الثلاثاء، 20 مايو 2008

أين ترى محط رِحَالهِ

ومن شعرالأرجاني أيضا:

شاور سواك إذا نابتك نائبة *** يوماً وإن كنتَ من أهل المشوراتِ

فالعين تلقى كفاحاً ما دنا ونأى *** ولا تـرى نفسها إلا بمـرآة


ومن شعره أيضا ما كتبه إلى بعض الرؤساء يعتب عليه لعدم سؤاله عنه وقد انقطع عنه مدة:

نفسي فداؤك أيهذا الصاحب *** يا من هواه علي فرضٌ واجبُ
لِم طال تقصيري وما عاتبتني؟ *** فأنا الغداةَ مقصرٌ ومعاتِب
ومن الدليل علي مِلالِكَ أنني *** قد غبتُ أياما وما ليَّ طالبُ
وإذا رأيت العبد يهربُ ثم لم *** يُطلَبْ فمولى العبد منه هارب

وله أيضا

سأل الفضا عنه وأصغى للصدى *** كيما يجيب فقال مثل مقاله
ناداه أين تُرى مَحَطُ رِحَالهِ *** فأجاب: أين ترى محط رِحَالهِ

الاثنين، 19 مايو 2008

ومن العجائب أن لي صبراً على هذي العجائب

ناصح الدين الأُرّجاني أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الإرجاني، نسبة إلى أرجان من كور الأهواز من بلاد خوزستان، كان قاضي تُستَر وعسكر مكرم – وهما اليوم شوشتر وبندقير - في إقليم خوزستان – أي الأهواز - وهو إقليم متسع بين البصرة وفارس، وَليَ القضاء من آخر عهد نظام الملك منذ سنة نيف وثمانين وأربعمائة إلى آخر عهده وهو سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وهو وإن كان في العجم مولده، فمن العرب محتده.

وفي توليه القضاء يقول:

ومن النوائب أنني *** في مثل هذا الشغل نائب
ومن العجائب أن لي *** صبراً على هذي العجائب

وكان فقيها شاعرا وفي ذلك يقول:

أنا أشعر الفقهاء غير مدافع *** في العصر أو أنا أفقه الشعراء
شعري إذا ما قُلتُ دوّنَه الورى *** بالطبع لا بتكلف الإلقاء
كالصوت في قُلَلِ الجبال إذا علا *** للسمع هاج تجاوبَ الأصداء

الأحد، 18 مايو 2008

هذه قواعد الإسلام

اجتمع قوم من أصحاب الحديث إلى الإمام المحدث سعيد بن السكن، المولود ببغداد سنة 294 والمتوفى سنة 353، فقالوا له: إن الكتب في الحديث قد كثرت علينا، فليدلنا الشيخ على شئ نقتصر عليه منها.

فسكت، ودخل إلى بيته فأخرج أربع رزم، ووضع بعضها على بعض وقال: هذه قواعد الإسلام: كتاب مسلم، وكتاب البخاري، وكتاب أبي داود، وكتاب النسائي.

السبت، 17 مايو 2008

حتى متى أنا في حط وترحال

حتى متى أنا في حط وترحال * وطول سعي وإدبار وإقبالِ
ونازح الدار لا أنفك مغتربا * عن الأحبة ما يدرون ما حالي
بمشرق الأرض طوراً ثم مغربها * لا يخطر الموت من حرص على بال
ولو قعدت أتاني الرزق في دعة * إن القُنوع الغنى لا كثرة المال

الجمعة، 16 مايو 2008

لقد استحييت من حارثة بن ‏النعمان

لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نزل على أبي أيوب رضي الله عنه سنةً أو نحوها، ثم انتقل إلى منازل حارثة بن النعمان رضي الله عنه، ‏فلما تزوج عليٌ فاطمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي أطلب منزلاً، فطلب علي منزلاً فأصابه مستأخرا عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم قليلا، فبنى بها - أي تزوجها - فيه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إليها فقال: إني أريد أن أحوُلك إليّ، ‏فقالت لرسول الله: فكلِمْ حارثة بن النعمان أن يتحول عني، وكانت لحارثة بن النعمان منازل قرب ‏منازل النبي عليه السلام بالمدينة، وكان كلما أحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلاً تحول له ‏حارثة بن النعمان عن منزلٍ بعد منزل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد استحييت من حارثة بن ‏النعمان مما يتحول لنا عن منازله.‏

