الجمعة، 12 ديسمبر 2014

حدث في العشرين من صفر

في العشرين من صفر من عام 1357، الموافق 21 أبريل 1938، توفي في لاهور، عن 63 سنة، الشاعر محمد إقبال، أعظم شعراء اللغةالأردية في العصر الحديث، والفيلسوف الذي دعا لنهضة المسلمين وتجديد الروح الإسلامية، وفي سبيل ذلك أرسى الأسس الفكرية لقيام دولة إسلامية مستقلة في شبه القارة الهندية كانت هي الباكستان.
ولد إقبال في سنة 1294=1877 في مدينة سيالكوت، في شمال شرقي باكستان اليوم، وينحدر من سلالة أسرة وثنية في كشمير كانت تنتمي إلى طبقة بانديت، أي العلماء، والتي تعد عند البراهمة أرقى الطبقات في النظام الهندوسي، دخل أفرادها في الإسلام منذ 300 سنة على يد أحد مشايخ الصوفية، ثم هاجرت إلى البنجاب، وكان والده، شيخ نور محمد، الذي لم يتلق تعليماً نظامياً، يعمل خياطاً وكان معروفاً بالصلاح والإقبال على الطاعات، وكانت أمه امرأة ذات أدب وتواضع محبوبة بين جيرانها لمساعدتها الفقير وإصلاحها بين الناس .
درس إقبال في سيالكوت في الكُّتاب ثم دخل المدرسة الإرسالية الإسكوتلندية الثانوية، وبعد إتمامها بتفوق درس في كلية سيالكوت على العالم الكبير مير حسن الذي كان يشار له بالبنان في الأدب الفارسي والعربي، وهو الذي بثّ في نفسه حب الأدب الشرقي، وتعلم منه إقبال اللغة الفارسية والعربية، وتخرج منها في سنة 1895.
ثم انتقل إقبال إلى الكلية الحكومية في مدينة لاهور وعاصمة البنجاب القريبة، وتخرج منها سنة 1899 وتابع دراسته فيها فنال الماجستير سنة 1899، وكان الأول على أقرانه فعُين مدرساً للفلسفة فيها، وكان من أساتذته في لاهور المستشرق سير توماس أرنولد، المولود سنة 1280=1864 والمتوفى في لندن سنة 1349=1930، وفي هذه الفترة بدأ إقبال يقرض الشعر وأصبح من الشعراء المرموقين، وفي نفس الوقت تخرج من كلية الآداب بامتياز وصار مدرساً للفلسفة في إحدى الكليات،
وفي هذه الفترة نظم إقبال، وهو في السابعة والعشرين، نشيد الشعب الهندي: سارِ جهان، وفيه يفتخر بالهند وأقوامها ومحبة أبنائها لها، ونورد بعضاً منه لنلحظ التطور الفكري لإقبال، من معتز بالقومية الهندية إلى منادٍ بالرابطة الإسلامية في نشيده الإسلامي المعروف:  الصين لنا والهند لنا، الذي نظمه بعد 5 سنوات، يقول إقبال:
هندنا أجمل بلدان العالم، نحن البلابل وهي دوحتنا
ولئن طرنا بعيداً في غربتنا فإن قلبنا يبقى في الوطن
وما نحن إلا حيث يوجد فؤادنا
والدين لا يعلمنا أن نحمل حقداً فيما بيننا
نحن الهنود أبناء الهند
قد أفلت دون أثر شمس اليونان ومصر والرومان
وبقي اسم الهند وشعار الهند وخصال الهند
من يقدر أن يمحي وجودنا حتى ولو عادانا الزمن قروناً كثيرة
إيه إقبال! لا يوجد قريب نبثه أشجاننا في هذا العالم
من عساه يدرك ما نخفي من آلام
ونظراً لتفوقه نال إقبال منحة دراسية وسافر في سنة 1905 إلى جامعة كامبريدج في بريطانيا لمتابعة دراسته، ونال منها شهادة الفلسفة في سنة 1906، ثم قدم امتحان المحاماة في نفس السنة ونجح فيه، وفي سنة 1907 ذهب إلى جامعة ماكسميليان في ميونيخ في ألمانيا ونال منها درجة الدكتوراه في الفلسفة في سنة 1908، وكان موضوع رسالته تطور فكر ما وراء الطبيعة في فارس، ثم رجع إلى إنكلترا والتحق بجامعة لندن ونال منها شهادة المحاماة.
ولم يندفع إقبال وراء ملاهي الغرب ومغرياته، بل كان يسعى لخدمة الإسلام والدعوة له، وألقى في غضون إقامته في إنجلترا محاضرات عن الإسلام بين العامة والخاصة كان لها وقع كبير ، ذلك إن المسلمين في ذلك الوقت كانوا جزءاً كبيراً وهاماً من رعايا التاج البريطاني.
ورجع الدكتور إقبال إلى الهند سنة 1908، وقد سبقته شهرته وأعماله فأقيم له حفل استقبال شارك فيه حشد كبير من جميع الأجناس والطبقات والأديان والملل، وعمل لفترة وجيزة محامياً لدى محكمة لاهور العليا، ثم ترك العمل وتفرغ للأدب، وأصبح عضواً نشيطاً في جمعية حماية الإسلام، ورفض إقبال غير مرة المناصب الحكومية التي عرضت عليه، وآخرها منصب ممثل الحكومة الهندية لدى حكومة جنوب أفريقيا، وهو منصب ذو مرتب وفير وشرف عظيم، فقد كان إقبال رجلاً قنوعاً، عزيز النفس؛ يقنع بالكفاف ويرضى بالميسور، قال في ديوانه رسالة الشرق:
أنا لا أتحمل مِنّة الملوك ولا ذلة اليد السفلى
يا من خدعك الطمع: اعتبر بهمة هذا الفقير
وعمل إقبال مع رابطة مسلمي عموم الهند التي كانت تسعى لتقوية مكانة المسلمين في الهند والحصول على حقوقهم، ولكنه أصيب بخيبة أمل عندما رأى أغلب زعمائها منشغلين بالنزاعات بين كتلهم المختلفة، ورغم اختلافه مع محمد علي جناح وانتقاده له في عدد من المواقف، إلا أنه كان يرى أنه الزعيم السياسي الوحيد الذي يمكنه توحيد المسلمين للحصول على حقوقهم، ولذا كانت علاقته مع جناح علاقة وثيقة جداً، وهنا نتوقف قليلاً لنتحدث عن حركة استقلال الهند عن الاستعمار البريطاني.
تعود جذور حركة الاستقلال في الهند إلى منظمة المؤتمر الهندي الوطني التي تأسست سنة 1885 بصفة جمعية فكرية، وتحولت مع الأيام إلى حركة تتحدث باسم الهند في الظاهر، والهندوس في الواقع، وانضم إليها فيما بعد أعضاء مسلمون كان محمد علي جناح من أبرزهم، ومرت على الحركة أطوار فكانت تسودها النزعة الهندوسية أحياناً كثيرة وأحياناً تخبو هذه النزعة مثلما حصل في أيام المهاتما غاندي، وأصبح المؤتمر القوة الرئيسة في الهند التي تستطيع القول إنها تمثل كافة الهنود من مختلف الأعراق والأديان والطبقات.
أصدر إقبال بعد عودته ديوانين باللغة الفارسية هما أسرار خودي في سنة 1915، أي أسرار الروح، وفي سنة 1918 رموز بيخودي، أي رموز إنكار الذات، فنالا إعجاب أهل الأدب والعلم في الهند، وكان لهما وقع خاص في صفوف الشباب المسلم، لما تضمناه من أفكار تدعو لنهضة إسلامية، وترجم الأول إلى الإنجليزية في سنة 1920 المستشرق رينولد نيكولسون، المولود 1868 والمتوفى سنة 1945، فذاع به صيت إقبال في الأوساط الأدبية والفلسفية الغربية، ومنحته الحكومة البريطانية في سنة 1922 لقب سير تقديراً لشاعريته وأفكاره الفلسفية.
وفي سنة 1926 ناشده أحبابه وأصدقاؤه وأهالي لاهور أن يرشح نفسه لعضوية المجلس التشريعي في إقليم البنجاب، فلم يقبل، فلما ألحوا عليه كثيراً قبل ذلك، وانتخب عضواً بأكثرية ساحقة، وفي المجلس سعى إقبال سعياً حثيثاً لتخفيف الضرائب الفادحة عن كاهل الفلاح الهندي، وبمساعيه سن إقليم البنجاب قانوناً يعاقب كل من يطعن في شرائع دين لا ينتمي إليه أو أحد رؤساء ذلك الدين، وهدف القانون ضمان السلم الاجتماعي والبعد عن الإثارة والتوتر في المجتمع، وقدم إقبال كذلك مشروع قانون يهدف إلى تقليص شرب الخمور بغرض تحريمها البتة في مدة 15 سنة، وفي سنة 1928 أثار إقبال في المجلس التشريعي قضية إن كانت الأراضي هو ملك الحكومة أم ملك الشعب؟ وفي سنة 1932 عند مراجعة المجلس لميزانية الحكومة كانت له كلمة أثبت بالدلائل الناطقة والشواهد الصادقة أن الأراضي ليست ملكاً للحكومة فلا يجوز لها إثقال كاهل الفلاح بالضرائب الفادحة على أراضيه.
وفي أواخر سنة 1928 دعته جمعية إسلامية في مَدَراس في جنوبي شرقي الهند لإلقاء محاضرة عن الإسلام، فلبى الدعوة، فلما وصل إلى مدراس احتفل به أهاليها من جميع الأجناس والملل احتفالاً باهراً، وأقيمت لتكريمه مآدب كثيرة من قبل جمعيات مختلفة منها جمعية العلماء البراهمة وغيرها من جمعيات الهندوس، ومن مدراس توجه إقبال إلى حيدر آباد تلبية لدعوة مير عثمان علي نظام حيدر آباد، فمر بإمارة ميسور، وهي إمارة هندوسية كبيرة في جنوب إمارة حيدر آباد، فلما وصل إلى بانجلور استقبله حشد كبير من الطلبة والعلماء والوجهاء، وكان بينهم رئيس وزراء ميسور أمين المُلك ميرزا إسماعيل، فسافر معهم إلى العاصمة ميسور، ونزل ضيفاً على مهراجا ميسور الهندوسي، وأقيمت لتكريمه مآدب كثيرة أهمها مأدبة جامعة ميسور التي خطب فيها عالم هندوسي كبير وهو أستاذ الفلسفة بالجامعة فقال: إن المسلمين مهما قالوا إن إقبال منهم، فإن الحقيقة أنه منا جميعاً، هو ليس من ملك دين واحد أو جماعة واحدة، فإن افتخر المسلمون بأنه من أبناء دينهم، فلسنا نحن الهندوس بأقل فخراً منهم بأنه من أبناء وطننا الهند.
ومن ميسور توجه إقبال إلى حيدر آباد، فاستقبله جمع غفير من جميع الأجناس والملل، بينهم كبار الحكومة وأساتذة الجامعة وطلبتها وغيرهم، واصطف طلبة المدارس في محطة القطار والشوارع ينشدون نشيد المسلم الذي نظمه إقبال باللغة الأردية والمشهورة ترجمته:
الصين لنا والهند لنا ... والعرب لنا والكل لنا
أضحى الإسلام لنا ديناً ... وجميع الكون لنا وطنا
ونزل إقبال ضيفاً على نظام حيدر آباد، وألقى محاضرات عديدة بالجامعة العثمانية بحيدر آباد، ثم توجه من حيدر آباد إلى الجامعة الإسلامية في عليكره تلبية لدعوتها، فحاضر فيها كذلك، وجمع إقبال هذه المحاضرات، وعددها ست، في كتابه تجديد الفكر الديني في الإسلام.
ويدعو إقبال في كتابه إصلاح الفكر الديني في الإسلام إلى إعادة النظر في الأسس الفكرية التي اتسمت بها الفلسفة الإسلامية في السابق، والتي قامت على أساسها المجتمعات وتعامل وفقها الأفراد في أمورهم الدينية والدنيوية، وينطلق إقبال من أن التغيير المستمر والسعي وراء التطور هو سنة الله في الخلق، ولا مناص للمسلمين أن يتجاوبوا مع السنن الإلهية، وما تجلبه من مستجدات، ولذا فلا بد أن يراجعوا على ضوئها فلسفتهم في أساليب الحياة الفردية والمجتمعية وكيف يتمثلون رسالة الإسلام فيها، وعلى سبيل المثال يرى إقبال: أن نظام الحكم الجمهوري علاوة على انسجامه تمام الإنسجام مع روح الإسلام، فإنه قد أصبح ضرورة في عالم اليوم نظراً لما طرأ من تغير على القوى المؤثرة اليوم في المجتمعات والبلاد الإسلامية. وهو يرى كذلك أن: الدعوات الصوفية الصادقة قامت في السابق بعمل جليل لا شك فيه في تشكيل وتوجيه الحياة الإسلامية في مجتمعاتها، ولكن قادتها اليوم، وبسبب انغلاقهم وجهلهم بالفكر المعاصر، أصبحوا عاجزين تمام العجز عن استيحاء أية تجديد من الأفكار والتجارب المعاصرة، فهم يكررون أساليباً استحدثت وثبت صلاحها ولكن في أزمنة وأجيال مختلفة جد الاختلاف في  الثقافة والمدارك والظروف عن أجيال اليوم.
وفي سنة 1349=1930 انعقد في لاهور المؤتمر السنوي لرابطة مسلمي عموم الهند، وألقى فيه إقبال خطاب الرئاسة، الذي تحدث فيه صراحة عن إقامة دولة مسلمة في الهند، قال إقبال في خطابه: إنني أتطلع لأن أرى البنجاب وولاية الحدود الشمالية الغربية والسند وبلوشستان تنضوي في دولة واحدة، وتتمع بالحكم الذاتي ضمن الإمبراطورية البريطانية أو خارجها، إنني أعتقد أن قدر المسلمين الهنود، أو على الأقل من هم في شمالي شرقي الهند، أن ينخرطوا في دولة مسلمة في شمال غربي الهند. وكان لخطاب إقبال دوي هائل في الأوساط الهندية مسلمها وهندوسيها، فقد كانت هذه أول مرة يتحدث فيها المسلمون من محفل عام وبصورة شبه رسمية عن رغبتهم في الانفصال عن الهند والاستقلال في دولة يكونوا الأغلبية فيها.
وهنا افترق مسير إقبال عن درب محمد علي جناح الذي بقي في المؤتمر محبذاً استقلال الهند في دولة واحدة متعددة الأديان والأعراق، أما إقبال فقد عارض المؤتمر ومقترحاته حول الاستقلال التي لم تتضمن أن تتمتع الولايات ذات الأغلبية المسلمة بقدر كبير من الاستقلال أو بحكم ذاتي، وذلك ما كانت عليه في ظل الاستعمار البريطاني أغلب الولايات المسلمة أو التي يحكمها المسلمون، وبقي إقبال يدعو لمبدأ أمتين في دولتين حتى آخر أيامه، واستطاع أن يجتذب لهذه الفكرة حشود الشباب والطبقات الدنيا والوسطى من المسلمين، ذلك إن إقبال في دعوته لإقامة دولة مسلمة هاجم كذلك الإقطاعيين الذين يسخرون الفقراء ولا يكترثون بمعاناتهم ولا يحترمون حقوقهم، والمحتكرين الذين يتلاعبون بمعايش الناس وأقواتهم، وكان لذلك صدى كبير في بلد كالهند يموج بالفقراء المسحوقين.
وفي سنة 1931 انتخبت حكومة البنجاب محمد إقبال عضواً ليمثلها في مؤتمر المائدة المستديرة المنعقد في لندن بشأن الإصلاح الدستوري في الهند، فسافر إلى لندن، وألقى في جامعة كامبردج محاضرة مما جاء فيها: إنني أنصح الطلبة الشباب أن يأخذوا حذرهم من الإلحاد والمادية، وأقول إن أكبر خطأ اقترفته أوربا هو الفصل بين الكنيسة والدولة، فقد حرم ذلك ثقافتها من روحها الأخلاقية وجعلها مادية ملحدة. لقد قلت هذا منذ 25 عاماً، في سنة 1907، وما تنبأت به صار حقيقة، لقد كانت الحرب الأوربية [العالمية الأولى] نتيجة لهذه الأخطاء  التي ارتكبتها الأمم الأوربية. وفي عودته إلى الهند بالسفينة، عرج إقبال على القدس تلبية لدعوة من المؤتمر الإسلامي بالقدس، وزار مصر أيضاً وألقى باللغة الإنجليزية محاضرة في جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة كان موضوعها: دور الإسلام في التغييرات التاريخية.
وفي سنة 1933 كانت أفغانستان تحت حكم الملك نادر شاه خان، المولود بالهند سنة 1300=1883 والمتوفى غيلة سنة 1358=1933، وكان هذا الملك قد تسنم الحكم قبل سنوات 3، بعد الإطاحة بالملك أمان الله خان بسبب جنوحه للتغريب على منهج أتاتورك، فأراد نادر شاه متابعة الإصلاح ولكن على منهج يناسب البلاد وتمسكها بالإسلام وتشددها في تقاليدها القبلية، وفي سنة 1932 بدأت جامعة كابل في قبول أول طلابها، فأراد نادر شاه أن يكون لها نصيب من أفكار إقبال التجديدية، فدعاه مع عالمين كبيرين هنديين وهما الأستاذ الحقوقي رُسّ مسعود رئيس الجامعة الإسلامية بعليكره، المولود سنة 1306=1889 والمتوفى سنة 1356=1937، والشيخ العلامة السيد سليمان بن حكيم الندوي من ندوة العلماء بلكنو، والمشهور بكتاباته في السيرة النبوية، فلبى إقبال وصاحباه الدعوة، ومما ذكره الأستاذ  الندوي أنه حينما زار محمد إقبال الملك نادر شاه أول مرة في كابل جعلا يبكيان ساعة من الزمن، والقوم صامتين ينظرون إلى مسلمَين مخلصَين، أحدهما حكيم والآخر ملك، يتكلمان بدموع العين. وفي هذا السفر صنف إقبال ديوانه المسمى مسافر باللغة الفارسية.
وفي سنة 1934 سافر إقبال لزيارة البلاد الإسلامية في المغرب ولمشاهدة الآثار الإسلامية في الأندلس وصنف في هذا السفر ديواناً باللغة الأردية سماه بال جبريل، أي جناح جبريل، وفي أواخر السنة دُعي إلى إنجلترا لإلقاء محاضرات في فلسفة الدين فلبى الدعوة.
