل ليلا وقال: أريد أن تقرضني مئة وخمسين ألف دينار إلى الميسور، فقال: السمع والطاعة، ثم قام وخرج من عنده وكتب إليه يقول: أموالي جميعها بين يديك، وأنا مملوكك، وأشتهي أن أحمل هذا المال إلى خدمة السلطان، ويكون عوضاً عنه مدينة حلب وقلعتها. فأجابه السلطان: إنني والله ما أقدمتك إلا لأوليك حلب، وإذ قد اقترحت ذلك فقد وافق ما عندي، فلما أصبح العادل أنفذ المال وسأل السلطان أن يكتب له بمدينة حلب كتاباً ويجعله ككتاب البيع والشراء، فامتنع السلطان وقال: إنما تكون حلب إقطاعا والمال علي له! فاعتذر العادل إلى السلطان عن طلبه، ولما اجتمعا قال له السلطان: أظننت أن البلاد تباع؟! أوما علمت أن البلاد لأهلها المرابطين بها، ونحن خَزَنة للمسلمين ورعاة للدين وحراس لأموالهم، أو ما علمت أن السلطان ملكشاه السلجوقي لما وقف طبرية على جامع خراسان، لم يحكم به أحد من القضاة ولا من الفقهاء!

ثم قرر السلطان ولاية العادل بحلب وأعمالها إلى رعبان إلى الفرات إلى حماة، وكتب له التوقيع، وقرر عليه مالاً يحمله برسم الزردخاناه وخزانة الجهاد ورجالة من الحلبيين، ورحل السلطان إلى دمشق، واستدعى ولده الظاهر من حلب، فلما حضر أمره بالعود إلى حلب وتسليمها إلى عمه العادل، ففعل وعاد إلى دمشق وسار العادل إلى حلب، فالتقيا بالرستن وباتا فيه، فكانت مدة ولاية الظاهر بحلب في هذه النوبة نحو ستة أشهر، ولما وصل الظاهر إلى دمشق أقبل على خدمة والده والتقرب إليه إلا أن الانكسار لخروج حلب من يده ظاهر عليه، وهو مع ذلك لا يظهر شيئاً إلا الطاعة لوالده والانقياد لمرضاته.

قال الملك الظاهر ابن صلاح الدين: لما بلغني أن السلطان ولى حلب للملك العادل، جرى علي ما قَدِمَ وما حَدِثَ، وأصابني من الهم ما لم أقدر على النهوض به، ووددت أني لم أكن رأيتها ولا دخلت إليها، لأن قلبي أحبها وقبلها وطاب لي هواؤها، ولما فارقتها كنت أحن إليها واشتاقها.

الثلاثاء، 22 أبريل 2008

تغلب على الفالج

علي بن أحمد بن الأثير الحلبـي الأصل المصري، ولد فى حدود الثمانين وستمائة، وتعانى الخِدَمَ الديوانية، وباشر الديوان، وكتب الإنشاء، كان كاتب سر السلطان الناصر محمد بن قلاوون في القاهرة، وبلغ عنده ما لم يبلغه غيره حتى كان يأمره أن يكتب إلى نواب الشام بأشياء يأمرهم بها عن نفسه، فعظم قدره جدا.

وباشر الوظيفة مباشرة جيدة، وكان يركب فى ستة عشر مملوكا من الأتراك، وكانوا يقومون بالديوان سماطين - أي صفين - ولا يتكلم مع أحد منهم إلا بالتركية وهم يترجمون عنه للناس، وكان يكتب خطاً قوياً منسوباً، وله اقتدار على إصلاح اللفظة وإبرازها من صورة إلى صورة، وما كان يخرج من الديوان كتاب حتى يتأمله، ولا بد أن يزيد فيه شيئا.

و
لم يزل في سعادته إلى أن حصل له مبادئ فالج، ثم تزايد به وظهر ذلك للسلطان، فصبر عليه إلى أن أراد يوما أن يقوم من بين يديه فسقطت الدواة من يده، فتألم له السلطان وأعفاه من الوظيفة، وعالجه الأطباء فلم ينجع بل تزايد إلى أن صار لا يتحرك منه شىء أصلاً إلا جفونه، فكان إذا أراد شيئاً قرأ له خادمه حروف المعجم، فإذا مر بحرف هو أول الكلمة أطبق جفنه، ثم يعود الى أن يتحصل له كلمة بعد كلمة فيعرف منها مراده، ولم يطل ذلك بل مات فى منتصف المحرم سنة ثلاثين وسبعمائة رحمه الله تعالى.

 
log analyzer