الجمعة، 10 أبريل 2015

حدث في التاسع عشر من جمادى الآخرة

في التاسع عشر من جمادى الآخرة من عام 739 صدر أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بتعيين قاضي القضاة تقي الدين علي بن عبد الكافي السُّبكي قاضياً للشافعية على دمشق، وذلك بعد وفاة قاضي القضاة جلال الدين القزويني فغادر القاهرة إلى دمشق وأمضى فيها 16 سنة وشهراً، ثم عاد مريضاً إلى القاهرة ليتوفى فيها في سنة 756.
ولد تقي الدين السبكي في مستهل صفر من سنة 683 في سبك، وهي قرية من أعمال المنوفية بمصر، وتنتمي أسرته إلى بطن من قبيلة الخزرج الأنصارية يقال له أسلم، وكانت أسرة عريقة في العلم والفضل فجده الثاني كان يلقب بالوزير، أما والده زين الدين عبد الكافي فكان من علماء العصر وفضلائه، أدرك الإمام الكبير تقي الدين ابن دقيق العيد، محمد بن علي، المولود سنة 625 والمتوفى سنة 702، وصحبه وأخذ عنه وتأثر به، ولما قبل ابن دقيق العيد منصب قاضي القضاة في سنة 695 جعل الوالد من أعيان نوابه إذ ولاه قضاء الشرقية والغربية. وتوفي والده في سنة 735  ثم توفيت والدته بعده بأربعين يوماً.
وكان كثير من أقاربه قبله وبعده من العلماء والقضاة، ومنهم عمه يحيى بن علي، المتوفى سنة 725، فقدكان إماماً عارفاً بأصول الفقه، وتولى قضاء المحلة، ودرَّس بالمدرسة السيفية في القاهرة ثم باشرها بعده تقي الدين.
وقد توجه تقي الدين منذ صغره إلى العلم وانصرف عن اللهو واللعب، حكى عنه ابنه الإمام تاج الدين: أنه كان يخرج من البيت صلاة الصبح فيشتغل على المشايخ إلى أن يعود قريب الظهر، فيجد أهل البيت قد عملوا له فروجا، فيأكل؛ ويعود إلى الاشتغال إلى المغرب؛ فيأكل شيئاً حلوا لطيفاً، ثم يشتغل بالليل؛ وهكذا لا يعرف غير ذلك، وكأن الله قد أقام والده ووالدته للقيام بأمره، فلا يعرف شيئاً من حال نفسه، وعجب أبوه من هذا التوجه الجاد والانغماس في العلم، فأشار على أمه أن تعطيه درهما أو درهمين عله أن يرى في السوق شيئا يشتهيه فيشتريه، فعقدت له أمه منديلا على نصف درهم، وهو يروح به ويغدو، إلى أن ضاق بحمله، فألقاه إلى أمه، وقال لها: ما شأني بهذا، وما أصنع به؟
وتفقه تقي الدين على والده وحفظ مختصر أبي إسحاق الشيرازي في فروع الفقه الشافعي المسمى التنبيه، وكان والده يصطحبه في زيارته للعلماء في القاهرة، مثل ابن دقيق العيد والوزير الفقيه ابن بنت الأعز، عبد الرحمن بن الوهاب، المتوفى سنة 695، فأتى به والده إلى القاهرة وفي نيته أن يتركه فيها لطلب العلم، ولكن ابن دقيق العيد أشفق على الشاب الصغير فقال لأبيه: عد به إلى البلد حتى يصير فاضلاً. فعاد به ولم يأت تقي الدين للقاهرة إلا بعد وفاة ابن دقيق العيد في سنة 702،  وهكذا فاته ما كان يتطلع إليه والده من صحبة الإمام ابن دقيق العيد والأخذ عنه وهو في آخر العمر، رحمه الله.
وجاء تقي الدين إلى القاهرة ودرس فيها على عدد من كبار مشايخها، واهتم بالحديث والرواية، فسمع على عدد كثير من المحدثين من أبرزهم صديق والده المحدث الحافظ شرف الدين الدمياطي، عبد المؤمن بن خلف، المولود بدمياط سنة 613 والمتوفى بالقاهرة سنة 705، والذي ضم معجم شيوخه نحو 1300 شيخ، وقال عنه الذهبي: كان مليح الهيئة، حسن الخلق، بساما، فصيحا لغويا مقرئا، جيد العبارة، كبير النفس، صحيح الكتب، مفيدا جدا في المذاكرة. ولازم تقي الدين الحافظ الدمياطي ولم يتخلف عن درسه بالمدرسة المنصورية، ولكن الشيخ الهرم توفي دون أن يشبع تقي الدين نهمته من علم الحديث، فاتجه للأخذ عن سعد الدين الحارثي العراقي ثم المصري، مسعود بن أحمد، المولود بالحارثية قرب بغداد سنة 652 والمتوفى بالقاهرة سنة 711.
ودرس تقي الدين علوم العربية على أبي حيان الأندلسي، محمد بن يوسف، المولود بغرناطة سنة 654 والمتوفى بالقاهرة سنة 645، وقرأ عليه كثيراً من كتب النحو مثل كتاب سيبويه وكتاب ابن عصفور وغيرهما، وكان من كبار العلماء بالعربية والتفسير والحديث والتراجم واللغات، واسع الحفظ راوية للشعر واللغة والقراءات.
وكان من آخر شيوخه نجم الدين ابن الرفعة، أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، المولود سنة 645 والمتوفى سنة 710، والفقيه الشافعي ومحتسب القاهرة، والذي نُدب لمناظرة ابن تيمية، فسئل ابن تيمية عنه بعد ذلك، فقال: رأيت شيخا يتقاطر فقه الشافعية من لحيته! وكان ابن الرفعة يعامل تلميذه معاملة الأقران، ويبالغ في تعظيمه، ويعرض عليه ما يصنفه في المطلب، وقال عنه: إمام الفقهاء. وقال عنه المحدث الحافظ شرف الدين الدمياطي: إمام المحدثين. فلما بلغ ذلك أستاذه في الأصول علاء الدين الباجي، علي بن محمد، المولود سنة 631 والمتوفى سنة 714، قال: وإمام الأصوليين.
وأخذ تقي الدين السبكي التصوف والسلوك عن ابن عطاء الله السكندري، أحمد بن محمد، المتوفى سنة 709، وكان قد ترك الإسكندرية وسكن القاهرة، وتأثر به تقي الدين تأثراً واضحاً في شخصيته وكثير من مواقفه وأقواله.
ورحل تقي الدين السبكي في طلب العلم والحديث إلى الإسكندرية ليسمع من محديثها، ثم رحل إلى الشام في سنة 706، ومكث في الشام قرابة سنة سمع من أئمتها أمثال الذهبي والمزي والبرزالي وابن الموازيني وابن مشرف، وأعجب هؤلاء الأعلام بالعالم الشاب ومشاركاته في المناظرات التي تثور في مجالسهم.
وعاد تقي الدين السبكي إلى القاهرة وألقى فيها رحاله، وبدأ في التدريس والتصنيف، وممن درس عليه العالم المؤرخ المحدث الحنفي مُغْلطَاي بن قَلِيج البكرجي، المولود سنة 689 والمتوفى سنة 762، وبدأت شهرته في الفقه الشافعي تزيد حتى صارت الأسئلة والفتاوى تأتيه من خارج مصر، وفي سنة 716 أدى فريضة الحج وزار المدينة المنورة، ولفترة وجيزة تولى مشيخة جامع ابن طولون ثم ما لبثت أن أعطيت لغيره في سنة 719، وكانت هذه المناصب مطمع كثير من العلماء ممن يستحقها أو لا يستحقها، وكان كثير منهم يطرقون أبواب كبار الأمراء لمساعدتهم في الحصول على هذه المشيخة أو تلك، ولكن تقي الدين لم يطرق باب أحد في نيل الوظيفة أو استرجاعها، بل عاد إلى دروسه وتآليفه، وقال في ذلك أبياتاً منها:
كمال الفتى بالعلم لا بالمناصب ... ورتبة أهل العلم أسنى المراتب
هم ورثوا علم النبيين فاهتدى ... بهم كلُّ سار في الظلام وسارب
ولا فخر إلا إرث شرعة أحمد ... ولا فضل إلا باكتساب المناقب
وبحث وتدقيق وإيضاح مشكل ... وتحرير برهان وقطع مغالب
وعادت إليه مشيخة ابن طولون ثانية في سنة 727 وبقيت في يده إلى سنة 739 حين اختير لقضاء الشام، كما ذكرنا في أول الحديث.
وفي سنة 723 أعطي تقي الدين السبكي وظيفة التدريس بالمدرسة المنصورية بالقاهرة عوضا عن القاضي جمال الدين الزرعي، سليمان بن عمر، المولود بأذرعات/درعا سنة 645 والمتوفى بالقاهرة سنة 734، والذي عين قاضياً في دمشق، ثم أعطي السبكي بعدها في أواخر السنة مشيخة دار الحديث الظاهرية بالقاهرة، بعد أخذها من ابن أستاذه: عبد العظيم بن الحافظ شرف الدين الدمياطي، ولم يدم السبكي في هذه سوى شهر ثم أعطيت لفتح الدين بن سيد الناس اليعمري، وكذلك لم يطل مقام الزرعي في دمشق، فقد عاد معزولا بسبب خصومة بينه وبين قاضي الحنابلة، ولم يعيده السلطان إلى منصبه السابق بالمنصورية، وكان الزرعي صديقاً للأمير أرغون المنصوري نائب السلطنة الذي كان حينها في الحجاز، فعزم على أن يعيد صديقه إلى المدرسة وأعلن ذلك على ملأ من الناس مهدداً ومتوعداً، وكان راتب المدرسة الرزق الوحيد للسبكي،  ولكن السلطان الملك الناصر قبض على أرغون عندما عاد من الحجاز ثم أرسله نائباً على حلب، وبقي السبكي في المدرسة.
وفي هذه الفترة كتب السبكي كتابين كان لهما وقع كبير في ذلك الوقت بسبب موضوعيهما وبسبب أسلوبه فيهما الهادئ المبني على الحجة والبرهان والبعيد عن الشطط والتجريح، وهما كتابه في الرد على الإمام تقي الدين ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، المولود سنة 661والمتوفى سنة 728، في قوله إن الحلف بالطلاق يقع موقع اليمين فلا يقع الطلاق وفيه كفارة، وكتابه شفاء السقام في زيارة خير الأنام والرد على منكري ذلك، وقد رد فيه قول ابن تيمية إن الغرض من زيارة المدينة  ينبغي أن يكون  زيارة المسجد النبوي والصلاة فيه، وأن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم هي تبع لذلك ولا يجوز أن تكون أصل الزيارة وشد الرحال.
وكانت هاتان القضيتان المختلف عليهما إلى اليوم، على رأس القضايا التي شغلت مجامع العلماء في تلك الفترة ذلك، إن الإمام ابن تيمية خالف فيهما الرأي السائد المألوف، وجهر برأيه فيهما في دمشق بأسلوبه المعروف في الشدة، وانقسم العلماء ومن حولهم فرقتين مؤيدين ومعارضين.
وعلى الأغلب فإن تقي الدين السبكي التقى بابن تيمية في مصر، ورغم رده عليه في هاتين المسألتين وغيرها، إلا أنه كان يقر لابن تيمية بالعلم والفضل، ولا يشتط في عداوته كما فعل عدد من المشايخ، فقد عاتب الذهبيُّ، وهو تلميذ ابن تيمية،  السبكيَّ بسبب كلام وقع منه في حق ابن تيمية، فكان من جملة ما أجابه: فالمملوك يتحقق كبير قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم النقلية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائماً، وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجلّ، مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة ونصرة الحق والقيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان، بل من أزمان.