وبقي إقبال في ما تبقى من عمره يؤيد الرابطة الإسلامية ويعمل في حشد التأييد لها وجمع التبرعات المالية لدعمها في الهند وخارجها، في سفر دائم ودأب لا ينقطع، وابتدأ المرض به في سنة 1933 وتسلل إليه رويداً رويداً حتى صار قعيد الفراش في معاناة شديدة من تباريح الوجد والشوق إلى زيارة بيت الله الحرام وقبر النبي صلى الله عليه وسلم  التي لم تقدر له، إلى أن وافته المنية ونعته الجهات الرسمية والشعبية، ورثاه المسلمون والهندوس، ولم تتحق أمنيته في قيام دولة مسلمة إلا حين شعر محمد علي جناح بعد وفاة إقبال بسنتين أن المؤتمر الوطني الهندي لا يريد أن ينصف المسلمين في حقوقهم وتطلعاتهم، فاتجه لفكرة الدولتين التي دعا إليها إقبال، فوجد جناح أرضاً خصبة وجماهير جاهزة، بفضل جهاد إقبال ودعوته.
لا يكتمل الحديث عن إقبال إن لم نعرج على شعره ونقف في ساحه، ولذلك نرجع إلى دراسة في مجلة الرسالة عن شعر إقبال للسيد أبي النصر أحمد الحسيني الهندي وأخرى للأستاذ مسعود الندوي، نقتبس منهما تقسيم مراحل الشاعرية لدى إقبال إلى ثلاثة مراحل:
المرحلة الأولى هي دور نشأته إلى سنة 1905: ويبدأ من حين كان إقبال لا يزال فتى يافعاً وطالباً بالمدرسة، حين بدأ ينظم الشعر باللغة الأردية، وينال عليه استحسان زملائه الطلبة، ويجمعهم حوله اغتباطهم بحدة ذكائه وتفوقه عليهم في الشعر، فكانت شهرة إقبال في الشعر بادئ ذي بدء محصورة بين أترابه وأقرانه، فلما انتقل من كلية سيالكوت إلى كلية الحكومة بلاهور بدأ يشترك في مجالس الشعراء ويقول القصائد في الاحتفالات السنوية لجمعية حماية الإسلام الشهيرة بلاهور، فذاع صيته بين الخاص والعام.
ومعظم شعره في هذا الدور باللغة الأردية، ويتميز بسعة الخيال، وابتكار المعاني، وتتجلى فيه روح الحب وطلب الجمال، ولكنه خال من دقة الفكر والتعمق بالنسبة إلى شعره في الأدوار أخرى.
ويتعلق الدور الثاني بالزمن الذي قضاه إقبال في أوروبا من سنة 1905 إلى سنة 1908، وكان نظمه في هذا الدور أقل غزارة من الدورين الآخرين، ويمتاز بأن أثر مشاهدات أوربا بادٍ فيه، ولكن روح الحب وطلب الجمال لا تزال متجلية فيه، وأكبر مزية لهذا الدور أن بدأت فيه أفكاره الشعرية تعلو وتتسع حتى ضاق عنها نطاق اللغة الأُردية الحديثة السن فمال إلى الفارسية وبدأ يعبر بها عن إلهامه الشعري.
وأما الدور الثالث فيبتدئ من بعد عودة إقبال من أوروبا إلى الهند في سنة 1908، وهو الأهم، فالنزر القليل الذي فاضت به قريحته في تلك الفترة قد جاء وعليه مسحة من الشعور الديني العميق، والاشمئزاز من مظاهر التمدن الحديث، والتبرم بالمتفرنجين من أبناء الإسلام، وأحس في أوربا بعظمة الجامعة الإسلامية وشعر بأن الوطنية الجغرافية لا تزيد المسلمين إلا تماديا في الغي وبعدا عن منهج الإسلام الصحيح، فتحولت فكرته الوطنية إلى فكرة دينية إسلامية، شاملة لكل من يدين بكلمة الإسلام.
ومن أشعاره في هذا الدور:
لا يمكن تخليص الشرق من براثن الاستعمار ونجاته من سلطته إلا إذا اتحد المسلمون، واجتمعت كلمتهم
ولكن أهل آسيا لا يزالون يجهلون هذه الحكمة البالغة.
حذار أن تبقى متلهياً بالنظريات السياسية الباطلة، وادخل في حمى الدين من جديد
فليتحد المسلمون وليكونوا كتلة واحدة متضامنة للذود عن بيت الله الحرام من النيل إلى أرض كاشغر
والذي يفرق في ذلك بين اللون والدم، سوف ينعدم وجوده من وجه الأرض
سواء في ذلك التركي الأبي والعربي النبيل
وإن آثرت أيها المسلم عنصرك وسلامتك على دينك، فلن يبقى لك في هذه الدنيا عين أو أثر
أما رأي إقبال في الحضارة الجديدة المادية فيقول مشيراً إلى ما شنته من حروب واستعمرته من شعوب:
تعجبكم هذه الحضارة الحديثة ويبهر عيونكم جمالها
وما هي إلا كفصوص موهتها يد الصناع وجَلَتها فاختطف الأبصار لمعانها الكاذب
الحكمة التي يفتخر بها حكماء الغرب ويتشدقون ببركتها
ها هي قد عادت بأيديهم سيوفا تقطر دماً
أترون أن هذه الحضارة يكتب لها الخلود بالحيل التي يدبرها لها ساستها؟
كل حضارة أُسِّس بنيانُها على التنافس في الأموال والتكالب على الشهوات سوف تنهار وتتبدد
ونستعرض فيما يلي دوواين إقبال مرتبة حسب تاريخ نشرها:
1.    بابك درا: أي صوت الجرس، وهو ديوان بالأردية يحتوي على باكورة أشعاره المختلفة، وهو أكثر دواوينه دعوة إلى الجهاد وتذكيراً بالماضي واستهزاء بالحضارة الجديدة وبالتعليم العصري ونتائجه السيئة.
2.    أسرار خودى: أي أسرار الروح وهو أول دواوينه بالفارسية، وشعره من النوع المثنوي، وفيه يخاطب إقبال الإنسان شخصاً مفرداً، ويقول في المقدمة: أين هذا الإنسان الصالح الذي لا يرى تقدمه في استعباد العباد، وقهر النفوس؟ أين هذا الإنسان الذي يسعى بكل إخلاص من أجل الإنسان كل الإنسان، في الأرض كل الأرض؟ ثم يبسط وجهة نظره فيقول: إن سر وجود الإنسان هو ما نفخ فيه الله من روح، وبفضلها أمر الملائكة أن تسجد لآدم، ولكن سمو الروح لا يتحقق إلا بالمجاهدة الدائمة، فهذه الحياة جهاد مستمر، والرجل الحي حقاً هو الذي يوقظ كل قواه، ويستخرج كل ما في فطرته، ويتأهب بمواهبه وأدواته للجهاد. السكون موت، والتقليد فناء، والحركة حياة، والاستقلال وجود، فالحياة بنظر إقبال سعي دائم من خلال المجاهدة الروحية والسعي العلمي للسمو بالروح نحو الكمال البشري حتى يستحق الإنسان حقيقة لقب خليفة الله في الأرض.
ولتحقيق الذات وبلوغها الكمال، لابد أن تجتاز ثلاث مراحل: مرحلة الخضوع للشريعة، ومرحلة ضبط النفس، ومرحلة الخلافة الإلهية. فلا بد في المرحلة الأولى من أن يسلك الإنسان طريقاً واضحة وفقاً لقانون يخضع له، وتلك طاعة الشريعة، أما مرحلة ضبط النفس فذلك لأن النفس الإنسانية أمارة بالسوء، معجبة بذاتها، أبية، عنيدة، لا تهتم إلا بأمر نفسها، ولذا فهي محتاجة إلى الضبط والتهذيب، وخير طريق لذلك هو إقامة أحكام الشريعة، فالصلاة تنقذها من الفحشاء والمنكر، والصوم يقتل غلمتها وترفها، والحج يذيقها لذة الهجر ويخفف عنها سلطان الحب للوطن ويضمها إلى المجتمع الإسلامي العام فيجعلها تشعر بجنسية الإسلام، والزكاة تبيد حبها للمال وتعلمها المساواة. أما الخلافة الإلهية فهي النهاية القصوى للتقدم الإنساني على سطح الأرض، ففيها يتحول تشتت الأفكار وتنافرها إلى التناسق والتوافق، فتقدر على حل جميع المعضلات الصعبة المرام، ومن حاز هذه المرتبة كان آخر ثمرة لدوحة الإنسانية، وظهوره يبرر جميع آلام الارتقاء ومحنه لأنها كانت قائمة لأجله، ويستحق أن يكون حاكما حقيقيا على البشر، وتكون حكومته حكومة إلهية على الأرض، وهو يسبغ من كرم طبعه على الآخرين بحبوحة الحياة، ويقربهم إلى نفسه، وكلما تقربواإليه تتدرج حياتهم في مدارج التقدم والكمال.
ومن الأشعار التي وردت في أسرار خودي التي تميز بين العبودية والحرية:
العبد في سلاسل من زمانه، والتعلل بالقضاء والقدر وِردُ لسانه
وهمة الحرَّ هي إشارة القضاء، تصوَّر يدُه الحادثات كما تشاء
1.    رموز بيخودي: أي رموز إنكار الذات، وهو ديوانه الثاني باللغة الفارسية وشعره من نوع المثنوي، وهو كالتكملة للأول الذي خاطب فيه الفرد وهنا يخاطب الشعوب المسلمة، ويرى أن الفرد صورة عن مجتمعه والمجتمع انعكاس لأعضائه، ولا بد من تدريب الفرد ليعمل ضمن المجتمع، ولا يتقدم المجتمع إلا بنمو روح الجماعة لدى أفراده، فتتخلى ذواتهم عن أنانيتها وتتعلم النقطة أن تذوب في البحر حباً وهياماً، ولا بد للمسلمين أن يحافظوا على النظام في حياتهم، ولا يتحقق ذلك إلا بوحدتهم وتعاضدهم، واتخذ من تاريخ المسلمين رجالهم وجماعتهم مُثُلا لتطبيق هذه الآراء، وفي هذا الصدد يرى إقبال دوراً أساسياً للمرأة فهي الأم التي تغرس في أولادها هذه القيم النبيلة.
2.    بيام مشرق: أي رسالة الشرق، وهو باللغة الفارسية، نشره في سنة 1923 في أعقاب نهاية الحرب العالمية الأولى، وقد صنفه جواباً للشاعر الفيلسوف الألماني الشهير جوتيه في ديوانه: الديوان الشرقي للشاعر الغربي. ومحاولة من إقبال لجلب الدفئ إلى أفكار الغرب الباردة، ومن قوله في عصبة الأمم التي أنشئت سنة 1920 في جنيف:
ما عرفنا قبل اليوم أن جماعة من سُّراق الأكفان ألفوا عصبة لتقسيم القبور
3.    زبور عجم: ديوان باللغة الفارسية، نشره في سنة 1926، وهو أكثر دوواينه شاعرية يحتوي على أرق العواطف وغوامض الحكم ما تهش له النفس ويفرح به القلب. 
4.    جاويد نامه: أي كتاب جاويد، ونشره في سنة 1932، وهو ديوان باللغة الفارسية، جعله نصيحة لجيل المستقبل، ولذا سماه باسم أصغر أبنائه، وسلك فيه إقبال مسلك المعري في رسالة الغفران ودانته الإيطالي في الكوميديا المقدسة، وفي الديوان يتخيل إقبال أنه كان في صحبة مولانا جلال الدين الرومي وارتقى معه في عالم الخيال درجات السماء، فلقي هنالك أرواح المجاهدين وأسر إليها بمكنون نفسه ووصف لها علل الأمة واستفسر عن دوائها، فوصفوا له الدواء الناجع، وتحدث عن خيانة مير جعفر البنغالي ومير صادق الدكني التي مكنت للإنجليز في الهند بتسببها في هزيمة سراج الدولة في البنغال والسلطان تيبو في ميسور، فقال: إن جهنم احتجت أن يكون الخونة بين ظهرانيها، وحمل حملة شعواء على اللورد كتشنر بلسان المهدي السوداني وأنبه على نبش قبره تأنيباً شديداً، ومما جاء فيه مشيراً لأتاتورك:
ليست قوة الغرب من العود والرباب، ولا من رقص الفتيات بغير حجاب
ولا من سحر ورديات الخدود، ولا من الساق العارية والشعر المجدود
لقد غفل التركي عن نفسه، وسكِر بخمر الإفرنج رأسه
فشرب من يدهم السم حلو المذاق، وترك عامداً ترياق العراق
5.    مسافر: وهو ديوان صغير باللغة الفارسية، شعره من نوع المثنوي، يحتوي على ما جادت به قريحته حين سافر في سنة 1933 إلى أفغانستان تلبية لدعوة ملكها نادر شاه خان، وفيه نصائح لشبان بلاد الأفغان ورجالهم.
6.     منظومة نظمها أثناء حرب إيطاليا على الحبشة، وجعل عنوانها: ماذا يجب أن نعمل يا أمم الشرق؟
7.    بال جبريل: أي جناح جبريل، نشر سنة 1932 باللغة الأردية، ومعظم أشعاره تدور حول ما شاهده وتأثر به خلال أسفاره في سنة 1931 إلى لندن وباريس وروما والأندلس وبلاد العرب عام 1931، وقد أجمع النقاد أن هذا الديوان مقتصر على الحكمة، ومن خصائصه أن إقبال ولأول مرة انتقد فيه انتقاداً لاذعاً المشايخ والمتصوفين الذين يطلق عليهم لقب مُلا في الهند، ومن ذلك قوله:
لقد أفتى الشيخ بأن هذا عصر القلم، وأما السيف فلم يبق له اليوم عمل يذكر؛
ولكني أسائل حضرة الشيخ: أو لا يعرف أن هذه الموعظة لا تجدي اليوم شيئاً في المساجد
فأين السيوف والمدافع بأيدي المسلمين؟
وإن كانت، فكيف والقلوب قد ذهلت عما في الموت من لذة؛
وكيف وقد سكنت القلوبَ خشيةُ الموت
حتى لا يرضوا أن يضحوا بنفوسهم تضحية الكفار
من لي بهم أن ينفضوا عنهم غبار الجبن والخمول
ويبذلوا مهجهم وأرواحهم بذل المسلمين المخلصين؟
وما أحرى الذين يرتعد العالم خوفاً من آلاتهم الجهنمية
أن يُلَقَّنوا الأمن والسلام ويُدعوا إلى ترك الجهاد: جهادهم الباطل!
أليست الحرب شراً في الغرب، إذا كانت كذلك في الشرق؟
يزعم الأبله أن الإسلام حر في هذه الديار
كأني به لا يعرف من الدين إلا الركوع والسجود فقط
8.    ضرب كليم: أي ضربة موسى كليم الله، إشارة إلى إلقاء موسى عصاه لتلقف ما يأفكون، وهو شعر بسيط مجرد عن الفلسفة والزخارف، قال إقبال إنه: إعلان حرب على العصر الحاضر! فند فيه آراء أهل الغرب والمتفرنجين، وانتقد جميع نظرياتهم السياسية؛ وانتقد فيه القاديانيين وغلامهم الكذاب، فذكرهم غير مرة وكشف الغطاء عن دجلهم وكيدهم للإسلام والمسلمين.
9.    أرمغان حجاز: أي هدية الحجاز، وهو الديوان الذي ظهر بعد وفاته، رحمه الله، بالفارسية والأردية، وقد سماه هدية الحجاز، لأنه سافر إلى بلاد أوربا مراراً وزار بعض بلاد العرب أيضاً، لكنه ما قدر له أن يتشرف بزيارة الحرمين الشريفين، على ما به من تباريح الوجد والشوق إلى زيارة بيت الله الحرام وقبر النبي صلى الله عليه وسلم. وكان من أمنيته أن يتمتع بها، ويعود بحصيلة من الإلهام الشعري يقدمه إلى عشاق أدبه والمفتتنين بحكمه، إلا أن مرضه الأخير قد أنهك قواه، وبقى يتقلب على أحر من الجمر زهاء عامين يتجرع غصص النوى حتى وافاه الأجل المحتوم، ولما يقض لبانته. وفي أيام المرض العصيبة جادت قريحته بأبيات ومقطوعات لا تنسى أبد الدهر:
ليت شعري، أيعود من جديد رجع الحادي الذاهب؟
ليت شعري، أتهب من جديد ريح الحجاز بعد سكون؟
أضحت في نهايتها أيام هذا الحقير الفقير إلى الله
ليت شعري أيأتي حكيم آخر يكشف الحجب؟
وكانت آخر أشعار إقبال قوله على فراش المرض قبل وفاته بأيام:
هناك في الدار الآخرة جنة للمتصدقين الأسخياء بأموالهم
وجنة للعباد الزهاد المنقطعين إلى ذكر الله
قل للمسلم الهندي لا تحزن ولا تتألم فإن هناك جنة أخرى غيرها؛
هي التي ينعم بها على الذين يجاهدون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون
ونختم بالاقتباس من دراسة عن شعر إقبال كتبها في مجلة الرسالة المرحوم الدكتور عبد الوهاب عزام، المولود سنة 1312=1894 والمتوفى سنة 1378=1959، وكان عالماً جليلاً ومسلماً صادقاً غيوراً، متخصصاً في الأدب واللغة الفارسية، قال رحمه الله:
منظومات إقبال فيها سعة النفس العظيمة التي لا تحد؛ ولكن يستطيع قارئها أن يتبين أصولا خمسة يدور حولها كثير من شعره:
1.    الحياة هي الجهاد الدائم وتسخير قوى العالَم، فهو يقول:
ما هي الحياة؟ هي ان تستأسر العالم لنفسك
ولكن أنى لك ذلك ما دمت أنت أسيراً للعالم!
2.    وإنما يصلح الإنسان للجهاد بتقوية نفسه، واستخراج كل ما فيها من قوى. ومن كلامه في بيام مشرق:
أخرج النغمة التي هي أساس فطرتك. أيها الضالَّ عن نفسه! خل نفسك من نغمات غيرك
3.    وتقتضي هذه الذاتية الحرية، وحرَّية إقبال ألا يحدَّ النفس شيء حتى الزمان والمكان
هو بالأمس خبير بغدِ ... وهو اليومَ نجيُّ الأبد
4.    العلم وحده حجاب دون الحقائق وعقبة في سبيل الحياة... لا بد مع العلم من العشق... أي الوجدان اليقظ، وهذه الحرقة التي تسمو بالإنسان عن السفاسف إلى العظائم، وتدفعه إلى الحق والخير، وتوجهه إلى الله.
5.    يكره إقبال النزعات الوطنية الضيقة ويشيد بالأخوة الإسلامية العامة، وفي نشيده الذائع الذي يسمى نشيد الأمة يقول:
الصين لنا والهند لنا ... والعرب لنا والكل لنا
أضحى الإسلام لنا ديناً ... وجميع الكون لنا وطنا

