الخميس، 10 يوليو 2014

حدث في الثاني عشر من رمضان

في ليلة الثالث عشر من رمضان من سنة 886، نزلت صاعقة على هلال المئذنة في المسجد الشريف النبوي فأحرقته بأسره وما فيه من خزائن وكتب، ولم يبق سوى الجدران، واحترقت فيه جماعة من أهل الفضل والخير؛ وكان أمراً مهولاً. وفي ما يلي ما ذكره عن هذا الحريق أبو الحسن علي بن عبد الله السمهودي مؤرخ المدينة المنورة ومفتيها المتوفى سنة 911 عن 67 سنة، وذلك في كتابه خلاصة الوفا وهو مختصر كتابه الوفا بأخبار دار المصطفى:
قام رئيس المؤذنين شمس الدين بن الخطيب يهلل بالمنارة الشرقية اليمانية المعروفة بالرئيسية مع بقية المؤذنين، وقد تراكم الغيم وحصل رعدٌ قاصفٌ، فسقطت صاعقة أصاب بعضُها هلالَ المنارة الرئيسية، فسقط شرقيّ المسجد له لهب كالنار، وانشق رأس المنارة، وتوفى الرئيس لحينه صعقاً، وأصاب ما نزل من الصاعقة سقف المسجد الأعلى عند المنارة المذكورة، فعلقت النار فيه وفي السقف الأسفل، ففُتحت أبواب المسجد ونودي بأن الحريق في المسجد، فاجتمع أمير المدينة قسيطل بن زهير الجمازي وأهل المدينة بالمسجد كلهم، وصعد أهل النجدة بالمياه لطفئ النار وقد التهبت آخذة في الشمال والمغرب، فعجزوا عن طفئها، وكادت تدركهم فهربوا ونزلوا بما كان معهم من الحبال، لاستقاء الماء إلى شمالي المسجد، وسقط بعضهم فهلك، ولجأ بعضهم مع من حالت النار بينه وبين الأبواب إلى صحن المسجد.
ومات في هذا الحريق زيادة على عشرة أنفس، وعظمت النار جداً، واستولت على سائر سقف المسجد وما فيه من خزائن الكتب والربعات والمصاحف، غير ما بادروا بإخراجه، وصار المسجد كبحرٍ لُجيٍّ من نار ترمي بشرر كالقصر، ويسقط شررها على بيوت الجيران فلا يؤذيها، وهرب كثيرٌ من جيران الحرم لما رأوا تساقط الشرر، وخرج بعضهم من باب المدينة لعظم ما شاهدوه من الهول وظنوا أنهم أحيط بهم، ولم أشهد ذلك لأني سافرت إلى مكة للاعتمار مستهل رمضان المذكور، وتركت كتبي بخلوة كنت أقيم بها بمؤخر المسجد، فاحترقت وقد عوضها الله عز وجل مع ما منّ به من السلامة وبرد الرضا.
ثم لما أصبحوا بدأوا بطفء ما سقط على القبة اللطيفة التي جعلت بدلا عن سقف الحجرة الشريفة، وكان الذي سقط عليها حريقُ القبة الزرقاء الظاهرة بالسقف الأعلى ورصاصُها وسقفُ المسجد الأسفل الذي كان بين القبتين والشباكُ الذي بأعلى الحائز المتقدّم ذكره، ولم يصل إلى جوف الحجرة الشريفة شيءٌ من هَدْمِ هذا الحريق، نحمد الله تعالى لسلامة القبة السفلى المذكورة وعدم تأثير النار فيها مع ما سقط عليها مما هو كأمثال الجبال، مع إن بعضها من الحجر الأبيض الذي يسرع تأثره بالنار، وقد أثرت هذه النار في أحجار الأساطين، وهي من الأسود، حتى تهشم بعضها وتفتت، وعدّة ما سقط منها مئة وبضع وعشرون أسطوانة
ومنّ الله تعالى أيضا بسلامة الأساطين الملاصقة للحجرة الشريفة، واحترق المنبر وصندوق المصلى الشريف وما يعلوه من الأخشاب، والمقصورة التي كانت حول الحجرة الشريفة، وسقطت أكثر عقود المسجد التي تلي صحنه، وعلو المنارة الرئيسية.