وممن أخذ عن السبكي الفقه في الفترة السابقة لرحيله إلى دمشق الإمام سراج الدين البلقيني، عمر بن رسلان، المولود سنة 714 والمتوفى سنة 805، والذي أعجب بأستاذه لدرجة أنه لما شرب من ماء زمزم سأل الله أن يكون مثل تقي الدين السبكي، ومن التقديرات أن يصبح سراج الدين البلقيني قاضي القضاة بدمشق في سنة 760 ويحل محل ابن أستاذه؛ تاج الدين السبكي.
ولم يكن السبكي في انقطاعه للتدريس منقطعاً عن الناس وكبار الدولة وبخاصة صالحيهم، فقد كان على صلة طيبة بالأمير جنكلي بن محمد، المولود سنة 765 والمتوفى سنة 746، والذي كان أمير رأس العين في شمالي سورية من طرف الملك المغولي قازان، ثم جاء إلى القاهرة في سنة 704 بطلب من السلطان، وأعطي إقطاعات تليق بإمارته، وكان صاحب عبادة، وكان ينفع العلماء والصلحاء والفقراء، وله إلمام بالفقه يحب العلماء ويطارحهم، وقد قال عنه تقي الدين السبكي في تاريخه: وكان قد جمع العقل والدين والدنيا والرتبة العلية، ليس في الأمراء أكبر منه ولا أنفذ كلمة، وامتنع من الحكم بعد أن عرضت عليه النيابة مرات، وكان لا يدخل إلا في خير، وكان يحبنا ونحبه.
وكان تقي الدين السبكي على علاقة طيبة كذلك بالأمير آلجاي الدويدار الناصري، المتوفى سنة 732، وكان معروفاً في منصبه بالعفة والنزاهة والتأني، وكان متأدباً فاضلاً حسن الخط يحفظ كثيراً من المسائل، واقتنى كتباً نفيسة إلى الغاية، وكان السبكي يلازمه ويبيت عنده.
وكان الأمير شهاب الدين أحمد بن بيلبك المحسني، ابن نائب السلطان بالإسكندرية، والمتوفى سنة 753، يميل إلى العلم والأدب، ويتعانى النثر والنظم، وجاء إلى دمشق ليكون في ظل أميرها العظيم سيف الدين تنكز، والذي كان نائب الملك في دمشق من سنة 712 إلى أن قتله السلطان سنة 750، وكان المحسني قد نظم أغلب مسائل الفقه الواردة في كتاب التنبيه، فكان يعرضها على تقي الدين السبكي ليراجعها ويوجهه إلى إتقانها.
وفي سنة 739 توفي، عن 73 سنة، القاضي جلال الدين القزويني الأصل الموصلي المولد، محمد بن عبد الرحمن بن عمر، بعد أن ولي قضاء دمشق نحو سنة، فأصدر السلطان الملك الناصر أمره بتعيين تقي الدين السبكي في هذا المنصب، وهو أول منصب حكومي يتولاه السبكي، فكان نقلة كبيرة في حياته، من التعليم والتأليف والعيش في بساطة بين الكتب ومع الطلبة وتوفر الوقت للبحث والتصنيف، إلى لُـجة القضاء والتعرض لضغوط الأمراء وأهواء ذوي النفوذ، والتقيد بأبهة المنصب وهيبته، وضياع الأوقات في سماع الدعاوى وأقوال الخصوم، ويبدو أنه لم يقبل المنصب إلا بعض إلحاح من السلطان، كما هو المتوقع، لأن ابنه تاج الدين يقول في هذا الصدد: فقبِلَ الولايةَ يا لها غلطة أُف لها، وورطة ليته صمم ولا فعلها!
ولتقي الدين السبكي في هذا الموضوع بيتين:
إن الولاية ليس فيها راحة ... إلا ثلاثٌ يبتغيها العاقلُ
حكم بحق، أو إزالة باطل ... أو نفع محتاج؛ سواها باطل
وبعد تعيين السبكي بحوالي سنة ونصف توفي السلطان الملك الناصر في آخر سنة 741 وخلفه بعهد منه ابنه أبو بكر وتلقب بالملك المنصور، وكان في العشرين، وظهر من الملك الجديد انصراف عن مهام الحكم إلى اللذات والشهوات فخلعه الأمراء بعد شهرين وأعدموه، وجعلوا مكانه أخاً له طفلاً عمره دون ست سنين، ثم خلعوه بعد 5 أشهر، وبايعوا أخاه أحمد الذي أتوا به من الكرك، وكانت سنه 32 سنة، وتلقب بالملك الناصر، وقام على عقد البيعة بينه وبين الخليفة العباسي الحاكم بأمر الله الشيخ تقي الدين السبكي الذي جاء من دمشق إلى القاهرة.
وأساء الملك الجديد التصرف فقد قتل جماعة من أمراء الجيش كانوا في السجن، ثم جمع أموالا من الخزائن السلطانية وتحفها وعاد إلى الكرك، وظهرت أخباره في الانغماس في اللهو، فكتب قواد الشام إلى قواد مصر في خلعه، فخلعوه في أوائل سنة 743 ، وكانت مدة حكمه 72 يوماً، وولوا أخاه إسماعيل، وكانت سنه حوالي 17 عاماً، وتلقب بالملك الصالح، وأرسلوا الأمراء الجيش لمحاصرة أحمد في الكرك، فقاتل حتى أمسكوه وقتلوه، وسار الملك الصالح بالحكم سيرة حسنة فصلحت أمور الدولة، ثم توفي في سنة 746.
وحدثت قصة مضحكة مبكية في غضون هذه الأحداث تدل على التدهور الذي آلت إليه أمور الدولة في حقبة المماليك عند الانتقال من ملك إلى ولي عهده، فقد سار الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري إلى الكرك ليأتي بالملك الناصر إلى مصيره المحتوم في القاهرة، وتحصن الناصر بقلعة الكرك، فحاصره قطلوبغا، وفي أثناء ذلك أرسل إليه أخوه الأمير طشتمر كتاباً من حلب ينكر عليه ما فعل، ويشير عليه أن يؤيد الملك الناصر،  ففعل وحلف له، وإزاء هذا الانقلاب خرج الطُنبغا نائب دمشق إلى حلب لقتال طشتمر نائبها،  فاغتنم قطلوبغا ذلك فترك الكرك وتوجه إلى دمشق.
وطلب قطلوبغا من القاضي تقي الدين السبكي أن يقرض ديوان السلطان شيئا من أموال الغياب التي تحت يده، فامتنع من ذلك امتناعا كثيرا، فجاء شادُّ الدواوين وبعض حاشية نائب السلطنة ففتحوا مخزن الأيتام وأخذوا منه الأموال، فأنفقها قطلوبغا على تجهيز العساكر وحلَّفهم للملك الناصر، وقصده الطنبغا من حلب بعساكر الشام وهم نحو تسعة عشر ألف فارس، فمال غالب العسكر إلى قطلوبغا وفر الطنبغا، ودخل قطلوبغا دمشق وأرسل إليه الناصر أحمد بإمارتها وذلك في شوال سنة 742، ثم غدر الناصر به وأراد إمساكه فهرب، ثم قُبض عليه فأمر الناصر بقتله في المحرم من سنة 744.
ولما تولى الملك الصالح الحكم أرسل على البريد يطلب القاضي تقي الدين السبكي إلى القاهرة لمحاسبته على إعطائه الأمير قطلوبغا هذا المبلغ ليجهز جيش التمرد، وكان ذلك بمكيدة من نائب السلطنة بدمشق الأمير أيدمش الناصري، والذي كان يكره تقي الدين السبكي، ومنعه من قبل أن يصلى معه الجمعة في المقصورة بالجامع الأموي، وذلك إن منصب الخطابة في الجامع الأموي شغر، فنهى الأمير الشيخ أن يسعى في تولي هذا المنصب، ويبدو أن الشيخ قد خالفه وسعى في الأمر، أو جاءه الأمر دون سعي، فغضب نائب السلطنة غضباً شديداً، ولما جاء خطاب السلطان أرسل إلى كبار مشايخها صورة سؤال يستفتيهم فيه بما يقتضيه حكم الشرع الحنيف بمن فعل مثل هذا الأمر، ولاحترام المشايخ الكبير لتقي الدين السبكي ومعرفتهم بحقيقة الواقعة، لم يكتب أحد على السؤال أية فتوى أو جواب، باستثناء القاضي الحنفي جلال الدين أحمد بن الحسن المولود سنة 651 والمتوفى سنة 745 .
ولما ذهب السبكي إلى القاهرة على البريد خرج الكبراء والاعيان لتوديعه وفي خدمته، وعاد بعد شهر وقد بقي في منصبه وجدد تعيينه في الخطابة، وشاء الله كذلك أن يموت الأمير في هذه الأثناء، فلم يشك كثير من الناس أن أيدغمش هلك بدعاء الشيخ تقي الدين السبكي عليه، وأثناء مقامه مع والده في مصر في هذه الرحلة قرأ تاج الدين ابن تقي الدين السبكي على شيخ والده من قبل؛ الإمام أبو حيان الأندلسي، قال تاج الدين: ولما توجهنا من دمشق إلى القاهرة في سنة 742 ثم أمرنا السلطان بالعود إلى الشام لانقضاء ما كنا توجهنا لأجله، استمهله الوالد أياما لأجلي، فمكث حتى أكملت على أبي حيان ما كنت أقرؤه عليه، وقال لي: يا بني هو غنيمة، ولعلك لا تجده في سفرة أخرى. وكان كذلك.
وهنا نشير إلى واقعة تشبه واقعة التسلط على أموال الأيتام حصلت مع قاضي صفد، شمس الدين الخضري، محمد بن عبد الحق، وكان قاضياً صارماً لا هزل عنده، وطلب منه أميرها اقتراض مبلغ من مال الأيتام بغير رهن، فلم يوافقه، فجرت بينهما مشادة كلامية فركب بغلته ليلا وقصد دمشق، فبلغ ذلك القاضي تقي الدين السبكي فتلقاه وأكرمه وجهزه إلى حمص قاضيا ومدرسا وخطيبا، وتوفي هذا القاضي الصارم سنة 747.
ونشير كذلك إلى واقعة أخرى تتعلق بالخطابة في الأموي، وذلك إنها كانت عند جلال الدين القزويني، القاضي الذي توفي وحل محله تقي الدين السبكي، وصارت بعده إلى ابنه بدر الدين محمد، وكان وافر الحشمة جميل السيرة حَسَن التأدية للخطبة طيب النغمة، وتوفي بدر الدين في سنة 742، فعهد السلطان بالخطابة للشيخ تقي الدين السبكي، فلما استدعي للقاهرة وشاع أنه محاسب مهدد ولعله معزول، تطلع أن تعود الخطابة إليه ابن آخر للقاضي جلال الدين القزويني، هو تاج الدين عبد الرحيم، وبلغه أو تفاءل أنه قد حازها فعلاً، فصعد المنبر في الأموي قبل الخطبة، وخاطب المصلين قائلاً:  هذا السبكي، أخذ منا الخطابة وقطع رزقنا! وبكى، فبكى العوام معه وتعصبوا له، فلما رجع السبكي من القاهرة معززاً مكرماً قام عليه العوام وكادوا يرجمونه، فترك له الخطابة فاستمر فيها إلى أن مات في الطاعون العام في سنة 749، وكانت جنازته حافلة جداً، مع أن المؤرخين يذكرون أنه لم يكن له يد في شيء من العلوم البتة!