الجمعة، 5 ديسمبر 2014

حدث في الثالث عشر من صفر

في الثالث عشر من صفر من عام 1366 الموافق 7 كانون الثاني/يناير 1947 توفي في بغداد، عن 83 سنة، الأب أنستاس ماريُّ الكرملي، العالم اللغوي المؤرخ.
ولد بطرس بن جبرائيل يوسف عواد الماروني، وهذا اسمه عند الولادة، في بغداد سنة 1283=1866 لأبوين من أصل لبناني، حيث انتقل والده الذي كان يعمل مترجماً من بِكفَيّا بلبنان إلى بغداد، وتزوج سيدة كلدانية بغدادية، فولدت له خمسة بنين وأربع بنات.
ودرس  بطرس في مدرسة القديس يوسف التابعة للآباء الكرمليين، وكان في دراسته مقبلاً على اللغة العربية وآدابها حتى مهر بها، فجعله مدير المدرسة مدرساً لها وهو في السادسة عشرة من عمره، وفي تلك السن كتب أول مقالاته اللغوية والأدبية وأرسلها للجرائد لتنشرها باسمه الصريح أو بأسماء مستعارة.
وانتقل الكرملي وهو في سن العشرين إلى بيروت فدرس في مدرسة الآباء اليسوعيين اللاهوتية، المعروفين كذلك بالجزويت، ثم دخل في سلك الرهبنة في مدينة شيفرمون البلجيكية ودرس اللاهوت والفقه المسيحي في مدينة مونبليه الفرنسية، وسيم كاهناً في سنة 1312=1894 وتسمى باسم الأب أنستاس ماريّ الألياوي الكرملي. وماري بالتشديد نسبة إلى السيدة مريم رضي الله عنها، والألياوي نسبة للقديس إلياس.
والرهبنة الكرملية التي انتمى إليها الكرملي، وبقي طوال حياته محافظاً على لباسها وشعارها، ملتزماً لتعاليمها، واسمها الرسمي رهبنة إخوة سيدة الكرمِل، وهي رهبنة تتبع البابا والكنيسة الكاثوليكية، تأسست في سنة 605=1209 أثناء الاحتلال الصليبي لفلسطين، وأخذت اسمها من جبل الكرمل المطل على حيفا، ورعاها ملك فرنسا القديس لويس التاسع ثم الدولة الفرنسية من بعده، ولما خرج الصليبيون من فلسطين خرج رهبانها معهم وانتشروا في ربوع أوربا، ثم عادوا إلى العراق بلاد الشام بعد قرابة 3 قرون ليؤسسوا وجودهم بواسطة الأديرة والمدارس، وتصنف على أنها من رهبنات التقشف والتعبد حيث يتخلى أعضاؤها عن أية ممتلكات فردية ويقضون أغلب حياتهم داخل الدير في الصلاة والتأمل، ولعلاقتها التاريخية مع الدولة الفرنسية فإن مدارسها تهتم اهتماماً خاصاً بنشر اللغة والثقافة الفرنسية.
كان الكرملي يتقن التركية والفارسية، وتضلع في اللغة الفرنسية، ودرس في دراساته اللاهوتية اللغتين اللاتينية واليونانية، ثم درس فيما بعد شيئاً من اللغات الآرامية والعبرية والحبشية وذلك لاحتياجه لها في أبحاثه اللغوية والتاريخية وبخاصة علاقتها باللغة العربية.
وبعد انتهاء دراسته عاد الكرملي إلى بغداد في سنة 1894، ولكن بعد أن جال في الأندلس سائحاً في الربوع التي قامت فيها دولة بني أمية، وتولى في بغداد إدارة المدرسة الكرملية وتعليم العربية والفرنسية فيها، إلى جانب قيامه بالوعظ في الكنيسة، ثم ما لبث الكرملي أن ترك إدارة المدرسة في سنة 1897 ليتفرغ للوعظ والكتابة والتأليف، وكانت ثمرة ذلك عديد من المقالات والأبحاث التي نشرها في المجلات العربية والفرنسية باسمه الصريح أو بأسماء مستعارة عديدة، وتناول في كثير منها مواضيع لم يسبق لأحد التطرق لها في العصر الحديث بأسلوب علمي محقق، وكثير منها يتعلق بالعراق، فكتب مثلاً عن اليزيدية والصابئة، ولما أراد الكتابة عن الصابئة ذهب إلى حيث يسكنون من العراق في شطرة المنتفق بالناصرية، ليتعرف على زعمائهم، ويطلع على عقائدهم وأحوالهم الاجتماعية والدينية.
وفي سنة 1329=1911 أصدر في بغداد مجلة شهرية أسماها لغة العرب تناولت أمور الأدب والعلم والتاريخ، وكان صاحب امتيازها ونائبه فيها الأستاذ كاظم أفندي الدجيلي، المولود سنة 1301 والمتوفى سنة 1390=1970، وجاء في افتتاحية العدد الأول:
بسم الله الفتاح المعين
بعد حمده تعالى والشكر على آلائه، والاتكال على مدده، قد عقدنا على إصدار هذه المجلة الشهرية خدمة للوطن والعلم والأدب، من إنشائها نعرِّف العراق وأهله ومشاهيره، بمن جاورنا من الديار الشرقية وبمن نأى عنا من العلماء والباحثين والمستشرقين الغربية، وننقل إلى وطنيينا العراقيين، ما يكتبه عنهم الإفرنج من الكتاب المشهورين، عن بلادهم وأقوامهم من خالين وحاليين وخالدين.
أما الأبواب التي نطرقها، فظاهرة من اسم المجلة نفسها، وما الغاية التي توخيناها من وضعها، وزيادة على ذلك نعقد في كل جزء من أجزائها تاريخ الشهر في العراق، وندون فيه ما صَرَح ومَحضَ من الأخبار والوقائع التي جرت في العراق ونواحيه من ديار جزيرة العرب، لتصلح هذه الصحف أن تكون ألواحاً تنقش فيها الحقائق الراهنة لا الشقاشق الواهنة ومرجعاً يرجع إليه عند الحاجة.
ولما نشبت الحرب العالمية الأولى في سنة 1332=1914 أعلنت حكومة الاتحاد والترقي التركية الأحكام العرفية، وأوقفت إصدار الصحف والمجلات ومنها مجلة لغة العرب، فتوقفت بعد 3 سنوات من صدورها، ونفت الحكومة إلى تركيا كثيراً من رجالات البلاد العربية ممن لم تطمئن لهم وبخاصة ممن اعترض منهم على سياسات التتريك ودعا لمنح البلاد العربية استقلالاً جزئيا تحت حكومة لا مركزية، وكان نصيب الكرملي، صاحب مجلة لغة العرب، النفي من بغداد إلى بلدة قيصري في قلب الأناضول، وصادرت حكومة الاتحاد والترقي جزءاً من مكتبة الكرملي الكبيرة.
ودخلت الحكومة التركية الحرب إلى جانب ألمانيا ضد بريطانيا، وذلك بعد قرابة 5 أشهر من بدء الحرب، فقامت بريطانيا بغزو العراق في سنة 1334=1916، ودخلت القوات البريطانية بغداد في منتصف سنة 1335=1917، ووقعت بريطانيا اتفاقية هدنة مع الحكومة التركية في سنة 1337=1918.
وكان الكرملي قد نال إذناً بالعودة إلى العراق في سنة 1916 بعد قضائه قرابة سنتين في المنفى،  تعلم أثناءها اللغة الأرمنية، فعاد ليواجه أكبر كارثة في حياته في سنة 1335=1917 حين انسحبت من بغداد القوات التركية إلى الموصل من وجه الهجوم البريطاني، فقام الرعاع بنهب الأديرة وكان مما نهبوه خزانة كتبه التي حوت زهاء 11.000 كتاب عربي مطبوع وأكثر من 8.000 كتاب إفرنجي مطبوع و783 كتاباً من نوادر المخطوطات كان ضمنها ديوان امرئ القيس وديوان السموأل ونسخة كاملة في 32 جزءاً من كتاب مرآة الزمن لابن سبط الجوزي، ونسخة كاملة من الخصائص لابن جني، ونسخة من كتاب العين للخليل بن أحمد، ونسخة تامة من ديوان الأدب للفارابي، فتفرقت أيدي سبأ وبقيت حسرة في نفسه إلى يوم مماته، وعاد الكرملي فجدد مكتبته فجمع منها زهاء أحد عشر ألف كتاب مطبوع وسبعمئة كتاب مخطوط تغلب عليها الأبحاث التاريخية واللغوية، وآلت مكتبته بعد وفاته إلى المجمع العلمي العراقي.
وعينت الحكومة العراقية، التي تشكلت بعد الاحتلال، الكرملي عضوا في مجلس المعارف سنة 1917، وعهدت إليه برئاسة تحرير جريدة العرب عند إنشائها في سنة 1917، وتولى إنشاء مجلة دار السلام ما يزيد على الثلاث سنوات، وكان في لجنة  الترجمة والتعريب عندما أسستها الحكومة سنة 1921.
ونظراً لأبحاثه وشهرته العلمية صار  الكرملي عضواً في كثير من الجمعيات العلمية، ففي سنة 1911 انتخب عضواً في مجمع المشرقيات الألماني، ثم لما تأسس المجمع العلمي العربي بدمشق اختاره سنة 1920 ليكون عضو شرف فيه، وبعد تأسيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1932 كان من بين أعضائه البارزين، وكذلك اختاره المجمع العلمي السويسري في جنيف لعضويته، وكان من مؤسسي المجمع العلمي العراقي، وأهدته الحكومة الفرنسية وسام العلم في سنة 1920 تقديراً لمباحثه العلمية.
وفي سنة 1345=1927 أعاد الكرملي إصدار مجلته لسان العرب وجاء في افتتاحية ذلك العدد:
ولما جاءت الحرب العظمى بأهوالها... نفينا ظلماً إلى قيصرية فانقطعنا عن إخراجها للقوم إلى أن كان الصلح، فأصدرنا  مجلة دار السلام مدة تزيد على ثلاث سنوات، ثم سافرنا إلى أوربة لمشترى آلات طباعة فتم الأمر في منتصف سنة 1921، ثم عاندتنا الأحداث بأنواعها، إلى أن ذللناها في هذه الأيام، وعلماء البلاد العربية اللسان يلحون علينا بإصدارها لما قامت به من خدمة للعراق وتعريف أبنائه ودياره وتسويق تاريخه في سابق العهد وحديثه، حتى كادت النفس تمل من كثرة ما سمعت... وها نحن أولاء نزفها إلى محبي العراق والمتشوقين إلى الوقوف على أحواله... أما خطتنا فتبقى كما كانت في السابق أي أنها تتحرى ما يتعلق بالعراق وما جاوره من البلاد على اختلاف المباحث التي تمسها، وتتجنب كل ما يشتت الآراء ويلقي الفتن بين أبناء العراق أو بين محبي العرب.
واستمرت المجلة في الصدور قرابة 6 سنوات ثم توقفت، وقال الكرملي عن ذلك: وقد عزمنا عزما أكيدا لا يحتمل الرد ولا الاستئناف على إغلاق المجلة من الآن، لأننا مع مقاساتنا أتعابا جمة ومشاق هائلة ناهكة كنا نكابد خسائر باهظة طول سني صدور المجلة.
وكان للكرملي مجلس في ضحى كل يوم جمعة في الدير الكرملي في بغداد يجمع المثقفين والباحثين يتبادلون فيه الأحاديث الأدبية واللغوية والنحوية على شرط ألا يتحدثوا في أمور الدين أو السياسة، ومن لباقة الكرملي في هذا الصدد أنه كتب للدكتور المحقق مصطفى جواد رسالة في سنة 1936، ومما قال له فيها: إني ترجمت من الفرنسية كتابين صغيرين دينيين تم طبعهما، ولم أبعث إليك بنسخة إشفاقاً من أن تظن أني أدعوك إلى النصرانية. وكان الكرملي يستأنس بسماع القرآن الكريم، فإذا زاره مقرئ العراق الشهير الأستاذ الحافظ مهدي ألح عليه أن يتلو آيات من الذكر الحكيم.
وأرادت الحكومة العراقية في سنة 1347=1928 تكريم الكرملي بمناسبة مرور 50 عاماً على اشتغاله بالتدريس، فألفت لجنة من الأدباء والسياسيين ترأسها الشاعر جميل صدقي الزهاوي وأقامت حفلاً خطابياً حافلاً دعت إليه الداني والقاصي من أهل الأدب واللغة والمستشرقين، شارك فيه الشاعر المصري أحمد محرم بقصيدة أرسلها في برقية للحفل، منها:
يا برق هل لك في الجميل وهل تعين على الذمام؟
أنت البقية من أيادي العبقريين الكرام!
لك نجدة الحر الوفي، ونهضة البطل الهمام!
ما أن عييت بمطلب ... وعر المسالك أو مرام
تدني الممالك والأنام من الممالك والأنام
ما الدهر فيك سوى ثوان من نهار أو ظلام!
يا برق بالذمم الجسام وبالمواثيق العظام
أد الرسالة من ربى ... مصر إلى دار السلام
دار الرشيد وما رميت صحابتي فيها بذام
أولى المصاقع بالمنابر، والسواجع بالبشام
جمعوا المواسم كلها ... في موسم الأدب المقام!
هتفوا بذكر الكرملي ... فقلت بورك من إمام!
عزت به أم اللغات أبا يناضل كل رام!
يحمي جوانب ملكها ... ويهيب بالهمم النيام
ويقيم ما هدم الغزاة من الحوائط والدعام
ناب الكتاب عن الكتائب، واليراع عن الحسام!
نظم المشارق علمه ... والعلم أشبه بالنظام
ما للممالك إن هوى ... ركن المعارف من قيام
وغني عن القول ألا يرضى عن هذا التكريم عدد من مشايخ المسلمين في العراق كانوا يناصبون الكرملي العداء بدافع من ديانة أو تنافس، فكتبوا تحت أسماء صريحة ومستعارة يهاجمون الفكرة ويذمون الكرملي، ومما جاء في إحدى مقالاتهم: يكرمون الكرملي؟ والكرملي أداة خُلُقها التنطع، وسهم فوَّقه التبشير، وسيف صدئ جرّده الاستشراق على رؤوس العرب الشرقيين، والاستشراق سبيل من سبل المستعمرين وعين من عيون الطامعين! ونتيجة لهذه الهجمة عدلت الحكومة عن إقامة حفل عام إلى حفل في دار رئيس الوزراء محسن السعدون، والذي ينبغي ذكره أن مجلة لغة العرب نشرت مقالات المنتقدين كاملة ثم ردت عليها.