ثم كتبوا لسلطان زماننا الأشرف قايتباي بذلك، ونظفوا مقدّم المسجد، ونقلوا هدمه إلى مؤخره، وعمل في ذلك أمير المدينة وقضاتها وعامة أهلها، حتى النساء والصبيان، تقرباً إلى الله تعالى، وفي ذلك كله عبرة تامة وموعظة عامة أبرزها الله تعالى للإنذار، فخص بها حضرة النذير صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت أن أعمال أمته تعرض عليه، فلما ساءت منا الأعمال المعروضة، ناسب ذلك الإنذار بإظهار عنوان النار المجازى بها في موضع عرضها وأنا في وَجلٍ مما يَعقِبُ ذلك حيث لم يحصل الاتعاظ والانزجار، قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآَيَاتِ إِلا تَخْوِيفا﴾، وقال تعالى في سورة الزمر: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُون﴾، ومن العجيب إنه لم يتأت إخراج ردم هذا الحريق من مؤخر المسجد حتى حضر الحجاج من سائر الآفاق فشاهدوا هذه العبرة العظيمة ورأوا ما أجتمع من آثارها كالآرام والتلول الجسيمة.
ولما اتصل علم حريق المسجد إلى مصر المحروسة وسلطانها الأشرف، عَظُم عليه ذلك، ورأى أن في تأهيل الله له لعمارته مزيد التشريف وكمال التعريف، فاستقبل أمر العمارة بهمة تعلو الهمم العلية، ورسم بتوجيه سُنقر الجمالي صحبة الحاج الأوّل بزيادة على مئة من أرباب الصنائع، وكثير من الحمير والجمال، ومبلغ عشرين ألف دينار، وشرع السلطان في تجهيز الآلات والمؤن حتى كثرت في الطور وينبع والمدينة الشريفة، ثم جهز متولي العمارة السابقة الشمس بن الزمن أثناء ربيع الأوّل في ركب صحبته أكثر من مئتي جمل ومئة حمار، وأزيد من ثلاثمئة صانع، وصارت أحمال المؤن متواصلة قل أن تنقطع براً وبحراً، وقطعوا من أخشاب الدوم والشجر من جهات المدينة شيئاً كثيراً، واستقبلوا أمر العمارة بجدّ واجتهاد.
وشرع السلطان أيده الله وسدّده في تعويض ما فات من المصاحف والربعات والكتب وبعث بطائفة من ذلك على يدي، وكملت سُقُف المسجد كلها أواخر شهر رمضان عام 888، وتمت عمارته عقب ذلك.
وفي عام 889 بعث السلطان قايتباي جماعة من الدهّانين لمحو ما بلغه من تساهل متولي العمارة في استعمال النِيلة في بعض السقف وإبداله باللازورد، وجهز معهم أساقيل لذلك فنصبوه وأصلحوه، وتغير خاطره على متولي العمارة بسبب ذلك وغيره، وأرسل كتباً كثيرة في العلوم جعلت وقفا بالمدرسة الأشرفية، وأمر بعمل سماط في المدينة المنورة، وقرر لكل نفر في الشهر سبع أُردُب مصري، وسوّى في ذلك بين الصغير والكبير والحرّ والرقيق فيعطي كل شخص على عدد عياله ما ذكر وجعل للآفاقيين لكل نفر رغيفين وما يكفيه من طعام.
وأخبرني بعض المباشرين لهذه العمارة قبل تمامها أنّ المصروف فيها حينئذ يزيد على مئة وعشرين ألف دينار، ثم بعد تمامها بلغ السلطان ميل المنارة الرئيسية، فانتخب الأمير شاهين الجمالي - أخا سُنقر -  وفوّض إليه مشيخة الخدام ونظر المسجد والسماط، فقدم المدينة الشريفة موسم عام 891 وأحسن النظر في ذلك كله، ولما هدم المنارة ظهر أن الخلل كان لعدم المبالغة في حفر أساسها، فحفره إلى الماء وأتخذ لها أحجارا سودا متقنة، وأحكم بناءها مع السحن الفائق ومزيد الارتفاع.
والسلطان الأشرف قايتباي من سلاطين المماليك الكبار، وكانت مدته حافلة بالعظائم والحروب، وسيرته من أطول السير، ولد سنة 815 وتولى السلطنة سنة 872، وفي أيامه تعرضت الدولة لأخطار خارجية أشدها محاولة العثمانيين احتلال حلب وما حولها، فأنفق أموالا جسيمة على الجيوش لقتالهم، يقال إنه أنفق زهاء سبعة ملايين وخمسمئة وستين ألف دينار، عدا ما كان ينفقه على الامراء والجند عند عودتهم من جبهات القتال.