ونورد بعضاً مما جاء في مرسوم التكليف بالخطابة وهو كما نرى أنموذج عريق للكتابة التي شاعت في الحقبة المملوكية: ولما كان المجلس العالي، القاضوي، الشيخي، الكبيري، العالمي، الفاضلي، الأوحدي، الأكملي، الرئيسي، المفوهي، البليغي، الفريدي، المفيدي، النجيدي، القدوي، الحجي، المحققي، الورعي، الخاشعي، الناسكي، الإمامي، العلامي، الأثيلي، العريقي، الأصيلي، الحاكمي، الخطيبي، الشهابي، جمال الإسلام والمسلمين، شرف العلماء العاملين، أوحد الفضلاء المفيدين، قدوة البلغاء المجتهدين، حجة الأمة، عمدة المحدثين، فخر المدرسين، مفتي المسلمين، معز السنة، قامع البدعة، مؤيد الملة، شمس الشريعة، حجة المتكلمين، لسان المناظرين، بركة الدولة، خطيب الخطباء، مذكر القلوب، منبه الخواطر، قدوة الملوك والسلاطين، ولي أمير المؤمنين أبو العباس أحمد أدام الله تعالى نعمته: هو الذي خَطَبَته هذه الخطابة لنفسها، وعلمت أنه الكفء الكامل فنسيت به في يومها ما كان من مصاقع الخطباء في أمسها؛ إذ هو الإمام، الذي لا تسامى علومه ولا تسام، والعلامة الذي لا تدرك مداركه ولا ترام، والحَبر الذي تعقد على فضله الخناصر، والعالم الذي يعترف بالقصور عن مجاراة جياده المناظر، والحافظ الذي قاوم علماء زمانه بلا منازع، وعلامة أئمة أوانه من غير مدافع، وناصر السنة الذي يذب بعلومه عنها، وجامع أشتات الفنون التي يقتبس أماثل العلماء منها، وزاهد الوقت الذي زان العلم بالعمل، وناسك الدهر الذي قصر عن مبلغ مداه الأمل، ورَحَلة الأقطار الذي تشد إليه الرحال، وعالم الآفاق الذي لم يسمح الدهر له بمثال - اقتضى حسن الرأي الشريف أن نرفعه من المنابر على عليِّ درجها، ونقطع ببراهينه من دلائل الإلباس الملبسة داحض حججها، ونقدمه على غيره ممن رام إبرام الباطل فنقض، وحاول رفع نفسه بغير أداة الرفع فخفض.
وفي أول سنة 742 توفي، عن 86 سنة، الحافظ جمال الدين أبي الحجاج المزي، يوسف بن عبد الرحمن، فصلى عليه قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وبوفاته شغرت مشيخة دار الحديث فرَشَّح لها تقيُّ الدين الإمامَ الذهبي، ولكنه لم يكن أشعرياً على شرط الواقف، فانتهى الأمر أن أوكلت إلى السبكي، وكان من قبل قد سمع عليه الحديثَ الحافظان المزي والذهبي.
وفي سنة 745 توفي شمس الدين ابن النقيب، محمد بن أبي بكر، المولود سنة 661، فخلفه كذلك السبكي في التدريس في المدرسة الشامية البرانية، وتولى خطابة الجامع الأموي فترة ليست بالطويلة، وفي ذلك قال الإمام الذهبي رحمه الله:
ليَهْنَ المنبرُ الأموي لما ... علاه الحاكم البحر التقي
شيوخ العصر أحفظُهم جميعاً ... وأخطبهم وأقضاهم علي
وكانت العلاقة بين السبكي وبين الذهبي علاقة وثيقة، ويشير إليه الإمام الذهبي في العبر وفي ذيل تذكرة الحفاظ بلفظ شيخنا، ويذكر رأيه فيما سأله الذهبي عنه حول الرجال، وقال الذهبي في المعجم المختص يذكر القاضي تقي الدين: القاضي، الإمام، العلامة، الفقيه، المحدث، الحافظ، فخر العلماء...  إلى أن قال: وكان صادقاً، متثبتاً، خيراً، ديناً، متواضعاً، حسن السمت من أوعية العلم، يدري الفقه ويقرره، وعلم الحديث ويحرره، والأصول ويقرئها، والعربية ويحققها، وصنف التصانيف المتقنة، وقد بقي في زمانه الملحوظ إليه بالتحقيق والفضل، سمعت منه وسمع مني، وحكم في الشام، وحمدت أحكامه، فالله يؤيده ويسدده، سمعنا معجمه في الكلاسة. ولما احتُضر الذهبي عاده السبكي ليلة مات في 3 ذي القعدة سنة 748، وقال له: كيف تجدك؟ فأجابه: في السياق.
ولكن العلاقة بين الشيخ تقي الدين وبين الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية لم تكن على مايرام، وذلك لأن ابن القيم كان متصدياً للإفتاء باختيار ابن تيمية في فتواه الخاصة بالطلاق، ولكنهما تصالحا في سنة 750 بمسعى من الأمير سيف الدين بن فضل  بن عيسى بن مهنا أحد أمراء الأعراب الأجواد.
وفي رمضان من سنة 755 توفي، عن 23 سنة، ابن السبكي جمال الدين حسين، نائبه في القضاء والمدرس في عدة مدارس، وكان سمح الأخلاق واسع العلم، فكانت له جنازة مشهودة، وحضر والده وهو يهادي بين رجلين، وقد ظهر عليه الحزن والكآبة، فصلى عليه إماما في الأموي، ثم دفن بسفح قاسيون في تربة معروفة لآل السبكي، ومات بعده في ذي القعدة من نفس السنة نائبه في الحكم، جمال الدين الحُسباني، المولود سنة 670، وكان السبكي يثق به ويعتمد في الأحكام المعضلة عليه، فكانتا خسارتين كبيرتين توالتا على الشيخ الكبير، وعبر عن ذلك الصفدي في مرثية للقاضي الشاب:
قاضي القضاة تصبّر ... فالخطب فيه جسيم
لكنّ مثلك راسٍ ... لمّا تخفّ الحلوم
إذا بقي أخواه ... فسوف تؤس الكلوم
يصافح الحور منه ... في الخلد كفٌّ كريم
وأنت تعلم أنّ الذي دعاه رحيم
وما تُقاك ضعيفٌ ... ولا نُهاك سقيم
وكلّنا سوف نمضي ... وما عليها مقيم
ومرض تقي الدين السبكي قبل وفاته بفترة وجيزة، ويبدو أنه شعر بدنو الأجل، وأراد أن تكون وفاته في أرض آبائه وأجداده، فاستعفى من القضاء، ورجع إلى مصر، فأقام فيها أقل من عشرين يوماً ، ثم توفي في الثالث من جمادى الآخرة من سنة 756، ولما مات وجدوا عليه 32.000 درهم ديناً، فالتزم ولداه تاج الدين وبهاء الدين بوفائها.
وقبل أن يعود الشيخ إلى القاهرة أرسل إليها قبله حفيده الناشئ في حجره بدمشق، محمد بن بهاء الدين أحمد، المولود بالقاهرة سنة 645، ولكن ليس قبل أن يلقي درساً تقر به عين جده قبل موافاة الأجل، فألقى درساً حضره الجد متحاملاً على مرضه، وتوفي هذا الحفيد في سنة 664، رحمة الله عليهم جميعاً.
لتقي الدين السبكي مؤلفات كبيرة كثيرة تدل على تنوع علمه وغزارته، وقد ذكر الأستاذ الزركلي في ترجمته في الأعلام أنه رأي بخطه عدداً من كتبه في القدس والرباط، وله تفسير لم يكتمل أسماه: الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم، وله في الفقه الشافعي كتاب الابتهاج في شرح المنهاج للإمام النووي، وصل فيه إلى الطلاق في ثمانية أجزاء، وباشر السبكي في تكملة شرح المهذب للشيرازي، الذي كان الإمام النووي قد بدأ به ووصل به إلى باب الربا، فكتب من ذلك أبواباً في ثلاثة مجلدات، ثم توفي ولم يكمله، وشرح في الفقه الشافعي كتاب مختصر التبريزي وأسمى شرحه: الرقم الإبريزي في شرح مختصر التبريزي، وله كتاب السيف المسلول على من سب الرسول، والذي صنفه في رمضان سنة 734 ، وكتاب شفاء السقام في زيارة خير الأنام والرد على منكري ذلك، وهو رد على قول ابن تيمية أن الغرض من زيارة المدينة  ينبغي أن يكون  زيارة المسجد النبوي والصلاة فيه، وأن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم هو تبع لذلك لا أصل في الزيارة وشد الرحال. وله كذلك فتاوى مجموعة، وعديد من المصنفات تبلغ أكثر من 150 مصنفاً، وتتناول كذلك مواضيع متميزة مثل مصنفه قطف النور في مسائل الدور، الذي يتناول القضايا المتعلقة بالمساكن.
ولاشك أن تقي الدين السبكي بلغ مرتبة عليا في الاجتهاد، واختياراته الفقهية لها وجاهتها وتدل على أفق فكري فقهي لا يكاد يحده حد، ومنها ما توصل إليه في كتابه العَلَم المنشور في إثبات الشهور، من رفض رؤية الهلال إذا كان الحساب يقول باستحالة الرؤية، ومنها كذلك قياسه تقبيل المصحف على تقبيل الحجر الأسود، وأن سبب تقبيله ما ورد أنه يمين الله في الأرض، والعادة تقبيل يمين من يقصد إكرامه، ومنها قوله بنبوة مريم بنت عمران ويشهد لذلك ذكرها في سورة الأنبياء مع الأنبياء.
وإلى جانب هذه المصنفات استفاد من تقي الدين السبكي كثيرٌ من علماء عصره في مصنفاتهم، وقد سبقت الإشارة للذهبي في هذا الصدد، ونذكر كذلك ابن أيبك، صلاح الدين الصفدي، خليل بن أيبك، المولود سنة 696 والمتوفى سنة 764، والذي خرج معه من القاهرة إلى دمشق عندما كلفه السلطان بالقضاء، وينقل الصفدي عنه كثيراً في كتابيه الوافي بالوفيات وأعيان العصر، مشيراً إليه بالعلاّمة. وكذلك عبد القادر القرشي الحنفي، المولود سنة 696 والمتوفى سنة 775 بالقاهرة، ينقل عنه في الجواهر المضية في طبقات الحنفية ويشير إليه بلفظ شيخنا، وممن أخذ عنه كذلك الفيروزابادي صاحب القاموس المحيط، المولود في شيراز سنة 729 والمتوفى بزبيد في اليمن سنة 816، وذلك عندما دخل دمشق سنة 755.
ولئن غلب الحنين إلى الأوطان تقيَّ الدين السبكي فرحل عن الشام ليدفن في القاهرة، إلا أنه ترك في الشام وارث علمه وابنه تاج الدين عبد الوهاب، المولود سنة 727 بالقاهرة والمتوفى سنة 771 بدمشق، وكان فقيهاً عالماً مؤرخاً طلق اللسان قوي الحجة، انتهى إليه القضاء في الشام ولقب بقاضي القضاة، وجرت عليه محن وشدائد قال ابن كثير: ما لم يجر على قاض مثله، تعصب عليه شيوخ عصره، فعُزل وأمر به السلطان فأتي به من دمشق إلى القاهرة مقيداً مغلولا، ثم أفرج عنه وعاد إلى دمشق فتوفي بالطاعون، وله تصانيف مهمة في التاريخ والفقه أهمها طبقات الشافعية الكبرى، وجمع الجوامع في أصول الفقه، والأشباه والنظائر في الفقه.
وولي تاج الدين في حياة والده توقيع الدَست بالشام بين يدي ملك الأمراء الأمير علاء الدين أمير علي بن علي المارديني نائب الشام، فكتب إليه أبوه تقي الدين:
أقول لنجلي البر المفدى ... مقالا وُثِقت منه عراهُ
ولِيتَ كتابة في دست ملك ... رست أحكامه وسمت ذراه
فلا تكتب بكفك غير شيء ... يسرك في القيامة أن تراه
ولا تأخذ من المعلوم إلا ... حلالا طيبا عطرا ثراه
ونصحك صاحب الدست اتخذه ... شعارك فالسعادة ما تراه
ثلاث يا بني بها أوصي ... فمن يأخذ بها يحمد سراه
وتقوى الله رأس المال فالزم ... فما للعبد إلا من براه
ولتقي الدين السبكي ابن أكبر هو بهاء الدين أحمد، المولود سنة 719، والذي درس على كبار مشايخ عصره برعاية والده، وأذن له بالإفتاء والتدريس وعمره عشرون سنة، وصار قاضياً في دمشق والقاهرة، ثم انقطع عن الدنيا وتزهد، وأقبل على العبادة، وجاور بمكة، وله مصنفات في الفقه والبيان وديوان شعر، وتوفي في مكة سنة 773.