للكرملي مؤلفات في اللغة والتاريخ منها المعجم المساعد، في اللغة، وكتاب شعراء بغداد وكتابها، وكتاب نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها، وكتاب أغلاط اللغويين الأقدمين، وكتاب النقود العربية وعلم النُمِيَّات، وكتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد، وكتاب خلاصة تاريخ العراق، وكتاب أديان العرب، وكتاب تاريخ الكرد، وكتاب جمهرة اللغات، وكتاب اللمع التاريخية والعلمية، جزآن كبيران، وكتاب مزارات بغداد وتراجم بعض العلماء، وكتاب العرب قبل الإسلام، وكتاب أمثال العوام في بغداد والموصل والبصرة. وله إلى جانب ذلك مؤلفات في الديانة النصرانية علمية ووعظية مثل كتاب خواطر الأخت ماري ليسوع المصلوب، ومرشد الرهبان، وكما ذكرنا كان الكرملي يلبس ثوب الرهبنة حتى وفاته.
وإلى جانب مؤلفاته نشر الكرملي عدداً من الكتب التي حققها، ومنها كتاب الإكليل في تاريخ اليمن للهمداني، وكتاب بلوغ المرام في شرح مسك الختام فيمن تولى ملك اليمن من ملك وإمام، للقاضي حسين بن أحمد العرشي، المتوفى بعد سنة 1330، وكتاب نخب الذخائر في أحوال الجواهر لابن الأكفاني السنجاري، المتوفى سنة 749. أما مجلة لسان العرب، فهو مصدر تاريخي ثمين وممتع وبخاصة في الأبحاث المتعلقة بتاريخ العراق وأحواله في الماضي والحاضر، وتنبيك عن بوادر نهضة علمية كانت ستضع العراق في مقدمة الدول لو لم يطح باستقراره استبداد الساسة ومن ورائه الانقلابات والثورات.
كان أسلوب الكرملي في كتاباته أشبه بكتابة النحاة فيه جفاف في العرض، ولكنه كان في كتاباته منصفاً متحرياً للحقيقة لا يحابي نصرانياً أو أعجمياً، بل هو لمحاباة العربية أميل، وكان يقسو أحياناً في نقده ورده قسوة غريبة، مثل أن يتمنى أن يكون وزير المعارف في مصر ليغرم أحد المحققين جنيهاً ويسجنه يوماً عن كل خطأ في تحقيقه، وكان له معارك أدبية زاد من استعارها هذه القسوة المتطرفة، وكانت جل معاركه الأدبية مع الكتاب والمحققين من النصارى، فقد كان أغلبهم ذا بضاعة خفيفة في اللغة والأدب فكان يترصدهم ويكشف أخطاءهم.
وفي أيامه زعم الأب لويس شيخو اليسوعي  أن كثيراً من الشعراء والأدباء العرب ينتمون إلى النصرانية، ومن ذلك على سبيل المثال دعواه أن الشاعر الجاهلي أعشى قيس أو الفيلسوف الكندي، يعقوب بن إسحاق المتوفى سنة 260، كانا من النصارى، فتصدى له الكرملي وأظهر تحريفه وميله في هذين الموضعين وغيرهما، وقال في هذا المعرض: على أن الأب لويس شيخو لم ينصِّر هذا الرجل وحده بل نصًّر جماعة من شعراء الجاهلية لكن وا أسفاه بعد موتهم وانتقالهم إلى دار البقاء! حقق الله أمنيته وأثابه على نيته إن لم يثبه على عمله المبرور!
ولما أصدر أنيس زكريا النصولى في سنة 1926 كتابه أسباب النهضة العربية في القرن التاسع عشر الذي نال عليه جائزة من جامعة بيروت الأميركية، كتب عنه الكرملي في مجلة لغة العرب مقالة تبين عن إدراكه لأسس النهضة وتمييزه بين الواقع وبين الأمل، قال فيها: إننا نرى عنوان الرسالة أوسع من الموضوع الذي عالجه، وإن شئت تشبيها فقل إن الثوب على هذا الجسم فضفاض، ولو عنونها بأوائل النهضة العربية في سورية ومصر، لوافق الاسم المسمى، أما أنه وسمها بأسباب النهضة العربية، وهو قد أغفل ذكر ما يتعلق بها في العراق وجزيرة العرب وغيرهما من الديار الضادية اللسان فليس في ذلك تدقيق ولا تحقيق.
ثم إننا لا نرى نهضة حقيقية في البلاد التي تكلم عنها، إنما فيها أوائل نهضة فلو كان فيها نهضة حقيقية؛ لكان فيها ما كان، فأين علومنا المختلفة، وصنائعنا المتعددة، ومعاملنا المتنوعة ومصانعنا التي تهيئ لنا الوسائل ليكون أبناء ديارنا غير محتاجين إلى الأجانب إلا في القليل، فهذه كلها وغيرها تشير إلى إن ليس لنا نهضة حقيقية بل أوائل نهضة لا غير.
ثم يقول الكرملي: ونحن لا نوافق الكاتب على تصويب رأي من يدعي قصور التعبير في العربية، فهذا عذر يبديه الأجانب في بلادنا، ليحببوا لنا لغتهم، ويزينوها في عيوننا، ويحقروا في نظرنا لغتنا وآدابها وقوميتها، ولو أنصف المنتقدون لرأوا أن ليس من قوم في العالم يكتفي بلغته ويستغني عن غيرها مثل أبناء لغة الضاد، فإن عصر العباسيين شاهد عدل في ما نقول، والمصنفات الموضوعة في كل فن وبحث ومطلب وموضوع تفند ما يزعمون، نعم إن تعلُّمَ اللغات الدخيلة واجبٌ في عصرنا هذا للاطلاع على ما يجري في العالم، لكن تعلم اللغات الأجنبية شيء والقول بقصور العربية شيء آخر.
و في تعليق له آخر على كتاب اسمه صناعة تسفير الكتب وحل الذهب للفقيه أبي العباس أحمد بن محمد السفياني، نشره المسيو ريكار متفقد الفنون الأهلية ومدير متحف الآثار بفاس، قال الكرملي:
الكتب العربية التي تبحث عن تلقي بعض الصنائع والمهن قليلة جداً... وهذه المؤلفات تعد من أنفس الأشياء لأنها تبحث عن وسائل إنجاح الصناعة وبثها بين الناس، فضلاً عن أن فيها مصطلحات كثيرة توقفنا على ما كان يعرف منها في عهد المؤلف أو الصانع، على أن هذه المصنفات لا تفيد إلا إذا تولى نشرها أناس واقفون على أوضاع أهل الفن، وإلا جاءت تلك الكلم في منتهى الفساد والتصحيف والتحريف، وقد رأينا كثيراً منها عني بنشرها أهل مصر في هذه الآونة وهي مشحونة أغلاطا وأوهاما تخجل الجاهل، فضلاً عن العالم، فكيف بهذه الكتب إذا تولى بثها بين الناس أدباء أجانب عن اللغة لا عهد لهم بأسرارها.
بين المستشرقين طائفة واقفة على لساننا أتم الوقوف، وبينهم جهلة يدعون أكثر مما يدرون وبين هؤلاء نعرف جماعة من الفرنسيين تلقوا العربية في فرنسة أو في ديار المغرب لكنهم لم يجيدوها، لكنك تراهم ذوي صلف عجيب... ولو أردنا أن نتبعه في جميع أغلاطه لعددنا منها عشرين في كل صفحة وليس في النص العربي سوى 26 سطراً لا غير، فهذا منتهى علم هؤلاء المتبجحين عرباً كانوا أو أجانب.
كان الكرملي شديد الغيرة على اللغة العربية وحريصاً أشد الحرص على تعريب المصطلحات الأجنبية الدخيلة، وكانت له مساهمة في مشروع تعريب المصطلحات العسكرية في الجيش العراقي، ومن بعده في لجنة التعريب في مجمع اللغة العربية في القاهرة، ومن الكلمات التي اقترحها الكرملي وكتب لها القبول والانتشار كلمة البرقية وكلمة المعلمة مقابل الموسوعة، وكان قد شرع في تأليف معجم أسماه المساعد، وذكر في مقالة له منهجه فيه فقال: ثم اننا رأينا من الحسن أن نجمع ما تيسر لنا من ألفاظ الفصحاء الأقدمين وكلم المولدين ومفردات العوام، وننبه على كل حرف من هذه الحروف لكي لا يختلط الشيء بالشيء، فيبقى الدر درا والبعر بعرا، على حد ما فعل صاحب القاموس والتاج وغيرهما من الذين ذكروا المولد بجانب الفصيح كلما سنحت لهم الفرصة، إذ كانت الغاية الأولى من جميع تلك الكتب اللغوية تفهم القرآن والحديث لا غير، أما اليوم فإن حاجتنا اتسعت بتبحر العمران والحضارة واحتكاكنا بالأجانب، ومحاولة هؤلاء قتل لغتنا فقتل قوميتنا فقتل كل ما يتعلق بهذه الربوع الشرقية العزيزة، مهبط الوحي ومصدر العرفان ومنبع التمدن الصادق.
ولما أصدر المرحوم مصطفى صادق الرافعي كتابه وحي القلم في سنة 1355=1937 أهدى نسخة منه إلى صديقه الأب أنستاس ماري الكرملي، فبعث إليه برسالة يشكره فيها ويشير عليه ببعض التصويبات اللغوية، ومما جاء في الرسالة:
إلى حضرة فخر بلغاء المصريين الأستاذ الجليل مصطفى صادق الرافعي، رفعه الله إلى أعلى مقام
أبدأ كلمتي هذه بتأدية عبارات الشكر الصادق للهدية التي أطرفتني بها، وأنت نابغة بلغاء مصر على ما أعتقده في صميم القلب، وأحسن دليل لذلك أني اقتنيت جميع مؤلفاتك وزينت بها خزانتي، فأرجع إلى مطالعتها الفينة بعد الفينة كلما أردت أن أنزه نفسي وأطربها وأريحها من متاعب الحياة.
إذن حل عندي وحي القلم محلاً رفيعاً لما حوى من مختلف الموضوعات التي جاءت بأفصح عبارة وأبلغها، بل تتحدى كل كاتب أن يأتي بضرعها؛ ولا سيما لأن أغلبها لم تمر على خاطر من سبقنا في الكلام؛ ولهذا اعتبرت دائماً الأستاذ الرافعي جاحظ العصر، أو ابن مقفعه، أو بديع زمانه، وقد نصحت لكثيرين من أبناء العراق أن يطالعوا ما كتبه أو يكتبه إذا أرادوا الجري فالسبق في ميدان الفصاحة والبلاغة ورفيع الإنشاء، فأخذوا بكلامي.
بقي الآن أن أسألك عن أشياء لم أستطع أن أهتدي إليها، فالرجاء منك أن تعينني على تفهمها:
في ص8 ورد ذكر (المصنع) والعرب لم تنطق به. على أن القياس لا يمنعه، وقد ورد في الصحف والكتب العصرية ولا يزال يرد بهذه الصورة، ولكن ألا يتخذ الكاتب البليغ الكلمة التي جرت على أسلات السلف وهي (الطِراز)؟ فقد قال في القاموس: الطراز. . . الموضع الذي تنسج فيه الثياب الجديدة.
وفي ص10 ذكر (الديناميت) فلو قيل البارود الناسف أو أن نكتفي بقولنا (الناسف) أو (النسَّاف) كما يقول العراقيون، عامتهم وخاصتهم، أما يكون أحسن؟
. . . هذه بعض أسئلة - وليس فيها شيء من النقد، معاذ الله، وقد خطرت ببالي وأنا أتلذذ بتصفح هذا السفر الفذ، وأتوقع الجواب عنها. فعسى ألا أحرم أنوارك المبددة للظلمات، وأختم كلمتي هذه بالشكر ثانية لأياديك البيض كما بدأتها به.
وقد توفي الكرملي ولم يكمل معجمه الذي طبع منه جزءان ثم اندثر، فقد أدركت مؤلفَه العللُ والأمراض وأصيب بشلل نصفي خفيف، وذهب إلى القدس مستشفياً قبل موته ببضعة أشهر فسأله مذيع في إذاعتها: كم مضى على ابتدائك في تأليف قاموس المساعد؟ فأجابه الكرملي: أكثر من خمسين سنة، فقال المذيع: أكثر من خمسين سنة وما أنهيتَه بعد؟ فقال الكرملي الذي عصفت به الأمراض: أو تنتهي العربية؟! أنا انتهيت!
وهكذا كان، عاد الكرملي إلى بغداد طوداً محطماً بعد أن كان قوي البنية، جبلي القوام، فولاذي القبضة، ذا صوت كأنه الزئير، ولم تمض على عودته 3 شهور حتى وافته المنية، ورثاه الشاعر مهدي مقلد في قصيدة منها هذان البيتان:
فالقلب من دين ابن مريم وحيه ... والفكر من لغة النبي محمد
إن ابن مريم والنبي محمدا ... نوران؛ نور هدى ونور توحد
ولكونه راهباً كاثوليكاً لم يتزوج الكرملي، ولكنه خلف مؤلفاته، وعدداً من المحققين والمؤرخين كانوا بمثابة أولاده، وعلى رأسهم ابنه الروحي المؤرخ الأستاذ كوركيس حنّا عواد المولود سنة 1326=1908 والمتوفى سنة 1413=1992، علمه الكرملي قراءة المخطوطات وفن التحقيق، ومنهم الصحافي الأديب روفائيل بطي المولود سنة 1319=1901 والمتوفى سنة 1375=1956، وهو من طائفة السريان الأرثوذكس، والمؤرخ الأديب يوسف المسكوني المولود سنة 1321=1903 والمتوفى سنة 1391=1971.
إن تاريخ المسلمين هو نتاج تفاعل حضاري بشري شاركت فيه مع المسلمين كل الأديان والأعراق التي وجدت على أرض الإسلام، ولا عجب في ذلك، فالحضارة يصنعها أبناؤها، وكان من المسلمين ومن غيرهم  بناء وعطاء، وكان من المسلمين ومن غيرهم هدم ودماء، وهذه صفحة من صفحات البناء والعطاء كتبها راهب متنسك، فانضم بذلك إلى أعلام هذه الحضارة، ورقي الحضارات يكون باستيعابها كل الأعراق والأديان، فلكل مجتهد فيها نصيب.
 