وكان قايتباي متقشفا، له اشتغال بالعلم، كثير المطالعة، فيه نزعة صوفية، شجاعاً عارفاً بأنواع الفروسية، مهيباً عاقلاً، حكيماً إذا غضب لم يلبث أن تزول حدته، وله كثير من آثار العمران في مصر والحجاز والشام ولا يزال بعضها إلى الآن، وحج في سنة 884، ولكن اهتمامه بالحرمين وعمارتهما كان من أول توليه السلطنة، ففي سنة 874 بنى مسجد الخيف في منى بناء عظيماً محكماً، وأنشأ صهريجاً كبيراً في صحن المسجد يمتلىء من المطر، وجدد العلمين الموضوعين لحد عرفة، والعلمين الموضوعين لحد الحرم، وفي سنة 879 جدد عين عرفات، وابتدأ العمل فيها من سفح جبل الرحمة إلى وادي نعمان، فوجد الماء بكثرة، فاقتصر على ذلك ولم يصل إلى أم العين، وكانت قد انقطعت منذ مئة وخمسين عاماً، فكان الحجاج يقاسون في يوم عرفة من قلة الماء ما لا صبر عليه، ثم أصلح البرك وملأها بالماء، ثم أصلح عين خليص وأجراها وأصلح بركتها وبنى قبتها.
وفي سنة 882 بنى في مكة المكرمة بجوار الحرم الشريف مدرسة ليدرس فيها على المذاهب الأربعة، بناها بالرخام الملون، والسقف المذهب، وقرر فيها أربعة مدرسين على المذاهب الأربعة، وأربعين طالباً، وأرسل خزانة كتب وقفها على طلبة العلم، وعمل مدرسة للأيتام، وجعل لكل معلم أربعين صبياً من الأيتام، ورباطاً يسكنه الفقراء، ورتب لكل واحد من الأيتام وأهل الخلاوي ما يكفيهم من القمح كل سنة، ووقف عليهم بمصر قرى وضياعاً كثيرة تحمل غلالها كل عام إلى أهالي مكة. واستغرقت هذه الأعمال سنتين.
وسُنقر الجمالي الذي ورد ذكره أولاً والذي قام على البناء، أمير من أمراء المماليك أتي به أسيراً من بلاد الروم وهو فتى، وترقى حتى أصبح مسؤولاً عن أعمال التعمير السلطانية التي قام بها الملك قايتباي بمكة والمدينة، ثم أضيفت له الحسبة بمكة وغيرها، وكان ذا عقل وأدب وتودد ومداراة، وأعجب به أعيان مكة لتميزه على غيره من الأمراء المماليك، واشترى بمكة وبمنى الأملاك، وأنشأ بستاناً بأسفل حراء وتربة المعلاة، وتوفي في سنة 902 عن 77 عاماً.

الأربعاء، 9 يوليو 2014

حدث في الحادي عشر من رمضان

في الحادي عشر من رمضان من سنة 381، بويع في بغداد بالخلافة لأمير المؤمنين القادر بالله أحمد بن إسحاق، وعمره 45 عاماً، وقُدِرَ له أن تطول أيامه فبقي في الخلافة 41 عاماً، وكان حازماً صالحاً مهاباً.
كانت أمه أم ولد تسمى تمني، وكانت من أهل الفضل والدين، ومن العابدات الصالحات، وكان والده إسحاق أميراً من أمراء الدولة العباسية وهو ابن الخليفة المقتدر، وتوفي والده سنة 377 عن  60 عاماً، وصلى عليه ابنه وهو إذ ذاك أمير.
وقد تولى القادر الخلافة وسط اضطراب حدث في بغداد قام على إثره السلطان البويهي بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه بخلع الخليفة الطائع لله، بعد أن مضت عليه في الخلافة 24 سنة، واستشار بهاء الدولة فيمن يصلح للخلافة فأجمعوا على القادر بالله، وكان سبب خلع الطائع أن بهاء الدولة قلّت عنده الأموال وكثر شَغْبُ الجند عليه، وكان الوزير أبو الحسين بن المعلم قد غلب على بهاء الدولة وحكم في مملكته، فحسن له - من قبل - القبض على الطائع وأطمعه في ماله، وهوَّن ذلك عليه وسهَّله، فدخل بهاء الدولة في شعبان على الطائع مع أصحابه، فشحطوا الطائع بحمائل سيفه من السرير، ولفّوه في كيس، وأُخِذَ إلى دار السلطنة، وأكره بهاءُ الدولة الطائعَ على خلع نفسه، وأمر بالنداء بخلافة القادر بالله، واحتيط على الطائع بالله ثم أُخِذَ فيما بعد إلى دار عند القادر بالله فبقي فيها مكرماً محترماً إلى أن مات سنة 393، وله 73 سنة، وصلّى عليه القادر بالله، وشيّعه الأكابر. ومما يُذكر أن الخليفة المعزول الطائع لله كان قد تزوج أخت بهاء الدولة.