وكان لتقي الدين السبكي ابنة أكبر من تاج الدين اسمها ستيتة، كان لها مشاركة في سماع الحديث وروايته وتوفيت في القاهرة سنة 776، وكان للسبكي بنات أخريات تزوج إحداهن أحد نواب الحكم في دمشق، من أسرة المنجى الحنبلية، وهو محمد بن محمد بن المنجا التنوخي، المتوفى سنة 770، والذي درّس في مساجد دمشق ووصف بالسنة والدين والصيانة.
وكان للسبكي بستان في سفح قاسيون وتربة دفن آل السبكي فيها أمواتهم، وقد أقامت أمانة العاصمة بعد الاستقلال السوري في موقع هذا البستان حديقة جميلة في دمشق الفيحاء، عهدي بها جميلة غناء تتوسطها بركة ماء كبيرة يسبح البط الصغير بها، بقيت ذكرى لهذا العلم الجليل والقاضي الفرد الذي أحبته دمشق في حياته، ووفت قروناً له بعد مماته.
ونختم بأبيات كتبها الإمام الذهبي إلى قاضي القضاة تقي الدين السبكي، رحمها الله تعالى ولعله آخر شعر نظمه الذهبي:

تقي الدين يا قاضي الممالك ... ومن نحن العبيد وأنت مالِكْ
بلغت المجد في دين ودنيا ... ونلت من العلو مدى كمالك
ففي الأحكام أقضانا عليٌّ ... وفي الخدام مع أنس بن مالك
وكابن معين في حفظ ونقد ... وفي الفتوى كسفيان ومالك
وفخر الدين في جدل وبحث ... وفي النحو المبرد وابن مالك

الجمعة، 3 أبريل 2015

حدث في الثاني عشر من جمادى الآخرة

في الثاني عشر من جمادى الآخرة من عام 1339 الموافق 21 شباط/فبراير 1921 جرى انقلاب في إيران أطاح بالحكومة القائمة التي عينها الشاه أحمد القاجاري لتأتي محلها حكومة السيد ضياء الدين الطباطبائي، وقامت بالسيطرة على العاصمة الإيرانية طهران قوة عسكرية يترأسها مقدم في الرابعة والأربعين من عمره يدعى رضا بهلوان، وسيصبح فيما بعد وزير الحربية، ويعتبر المؤرخون هذه الحركة، التي تدعى انقلاب 21 فبراير، نهاية الدولة القاجارية وبداية الدولة البهلوية في إيران.
وتعود بداية حكم الأسرة القاجارية إلى سنة 1779 حين قام آغا محمد خان رئيس قبيلة القاجار التركمانية بحركته ضد أسرة الزَند التي كانت تحكم جنوب إيران، و بعد نجاحه في القضاء على خصومه انطلق ليحقق طموحه في توحيد إيران،  وفي سنة 1796 أعلن نفسه ملكاً على إيران بلقب الشاه، الذي يعني الملك بالفارسية، ولم يتمتع بالملك سوى سنة بعدها إذ اغتيل في سنة 1797 ليعقبه ابن أخيه فتح علي شاه ويحكم البلاد مدة استمرت 37 سنة إلى سنة 1834 وكانت نتائجها كارثية، فقد خاض حربين مع روسيا دامت أولاهما لسنوات 1804-1813 ووقعت الثانية في سنوات 1826-1828 وفقدت من جرائهما إيران جورجيا وأرمينيا وأذربيجان الشمالية، وأعقبه حفيده محمد شاه الذي خضع للنفوذ الروسي وحاول مرتين دون نجاح أن يستولي على هراة في أفغانستان، وتوفي محمد شاه في سنة 1848 وخلفه ابنه الشاب ناصر الدين المولود سنة 1831، والذي سيثبت أنه أكثر ملوك الأسرة القاجارية كفاءة، ويحقق نجاحاً ملحوظاً في تطوير إيران، واستغل ناصر الدين التنافس الشديد بين روسيا وبين بريطانيا ليحافظ على استقلال إيران، ولكنه في السنوات الأخيرة من حكمه منح الأجانب الأوربيين امتيازات احتكارية كثيرة مقابل مبالغ كبيرة دخلت إلى جيبه، وهو الأمر الذي أثار امتعاض الشعب المستهلِك لارتفاع الأسعار وكذلك امتعاض التجار الإيرانيين الذين خسرت تجاراتهم بسبب الاحتكار.
وبلغ الامتعاض ذروته في سنة 1890 عندما منح الشاه ضابطاً بريطانياً حق احتكار بيع وتوزيع وتصنيع التبغ ومشتقاته في إيران لمدة 50 سنة، وذلك مقابل أن يحصل على دفعة قدرها 15.000 جنيه إضافة إلى ربع الأرباح السنوية، وبين عشية وضحاها صار على زُرّاع التبغ أن يبيعوه لشركة التبغ الإمبراطورية بالسعر الذي تحدده بعد أن كانوا يبيعونه في المزاد، وتبلورت المعارضة الشعبية لهذا القرار في مقاطعة عامة للتبغ ومشتقاته شملت البلاد بأكملها، وبلغت ذروتها عندما أصدر أية الله ميرزا حسن شيرازي، المولود سنة 1814 والمتوفى سنة 1896، فتوى جاء فيها إن استعمال التبغ المشمول بالاحتكار هو بمثابة حرب على الإمام المهدي! ولم يتوقع أحد أنه في بلد ابتلي بالتدخين في كل طبقاته ستكون الاستجابة الشعبية لهذه الفتوى شاملة شمولاً أدهش المراقبين، وخشيت منه الحكومة البريطانية، فخففت من دعمها للشركة، وألغى الشاه الاتفاق مقابل أن يدفع للشركة تعويضاً قدره نصف مليون جنيه، ويعتبر المؤرخون الحركة بداية الإحياء الوطني الحديث في إيران.
وفي سنة 1896 وبعد 48 سنة من حكمه اغتال الملكَ ناصر الدين أحد الناقمين الذي يقال إنه من أتباع جمال الدين الأفغاني، وأعقبه ابنه مظفر الدين، وعمره 47 سنة، وكان غير كفؤ للحكم ضعيف الشخصية منهكماً في اللذات ومبذراً دون حدود، جاء والبلاد مديونة لبريطانيا وروسيا فوقعت البلاد في طائقة مالية شديدة نتجت عنها اضطرابات واسعة وتمخضت عن حركة موحدة طالبت بالملكية الدستورية والحد من السلطات التي يتمتع بها الملك، وتسمى في التاريخ الإيراني مشروطيت، ولقيت الحركة تأييداً شعبياً واسعاً، وأيدتها بريطانيا كذلك، فاضُطر الشاه أن يعلن دستوراً للبلاد يحد كثيراً من صلاحيات الشاه، وفي آخر سنة 1906 شهدت إيران افتتاح أول مجلس شورى منتخب يتكون من 156 نائباً كان أغلبهم من طبقة تجار طهران، ويسمي عرفاً في التاريخ الإيراني: المجلس، وتوفي مظفر في سنة 1907 بعد 5 أيام من توقيعه الدستور الذي تضمن أن الملك يخضع لحكم القانون، وأن التاج الإيراني هو هبة إلهية للشعب يمنحها للشاه.
ولا بد أن نذكر هنا أن مظفر الدين منح في سنة 1901 مليونيراً لندنياً، هو وليام دارسي، امتيازاً مدته 60 سنة للتنقيب في إيران عن النفط واستخراجه مقابل دفعة قدرها 20.000 جنيه وحصة تمائلها في الشركة و16% من أرباح الشركة، واكتشفت الشركة النفط في سنة 1908 وغيرت اسمها إلى شركة النفط الأنجلوفارسية، وهو الاسم الذي تغير فيما بعد إلى شركة النفط الأنجلوإيرانية، ثم في سنة 1954 إلى شركة النفط البريطانية المعروفة اليوم: بريتش بتروليوم.
وأعقب مظفرَ الدين ابنُه محمد علي شاه الذي حاول أن يعود بالأمور للوراء ويلغي الدستور والحكومة البرلمانية، وذلك باستغلال الخلافات التي بدأت تدب بين أنصار المجلس، وكانت روسيا وبريطانيا قد وقعتا قبل قليل اتفاقية تقاسمتا فيها النفوذ في إيران، فحولت بريطانيا دعمها إلى الشاه القاجاري، الذي ألغى الدستور بحجة مخالفته الشريعة الإسلامية، وحلَّ المجلس ولما اعتصم به النواب هاجمه بالمدفعية، وأيدته في ذلك عسكرياً وسياسياً روسيا وبريطانيا، وأمدته روسيا بقوات القوزاق المشهورة بقسوتها.
واندلعت في البلاد حرب أهلية بين مؤيدي الدستور وبين مؤيدي الشاه، وكانت الغلبة للقوات المؤيدة للدستور التي وصلت من المقاطعات الأخرى إلى طهران في منتصف 1909 وسيطرت عليها، ثم عزلت الشاه وأعادت الدستور، وانتخب المجلس ابن الشاه المخلوع: أحمد شاه، وهو في الحادية عشرة من عمره ، وهرب الشاه المعزول إلى روسيا وحاول في سنة 1911 أن يستعيد عرشه بالقوة بمساعدة روسيا، ولكن قواته هزمت فذهب إلى المنفى في استانبول ثم في سان ريمو في إيطاليا حين توفي سنة 1925 ونقل جثمانه ليدفن في كربلاء.
وأصبح حكم البلاد عملياً في يد المجلس الذي أنشأ محاكم خاصة شنقت كبار المحرضين في الحرب الأهلية، وأجرى المجلس إصلاحات انتخابية من شأنها أن تجعل المجلس أفضل تمثيلاً للسكان، وجرت انتخابات جديدة في آخر سنة 1910 جاءت بما يدعى: المجلس الثاني، لكن ذلك لم يأخذ البلاد بسرعة إلى ضفاف الاستقرار، فقد كانت الحكومة المركزية ضعيفة عاجزة عن بسط سلطتها وإخماد القلاقل الداخلية التي خلفتها الحرب الأهلية مستعرة، ولم تكف روسيا وبريطانيا عن التدخل في البلاد، ولما اندلعت الحرب العالمية الأولى في سنة 1914، كانت أراضي إيران ساحة للمعارك بين القوات العثمانية وبين القوات البريطانية والروسية، وهو ما ساهم في زيادة النقمة على الأوضاع وزيادة الرغبة في التغيير الجذري.
وجاءت قاصمة الظهر بعد الثورة الشيوعية في روسيا في سنة 1917، فقد حاولت بريطانيا القضاء على الثورة البلشفية منطلقة من إيران، وفشلت الحملة، وكان من عواقبها أن قام جيش الاتحاد السوفييت بضم أجزاء من شمال إيران لتكون منطقة عازلة بينها وبين الأراضي الروسية، وهي عين السياسة القيصرية، وأقامت روسيا في جيلان الجمهورية الإيرانية الشعبية السوفياتية، ثم تقدم الجيش السوفياتي نحو طهران لتعرى الحكومة والشاه أمام الشعب ويظهر عجزهما عن مواجهة الاحتلال عسكرياً وسياسياً، واتضح أن الحكومة كانت مهلهلة إلى حد لم يتخيله أحد، وكانت سيطرة دولة تتبنى الإلحاد رسمياً على إيران أمراً جعل مراجل الغضب تغلي مرارة في قلوب الشعب الإيراني، ولئن بقيت الحكومة في طهران إلا أن أغلب البلاد كانت قد خرجت من تحت يدها ليسيطر عليها الجيش الأحمر السوفياتي أو أمراء الحرب.
وزاد الطين بلة أن الاستقطاب بلغ أشده بين الحزبين الكبيرين في البلاد: الديمقراطي والمعتدلين، وكانا في نزاع مستمر، حول شكل الحكم، واتباع العلمانية أم الشريعة، وتطور الخلاف إلى نزاع شابه العنف والاغتيالات، وأصبحت الخزينة الإيرانية على حافة الإفلاس وكان على الحكومة والشاه أن يُحمِّلا البلاد أكثر بالاقتراض لدفع النفقات الحكومية.