 
 
 
 
 
 
 

الجمعة، 28 نوفمبر 2014

حدث في السادس من صفر


في السادس من صفر من سنة 260 توفي في بغداد، عن 66 عاماً، الطبيب أبو زيد حُنين بن إسحاق العِبادي، علاَّمة وقته في الطب وأغزر وأمتن معرب من اللغة اليونانية. والعِبادي نسبة إلى العِباد، قال في لسان العرب: قوم من قبائل شتى من بطون العرب اجتمعوا على النصرانية نزلوا بالحِيرَة فأَِنِفُوا أن يتَسَمَّوْا بالعبِيد وقالوا نحن العِبادُ، ومنهم الشاعر الجاهلي عدي بن زيد العبادي.

ولد حنين بالحيرة سنة 194 وكان والده صيدلانياً يعمل في العقاقير، وكان ينتمي لطائفة النساطرة النصرانية، المعروفين اليوم بالآشوريين، والذي ينتمون لنسطور الراهب المولود في مرعش والمتوفى سنة 451 ميلادية في مصر، والذي كان يرى أن طبيعة المسيح البشرية ليست ذات وجود مستقل، بل هي تَـمَثُّـلٌ متفرع من طبيعته الإلهية، وهو مبدأ اعتبرته المجامع الكنسية آنذاك خروجاً على المسيحية.

ولما نشأ حنين أحب التعلم فرحل إلى بغداد ودخل في جملة تلاميذ يوحنا بن ماسويه، المتوفى سنة 243، كبير الأطباء في زمانه، وطبيب الرشيد والمأمون ومن بعدهما، وكان حنين يُكثر سؤال أستاذه مستفهماً عن كل ما يُشكل عليه، فصعب ذلك على يوحنا بن ماسويه، وبخاصة أن الطب كان يستند كثيراً إلى الكتب اليونانية المترجمة ترجمة سقيمة، فضاق به مرة وقال له: ما لأهل الحيرة والطب؟! عليك ببيع الفلوس في الطريق! وأمر به فأُخرج من داره.