فبلغ ذلك حارثة فتحول وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تحول ‏فاطمة إليك، وهذه منازلي وهي أسقب بيوت بنـي النجار بك، وإنما أنا ومالي لله ولرسوله، والله يا ‏رسول الله المالُ الذي تأخذ مني أحبُ إليّ من الذي تَدَع، فقال رسول الله: صدقت، بارك الله عليك. ‏فحوّلها رسول الله إلى بيت حارثة.‏

وخرج عبد الله بن أبي بكر مهاجراً بعيال أبي بكر من مكة إلى المدينة فيهم عائشة وأختها أسماء زوج الزبير وأم رومان - أم عائشة - فلما قدموا المدينة أنزلوا في بيت حارثة بن النعمان رضي الله عنهم أجمعين.

الخميس، 15 مايو 2008

توأم سيامي وحوار طبي

في سنة 340 ونيف جاء إلى الموصل رجلان أنفذهما صاحب أرمينية إلى ناصر الدولة ابن حمدان التغلبي حاكم الموصل آنذاك للأعجوبة منهما، وكان لهما نحو من ثلاثين سنة، وهما ملتزقان من جانب واحد ومن حد فويق الحقو – أي الخصر - إلى دوين الأبط، وكان معهما أبوهما، فذكر أنهما ولدا كذلك توأماً، وتراهما يلبسان قميصين وسراويلين كل واحد منهما، لباسهما مفرد إلا أنهما لم يكن يمكنهما لالتزاق كتفيهما وأيديهما في المشي لضيق ذلك عليهما، فيجعل كل واحد منهما يده التي تلي أخاه من جانب الالتزاق خلف ظهر أخيه ويمشيان كذلك، وإنما كانا يركبان دابة واحدة ولا يمكن أحدهما التصرف إلا بتصرف الآخر معه، وإذا أراد أحدهما الغائط قام الآخر معه وإن لم يكن محتاجاً.

وحدث ابوهم أنه لما ولدا أراد أن يفرق بينهما، فقيل له: أنهما يتلفان لأن التزاقهما من جنب الخاصرة، وأنه لا يجوز أن يَسْلما، فتركهما، وكانا مسلمين، فأجازهما ناصر الدولة وخلع عليهما، وكان الناس بالموصل يصيرون إليهما فيتعجبون منهما ويهِبون لهما.

ثم إنهما خرجا إلى بلدهما، فاعتلَّ أحدُهما ومات وبقي الآخرُ أياماً حتى أنتن أخاه وأخوه حي لا يمكنه التصرف، ولا يمكن الأب دفن الميت إلى أن لحقت الحي علة من الغم والرائحة، فمات أيضاً فدفنا جميعاً.

وكان ناصر الدولة قد جمع لهما الأطباء وقال: هل من حيلة في الفصل بينهما؟ فسألهما الأطباء عن الجوع: هل تجوعان في وقت واحد؟ فقال: إذا جاع الواحد منا تبعه جوع الآخر بشيء يسير من الزمان، وإن شرب أحدنا دواء مسهلاً انحل طبع الآخر بعد ساعة، وقد يلحق أحدنا الغائط ولا يلحق الآخر، ثم يلحقه بعد ساعة.

فنظروا فإذا لهما جوف واحد وسرة واحدة ومعدة واحدة وكبد واحد وطحال واحد، وليس من الالتصاق أضلاع، فعلموا أنهما إن فصلا تلفا، ووجدوا لهما ذكران، وأربع بيضات، وكان ربما وقع بينهما خلاف وتشاجر فتخاصما أعظم خصومة، حتى ربما حلف أحدهما لا كلم الآخر أياماً، ثم يصطلحان.