وأصبحت الدولة كشجرة خاوية جاهزة للسقوط، وتآمرت على إسقاط الحكومة مجموعة من الناشطين السياسيين يرأسهم صحفي شاب اسمه سيد ضياء الدين طباطبائي، وشجعتهم بريطانيا على ذلك لتتزع من الاتحاد السوفياتي إيران وتعيدها إلى دائرة نفوذها، وتولى الجاتب العسكري من الانقلاب المقدم رضا خان قائد القوة العسكرية والوحيدة التي كانت فعالة المسماة سرايا القوزاق، والذي جاء من قزوين وهمذان بقواته التي بلغت قرابة 3000 جندي وبثها في طهران، وسيطر عليها بسرعة ودون إراقة دماء تُذكر، وذلك في الثاني عشر من جمادى الآخرة كما ذكرنا في البداية، وأجبر رضا خان الشاه على حل الوزارة وتعيين طباطبائي رئيساً لوزارة صار هو فيها وزير الدفاع ورئيس الجيش.
ولد رضا خان في سنة 1878 وكان أبوه ضابطاً في الجيش الفارسي، وتوفي والده وهو رضيع فجاءت به أمه إلى بيت خاله في طهران، وانضم للجيش وهو شاب، وانتهى به الأمر أن صار ضابطاً في سرايا القوزاق ثم قائداً لها، ثم ليقوم بالانقلاب ويصبح الرجل الأقوى في البلاد.
ووقعت الحكومة بعد أسبوع اتفاقية صداقة مع الاتحاد السوفياتي، أعادت بموجبها روسيا المناطق التي احتلتها من إيران، واحتفظت بحقها في التدخل العسكري دفاعاً عن النفس، وتنازلت كذلك لإيران عن السكك الحديدية والموانئ الإيرانية التي كانت مملوكة لروسيا، وبعد أن استطاع تحييد الجانب الروسي اتجه رضا خان على رأس الحملات التي شنها لبسط سلطة الدولة على البلاد التي انبثق فيها التمرد في عدة مقاطعات، وبحلول 1923 استطاع تحقيق قدر كبير من الاستقرار الداخلي والخارجي، فعاد إلى طهران حيث جعل من نفسه رئيساً للوزراء، فغادر الشاه أحمد القاجاري البلاد، وأصبح رضا خان حاكمها الذي لا ينازعه أحد.
وفي آخر سنة 1925 قام المجلس بخلع شاه أحمد القاجاري وتعيين رضا خان شاهاً على إيران وفقاً للدستور الإيراني، وتسمى برضا شاه البهلوي، وتم تتويجه بعد 4 أشهر، وأعلن في حفل التتويج أن ابنه محمد رضا، وعمره 6 سنوات، سيكون ولياً للعهد من بعده.
وكان رضا شاه مثله مثل أي ضابط عسكري يتطلع للحكم الفردي ويرى الشورى أو الديمقراطية مضيعة للوقت، وكانت خطته في الحكم تقوم على القضاء على نفوذ رجال الدين وتذويب الفوارق العرقية والقبلية، وألا يسمح باندلاع أي تمرد، ومن الناحية الأخرى كان على قناعة تامة أن طريق التطور الإيراني يمر عبر اتباع سياسة تغريب شاملة تشمل تغريب التعليم والمرأة كما تشمل إقامة المنشآت الاقتصادية والصناعية، وقام في السنوات الثمان الأولى من حكمه بالتعاون والتشارك مع عدد من الساسة الإيرانيين الذين كانوا يشاركونه رغبته التغريبية، ثم ما لبث أن أبعدهم وصار يحكم وحده دون استشارة السياسيين ذوي الرأي المستقل، وكان يبرر ذلك بمقولته الشهيرة: لكل دولة نظام حكم، ونظامنا حكم الرجل الواحد، وكان رضا شاه معروفاً بقسوته في التعامل مع مرؤوسيه أو أفراد الشعب.
وفي إطار حركته التغريبية أصدر رضا شاه أمراً في آخر سنة 1928 يجبر كل مواطنيه على ارتداء الملابس الأوربية بما فيها القبعة باستثناء مشايخ الذين يصدر قرار رسمي يخولهم اللباس الديني، وتبنى رضا شاه حركة الصحوة النسوية التي كانت تريد القضاء على الحجاب في إيران بحجة أنه يعيق مشي المرأة وحركتها في العمل ويحول بينها وبين المشاركة في تقدم الأمة، ومنع المدرسات من الحضور للمدارس إلا إن نزعن الحجاب، كما شجع الاختلاط بفرضه قوانين تجبر المحلات العامة عليه، وبلغ السيل الزبا عند رجال الدين في سنة 1935،  فخرجت مظاهراتهم في مشهد تحمل شعار: الشاه هو يزيد الجديد! وأصدر رضا شاه أوامره للشرطة و الجيش باقتحام مشهد الإمام الرضا الذي تحصن فيه المتظاهرون، ولكنهم رفضوا ذلك، فجاء بقوات من أذربيجان اقتحمته وقتلت عشرات من المتظاهرين، وقضت الحادثة على أي أمل في قيام علاقة طبيعية بين الشاه وبين رجال الدين، وازداد بعدها رضا شاه عتواً وأصدر أوامره بمنع لبس الحجاب، وأجبر كل من يحضر المناسبات العامة التي تقيمها الدولة أن يأتوا مع زوجاتهم دون حجاب، واستمر رضا شاه في غلوائه فأمر بمنع تصوير أية مظاهر في إيران تدل في نظره على التخلف مثل الحمير والجمال، وقام كذلك في سنة 1935 بتغيير اسم الدولة من فارس إلى إيران، أي أرض الآريين، وكان أحد دوافعه في هذا العودة بأساس الشخصية الوطنية لما قبل الحقبة الإسلامية.
وفي إطار مخططاته الاستبدادية استبعد رضا شاه كل السياسيين القديرين الذين كانت لهم قدم سبق في السياسة الإيرانية، ولم يشفع لهم اشتراكهم معه في الوجهة التغريبية، فقام في سنة 1932 بتلفيق تهمة لرئيس بلاطه عبد الحسين تيمور تاش، الذي كان رئيس الوزراء من قبل، وألقاه في السجن حيث مات في ظروف مشبوهة في سنة 1933، ثم أعقبه بوزير المالية الأمير نصرة الدولة فيروز ميرزا  فزجه في السجن سنة 1930 حتى مات سنة 1938، ولما جاء الدور إلى وزير العدل علي أكبر داور  انتحر بدلاً من المهانة.
واستند الشاه في حكمه على ثلاث ركائز: الجيش الذي تضاعفت ميزانيته 5 أضعاف خلال فترة حكمه، وكانت رواتب ضباطه أعلى الرواتب الحكومية، والجهاز الحكومي الذي تضخم أضعافاً مضاعفة، واعتمد الشاه كذلك على المناصب والمنح المالية التي كان ديوانه يشتري بها السكوت والولاء، وكانت الانتخابات البرلمانية في زمنه مزورة بامتياز، فقد كان رئيس الشرطة يرفع إلى وزير الداخلية قائمة بمن يرشحهم لمنصب النيابة في منطقته، وهذا بدوره يرسل القائمة إلى هيئة الانتخابات، التي كانت تحت سيطرة وزارة الداخلية، لتقوم باستبعاد كل ما لا ترضى عنه الشرطة السرية، وهكذا تقهقر حكم إيران في عهده إلى الوراء من حكم قائم على الشورى إلى حكم عسكري بلباس مدني صفيق.
قام رضا شاه متجاوباً مع الشعور الشعبي في إيران بإعادة التفاوض مع شركة النفط الأنجلوإيرانية، وذلك على أساس أن الاتفاقية الأولى أبرمتها تحت ظروف الإذعان حكومة غير دستورية، واستمرت المفاوضات من سنة 1928 إلى سنة 1932، وانتهت بتعديلات على الاتفاقية أقل بكثير من المطالب الإيرانية ودون التطلعات الشعبية المتأججة، بل وأضافت 32 سنة أخرى لمدة الاتفاقية.
وعلى صعيد السياسة الخارجية كانت سياسة رضا شاه هي موازنة النفوذ البريطاني القوي بالتعاون مع القوى الأوربية الأخرى، والقضاء في النهاية على النفوذ الأجنبي في إيران، فألغى معاهدة 1921 الموقعة مع روسيا، وعين أمريكياً في منصب وزير المالية، واستعان بالخبرات الألمانية والإيطالية لتطوير الجيش والبحرية، وألغى امتياز الأجانب في التقاضي للمحاكم الخاصة، ونقل حق طبع العملة إلى البنك الوطني الإيراني من البنك البريطاني الإمبراطوري.
وعلى صعيد عملي اتبع رضا شاه سياسة الحياد بين الدول، ولكن مطامع بريطانيا وروسيا كانت واضحة للعيان، فالنفط الإيراني الحيوي كان جائزة مغرية لمن يسيطر على إيران، وكان حكام إيران حتى من قبل رضا شاه قد نمَّوا العلاقات مع ألمانيا لمواجهة هذا التطلع الروسي والبريطاني، وحيث لم يكن لألمانيا تاريخ استعماري مع إيران فقد تقبل الإيرانيون التعاون معها أكثر بكثير من التعاون مع هاتين الدولتين، ولما استولى النازيون على الحكم في ألمانيا في سنة 1933 تابعوا العلاقات الاقتصادية مع إيران، ولكن أبواقهم الدعائية بدأت توحي أن الشاه يميل إلى ألمانيا، فكلا الشعبين ينتميان إلى العرق الآري، وهو أمر لم يكن له في الواقع ما يؤيده، ولكن الدعاية البريطانية تلقفته لتقوم باحتلال إيران التي أعلنت حيادها عندما شبت نيران الحرب العالمية الثانية في سنة 1939.
وكان لدى بريطانيا أسبابها لاحتلال إيران وأولها السيطرة المباشرة والتامة على مصفاة نفط عبادان التي كانت تملكها شركة النفط الأنجلوإيرانية، ويكفى لبيان أهميتها أن نذكر كانت أكبر مصفاة في العالم وأنها في سنة 1940 أنتجت 8 ملايين طن من النفط الذي قال عنه تشرشل: إن كل قطرة منه تساوي قطرة دم.
وكانت السكة الحديدية المسماة خط عبر إيران والمملوك للاحتكارات البريطانية هي ثاني هذه الأسباب، فبعد أن غزا هتلر روسيا في منتصف سنة 1941 عقدت بريطانيا تحالفاً مع روسيا، وبدأت في إمدادها بكل ما تحتاجه للدفاع أمام الجيش الألماني الذي كان يتقدم باضطراد في الأراضي السوفياتية، وكان الخط أسهل وسيلة لتزويد السوفيات بعيداً عن سطوة ألمانيا التي كانت غواصاتها تزداد عتواً في البحر وتفتك بالسفن البريطانية، وسرعان ما أصبح الخط الحديدي شريان الحياة للسوفيات في مواجهتهم لقوات هتلر الزاحفة شرقاً وتخفيفهم الضغط عن بريطانيا وحلفائها في القتال الدائر في الغرب، ويقدر المؤرخون أن 25% إلى 33% من الإمدادات لروسيا مرت عبر إيران.
وكانت لدى روسيا الشيوعية أسبابها كذلك، فقد كانت تريد ضم الجزء الإيراني من أذربيجان إلى مثيله في الاتحاد السوفيتي، وتطمح أن تجعل من إيران دولة شيوعية أو تدور في الفلك الشيوعي.