وجاء قول ابن ماسويه لأن أهل الحيرة كانوا مشهورين بالعمل في الصرافة ونقد الفلوس لبيان صحيحها من زائفها، وهناك سبب آخر يذكره بعض المؤرخين وهو أن دراسة الطب وممارسته كانت وقفاً على أهل جنديسابور، يكرهون أن يدخل في مهنتهم غيرهم.

وخرج حنين حزيناً باكياً، ولكن هذا الطرد حفزه لمزيد من الدرس والاجتهاد، واتجه لتعلم اللغة اليونانية وإتقانها حتى أصبح متقدماً في ذلك على أهلها، وتختلف الأقوال في مكان دراسته بين الإسكندرية وبين  أراضي الدولة البيزنطية، وأُرجِّح الثاني لسبب سيرد بعد قليل في قصة له مع الخليفة العباسي المتوكل، وأياً كان مكان دراسته فلا شك أنه نجح في هدفه، وأنه كذلك اطلع في رحلته على أمهات الكتب اليونانية في الطب والمنطق والرياضيات والهندسة، ولما رجع إلى بغداد لم يظهر نفسه ويشهر ما أحرزه، وآثر أن يبقى مغموراً إلى حين، ولما التقى به صدفة أحد أصحابه من الأطباء وهو ينشد باليونانية إلياذة هوميروس، عرفه من نبرة صوته، وأخبره حنين ما يفعل قائلاً: ذكر يوحنا ابن الفاعلة أنه كان من المحال أن يتعلم الطب عبادي! وأنا برئ من دين النصرانية إن رضيت أن أتعلم الطب حتى أُحكم اللسان اليوناني! وطلب حنين من صديقه أن يكتم ذكره، فكتم ذلك قرابة 4 سنين.

ثم دخل ذلك الصديق يوماً على جبرائيل بن بختيشوع، وكان أكبر أطباء زمانه، مقرباً من السلاطين، وتوفي في سنة 213 في زمن المأمون، فوجد عنده حنيناً وقد ترجم له أقساماً قسمها بعض الروم فِي كتاب من كتب التشريح لجالينوس، وجبرائيل يخاطبه بالتبجيل، فأعظمه ما رأى وتبين لجبرائيل استغرابه، فقال له: لا تستكثر هذا مني في أمر هذا الفتى، فوالله لئن مُدًّ له في العمر ليفضحن سرجيس! وسرجيس الذي تذكره القصة هو مار سرجيس وهو من بلدة رأس العين، ومن أول من نقل علوم اليونانيين إلى السريانية والعربية في أيام الأمويين، فهو أستاذ المترجمين في صدر الإسلام.

وقال لحنين صاحبُه: أنا مسوِّدٌ وجه يوحنا بما سمعت من مدح أبي عيسى لك. فأخرج حنين من كمه نسخة ما كان دفعه إلى جبرائيل، وقال له: تمام سواد وجه يوحنا يكون بدفعك إليه هذه النسخة، ولا تقل له من نقلها، فإذا رأيته قد اشتد عجبه بها أعلمه أنه إخراجي. فلما قرأ يوحنا تلك الفصول، وهي كتاب حنين المسمى بالجوامع، كثر تعجبه وقال: تُرى أوحى الله تعالى في دهرنا إلى أحد؟! ما هذا إِلا إخراج مؤيد بروح القدس! فقال له: هذا إخراج حنين بن إسحاق الذي طردته من مجلسك، وأمرته أن يبيع الفلوس! وحدثه بما سمعه من جبرائيل فتحير وسأله التلطف في إصلاح ما بينهما، ففعل  ذلك الصديق وصار يوحنا يثني على حنين ويحسن إليه.

وانضم حنين إلى مجموعة من المترجمين كانت متصلة ببلاط الخليفة المأمون، وتعمل تحت إشراف بني موسى بن شاكر، ترجمت كثيراً من الكتب في الفلسفة والهندسة والرياضيات والطب والموسيقى، وفي هذا الصدد سافر حنين إلى أقصى بلاد الروم لطلب الكتب التي يراد ترجمتها، وتذكر بعض المراجع أن المأمون كان يعطيه من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى العربي مِثلاً بمثل، ولكن مصادر أخرى تذكر أن بني موسى كانوا ينفقون 500 دينار في الشهر على المترجمين، وهو مبلغ كبير جداً بمقياس ذلك الزمان.

ولما انتشر ذكر حنين بين الأطباء اتصل خبره بالخليفة المتوكل فأمر بإحضاره، وأقطعه إقطاعاً سَنياً وقرر له راتباً  جزيلاً، وجعله رئيس الأطباء ببغداد، وتذكر المصادر أنه كان يلبس الزنار، أي زنار القساوسة المربوط به الصليب، وكان الخليفة في بداية الأمر يتوجس خيفة منه خشية أن يكون مدسوساً عليه من ملك الروم البيزنطيين، فكان لا يأخذ بقوله دواء يصفه حتى يشاور غيره، ثم امتحنه الخليفة ليتبين حقيقة أمره، فأمر بأن يخلع عليه وأخرج توقيعاً له فيه إقطاع يشتمل على خمسين ألف درهم، ثم قال الخليفة لحنين بعد فترة: أريد أن تصف لي دواء يقتل عدواً أريد قتله بالسر ودون أن يتبين سبب موته، فقال حنين: ما تعلمت غير الأدوية النافعة، ولا علمت أن أمير المؤمنين يطلب مني غيرها، فإن أحب أن أمضي وأتعلم؛ فعلت. فقال الخليفة: هذا شيء يطول، وأنا أحتاجه بالعجل، ورغبه وهدده وهو لا يزيد على ما قال إلى أن أمر بحبسه ووكل بِهِ من يرفع خبره إليه وقتاً بوقت، فحبس سنة وكان ينقل ويفسر ويصنف وهو غير مكترث بما هو فيه، ولما كان بعد سنة أمر الخليفة بإحضاره ورغبه بأموال أحضرها ثم هدده بالسيف، فقال حنين: قد قلت لأمير المؤمنين إنني ما أحسن غير الشيء النافع ولا تعلمت غيره، قال الخليفة: فإنني أقتلك، فقال حنين: إلى رب يأخذ بحقي غداً فِي الموقف الأعظم، فإن اختار أمير المؤمنين أن يظلم نفسه فليفعل! فتبسم الخليفة وقال له: يا حنين طب نفساً وثِقْ بنا، فهذا الفعل منا كان لامتحانك، لأننا حذرنا من كيد الملوك فأردنا الطمأنينة إِليك والثقة بك لننفع بعلمك.

وسأل الخليفة حنيناً: ما الذي منعك من الإجابة مع ما رأيته من صدق عزيمتنا في الحالتين؟ قال حنين: شيئان يا أمير المؤمنين، قال: وما هما؟ قال: الدين والصناعة، قال: وكيف؟ قال: الدين يأمرنا باستعمال الخير والجميل مع أعدائنا، فكيف ظنك بالأصدقاء؟! والصناعة تمنعنا من الإضرار بأبناء الجنس لأنها موضوعة لنفعهم ومقصورة على معالجتهم، ومع هذا فقد جُعل في رقاب الأطباء عهد مؤكد بأيمان مغلظة أن لا يعطوا دواء قتَّالاً، فلم أر أن أخالف هذين الأمرين الشريفين، ووطنت نفسي على القتل فإن الله تعالى ما كان يضيع لي بَذلَ نفسي فِي طاعته.  فأمر الخليفة بالخلع فأفيضت عليه وحمل المال معه، فخرج وهو أحسن الناس حالاً وجاهاً.

ترجم حنين 260 كتاباً من اللغة اليونانية إلى اللغتين السريانية والعربية، منها كتاب الفصول الأبُقراطية في الطب، ويعد أبُقراط، المولود في اليونان سنة 460 قبل المسيح والمتوفى سنة 377، أبو علم الطب، وإليه يعود أصل قَسَم الأطباء الذي يقسمونه عند تخرجهم، وترجم حنين عدداً من الكتب أهمها التوراة ويذكر المسعودي المتوفى سنة 346 أن ترجمة حنين من أصح ترجمات التوراة عند كثير من الناس، وإضافة لها ترجم حنين كتاب ما وراء الطبيعة لأفلاطون، وكتاب المعادن لأرسطوطاليس، وهو كتاب ظلَّ زماناً طويلاً مرجعاً من أهم المراجع في دراسة الكيمياء، وترجم حنين عدداّ من الكتب التي ألفها الطبيب اليوناني جالينوس، المولود في الأناضول سنة 129 للميلاد والمتوفى سنة 216، منها كتاب حيلة البرء، وكتاب التشريح الكبير، وكتاب قوى الأغذية عن جالينوس، وكتاب تدبير الأصحاء. وينبغي أن نذكر أن الطب العربي تأثر لقرون طويلة كثيراً بكتابات جالينوس التي ترجمها حنين وغيره، والتي بلغت 129 مؤلفاً، والتي اندثرت أصول بعضها وبقيت منها ترجماتها العربية أو السريانية.

وكانت ترجمة حنين أمينة في نقلها، وافية في أدائها، فصيحة سلسة لا تعتريها ركاكة أو ضعف أو غموض، وسبب ذلك أنه كان بارعاً في اللغة العربية وضليعاً في المواضيع التي يترجمها، ولذا كانت ترجمته أفضل الترجمات وأصحها، ولصلاح الدين الصفدي، خليل بن أيبك المولود سنة 696 والمتوفى سنة 764، كلمة حول أساليب الترجمة نوردها لأهميتها: وللتراجمة في النقل طريقان: أحدهما طريق يوحنا بن البطريق وابن الناعمة الحمصي وغيرهما، وهو أن ينظر إلى كل كلمة مفردة من الكلمات اليونانية، وما تدل عليه من المعاني، فيأتي بلفظة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى فيثبتها وينتقل إلى الأخرى كذلك حتى يأتي على جملة ما يريد تعريبه، وهذه الطريقة رديئة بوجهين:

1.    أحدهما أنه لا يوجد في الكلمات العربية كلمات تقابل جميع الكلمات اليونانية، ولهذا وقع في خلال هذا التعريب كثير من الألفاظ اليونانية على حالها.

2.    الثاني أن خواص التركيب والنسب الإسنادية لا تطابق نظيرها من لغة أخرى دائماً، وأيضاً يقع الخلل من جهة استعمال المجازات وهي كثيرة في جميع اللغات.

الطريق الثاني في التعريب طريق حنين بن إسحق والجوهري وغيرهما، وهو أن يأتي الجملة فيحصل معناها في ذهنه ويعبر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها، سواء ساوت ألفاظها أم خالفتها، وهذا الطريق أجود، ولهذا لم تحتج كتب حنين بن إسحق إلى تهذيب إلا في العلوم الرياضية لأنه لم يكن قيماً بها، بخلاف كتب الطب والمنطق والطبيعي والإلهي فإن الذي عربه منها لم يحتج إلى الإصلاح، فأما إقليدس فقد هذبه ثابت بن قرة الحراني وكذلك المجسطي والمتوسطات بينهما.

وإلى جانب ما ترجمه لحنين بن إسحاق من الكتب اليونانية كانت له مؤلفات قدر عددها بعض الباحثين بنحو 115 تأليفاً، ونورد أسماء بعضها لتدل على تنوع معرفته واتساعها: كتاب نوادر الفلاسفة والحكماء، كتاب أحكام الإعراب على مذهب اليونانيين مقالتان، كتاب المسائل، وهو المدخل إلى تعلم الطب لأنه قد جمع فيه جملاً وجوامع تجري مجرى المبادئ والأوائل لهذا العلم ليسير عليها المتعلمون وزاد فيها حبيش بن الحسن الأعسم الدمشقي تلميذه وابن أخته، كتاب الحمام مقالة، كتاب اللبن مقالة، كتاب الأغذية ثلاث مقالات، كتاب تقسيم علل العين، كتاب اختيار أدوية علل العين مقالة، كتاب مداواة أمراض العين بالحديد مقالة، كتاب آلات الغذاء ثلاث مقالات، كتاب القول في حفظ الأسنان واستصلاحها، كتاب الباه مقالة، كتاب معرفة أوجاع المعدة وعلاجها مقالتان، كتاب تدبير الناقهين مقالة، كتاب المد والجزر مقالة، كتاب السبب الذي صارت له مياه البحر مالحة، كتاب الألوان مقالة، كتاب المولودين لثمانية أشهر مقالة عمله لأم ولد المتوكل، كتاب فِي البول على طريق المسألة والجواب ثلاث مقالات، كتاب مرض الورد، كتاب الفرُّوج وتولده من مح البيضة مقالة، كتاب الآجال مقالة، كتاب تولد الحصاة مقالة، كتاب تولد النار بين حجرين مقالة، كتاب اختيار الأدوية المحرقة مقالة، كتاب في تدبير السوداويين، رسالة في دلالة القدر على التوحيد، كتاب في أسماء الأدوية المفردة، رتبه على حروف المعجم.

ونذكر هنا مقالات كتابه عن العين الذي كان المحتسب يمتحن به الكحالين قبل مزاولة مهنتهم:

المقالة الأولى يذكر فيها طبيعة العين وتركيبها

المقالة الثانية يذكر فيها طبيعة الدماغ ومنافعه.

المقالة الثالثة يذكر فيها العصب الباصر والروح الباصر وفي نفس الإبصار كيف يكون.

والمقالة الرابعة فيها جمل الأشياء التي لا بد منها في حفظ الصحة واختلافها.