الأربعاء، 14 مايو 2008

دار العلم

ابتاع أبو النصر سابور بن أردشير في سنة 383 داراً في الكرخ بين السورين وعمّرها وبيّضها وسماها: دار العلم، ووقفها على أهله، ونقل إليها كتباً كثيرة ابتاعها وجمعها وعمل لها فهرستاً وردّ النظر في أمورها ومراعاتها والاحتياط عليها إلى الشريفين أبي الحسين محمد بن الحسين بن أبي شيبة، وأبي عبد الله محمد بن أحمد الحسني، والقاضي أبي عبد الله الحسين بن هارون الضبي، وكلف الشيخ أبا بكر محمد بن موسى الخوارزمي فضل عناية بها.

الثلاثاء، 13 مايو 2008

لا بد في الدنيا من الهمِ

كن موسراً إن شئت أو معسراً * لا بد في الدنيا من الهمِ
وكـلـما زادك مـن نعـمة * زاد الذي زادك من غـمِ

الاثنين، 12 مايو 2008

ما تقول في السلف؟

كان بالدينور - وهي بلد مندثر شمال كرمانشاه في إيران اليوم - شيخ يتشيع ويميل إلى مذهب أهل الإمامة، وكان له أصحاب يجتمعون إليه يأخذون عنه ويدرسون عنده، يقال له بشر الجعاب، فرفع صاحب الخبر بالدينور إلى الخليفة العباسي المتوكل المتوفى سنة 247 هجرية أن بالدينور رجلا رافضيا، يحضره جماعة من الرافضة، ويتدارسون الرفض، ويسبون الصحابة، ويشتمون السلف، فلما وقف المتوكل على كتابه أمر وزيره عبيد اللّه بن يحيى بالكتاب إلى عامله على الدينور بإشخاص بشر هذا والفرقة التي تجالسه، فكتب عبيد الله بن يحيى بذلك.

فلما وصل إلى العامل كتابه وكان صديقا لبشر الجعاب، حسن المصافاة له، شديد الإشفاق عليه، همه ذلك وشقَّ عليه، فاستدعى بشراً وأقرأه ما كوتب به في أمره وأمر أصحابه، فقال له بشر: عندي في هذا رأي، إن استعملته كنت غير مستبطءٍ فيما أُمرتَ به، وكنت بمنجاة مما أنت خائف عليّ منه، قال: وما هو؟ قال: بالدينور شيخ خفّاف اسمه بشر، ومن الممكن المتيسر أن تجعل مكان الجعاب الخفاف، وليس بمحفوظ عنده ما نسبت إليه من الحرفة والصناعة.

فسُرَ العامل بقوله، وعمد إلى العين من الجعاب فغير عينها وغير استواء خطها وانبساطه، ووصل الباء بما صارت به فاء، فكان أخبره عن بشر الخفّاف أنه أبله في غاية البله والغفلة، وأنه هُزأةٌ عند أهل بلده وضُحكة، وذلك أن أهل سواد البلد يأخذون منه الخِفاف – أي النعال - التامة والمقطوعة بنسيئة، ويعدونه بأثمانها عند حصول الغلة، فإذا حصلت وحازوا ما لهم منها، ماطلوه بدينه ولووه بحقه، واعتلوا بأنواع الباطل عليه، فإذا انقضى وقت السادر ودنا الشتاء واحتاجوا إلى الخفاف وما جرى مجراها، وافوا بشراً هذا واعتذروا إليه وخدعوه، وابتدروا يعدونه الوفاء ويؤكدون مواعيدهم بالأيمان الكاذبة والمعاهدة الباطلة، ويضمنون له أداء الديون الماضية والمستأنفة فيحسن ظنه بهم وسكونه ويستسلم اليهم، ويستأنف إعطاءهم من الخفاف وغيرها، فإذا حضرت الغلة أجروه على العادة، وحملوه على ما تقدم من السنة، ثم لا يزالون على هذه الوتيرة، مِن أخذِ سِلَعه في وقت حاجتهم، ودفعه عن حقه في إبان غلاتهم، فلا يتنبه من رقدته ولا يفيق من سكرته.