وبتحالف الدولتين الشيوعية والبريطانية لم يعد رضا شاه يستطيع أن يوازن إحداها بالأخرى، وبدأت الدولتان تضغطان على الشاه وحكومته ليساير سياساتها، ولكن هذا زاد من جو التوتر وخرجت مظاهرات الوطنيين في طهران تندد بالسياسات البريطانية، ولم يكن غريباً أن تصفها الدعاية البريطانية أنها مظاهرات تأييد لألمانيا، ورفض الشاه أن يطلب من الرعايا الألمان، الدبلوماسيين والعاملين، أن يغادروا البلاد، وكان عددهم حوالي 700 مقارنة مع 2600 بريطاني،  وتحت هذه الذريعة قامت الجيوش البريطانية والروسية بغزو إيران في 25 أغسطس/آب من عام 1941، وذلك دون إعلان الحرب على إيران كما تقتضى الأعراف والقوانين الدولية، واستدعى الشاه السفيرين الروسي والبريطاني محتجاً على غزو بلاده ومتساءلاً عن السبب، ولما قيل له إنه وجود الألمان في إيران، سأل السفيرين إن كان الغزو سيتوقف لو طردهم؟ فلم يحر السفيران على ذلك جواباً.
وأرسل الشاه برقية للرئيس الأمريكي روزفلت يذكره فيها بإعلانه في ميثاق الأطلسي وجوبَ حماية مبادئ العدالة الدولية وحق الشعوب في الحرية، ويناشده إيقاف هذا العمل العدواني الذي شن حرباً على أمة محايدة مسالمة تسعى وراء السلم والتطور. وكانت نتيجة استجارته أن أجابه روزفلت في توبيخ مبطن: أن القضية يجب أن لا ينظر لها فقط من الزاوية التي أثرتها جلالتك، ولكن هناك اعتبارات أساسية أخرى ناتجة من طموح هتلر في السيطرة على العالم، ولا شك أننا إذا لم نوقف بالقوة المسلحة ألمانيا فإنها ستستمر في غزوها إلى ما وراء أوربا؛ إلى آسيا وأفريقيا وحتى الأمريكتين، وفي نفس الوقت فإن البلدان التي ترغب في الحفاظ على استقلالها عليها أن تشارك في المجهود الجماعي القائم إن أرادت ألا تذهب واحدة تلو الأخرى كما حصل لعدد كبير من الدول الأوربية. وانطلاقاً من هذه الحقائق فإن الولايات المتحدة الأمريكية كما هو معروف لم تقف عند بناء دفاعاتها بسرعة البرق بل تشارك في برنامج واسع من المساعدات المادية للدول التي تقاوم مقاومة فعالة الطموح الألماني للهيمنة على العالم. وأشار روزفلت في لفتة طمأنة للشاه أن البيانات التي أصدرتها الحكومتان البريطانية والسوفياتية توضح أن ليس لهما مخططات تمس من استقلال أو وحدة الأراضي الإيرانية.
ولم يستطع الجيش الإيراني مواجهة الغزو مواجهة فعالة، لأسباب منها رفض الشاه نصيحة قواده العسكريين بتدمير الطرق والجسور لإعاقة تقدم الجيشين الغازيين، فقد عزَّ عليه أن تذهب هذه المنشآت التي بناها في سنين طويلة وأنفق عليها الأموال الطائلة، ومن ناحية ثانية كان تحديث الجيش الإيراني لم يكتمل بعد، وكان جزء كبير منه موجه للسيطرة على الأمن الداخلي، ولما بدا أن المقاومة غير مجدية أمام الجيش الروسي القادم من الشمال والبريطاني القادم من العراق، أمر الشاه قواته بوقف القتال بعد 4 أيام من بدء الغزو، ولكن ليس بعد أن أبدى الإيرانيون مقاومة شديدة في عبادان بالذات، التي كانت مصفاتها ومرافق النفط فيها أهم أهداف بريطانيا من الغزو.
وشعر رضا شاه بإذلال وخيبة أمل شديدة إزاء قادة جيشه الكبار الذين كانوا غير أكفاء على الإطلاق وهو الذي لم يبخل على قواتهم بمال أو جهد، وكان عدد لا يستهان به منهم يتعاطفون مع بريطانيا ولذا لم يقوموا بأي مقاومة حقيقة للغزو، بل اجتمع كبار الضباط سراً لمناقشة خياراتهم إزاء الاستسلام للقوات الغازية، وهو أمر أثار حنق الشاه لما علم به لدرجة أنه انهال ضرباً بالعصا على قائد الجيش وكاد أن يطلق عليه النار من مسدسه.
وتمهيداً للتفاوض مع القوى المحتلة أقال رضا شاه رئيس وزرائه علي منصور ذا الميول البريطانية وعين محله محمد علي فروغي، ولكن رئيس الوزراء الجديد كان يكره الشاه الذي أقاله قبل سنوات وأعدم ابنه، فأدار المفاوضات مع البريطانيين على نحو يزعزع مكانة الشاه وينحو للتخلص منه، ووافق في المفاوضات على إغلاق البعثات الدبلوماسية لدول المحور، وتسليم المدنيين من الألمان بما فيهم العائلات إلى السلطات البريطانية والروسية، مما يعني سجنهم لدى الأولى وإعدامهم في الغالب على يد الثانية، وأخّر الشاه تنفيذ هذه الفقرة من الاتفاقية وقام بترتيب تهريب أغلب المواطنين الألمان عبر الحدود إلى تركيا.
وقام الجيش الأحمر الروسي باحتلال طهران، وكان البريطانيون يريدون إعادة الأسرة القاجارية إلى الحكم حيث خدمت من قبل المصالح البريطانية خدمة جيدة، ولكن بحثهم تمخض عن أن وريث العرش من السلالة القاجارية؛ حامد حسن مرزا، كان لا يتحدث الفارسية إذ كان مواطناً بريطانيا! ولذا قبلوا اقتراح فروغي أن بعينوا ولي العهد محمد رضا ليصبح شاه إيران الجديد، وهووعرضوا على الشاه أن يعتزل كمخرج مشرف من الأزمة، فوافق فوضعته بريطانيا في الإقامة الجبرية ثم نفته إلى جنوب أفريقيا حيث عاش حتى وفاته، عن 66 سنة، في سنة 1944.
وكان معروفاً عن رضا شاه جشعه وتكديسه الأموال، وكثيراً ما أجبر الرعية على بيعه ممتلكاتهم بثمن بخس إن لم يصادرها، وبلغت ثروته عند اعتزاله 3 ملايين جنيه و12 مليون متر مربع من الأراضي.
ووقع الشاه الجديد اتفاقية تحالف مع بريطانيا والاتحاد السوفياتي بعد 3 أشهر من تنصيبه، وتضمنت الاتفاقية أن تقدم إيران للحلفاء المساعدة غير العسكرية، والتزم الحلفاء فيها بأن يغادروا إيران في مدة أقصاها 6 أشهر بعد انتهاء الأعمال الحربية، وفي أواخر سنة 1943 أعلنت إيران الحرب على ألمانيا مما أهلها لعضوية الأمم المتحدة، وعدا عن المساعدات التي قدمتها إيران للحلفاء، لم يتردد الحلفاء المحتلون في أن يمدوا أيديهم إلى محاصيل الغلال تاركين الشعب الإيراني يعاني من المجاعة والأمراض.
وقام نظام ستالين الشيوعي ببث النفوذ السوفياتي في أذربيجان والمناطق الكردية في شمال غربي إيران، وكان له دور في تأسيس الحزي الشيوعي الإيراني المعروف باسم تُوُدَه، وأثار السوفيات في المناطق التي احتلوها النزعات بين الفلاحين ومُلاك الأراضي، وفي أخر سنة  1945 أُعلِن في المناطق التي احتلتها روسيا عن قيام الجمهورىة الشعبية الأذربيجانية وكذلك الجمهورية الشعبية الكردية، ومنع الجيش الأحمر الروسي القوات التي أرسلها الشاه لفرض سلطة الحكومة من جديد، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت بريطانيا في الانسحاب وفقاً للاتفاقية ولكن السوفيات ماطلوا في الانسحاب بضعة أشهر، وشكتهم إيران قبل ذلك رسميا إلى مجلس الأمن المشكل حديثاً، وهي أول شكوى تقدم إليه، ولكن مجلس الأمن لم يتخذ أية خطوات للضغط على السوفيات، الذين ما لبثوا أن انسحبوا وانتهت بذلك حقبة الاحتلال العسكري الروسي البريطاني.
وحيث تحدثنا عن الاحتكارات والامتيازات ودورها في هذه المرحلة من تاريخ إيران، فلا بد أن نذكر الزعيم الإيراني محمد مصدَّق المولود سنة 1880، والذي تبوأ أول منصب رسمي له بعد انقلاب رضا خان، وذلك حين تولى في سنة 1921 وزارة المالية ثم وزارة الخارجية لفترة قصيرة، وانتخب عضواً في المجلس سنة 1923، ثم ما لبث أن استقال عندما نصب رضا خان نفسه ملكاً على البلاد في 1925 وذلك لمعارضته لهذا الأمر.
وبعد اعتزال رضا شاه العرش في سنة 1941 وتولي ابنه محمد رضا شاه عاد مصدق للنشاط السياسي، وانتخب في سنة 1944 عضواً في المجلس، ونظراً لمشاعره الوطنية القوية نجح في ألا يوافق المجلس على منح الاتحاد السوفياتي امتيازات نفطية في شمالي إيران تماثل ما لبريطانيا في جنوب إيران، واستطاع أن يحشد تأييداً قوياً لدعوته إلى تأميم الامتيازات والمنشآت النفطية التابعة لشركة النفط الأنجلوإيرانية، وكان نجاحه الأكبر في سنة 1951 حين أصدر المجلس قانوناً يقضي بتأميم النفط، وتصاعدت شعبيته إلى حد اضطر معه محمد رضا شاه أن يعينه رئيساً للوزراء.
وردت بريطانيا على تأميم إيران لمصالحها النفطية بالتوقف عن شرائه، وسحبت موظفيها وخبراءها لينقص الإنتاج وتتعطل المنشآت والمصافي، وقادت حملة عالمية حشدت لها دبلوماسيها واقتصاديها نجحت في ألا يشتري أحد غيرها النفط الإيراني.
وعلى صعيد آخر قامت بريطانيا بحثِّ محمد رضا شاه على التخلص من مصدق، وقدمت له كل ما يحتاجه من تأييد مادي ومعنوي، وكانت النخبة الثرية في إيران تكره مصدق لنزاهته وسياساته الوطنية واهتمامه بالطبقات الشعبية والفقيرة، وبلغت الأزمة ذروتها بعد سنتين ونصف من التأميم حين أخذت الأزمة الاقتصادية بخناق البلاد والعباد، فأقدم الشاه على عزل مصدق في أواخر سنة 1953، ولكن التأييد الشعبي لمصدق كان أكبر من أي تقدير، وملأت الجماهير الشوارع تطالب بعودة مصدق وعزل الشاه، ورفض الجيش التدخل ضد المتظاهرين، فدب الذعر في قلب الشاه وغادر البلاد، وعاد مصدق لإدارة البلاد رئيساً للوزراء.
ولم تمض أيام حتى قامت المخابرات المركزية الأمريكية بالتعاون مع البريطانيين في تدبير انقلاب أطاح بمصدق ومكّن الشاه من العودة إلى إيران، وحكم على مصدق بالسجن 3 سنوات ثم قضى حياته بعدها تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته عن 87 سنة في سنة 1967.

الجمعة، 27 مارس 2015

حدث في الخامس من جمادى الآخرة

في الخامس من جمادى الآخرة من سنة 1286، الموافق 12 أيلول/سبتمبر 1869، ولد في روما المستشرق الإيطالي لْيونِهْ كايتاني، أو كيتاني، Leone Caetani، مؤسس المدرسة الاستشراقية الجديدة في إيطاليا، وأحد المؤلفين المكثرين في التاريخ الإسلامي وبخاصة باللغة الإيطالية. ومعنى لْيونِهْ بالإيطالية: الأسد.