والمقالة الخامسة يذكر فيها أسباب الأعراض الكائنة في العين.

المقالة السادسة في علامات الأمراض التي تحدث في العين.

المقالة السابعة يذكر فيها قوى جميع الأدوية عامة.

المقالة الثامنة يذكر فيها أجناس الأدوية للعين خاصة وأنواعها.

المقالة التاسعة يذكر فيها مداواة أمراض العين.

المقالة العاشرة في الأدوية المركبة الموافقة لعلل العين.

قال ابن أبي أصيبعة، أحمد بن القاسم المولود سنة 596 والمتوفى سنة 668، في ترجمته لحنين في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء: وجدت من هذه الكتب كتباً كثيرة، وكثيراً منها اقتنيته، وهي مكتوبة بخط الأزرق كاتب حنين، وهي حروف كبار بخط غليظ في أسطر متفرقة، وورقها كل ورقة منها بغلظ ما يكون من هذه الأوراق المصنوعة يومئذ ثلاث ورقات أو أربع، وكان قصد حنين بذلك تعظيم حجم الكتاب وتكثير وزنه، لأجل ما يقابل به من وزنه دراهم، وكان ذلك الورق يستعمله بالقصد، ولا جرم أن لغلظه بقي هذه السنين المتطاولة من الزمان... وقد رأيت أشياء كثيرة من كتب جالينوس وغيره بخطه، وبعضها عليه تنكيت بخط حنين بن إسحاق باليوناني، وعلى تلك الكتب علامة المأمون.

كان لحنين ولدان أحدهما اسمه داود والثاني اسمه إسحاق، فأما إسحاق فخدم من خدم أبوه من الخلفاء والرؤساء، وكان منقطعاً إلى الوزير القاسم ابن عبيد الله وخصيصاً به، وتابع عمل والده في الترجمة، ونقل من الكتب اليونانية إلى اللغة العربية كتباً كثيرة، إلا أن عنايته كانت مصروفة إلى نقل الكتب الفلسفية، وتوفي بالفالج في سنة 298، أما داود فاتجه إلى الطب ولكنه لم ينبغ فيه مثل والده أو أخيه.

ومن بلغت هذه مكانته جذب إليه الحساد وتآلب عليه المنافسون، ولذا لا عجب أن نرى حنيناً وقد تعرض لعدد من المحن والشدائد حتى إنه ألف في ذلك رسالة ذكر فيها ما ناله، وأوردها بنصها ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ومما جاء فيها مع بعض التصرف:

إنه لحقني من أعدائي ومضطهديّ، الكافرين بنعمتي، الجاحدين لحقي، الظالمين لي، المتعدين عليّ، من المحن والمصائب والشرور ما منعني من النوم وأسهر عيني وأشغلني عن مهماتي، وكل ذلك من الحسد لي على علمي وما وهبه الله عزّ وجلّ لي من علو المرتبة على أهل زماني، وأكثر أولئك أهلي وأقربائي، فإنهم أول شروري، وابتداء محني، ثم من بعدهم الذين علَّمتهم وأقرأتهم وأحسنت إليهم وفضلتهم على جماعة أهل البلد من أهل الصناعة، وقرَّبت إليهم علوم الفاضل جالينوس، فكافؤوني عوض المحاسن مساوئ بحسب ما أوجبته طباعهم، وبلغوا بي إلى أقبح ما يكون من إذاعة أوحش الأخبار حتى ساءت بي الظنون، وامتدت إليَّ العيون... فأوقعوا بغضتي في نفوس سائر أهل الملل فضلاً عن أهل مذهبي.

ولما اتصل ذلك بي حمدت الله حمداً جديداً، وصبرت على ما قد دفعت إليه، فآلت القضية بي إلى أن بقيت بأسوأ ما يكون من الحال من الإضاقة والضر، محبوساً مضيقاً علي مدة من الزمان لا تصل يدي إلى شيء من ذهب ولا فضة ولا كتاب ولا ورقة أنظر فيها، ثم إن الله عزّ وجلّ نظر إليّ بعين رحمته، فجدد لي نعمه وردني إلى ما كنت عارفاً به من فضله، وكان سبب رد نعمتي إليَّ بعض من كان قد التزم عداوتي واختص بها، ومن ها هنا صح ما قاله جالينوس إن الأخيار من الناس قد ينتفعون بأعدائهم الأشرار. فلعمري لقد كان ذلك أفضل الأعداء!

وكيف لا أُبغَض ويكثر حاسديِّ، ويكثر ثلبي في مجالس ذوي المراتب؛ كل ذلك بغير جرم لي إلى واحد منهم ولا جناية، لكنهم لما رأوني فوقهم، وعالياً عليهم بالعلم والعمل، ونقلي إليهم العلوم الفاخرة من اللغات التي لا يحسنونها ولا يهتدون إليها ولا يعرفون شيئاً منها، في نهاية ما يكون من حسن العبارة والفصاحة، ولا نقص فيها ولا زلل، ولا ميل لأحد من الملل، ولا استغلاق ولا لحن، باعتبار أصحاب البلاغة من العرب الذين يقومون بمعرفة وجوه النحو والغريب، ولا يعثرون على سيئة، بأعذب ما يكون عن اللفظ، وأقربه إلى الفهم، يسمعه من ليس صناعته الطب، ولا يعرف شيئاً من طرقات الفلسفة، ولا من ينتحل ديانة النصرانية وكل الملل، فيستحسنه ويعرف قدره...

وأيضاً فأقول ولا أخطئ إن سائر أهل الأدب، وإن اختلفت مللهم، محبون لي، مائلون إلي، مكرمون لي، يأخذون ما أفيدهم بشكر، ويجازوني بكل ما يصلون إليه من الجميل، فأما هؤلاء الأطباء النصارى الذين أكثرهم تعلموا بين يدي، ونشأوا قُدَّامي هم الذين يرومون سفك دمي على أنهم لا بد لهم مني، فمرة يقولون من هو حنين؟ إنما حنين ناقل لهذه الكتب يأخذ على نقله الأجرة كما يأخذ الصناع الأجرة على صناعتهم، ولا فرق عندنا بينه وبينهم؛ لأن الفارس قد يعمل له الحداد بالسيف في المثل بدينار، ويأخذ هو من أجله في كل شهر مائة دينار، كما أن الحداد، وإن كان يحسن صنعة السيف،إلا أنه ليس يحسن يعمل به، فما للحداد وطلب الفروسية؟!

لكني كنت أضمر وأعلم أن حسدهم هو الذي يدعوهم إلى سائر الأشياء، وإن كان لا يخفى عليهم قبحها، فإن الحسد لم يزل بين الناس على قديم الأيام... وهذا أيضاً مع أن أكثرهم إذا دهمهم الأمر في مرض صعب فإليّ يصير، حتى يتحقق معرفته مني، ويأخذ عني له صفة دوائه وتدبيره، ويتبين الصلاح فيما أُمر به أن يعمل لا مرة ولا مراراً، وهذا الذي يجيئني ويقتدي برأيي هو أشد الناس علي غيظاَ، وأكثرهم لي ثلباً، وليس أزيدهم على أن أحكم رب الكل بيني وبينهم، وإنما سكوتي عنهم لأنهم ليس هم واحداً ولا اثنين ولا ثلاثة، بل هم ستة وخمسون رجلاً جملتهم من أهل المذهب، محتاجون إلي وأنا غير محتاج إليهم، وأيضاً فإن إثرتهم مع كثرتهم قوية بخدمة الخلفاء وهم أصحاب المملكة وأنا فأضعف عنهم من وجهين أحدهما وحدتي، والثانية إن الذين يعنون بي من الناس محتاجون إلى الأصل الذي يعنى بأعدائي الذي هو أمير المؤمنين، ومع هذا كله لا أشكو إلى أحد ما أنا عليه وإن كان عظيماً، بل أبوح بشكرهم في المحافل وعند الرؤساء، فإن قيل لي إنهم يثلبونك وينتقصون بك في مجالسهم، أدفع ذلك وأرى أني غير مصدق شيء مما يقال لي، بل أقول إنا نحن شيء واحد تجمعنا الديانة والبلدة والصناعة، فما أصدق أن مثلهم يذكر أحداً من الناس فضلاً عني بسوء، فإذا سمعوا عني مثل هذا القول قالوا قد جزع وأعطى من نفسه الدعة، وكلما ثلبوني زدت في الشكر لهم، وأنا الآن ذاكر ها هنا آخر الآبار التي حفروها لي، سوى ما كان لي معهم قديماً...

وهذه قصة المحنة الأخيرة القريبة، وهي أن بختيشوع بن جبرائيل المتطبب عمل علىَّ حيلة تمت له علي، وأمكنته من إرادته في، وذلك أنه استعمل أيقونة عليها صورة السيدة مريم، وفي حِجرها سيدنا المسيح والملائكة قد احتاطوا بهما، وعملها في غاية ما يكون من الحسن وصحة الصورة بعد أن غرم عليها من المال شيئاً كثيراً، ثم حملها إلى أمير المؤمنين المتوكل، وكان هو المستقبل لها من يد الخادم الحامل لها، وهو الذي وضعها بين يدي المتوكل، فاستحسنها المتوكل جداً، وجعل بختيشوع يقبلها بين يديه مراراً كثيرة، فقال له المتوكل: لم تقبلها؟ فقال له: يا مولانا إذا لم أقبل صورة سيدة العالمين فمن أقبل؟ فقال له المتوكل: وكل النصارى هكذا يفعلون؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، وأفضلَ مني، لأني أنا قصرت حيث أنا بين يديك، ومع تفضيلنا معشر النصارى، فإني أعرف رجلاً في خدمتك وإفضالك وأرزاقك جارية عليه من النصارى يتهاون بها ويبصق عليها، وهو زنديق ملحد، لا يقر بالوحدانية ولا يعرف آخرة، يستتر بالنصرانية وهو معطل مكذب بالرسل، فقال له المتوكل: من هذا الذي هذه صفته؟ فقال له: حنين المترجم، فقال المتوكل: أوجِّه أُحضره، فإن كان الأمر على ما وصفت، نكلت به وخلدته المطبق، مع ما أتقدم به في أمره من التضييق عليه، وتجديد العذاب، فقال: أنا أحب أن يؤخر مولاي أمير المؤمنين إلى أن أخرج وأقيم ساعة، ثم تأمر بإحضاره، فقال: إني أفعل ذلك. فخرج بختيشوع من الدار وجاءني، فقال: يا أبا زيد، أعزك الله، ينبغي أن تعلم أنه قد أُهدِي إلى أمير المؤمنين أيقونة قد عظم عجبه بها، وأحسبها من صور الشام، وقد استحسنها جداً، وإن نحن تركناها عنده ومدحناها بين يديه تولع بنا بها في كل وقت، وقال: هذا ربكم وأمه مصورين، وقد قال لي أمير المؤمنين: انظر إلى هذه الصورة ما أحسنها، وأيش تقول فيها؟ فقلت له: صورة مثلها تكون في الحمامات، وفي البيع وفي المواضع المصورة، وهذا مما لا نبالي به ولا نلتفت إليه، فقال: وليس هي عندك شيء؟ قلت: لا، قال: فإن تكن صادقاً فابصق عليها! فبصقت، وخرجت من عنده وهو يضحك ويعطعط بي، وإنما فعلتُ ذلك ليرمي بها ولا يكثر الولع بنا بسببها، ويميزنا دائماً، ولا سيما إن حرد أحد من ذلك، فإن الولع يكون أزيد، والصواب إن دعا بك وسألك عن مثل ما سألني أن تفعل كما فعلت أنا، فإني قد عملت على لقاء سائر من يدخل إليه من أصحابنا، وأتقدم إليهم أن يفعلوا مثل ذلك، فقبلت ما وصاني به، وجازت عليَّ سخريته، وانصرف.

فما كان إلا ساعة حتى جاءني رسول أمير المؤمنين فأخذني إليه، فلما دخلت عليه إذ الأيقونة موضوعة بين يديه فقال لي: يا حنين تَرى ما أحسن هذه الصورة وأعجبها؟ فقلت: والله إنه لكما ذكر أمير المؤمنين، فقال: فأيش تقول فيها؟ أو ليست هي صورة ربكم وأمه؟ فقلت: معاذ الله يا أمير المؤمنين أن لله تعالى صورة أو يصور؟ ولكن هذا مثال في سائر المواضع التي فيها الصور، فقال: فهذه لا تنفع ولا تضر؟! فقلتُ: هو كذلك يا أمير المؤمنين. فقال: فإن كان الأمر على ما ذكرت، فابصق عليها! فبصقت عليها فللوقت أمر بحبسي، ووجه إلى ثوذسيس الجاثليق فأحضره، فلما دخل عليه ورأى الأيقونة موضوعة بين يديه وقع عليها، قبل أن يدعو له، فاعتنقها ولم يزل يقبلها ويبكي طويلاً، فذهب الخدم ليمنعوه فأمر بتركه، فلما قبَّلها طويلاً على تيك الحالة أخذها بيده وقام قائماً، فدعا لأمير المؤمنين وأطنب في دعائه، فرد عليه وأمره بالجلوس، فجلس وترك الأيقونة في حجره.