فأنفذ العامل الكتاب وأشار بتقديم الخفاف أمام القوم، والإقبال عليه بالمخاطبة، وتخصيصه بالمسألة، ساكنا إلى أنه من ركاكته وفهاهته، بما يضحك الحاضرين ويحسم الاشتغال بالبحث عن هذه القصة، ويتخلص من هذه الثلاثة، فلما ورد كتاب صاحب الخبر أعلم عبيد اللّه بن يحيى المتوكل به وبحضور القوم، فأمر أن يجلس ويستحضرهم ويخاطبهم فيما حكي عنهم، وأمر فعلق بينه وبينهم سيبية - أي ستارة من قماش مستطيلة - ليقف على ما يجري ويسمعه ويشاهده.

ففعل ذلك وجلس عبيد اللّه واستدعى المحضرين فقدموا إليه يقدمهم بشر الخفاف، فلما جلسوا أقبل عبيد اللّه على بشر فقال له: أنت بشر الخفاف؟ فقال: نعم، فسكنت نفوس الحاضرين معه إلى تمام هذه الحيلة، وإتمام هذه المدالسة، وجواز هذه المغالطة، فقال له: إنه رفع إلى أمير المؤمنين من أمركم شيء أنكره، فأمر بالكشف عنه، وسؤالكم بعد إحضاركم عن حقيقته، فقال له بشر: نحن حاضرون فما الذي تأمرنا به؟ قال: بلغ أمير المؤمنين أنه يجتمع اليك قوم فيخوضون معك في الترفض وشتم الصحابة، فقال بشر: ما أعرف من هذا شيئا! قال: قد أمرت بامتحانكم والفحص عن مذاهبكم، فقال: ما تقول في السلف؟ فقال: لعن الله السلف، فقال له عبيد اللّه: ويلك أتدري ما تقول؟ قال: نعم! لعن اللّه السلف!

فخرج خادم من بين يدي المتوكل فقال لعبيد اللّه: يقول لك أمير المؤمنين: سله الثالثة فإن أقام على هذا فاضرب عنقه. فقال له: إني سائلك هذه المرة فإن لم تتب وترجع عما قلت أمرت بقتلك، فما تقول الآن في السلف؟ فقال: لعن الله السلف، قد خرب بيتي، وأبطل معيشتي، وأتلف مالي، وأفقرني وأهلك عيالي! قال: وكيف؟ قال: أنا رجل أسلف الأَكَرَةَ – أي عمال الزراعة - والمزارعين الخفافَ على أن يوفوني الثمن مما يحصل من غلاتهم، فأصير اليهم عند حصول الغلة في بيادرهم، فإذا أحرزوا الغلات دفعوني عن حقي، وامتنعوا من توفيتي مالي، ثم يعودون عند دخول الشتاء فيعتذرون إلي، ويحلفون باللّه لا يعاودون مطلي وظلمي، فإنهم يؤدون إلي المتقدم والمتأخر من مالي، فأجيبهم إلى ما يلتمسونه وأعطيهم ما يطلبونه، فإذا جاء وقت الغلة عادوا إلى مثل ما كانوا عليه من ظلمي وكسر مالي، فقد اختلت حالي وافتقرت عيالي.

فسمع ضحك عال من وراء السبيبة وخرج الخادم فقال: استحلل هؤلاء القوم وخل سبيلهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين في حل وسعة. فصرفهم فلما توسطوا صحن الدار قال بعض الحاضرين هؤلاء قوم مُجّانٌ محتالون، وصاحب الخبر مسقط لا يكتب إلا بما يعلمه ويثق بصحته، وينبغي أن يستقصى الفحص عن هذا والنظر فيه، فأمر بردهم فلما أُمروا بالرجوع قال بعض الجماعة التابعة لبعض: ليس هذا من ذلك الذي تقدم، فينبغي أن نتولى الكلام نحن، ونسلك طريق الجد والديانة، فرجعوا فأمروا بالجلوس، ثم أقبل عبيد اللّه على القوم فقال: إن الذي كتب في أمركم، ليس ممن تقدم على الكتب بما لا يقبله علما ويحيط به خبرا، وقد أمر أمير المؤمنين باستئناف امتحانكم واتمام التفتيش عن أمركم، فقالوا: افعل ما أمرت به، فقال: من خير الناس بعد رسول اللّه؟ قلنا: علي بن أبي طالب، فقال لخادم بين يديه: قد سمعت ما قالوا فأخبر أمير المؤمنين به، فمضى ثم عاد فقال: يقول لكم أمير المؤمنين هذا مذهبي، فقلنا: الحمد للّه الذي وفق أمير المؤمنين في دينه، ووفقنا لاتباعه وموافقته على مذهبه، ثم قال لهم: ما تقولون في أبي بكر رضي اللّه عنه؟ فقالوا: رحمة اللّه على أبي بكر، نقول فيه خيرا، قال: فما تقولون في عمر؟ قلنا: رحمة اللّه عليه ولا نحبه؟ قال: ولم؟ قلنا: لأنه أخرج مولانا العباس من الشورى، قال: فسمعنا من وراء السيبية ضحكاً أعلى من الضحك الأول، ثم أتى الخادم فقال لعبيد اللّه عن المتوكل: أتبعهم صلة فقد لزمتهم في طريقهم مؤونة، واصرفهم. فقالوا: نحن في غنى، وفي المسلمين من هو أحق بهذه الصلة وإليها أحوج، وانصرفوا.