ولد كايتاني لعائلة من أعرق العائلات الإيطالية النبيلة الثرية، ويعود أصل العائلة واسمها إلى بلدة جاييتا Gaeta الواقعة على البحر المتوسط شمال نابولي، وينتمي إلى عائلته اثنان من من البابوات السابقين، هما البابا جيلاسيوس الثاني الذي تولى البابوية فترة شهور قصيرة قبل موته في سنة 512=1119م، والبابا بونيفاسه الثامن، واسمه بندكيت كايتاني، الذي تولى البابوية من سنة 693=1294 إلى موته في سنة 703=1303، وكان له دور في توطيد مكانة العائلة وثروتها، فقد كان البابا في تلك الحقبة ملكاً دنيوياً وزعيماً روحياً، فعين أفراد عائلته في الجيش وبعض مناصب الدولة، ومنحهم من الإقطاعات ما ينتاسب مع هذه المناصب، كما تسنم بعدها عدد من أفراد الأسرة مناصب هامة في روما والدولة الإيطالية في القرنين الماضيين، وعُرفوا برعايتهم للأدب والفن، وكانت عمته إرسيليا أول امرأة تنال عضوية الأكاديمية الإيطالية، وللعائلة عدة مؤسسات ثقافية في إيطاليا إلى يومنا هذا منها قلعة من القرون الوسطى وحديقة تخلب الألباب.
وكان والده أُنوراتو، المولود في سنة 1842 والمتوفى سنة 1917، يلقب بأمير تيانو الرابع ودوق سيرمونيتا الرابع عشر، وكان وزير خارجية إيطاليا وعضواً في مجلس النواب الإيطالي وانتخب كذلك عمدة لروما، وكان الرئيس الثاني للجمعية الجغرافية الإيطالية، أما أمه فهي ابنة أسرة إنجليزية نبيلة تزوجها والده أثناء إقامة طويلة له في إنجلترا، وكان ليونه أول أولاد خمسة لوالده، فورث عنه اسم الأمير ولقبه الرسمي: دوق سيرمونيتا، وصار أخوه ليفيو سفير إيطاليا في إيران وأخوه جيلازيو سفيرها في أمريكا.
توجه كايتاني لدراسة اللغات الشرقية في سن الخامسة عشرة، ثم تابع ذلك في قسم الآداب من جامعة روما فدرس العربية والعبرية والفارسية والسنسكريتية والسريانية، على يد شيخ المستشرقين المعمَّر إغنازيو جويدي، المولود سنة 1260= 1844 والمتوفى سنة 1354=1935،  وتخرج من قسم الآداب من جامعة روما في سنة 1891، وقام وهو لا يزال طالباً بأولى رحلاته فزار في سنة 1889- 1889 مصر واتجه جنوباً حتى خزانات النيل ثم دخل شبه جزيرة سيناء وزار دير القديسة كاترينا، وعرج في عودته على إزمير فاستانبول فاليونان، وكتب عن رحلته إليها كتاباً صغيراً نشره في سنة 1891 بعنوان: في صحراء سيناء، ثم قام برحلة في آخر سنة 1889 إلى الجزائر وتونس وزار فيها مع دليلين مسلمين من البربر وهران وتلمسان ودخل الصحراء الجزائرية حتى وصل بسكرة وتقرت، ومنها إلى تونس وطرابلس، وفي سنة 1894 قام برحلة ثالثة بدأت من القاهرة فالقدس ثم شكّل قافلته الصغيرة فسافر من القدس إلى دمشق فتدمر فدير الزور، ثم زار اليزيدين في جبل سنجار قرب الموصل ثم عرج على النجف وكربلاء، ثم تابع إلى إيران فزار أهم المدن الإيرانية، ومنها عبر إلى روسيا وعاد منها براً إلى إيطاليا. وفي سنتي 1899-1900 قام كايتاني برحلة في الهند دامت 6 أشهر زار فيها مدنها ومعالمها الإسلامية، وشارك في الصيد بالفهود التي كانت لا تزال باقية في بعض المناطق، وفيها رأى لأول مرة من يفوقه في طوله البالغ 194سم، وفي سنة 1908 قام برحلة إلى مصر والشام دامت بضعة أسابيع زار فيها مواقع المعارك الإسلامية الفاصلة مثل المتعلقة بفتوح مصر والشام مثل أجنادين واليرموك ودمشق.
تزوج كايتاني في سنة 1901 من السيدة فيكتوريا كولونّا التي تنتمي لأسرة رومانية عريقة أخرى، ولكن الزواج لم يكن ناجحاً لاختلاف المزاج بين الباحث المحب للوحدة والذي يدفن نفسه في مكتبته ويأنس بكتبه وأبحاثه، وبين سيدة المجتمع المرموقة التي لا تتخلف عن الحفلات والمناسبات الاجتماعية، ولم ينجبا إلا ولداً وحيداً ذا إعاقة فكرية أرسل إلى مدرسة داخلية في سويسرا ثم توفي بعد العاشرة، ولذا أخفق هذا الزواج، وعاشر كايتاني امرأة أخرى هي أوفيليا فابياني،  وجاءته منها في سنة 1917 ابنته التي أسماها ﺳْﭭْﻴﭭا، وكان من المستحيل آنذاك أن يطلق كايتاني زوجته ويتزوج أوفيليا، كما كان من المستحيل أن تحمل ابنته اسم عائلته، فقد كان المجتمع الإيطالي ملتزماً أشد الالتزام بالتعاليم الكاثوليكية التي تحرم الطلاق، وقد قال عن ذلك كايتاني فيما بعد في رسالة أرسلها إلى صديقه ديلافيدا فقال: لقد اخترت زوجة ليس لديها أية اهتمام بدراساتي التي هي محور تفكيري، ولذا لم تقدم لي من الحياة سوى الحزن والصعوبات. وانتقد النظام الاجتماعي فقال: ولدت بنيتي في ظروف بتعامل معها قانون الأسرة بنفاق شديد القسوة.
وسار كايتاني على نهج أسرته فخاض غمار السياسة وانتمى للحزب الديمقراطي الدستوري، وانتخب نائباً عن روما في البرلمان الإيطالي في سنوات 1909-1913،  وتبدت ميوله الحرة، والتي نبزت بالاشتراكية آنذاك، عندما قامت حكومة رئيس الوزراء جيوليتي بغزو ليبيا في سنة 1911، فقد كان أحد نائبين عبرا عن معارضتهما الصريحة للحرب، ورغم أن إحدى نظريات كايتاني كانت نظرية تقوم على أن الإسلام كان الرد الآسيوي على هيمنة الحضارة الأوربية القائمة على أسس إغريقية رومانية، إلا أنه كان يرى أنه يجب إقامة علاقة حسنة مع العالم الإسلامي، وأن تطور العالم الإسلامي ينبغي أن يكون تطوراً ذاتياً غير مفروض عليه.
واعتبرت الطبقات العريقة تشبيه كايتاني لغزو ليبيا باللصوصية المسلحة خيانة للوطن وعاراً عليها، وتهكم عليه بعض السفهاء من السياسيين فنبزوه بأنه النائب التركي في البرلمان الإيطالي، وبسبب ذلك لم ينجح في انتخابات البرلمان في الدورة التالية، ولم يمنع هذا كايتاني من التطوع في الجيش عندما دخلت إيطاليا الحرب العالمية الأولى في سنة 1915، وخدم في سلاح المدفعية على الجبهة النمساوية في جبال الدولوميت حتى وضعت الحرب أوزارها في سنة 1918.
كان كايتاني عالماً ذا همة عالية ودأب لا ينقطع، موسوعياً مولعاً بالمشاريع الضخمة، وقد خلد ذكره كتابه العظيم: حوليات الإسلام، Annali dell' Islam، الذي صدرت منه 10 مجلدات تغطي السيرة وحياة الخلفاء الراشدين مرتبة على السنوات من السنة الأولى للهجرة إلى سنة 40 للهجرة، وتعد قرابة 5000 صفحة، وكان في مخططه أن يستمر فيها حتى انتهاء الحقبة الأموية في سنة 132، وقدر أن تبلغ 25 مجلداً، والكتاب مزين بالرسوم والخرائط، واستقصى فيه كايتاني ما توفر لديه من المصادر العربية وقارنها بما وصل إليه من المصادر اللاتينية والسريانية، ليصل وفق اجتهاده إلى الحقائق التاريخية أو يقترب منها، وكان يرسل مسودات الطبع إلى عدد من المختصين بالتاريخ ليتفضلوا عليه باقتراحاتهم وملاحظاتهم، وهو في هذا كله ينفق من ماله الخاص، وقد صدر الجزء الأول من الحوليات في سنة 1904، وطبع منه 300 نسخة فقط، وصدر العاشر في سنة 1926، ولكن كايتاني ألفها كلها قبل سنة 1915.
ويبدو أن فكرة تصنيف هذا الكتاب راودت كايتاني منذ سن الدراسة، فجمع منذ ذلك الوقت مكتبة واسعة حول تاريخ الإسلام، وكان في رحلاته يتوخى الوقوف على المواقع التاريخية، فهو مثلاً قد زار مكان موقعتي اليرموك وأجنادين، وتولى كايتاني العمل في كتابه بمفرده في البداية ثم استعان بثلاثة من أمهر دارسي العربية والذين أصبحوا فيما بعد من كبار المستشرقين الإيطاليين، وهم: ميكلنجلو جويدي، المولود سنة 1886 والمتوفى سنة 1940، وجورجيو ليفي دلافيدا، المولود سنة 1886 والمتوفى سنة 1967، وجوزبّه جابريلّي، المولود سنة 1872 والمتوفى سنة 1942، وكلفهم بترجمة بعض المصادر العربية التي احتاج إليها في تآليفه، ولم يكن لهم أي دور في تحرير كتابه.
ولما صدر الكتاب وأحدث وقعاً كبيراً في إيطاليا وخارجها، روج بعض المغرضين إشاعة أن الكتاب من تأليف هؤلاء المساكين الذين استغلهم الأمير الثري ثم وضع اسمه على الكتاب، ولعل للأيدي الفاشية دوراً في ذلك، فقام كايتاني برفع الأمر للقضاء، فشهد هؤلاء الثلاثة أنهم لم يكتبوا كلمة واحدة في تحرير الكتاب، وأن عملهم اقتصر على ترجمة ما كلفهم به كايتاني من نصوص من العربية إلى الإيطالية، وصدر حكم القضاء مؤكداً أن الكتاب من تأليف كايتاني فهو وحده الذي قام بنقد المصادر التاريخية وتصوير الأحداث وتحقيق الوثائق وتحليل المواقف.
وهنا ننقل بتصرف عن كتاب موسوعة المستشرقين للمرحوم الدكتور عبد الرحمن بدوي، المولود سنة 1335=1917 والمتوفى سنة 1323=2002، تقييمه لهذا الكتاب الضخم، يقول: ينزع كايتاني نزعة نقدية مفرطة تتسم بالشك المبالغ فيه أحياناً في قبول وثائق التاريخ الإسلامي، ويهمل الجانب الديني تماماً مع إبراز العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجغرافية، ولم يحسب أي حساب لتأثير الإيمان بالدين الجديد في نفوس العرب الفاتحين، ولا في تفسير نفوذه أولاً في الجزيرة العربية نفسها.