فقال له المتوكل: أي فِعل هذا؟ تأخذ شيئاً كان بين يدي وتتركه في حِجرك عن غير إذني؟ فقال له الجاثليق: نعم يا أمير المؤمنين، أنا أحق بهذه التي بين يديك، وإن كان لأمير المؤمنين، أطال اللّه بقاءه، أفضل الحقوق، غير أن ديانتي لم تدعني أن أدع صورة ساداتي مرمية على الأرض، وفي موضع لا يعرف مقدارها... لأن هذه حقها أن تكون في موضع يعرف فيه حقها، ويسرج بين يديها أفضل الأدهان من حيث لا تطفأ قناديلها مع ما يبخر به بين يديها من أطاييب البخور في أكثر الأوقات، فقال أمير المؤمنين: فدعها في حجرك الآن، فقال الجاثليق: إني أسأل مولاي أمير المؤمنين أن يجود بها علي، ويعمل على أنه قد يقطعني ما مقدار قيمته مئة ألف دينار في كل سنة حتى أقضي من حقها ما يجب علي، ثم يسألني أمير المؤمنين ما أحب بعد ذلك فيما أرسل إلي بسببه، فقال له: قد وهبتها لك، وأنا أريد أن تعرِّفني ما جزاء من بصق عليها عندك؟ فقال له الجاثليق: إن كان مسلماً فلا شيء عليه لأنه لا يعرف مقدارها، لكن يعرّف ذلك ويلام ويوبخ على مقدار ما فعل حتى لا يعود إلى مثل ذلك مرة أخرى، وإن كان نصرانياً وكان جاهلاً لا يفهم ولا معرفة عنده فيلام ويزجر بين الناس ويتهدد بالجروم العظيمة ويعذل حتى يتوب؛ وبالجملة إن هذا فعل لا يقوم عليه إلا جاهل لا يعرف مقدار الديانة، فإن كان عاقلاً وقد بصق عليها فقد بصق على مريم أم سيدنا وعلى سيدنا المسيح! فقال له أمير المؤمنين: فما الذي يجب على من فعل ذلك عندك؟ فقال: ما عندي يا أمير المؤمنين، إذ كنت لا سلطان لي، أن أعاقبه بسوط أو بعصا، ولا لي حبس ضنك، بل أحرمه وأمنعه من الدخول إلى البيع ومن القربان؛ وأمنع النصارى من ملابسته وكلامه؛ وأضيق عليه، ولا يزال مرفوضاً عندنا إلى أن يتوب ويقلع عما كان عليه، وينتقل ويتصدق ببعض ماله على الفقراء والمساكين، مع لزوم الصوم والصلاة، فحينئذ نرجع إلى ما قال كتابنا وهو إن لم تعفوا للخاطئين لم يغفر لكم خطاياكم، فنحل حرم الجاني، ونرجع إلى ما كنا عليه.

ثم إن أمير المؤمنين أمر الجاثليق بأن يأخذ الأيقونة، وقال له: افعل بها ما تريد، وأمر له معها ببدرة دراهم، وقال له أنفق ما تأخذه على أيقونتك.

فلما خرج الجاثليق لبث قليلاً يتعجب منه ومن محبته لمعبوده وتعظيمه إياه، ثم قال إن هذا الأمر عجيب، ثم أمر بإحضاري فأحضرت إليه وأحضر السوط والحبال، وأمر بي فشُددت مجرداً بين يديه وضربت مئة سوط، وأمر باعتقالي والتضييق علي، ووجه فحمل جميع ما كان لي من رحل وأثاث وكتب وما شاكل ذلك، وأمر بنقض منازلي إلى الماء، وأقمت في داخل داره معتقلاً ستة أشهر في أسوأ ما يكون من الحال، حتى صرت رحمة لمن رآني، وكان أيضاً في كل يسيرٍ من الأيام يوجه يضربني ويجدد لي العذاب.

فلم أزل على ما شرحته إلى أن اعتل أمير المؤمنين، وذلك في اليوم الخامس من الشهر الرابع من يوم حبسي، وكانت علته صعبة جداً فأقعد ولم تمكنه الحركة وأُيس منه، وأيس هو أيضاً من نفسه، ومع ذلك، فإن أعدائي الأطباء عنده ليلاً ونهاراً ولا يزايلونه ساعة واحدة، وهم يعالجونه ويداوونه، ويسألونه في كل وقت في أمري ويقولون له لو أراحنا مولانا أمير المؤمنين من ذلك الزنديق الملحد لأراح منه الدنيا، وانكشف عن الدين منه محنة عظيمة، فلما طالت مسألتهم له في أمري وكثر ذكرهم لي بين يديه بكل سوء، قال لهم فما الذي يسركم أن أفعل به؟ قالوا: تريح العالم منه، وكان مع ذلك، كل من سأل في أمري وتشفع في من أصدقائي يقول بختيشوع يا أمير المؤمنين هذا بعض تلاميذه وهو يعتقد اعتقاده، فيقل المعين لي ويكثر المحرك علي، وأيست من الحياة، فقال لهم أمير المؤمنين، وقد لجوا عليه في السؤال: فإني أقتله في غد يومنا هذا وأريحكم منه، فسر بذلك الجماعة وانصرفوا على ما يحبون.

فجاءني بعض الخدم وقال لي إنه جرى في أمرك العيش كذا وكذا، فسألت اللّه عزّ وجلّ التفضل بما لم تزل أياديه إلي بأمثاله، مع ما أنا فيه من كثرة الاهتمام وشغل القلب مما أخاف نزوله بي في غد بغير جرم أستوجبه ولا جناية جنيتها، بل بحيلة من احتال علي وطاعتي من اغتالني، وقلت اللهم إنك عالم براءتي فأنت أولى بنصرتي، وطال بي الفكر إلى أن حملني النوم، فإذا بهاتف يحركني ويقول لي قم فاحمد اللّه وأثن عليه فقد خلصك من أيدي أعدائك، وجعل عافية أمير المؤمنين على يديك فطب نفساً. فانتبهت مرعوباً، ثم قلت كلما كثر ذكره في اليقظة لم تنكر رؤيته عند النوم، فلم أزل أحمد اللّه وأثني عليه إلى أن جاء وجه الصبح، فجاءني الخادم ففتح علي الباب ولم يكن وقته الذي يجيئني فيه فقلت: هذا وقت منكر، جاءني ما وُعِدتُ به البارحة، وقد جاء وقت رضاء أعدائي وشماتتهم بي! واستعنت بالله.

فما جلس الخادم إلا هنيهة، إذ جاء غلامه ومعه مزين فأخذ من شعري ثم مضى بي إلى الحمام فأمر بغسلي وتنظيفي والقيام علي بالطيب، كما أمره مولاي أمير المؤمنين، ثم خرجت من الحمام فطرح علي ثياباً فاخرة، وردني إلى مقصورته إلى أن حضر سائر الأطباء عند أمير المؤمنين، وأخذ كل واحد منهم موضعه، فدعاني أمير المؤمنين وقال هاتوا حنيناً، فلم تشك الجماعة أنه إنما دعاني لقتلي، فأدخلت إليه فنظر إلي ولم يزل يدنيني إلى أن أجلسني بين يديه وقال لي: قد غفرت لك ذنبك، وأجبت السائل فيك، فاحمد اللّه على حياتك، وأشر علي بما ترى، فقد طالت علتي! فأخذت مجسته وأشرت بأخذ خيار شنبر منقى من قصبه وترنجبين، لأنه شكا اعتقالاً مع ما كان يوجبه الصورة من استعمال هذا الدواء، فقال الأطباء الأعداء نعوذ باللّه يا أمير المؤمنين من استعمال هذا الدواء إذ كان له غائلة ردية، فقال لهم أمسكوا فقد أمرت أن آخذ ما يصفه لي، ثم إنه أمر بإصلاحه، فأصلح وأخذه لوقته، ثم قال لي يا حنين اجعلني من كل ما فعلته بك من حل فشفيعك إلي قوي، فقلت له: مولاي أمير المؤمنين في حل من دمي فكيف وقد مَنَّ علي بالحياة، ثم قال تسمع الجماعة ما أقوله فأنصتوا إليه، فقال: اعلموا أنكم انصرفتم البارحة مساء على أني أبكر أقتل حنيناً كما ضمنت لكم، فلم أزل أقلق إلى نصف الليل متوجعاً، فلما كان ذلك الوقت أغفيت فرأيت كأني جالس في موضع ضيق وأنتم معشر الأطباء بعيدون عني بعداً كثيراً مع سائر خدمي وحاشيتي، وأنا أقول لكم ويحكم ما تنظرون إلي في أي موضع أنا هذا يصلح لمثلي، وأنتم سكوت لا تجيبوني عما أخاطبكم به، فإذا أنا كذلك حتى أشرق علي في ذلك الموضع ضياء عظيم مهول حتى رعبت منه، وإذا أنا برجل قد وافى، جميل الوجه ومعه آخر خلفه عليه ثياب حسنة فقال: السلام عليك، فرددت عليه، فقال لي: تعرفني؟ فقلت: لا، فقال: أنا المسيح، فقلقت وتزعزعت وقلت: من هذا الذي معك؟ فقال: حنين بن إسحاق، فقلت: اعذرني فلست أقدر أن أقوم أصافحك، فقال: اعف عن حنين، واغفر ذنبه فقد غفر الله له، واقبل ما يشير به عليك، فإنك تبرأ من علتك. فانتبهت وأنا مغموم بما جرى على حنين مني ومفكر في قوة شفيعه إلي، وأن حقه الآن علي واجب، فانصرفوا ليلزمني كما أُمرت، وليحمل إلي كل واحد منكم عشرة آلاف درهم لتكون دية من سأل في قتله، وهذا المال يلزم من حضر المجلس البارحة وسأل في قتله، ومن لم يكن حاضراً فلا شيء عليه، ومن لم يحمل ما أمرت بحمله من هذا المال لأضربن عنقه، ثم قال لي: اجلس أنت والزم رتبتك.

وخرج الجماعة فحمل كل واحد منهم عشرة آلاف درهم، فلما اجتمع سائر ما حملوه أمر بأن يضاف إليه مثله من خزانته، فكان زائداً عن مئتي ألف درهم، وأن يسلم إلي، ففعل ذلك، فلما كان آخر النهار وقد أقامه الدواء ثلاثة مجالس أحس بصلاح، وخف ما كان يجد، فقال: يا حنين أبشر بكل ما تحب، فقد عظمت رتبتك عندي، وزادت طبقتك أضعاف ما كنت عليه عندي فسأعوضك أضعاف ما كان لك، وأحوج أعداءك إليك، وأرفعك على سائر أهل صناعتك... وأمر لي في كل شهر بخمسة عشر ألف درهم، وأطلق لي الفائت من رزقي في وقت حبسي، فكان شيئاً كثيراً، وحُمِلَ من جهة الخدم والحرم وسائر الحاشية والأهل ما لا يمكن أن يحصى من الأموال والخلع والإقطاع، وحصلت وظائفي التي كنت آخذها خارج الدار من سائر الناس، آخذها من داخل الدار، وصرت المقدم على سائر الأطباء من أعواني وغيرهم

وإني لأعلم مراراً كثيرة أن أول من كان يعدو إلى باب داري في حاجة تكون له إلى أمير المؤمنين، أو أن يسألني عن مرض قد حار فيه؛ أحدُ أعدائي الذين قد عرفتك ما لحقني منهم، وكنت وحق معبودي، العلة الأولى، أسارع في قضاء حوائجهم وأخلص لهم المودة، ولم أكافئهم على شيء مما صنعوه بي ولا واحداً منهم أخذته بذلك، فكان سائر الناس يتعجبون من حسن قضائي حوائجهم بعد ما كانوا يسمعونهم يقولون في عند الناس وخاصة عند مولاي أمير المؤمنين، وصرت أنقل لهم الكتب على الرسم بغير عوض ولا جزاء، وأسارع إلى جميع محابهم بعد أن كنت إذا نقلت لأحدهم كتاباً أخذت منه وزنه دراهم

وإنما ذكرت سائر ما تقدم ذكره ليعلم العاقل أن المحن قد تنزل بالعاقل والجاهل، والشديد والضعيف، والكبير والصغير، وأنها وإن كانت لا شك واقعة بهذه الطبقات التي ذكرنا، فما سبيل العاقل أن ييئس من تفضل اللّه عليه بالخلاص مما بلي به، بل يثق ويحسن ثقته بخالقه، ويزيد في تعظيمه وتمجيده، فالحمد لله الذي منَّ علي بتجديد الحياة، وأظهرني على أعدائي الظالمين لي، وجعلني أفضلهم رتبة، وأكثرهم حالاً، حمداً جديداً دائماً.

ويبدو أن حنيناً كان من النصارى الذين حرموا الأيقونات، وهي حركة حرَّمت تمثيل المسيح ووالدته أو وضع أيقونات في الكنائس، ولكنها انتهت رسمياً بقرار مجمع نيقية الثاني قبل قرابة 100 سنة من وفاة حنين، فقد تكررت معه ثانية قصة شبيهة بالأولى، ما كانت لتتكرر لو لم يكن الأمر عقيدة عنده، فقد ذكر المؤرخون أن كاتباً نصرانياً يدعى الطيفوري، وهي أسرة فيها عدد من الأطباء، كان يحسد حنيناً ويعاديه، واجتمعا يوماً في دار بعض النصارى ببغداد وهناك صورة المسيح والتلاميذ وقنديل يشتعل بين يدي الصورة. فقال حنين لصاحب البيت: لم تضيع الزيت فليس هذا المسيح ولا هؤلاء التلاميذ وإنما هي صور. فقال الطيفوري: إن لم يستحقوا الإكرام فأبصق عليهم. فبصق فأشهد عليه الطيفوري، ورفعه إلى المتوكل فسأله إباحة الحكم عليه لديانة النصرانية فبعث إلى الجاثليق والأساقفة وسئلوا عن ذلك فأوجبوا حرم حنين فحرم وقطع زناره وانصرف حنين إلى داره ومات من ليلته فجأة وقيل إنه سقى نفسه سماً.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العين لتُدِخل الرجلَ القبر ، وتُدخل الجمل القدر.

 
log analyzer