الأحد، 11 مايو 2008

أيما خير إسنادك أو إسنادي؟

جاء سائل إلى الإمام المحدث إسحاق بن راهويه يسأله شيئاً فقال له: صنع الله لك، فقال: ما جئتُ لتدعو لي، إنما جئتُ لتعطيني، فقال إسحاق: حدثنا روح قال: حدثنا عوف عن الحسن قال: إذا جدَّ السؤال جدَّ المنع.

فقال السائل: يا أبا يعقوب عندي حديثٌ خيرٌ من حديثك، وإسنادٌ خيرٌ من إسنادك، فقال: هات، فقال السائل: حدثنا سيما الصغير عن سيما الكبير عن زغليتج عن أمير المؤمنين علي أنه قال: اقعد تَمنّا خيرٌ من أن تَعمَل تَعنّا، فقال إسحاق: إدفعي إليه يا جارية درهمين ورغيفين وعودين حطب، فلما تسلم السائل ما دُفع إليه، التفت إلى إسحاق فقال له: أيما خير: إسنادك أو إسنادي؟ فقال إسحق: إسنادك خير، انصَـرِفْ.

السبت، 10 مايو 2008

يجيزون شهادة الحمير

كان بمكة سفيه يجمع بين الرجال والنساء على الرِيَب، فشكا أهل مكة ذلك إلى الوالي فغرّبه إلى عرفات، فاتخذها منزلاً ودخل إلى مكة مستتراً فلقي بها حرفاؤه من الرجال والنساء، فقال: وما يمنعكم مني؟ فقالوا: وأين بك وأنت بعرفات؟ فقال: حمار بدرهمين؛ وصرتم إلى الأمن والنزهة والخلوة واللذة، قالوا: نشهد إنك لصادق؟ فكانوا يأتونه.

فكثر ذلك حتى أفسد على أهل مكة أحداثهم وحواشيهم، فعادوا بالشكية إلى أميرهم، فأرسل إليه فأتي به فقال: أي عدو اللّه! طردتك من حرم اللّه فصرت إلى المشعر الأعظم تفسد فيه وتجمع بين الخبائث! فقال: أصلح اللّه الأمير! إنهم يكذبون عليَّ ويحسدونني! فقالوا للوالي: بيننا وبينه واحدة: تجمع حُمُرَ المكارين وترسلها إلى عرفات، فإن لم تقصد إلى بيته لما تعودت من إتيان السفهاء والفُجَّار إياه، فالقول ما قال. فقال الوالي: إن في هذا لدليلاً، وأمر بجمع الحُمُرِ فجُمعت ثم أُرسلت فقصَدَت منزله.

وأتى الأميرَ أمناؤه فقال: ما بعد هذا شيء، جَرِّدوه! فلما نظر إلى السياط قال: ولا بد من ضربي؟ قال: لا بد يا عدو اللّه، قال: اضرب فواللّه ما في هذا شيء بأشد من أن يسخر بنا أهل العراق ويقولون: أهلُ مكة يجيزون شهادة الحمير مع تقريعهم لنا بقبول شهادة الواحد مع يمين الطالب، قال: فضحك الأمير وقال: لا أضربك اليوم، وأمر بتخلية سبيله وترك التعرض له.