ثم يقول الدكتور بدوى مبيناً ميزة الكتاب الكبيرة في حينها والنقلة الكبيرة التي أحدثها في منهج دراسة وكتابة التاريخ الإسلامي لدى المستشرقين، وأنه يمثل من أحد جوانبه رد الاعتبار للدين الإسلامي ورسوله، بعد قرون من استصغار الإسلام والتهجم على رسوله الكريم،: والروح النقدية التي سادت نظرة كايتاني إلى السيرة النبوية وأولية الإسلام لم تصدر عن تحامل على الإسلام كما هو الحال عند كثير من المستشرقين، بل عن نزعة وضعية في معالجة أحداث التاريخ على النحو الذي صار شائعاً عند المؤرخين ذوي النزعة العلمية الوضعية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
ونورد مثالاً على النزعة الوضعية ما كتبه في تحليله لحركة الردة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد صنف القبائل العربية من حيث علاقتها بالردة إلى خمسة أصناف، فوضع في الصنف الأول القبائل التي أسلمت منذ مدة طويلة وخضعت لسلطة المدينة خضوعاً تاماً، ووضع في الصنف الثاني القبائل التي تعاقدت مع الرسول واشتركت في المدة الأخيرة في حروبه وقد كان فيها على إسلامها أقلية مختلفة تنتهز الفرص للتملص من سلطة المدينة، ووضع في الصنف الثالث القبائل الساكنة على حدود المملكة الإسلامية، فخضعت هذه القبائل سياسياً لسلطة المدينة، ودفعت الصدقات إلى الرسول، وفيها أكثرية تتحين الفرص للرجوع إلى حالتها القديمة، ووضع في الصنف الرابع القبائل التي لم تخضع لسلطة المدينة، بل اكتفت بإرسال الوفود إلى الرسول وتظاهرت بالخضوع له، وفيها أقلية مسلمة ضئيلة تستند إلى قوة المسلمين في المدينة للاحتفاظ بمنزلتها، وأوفد الرسول إليها عمالاً ليمثلوا الإسلام، وليعلموا المسلمين أمور الدين، ويمثلها بنو حنيفة وعبد القيس وأزد عمان وأكثر قبائل حضرموت واليمن، أما القبائل التي وضعها في الصنف الخامس فهي القبائل التي لم تسلم وكانت نصرانية أو مشركة.
قال المرحوم الفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان حرب الجيش العراقي، بعد أن أورد ما سبق: ولكني لا أجاري المؤرخ الطلياني في تصنيفه هذا؛ فلم يكن تأثير الردة في القبائل على نمط واحد، بل كان الأثر يختلف باختلاف العوامل، والواقع أن الرسول لم يمت إلا وقد ظهرت حركة الردة في القبائل، فمنها من طلب إعفاءه من إعطاء الزكاة، ومنها من امتنع من إعطائها، ومنها من قدّم رِجْلاً وأخّر أخرى في ذلك فأمسك عن الصدقة، وأخيراً منها من ارتد وطرد عمال الرسول أو قتل المسلمين ومثل بهم.
وكان المشروع الثاني لكايتاني هو كتابة تاريخ موجز للإسلام منذ السنة الأولى للهجرة وحتى سنة 922 التي استولى فيها الأتراك العثمانيون على مصر، ولكن لم تظهر منه غير ست كراسات تبدأ في سنة الهجرة وتنتهي في سنة 144.
والمشروع الثالث لكايتاني كان تصنيف معجم الأعلام العربية، وهو معجم أبجدي لأسماء الأشخاص والأماكن المذكورة في كتب التاريخ والتراجم والبلدان، وقد عاونه في هذا العمل المستشرق جوزيِه جابريلّي، ولم يصدر منه سوى مجلدين: المقدمة بقلم جابريلّي ومجلد فيه قسمين من حرف الألف.
والمشروع الرابع لكايتاني خارج عن نطاق الإسلام والعالم الإسلامي وكان يهدف إلى وضع معجم شامل للمؤلفين الإيطاليين ومؤلفاتهم، ولم يصدر منه إلا مجلد واحد وصل فيه إلى أول حرف الباء.
وإلى جانب هذه المشاريع نشر الأمير كايتاني جزءاً من كتاب تجارب الأمم لمسكويه، في شكل صور عن المخطوطة الموجودة في حوزته، ولكنه صدّره بمقدمات مفيدة وذيله بفهرس واسع وهو أمر لم يكن مألوفا في ذلك الوقت، ونشرت الكتاب مبرة جيب الخيرية في سنة 1910 التي أنشأتها والدة المستشرق إلياس جيب تخليداً لذكرى ابنها المتوفى سنة 1901 عن 44 سنة.
جمع كايتاني مكتبة زاخرة بالكتب النفيسة وبالمخطوطات ومصوراتها النادرة، وأضاف إليها ما استنسخه من مكتبة المستشرق الأسباني الأب آسين بلاثيوس، ويذكر الأستاذ الزركلي عدداً من المخطوطات التي حوتها، ولا أدري هل زار مؤسسة كايتاني التي تحويها واطلع عليها، أم نقل ذلك عن غيره، وقد زار كايتاني في سنة 1913 الأستاذ محمد كرد علي ومكث في ضيافته بضعة أيام وضع الأمير تحت تصرفه مكتبته ولم يمنعه من تصوير أو استنساخ ما يريد من كتاب أو مخطوط، وقال عنها في المقتبس: فمن زار هذه المكتبة فكأنه زار مكاتب العالم أجمع واطلع على ما فيها من المواد التاريخية والجغرافية في هذا الباب.
ويقول الأستاذ محمد كرد علي عن كايتاني: والأمير على ما رزق من الشهرة العلمية لجمعه بين المجد التالد والطارف رقيق الحاشية يغلب عليه عدم التكلف، ولما قابلته لأول مرة حاملا إليه من صديقه أحمد زكي باشا العالم المصري كتاب توصية ليقبلني للبحث في مكتبته، اعتذر عن كونه قابلني بثياب عمله، وقال إن عنده شيئا من المخطوطات العربية أخذت بالتصوير الشمسي ولا يدري إن كان فيها حاجتي، على أنه تفضل ودلني على مظانها، وما برح اليوم بعد الأخر يشير علي بالرجوع إلى كتاب كذا ففيه كذا وهو يبش، ويقول في الأحايين إنه مسرور لعثوري على شذرات تهمني، كل هذا وهو لا يضيع دقيقة من وقته الثمين.
وفي آخر سنة 1922 جرت الانتخابات في إيطاليا وأتت نتائجها بموسوليني ليصبح وهو في التاسعة والثلاثين أصغر رئيس وزراء عرفته لحينها إيطاليا، واستغل موسوليني شعبيته العارمة فوطد نزعته الدكتاتورية بتمرير قوانين تمنحه صلاحيات واسعة وتحد من الحريات العامة، وأطلق العنان لسفهاء حزبه لإرهاب معارضيه، ثم أجرى في سنة 1924 انتخابات ثانية سادها التزوير فصار الحاكم الأوحد الذي لا يجرؤ على معارضته أحد.
وحيث كان كايتاني من أعداء النظام الفاشستي الذين جاهروه بعدائهم، فقد قلق كايتاني على مصيره ومصير مكتبته الغنية إزاء نظام تقوده القسوة الغوغائية والحقد على الأحرار، وكانت الأكاديمية الإيطالية، وتدعى أكاديمية لنشاي Academia dei Lincei، قد اختارته عضوا مراسلاً لها في سنة 1911 ثم عضواً كاملاً في سنة 1919، ولذا ارتأى كايتاني أن ينقذ مكتبته بإهدائها للأكاديمية لتكون نواة لمؤسسة كايتاني للدراسات الإسلامية، وأوقف على المؤسسة من أمواله لتؤسس في الوقت المواتي، ولا تزال قائمة في روما إلى يومنا هذا ضمن الأكاديمية، وهنا ينبغي أن نذكر للطرافة أن اسم الأكاديمية مشتق من حيوان الوَشَق، وقد أطلق عليها هذا الاسم عند تأسيسها في سنة 1603إذ توسم مؤسسوها أن يكون أعضاؤها حديدي البصر مثل ما يعرف عن هذا الحيوان.
وكانت هذه القشة التي قصمت ظهر صبر كايتاني، فقد كان مهموماً أن تنشئة بنيته في وسط علية القوم ستعرضها للغيبة والازدراء والنظرات الساخرة، وأنها لن تحمل اسم كايتاني، ولذا قرر كايتاني في سنة 1927 أن يهاجر إلى كندا التي كان قد زارها في سنة 1890، فباع حصته من أملاك العائلة في إيطاليا، واشترى مزرعة في بليدة فرنون الصغيرة في غربي كندا في مقاطعة بريتش كولومبيا، ولعله اختارها لأن تضاريسها الجبلية تشبه أملاك العائلة في إيطاليا، وعاش فيها مع زوجته الثانية وابنته، ويبدو أن ذلك كانت نهاية النشاط العلمي الاستشراقي للأمير كايتاني، فلم يصدر له بعدها أي كتاب، وترك جزازاته الهائلة لدى الأكاديمية، وبقيت فيها دون تصنيف حتى سنة 2004 عندما قامت باحثة إيطالية بتصنيفها تحت إشراف المستشرقة فالنتينا ساجاري روسّي في كتاب يقارب 600 صفحة، وكانت له مساهمات في مجلات أدبية إيطالية تحت اسم مستعار، كان آخرها على مايبدو في سنة 1929.
وانقطعت صلة كايتاني بالوسط الثقافي في إيطاليا إلا قليلاً منهم صديقه جورجيو ديلافيدا الذي عانى كذلك من النظام الفاشي لكونه يهودياً، وقد أرسل ديلافيدا رسالة لكايتاني أجابه عليها برسالة مطولة نادرة قال فيها:  إنه بعد أن عمل في الزراعة وجد أنها لا تناسبه فاتجه لبيع الحطب من الأحراش الواسعة، ثم يقول بعاطفة الأب الحنون: إنه قد نذر نفسه لابنته المفعمة بالحيوية والبالغة الذكاء، وإن سعادتها تعوضه عن كل ما خسره في تركه إيطاليا، ثم قال إن مكسبه الكبير بعد ابنته هو في الوحدة والتأمل وقربه من الطبيعة، ثم ينعي على البشرية وبخاصة مثقفيها لأنهم لم يتطوروا من حالة الإنسان البدائي، ويتحدث عن حنينه لإيطاليا التي لن يراها إذ لا تزال الفاشية في إيطاليا تريد من المثقف أن يكون عبداً مسخراً لها، ولكن يأبى المثقف ألا أن يتمرد ليبقى حراً، ويضرب على هذا بعض الأمثلة منها النزاعات الدموية التي دامت قرناً بين الحنابلة في بغداد وبين ما أسماه المدارس الأكثر تقدمية.
ولما حصل كايتاني على الجنسية الكندية في سنة 1935، واتت الفرصة الحكومة الفاشية في إيطاليا، فجردته من جنسيته الإيطالية وفصلته من الأكاديمية الإبطالية، ولكنه ما لبث أن توفي بالسرطان في مدينة فانكوفر في 25 كانون الأول/ديسمبر 1935، وأقامت ابنته الرسامة والشاعرة، التي توفيت سنة 1977، في المزرعة مؤسسة ثقافية خيرية في فيرنون لا تزال إلى اليوم تحمل اسم العائلة، وفي مقبرة فرنون يوجد قبر بسيط يحمل ثلاثة بلاطات متوسطة من الرخام تشير إلى أنه يضم الأم والأب والبنت.
وينبغي أن نذكر هنا أن الأستاذ الزركلي في الأعلام ذكر أن وفاة كايتاني كانت في روما في سنة 1926، وهو في ذلك ناقل عن نجيب العقيقي في كتابه المستشرقون، ولكن الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه موسوعة المستشرقين يورد الترجمة حياته بتفاصيل دقيقة وصحيحة تؤكدها المصادر الإيطالية والأفرنجية.
وجاء بعد كايتاني فوج من المستشرقين الإيطاليين الذين ساهموا في التحقيق والأبحاث التاريخية والأثرية، وساعد في ذلك احتلال إيطاليا لليبيا ومحاولة استعمارها، وكذلك العلاقات التجارية الوثيقة بين مصر وإيطاليا والتي زادتها قوة العلاقة الشخصية بين حكام مصر من أسرة محمد علي مع ملوك إيطاليا، ولما تخلت إيطاليا عن أطماعها الاستعمارية وكادت علاقاتها مع العالم العربي تقتصر على التجارة، وزاد اهتمامها بمحيطها الأوربي، كان من المحتم أن تتأثر الدراسات الاستشراقية فيها كماً وكيفاً، وأصبح وزنها أخف بكثير مما كانت عليه في السابق، رغم المجموعات التراثية الهامة التي تحويها مكتبات الفاتيكان والأمبروزيانا والبندقية وفلورنسا.

 
log analyzer