الجمعة، 9 مايو 2008

كذاك البر

روى الإمام أحمد عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نِمْتُ فرأيتُني في الجنةِ فسمعتُ صوت قارئٍ يقرأُ فقلتُ: من هذا؟ قالوا: هذا حارثة بن النعمان فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: كَذَاكَ الْبِرُّ كَذَاكَ الْبِرُّ. وكان أبرَّ الناسِ بِأُمِّه.

حارثة بن النعمان الخزرجي شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي في خلافة معاوية، روى مسلم عن ابنته أم هشام قالت: لقد كان تَنُّورُنَا وتنور رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً سنـتينِ أو سَنَةً وبعضَ سنة، وما أخذتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلا عن لسانِ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤُها كل يوم جمعةٍ على المنبرِ إذا خَطَبَ النَّاسَ.

الخميس، 8 مايو 2008

أخلاق آل البيت

أبو عبد الله الحسين بن داود بن علي بن عيسى بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب العلوي المتوفى سنة 355.

قال الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ صاحب المستدرك على الصحيحين: كان الحسين بن داود شيخ آل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره بخراسان وسَّنِيَّ العلوية في أيامه – أي أرفعهم نسباً - وكان من أكثر الناس صلاة وصدقة ومحبة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحبتُهُ برهةً من الدهر، فما سمعتُه ذَكَرَ عثمان إلا قال: أمير المؤمنين الشهيد رضي الله عنه وبكى، وما سمعتُه ذَكَرَ عائشة إلا قال: الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله وبكى.

الأربعاء، 7 مايو 2008

لا خير في عيش نائي الدار مغترب

من للغريب البعيد النازح الوطن * من للأسير أسير الهم والحزن
من للغريب الذي لا مستراح له * من الهموم ولا حظ من الوسن
خلى العراق وقد كانت له وطنا * لا خير في كل مشغول عن الوطن
لا خير في عيش نائي الدار مغترب * يأوي إلى الهم كالمصفود في قَرَنِ
يا أهل كم نابني من حسن مستمَعٍ * منكم وفارقته من منظر حسن
وكم تجرعت للأيام بعدكم * من غصة أزعجت روحي مع البدن

الثلاثاء، 6 مايو 2008

تقوى وتواضع

حدث الإمام محمد بن إسحاق، قال: جاء أعرابي إلى القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق المتوفى سنة 107، فقال: أنت أعلمُ أو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب؟ - المتوفى سنة 106 - قال: ذاك منزل سالم، فلم يزد عليها حتى قام الأعرابي.

قال ابن إسحاق رحمه الله كره أن يقول: هو أعلم مني فيكذب، أو يقول: أنا أعلم منه فيزكي نفسه. وكلاهما من فقهاء المدينة السبعة، رحمهم الله جميعاً.

الاثنين، 5 مايو 2008

فما بان عن أطلال ساحتها القلب

أبو النجيب سداد بن إبراهيم بن محمد الظاهر الجزري نسبة إلى جزيرة ابن عمر، وله بها مسجد يعرف بمسجد الظاهر، وفاته في حدود 400. كان شاعراً مطبوعاً، حلو الألفاظ سهلها، لطيف المعاني، وله أبيات يتشوق فيها حلب:

أيا حلبُ الغراء والمنزلُ الرحبُ ... ويا بلداً قلبي بتذكاره صبُ
لئن بان جسمي عن معالم ربعها ... فما بان عن أطلال ساحتها القلب
علام أُسلي النفسَ عنك وفيك لي ... علائقُ منها هدَّ مهجتيَّ الحبُ:
هواؤك لولا صحةٌ في هبوبه ... وماؤك لولا أنه باردٌ عذبُ

الأحد، 4 مايو 2008

والله ما وُزرِتَ وبَقَيَ أحد!

الوزير نجم الدين سليم بن محمّد بن مصال، كان شهماً مقداماً، تولىّ وزارة الملك الظافر الفاطمي نحواً من خمسين يوماً، ثم قُتل عام 544. كان ابن مصال من أهل برقة، وخدم أولاً في البيزرة – أي تربية البزاة والصقور - والصيد هو وأبوه، فتقدم في الخدم حتى نال الوزارة.

واتفق أنه مرّ في وزارته مرةً فقالت له امرأة كانت تعرفه في حال فقره: سليم؟ ووُزِرت؟ فقال لها: نعم. قالت: والله ما وُزرِتَ وبَقَيَ أحد! فضحك وأمر لها بصلة.

السبت، 3 مايو 2008

اللهم أدِّ عني أمانتي

كان رجل من أهل البصرة قد أودع وديعة عند أبي عبد الله الحسين بن المبارك الزبيدي البغدادي المولد والدار المتوفى سنة 631 هجرية، وقال له: اذا بلغ أولادي سلمها إليهم – وكأنه كان مُشفياً على الموت - ولم يعلم بها أحد، فاحتاج الحسين إليها فأنفقها، وسار الى الشام وحدّث بها، وحصل له بالشام ذهبٌ فعزل الوديعة، واتفق أنه قدم بغداد من الشام وهو مريض، فقال لولده عمر: في عنقي أمانة، أريد أن أنزِعَها من عُنُقي وأجعلها في عُنُقك، فقال: وما هي؟ قال: لبني فلان البصري عندي مائتا دينار وهي هذه لا يعلمها أحد إلا الله توصلها إليهم، وأخاف أن لا أصح، فتسلمها ابنه منه.

ومات الحسين في تلك الليلة، فمضى ولده وسأل عن أولاد ذلك الشخص المودع، فوجد عليهم ديوناً قد لزّهم الخصوم فيها ولهم آدُرٌ – أي دور - قد عزموا على بيعها ووجدهم متودرين من الخصوم – أي واقعين في الهلاك منهم - فقال لبعض الجيران حين سأل عنهم: إن لهم عندي ذهباً، فاجتمعوا به وسلم إليهم الوديعة فوفوا دينهم، وسلمت أملاكهم.

قال الراوي: فاجتمعت بابنه وسألته عن ذلك، فشقّ عليه سؤالي، ثم أخبرني به، قال: وكان الحسين كثيرا ما يدعو اللهم أدِّ عَنْي أمانتي

الجمعة، 2 مايو 2008

تكفى همك ويغفر لك ذنبك

روى الترمذي عن الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه.

قال أُبيّ: قلت: يا رسول الله إني أُكْثِرُ الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئت، قال قلت: الربع؟ قال: ما شِئْتَ، فإن زِدْتَ فهو خيرٌ لك، قلت: النصف؟ قال: ما شِئْتَ، فإن زِدْتَ فهو خيرٌ لك، قال: قلت: فالثلثين؟ قال: ما شِئْتَ، فإن زِدْتَ فهو خيرٌ لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها. قال: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ

قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله: هذا حديث حسن صحيح

الخميس، 1 مايو 2008

ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي

قال القاضي سوار بن عبد الله العنبري: ما رأيت أحداً أعلم من ربيعة الرأي، قيل: ولا الحسن البصري وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين، وما كان بالمدينة رجل أسخى بما في يديه لصديق أو غيره من ربيعة الرأي: أنفق على إخوانه أربعين ألف درهم، ثم جعل يسأل إخوانه، فقيل له: أذْهبتَ مالَكَ وأنت تُخلِقُ جاهك! فقال: لا يزال هذا دأبي ما وجدتُ أحداً يغبطني على جاهي.

قال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأي، فكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذاك الطاق؟ فأتينا ربيعة فأنبهناه وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم، قلنا: أنت الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم،، فقلنا: كيف حَظيَ بك مالك وأنت لم تحظ بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالاً من دولة خيرٌ من حِملِ علم!

قيل له: ربيعة الرأى، لأنه كان يعرف بالرأى والقياس، ,كان رحمه الله أستاذ أبي حنيفة، وتوفي في سنة ست وثلاثين ومائة بأرض الأنبار من العراق، وقال مالك بن أنس: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي.

 
log analyzer