وحضر هذه الحادثة المخيفة الشريفُ الرضي فبادر بالخروج فسَلِمَ، وقال فيها أبياتاً منها:
أعجب بمُسكة نفسي بعد ما رُميت ... من النوائب بالأبكار والعونِ
ومن نجاتي يوم الدار حين هوى ... غيري ولم أخْلُ من حزمٍ ينجيني
مرقت فيها مروق النجم منكدراً ... وقد تلاقت مصاريعٍ الردى دوني
وكنت أول طلاَّعٍٍ ثنيتها ... ومن ورائيَ شرٌّ غير مأمون
من بعد ما كان ربُّ الـمُلك مبتسماً ... إليَّ أدنيه في النجوى ويدنيني
أمسيتُ أرحم من قد كنت أغبطه ... لقد تقارب بين العز والهُونِ
ومنظر كان بالسَّراء يُضحكني ... يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني
هيهات أغترُّ بالسلطان ثانية ... قد ضلَّ وُلاّجُ أبواب السلاطين
من لي ببُلغة عيشٍ غير فاضلةٍ ... تكف عني أذى الدنيا وتكفيني
قالوا أتقنع بالدون الخسيس وما ... قَنعتُ بالدون بل قُنِّعتُ بالدون
إذا ظننا وقدَّرْنا جرى قدرٌ ... بنازلٍ غير موهومٍ ومظنون
ولم يكن القادر في بغداد بل كان يقيم في البَطيحة منذ قرابة ثلاث سنوات هارباً من الطائع لله وفي حماية زعيمها - وصهر السلطان بهاء الدين البويهي - مهذبِ الدولة أبو الحسن علي بن نصر، المتوفى سنة 409 عن نيف وسبعين عاماً، وكان ذا كرم ووفاء، وكان الناس يلتجئون إليه في الشدائد، فيجيرهم ويقوم بأمرهم، ويبذل نفسه وماله دونهم، وكان السبب في هرب القادر إليه أنه لما توفي والده إسحاق بن المقتدر جرت بين القادر وبين أخته آمنة منازعة في ضيعة، واتفق أنه الطائع مرض مرضاً شديداً ثم شُفي منه، فكادت للقادر أخته بأن قالت للطائع: إنه شرع في تقلد الخلافة عند مرضك، وراسل أرباب الدولة. فظن أن ذلك حق فتغير رأيه فيه، وأنفذ جماعة للقبض عليه، فعرف ما يراد به، وتخلص منهم، وانحدر القادر بالله إلى البطيحة، فأقام بها عند مهذب الدولة.
والبطيحة منطقة شمالي البصرة تغلّبَ الماءُ عليها ودخلها الناس بالسفُن فَرَأوا فيها مواضع عالية لم يَصِل الماءُ إليها فبنُوا فيها قرى وسكنها قوم وزرعوها الأرز، وتغلبَ عليها في أوائل أيام بني بُويه أقوام من أهلها وتحصنوا بالمياه والسفن عن طاعة السلطان، وصارت لهم كالمعَاقل الحصينة.
ولما وصل رسول بهاء الدولة البويهي إلى القادر بالله يخبره باختياره للخلافة أجابه برسالة أثنى عليه فيها وأخذ في الاستعداد للرحيل إلى بغداد، وقام مضيفه مهذب الدولة بتجهيزه، وحمل إليه من المال والفرش أكثر شيء وأحسنه، وأعطاه طياراً - زورق سريع - كان بناه لنفسه، فلما وصل الخليفة إلى واسط اجتمع الجند الأتراك وطالبوه بمنحة البيعة، ومنعوه من الصعود إلا بعد إطلاق المال، وجرت معهم مماحكات انتهت إلى أن وعدوا بإجرائهم مجرى البغدادين فما يتقرر عليه أمورهم.
ولما جاء القادر بالله إلى بغداد جلس للناس ومدحه الشعراء، فمدحه الشريف الرضي فقال:
شرفُ الخلافة يا بني العباس ... اليوم جدده أبو العباس
ذا الطود أبقاه الزمانُ ذخيرةً ... من ذلك الجبل العظيم الراسي
وممن مدحه على بن الحسين بن جلباب التنوخي، من أهل معرة النعمان، فقال:
رأينا به العباس معنى وصورةً ... فما عُدَّ عنا غائباً وهو شاهدُ
فلا عوَّلت إلا على مجدك العلا ... ولا انتسبت إلا إليك المحامد
وبعد عشرة أيام من البيعة جُمع الأشرافُ والقضاة والشهود في مجلس القادر، ليسمعوا يمينه لبهاء الدولة بالوفاء، وخلوص النية ولفظَه بتقليده ما وراء بابه مما تقدم فيه الدعوة، وذلك بعد أن حلف له بهاء الدولة على صدقه والطاعة والقيام بشروط البيعة، وبعد شهرين من تعيينه في منصب الخلافة منح القادرُ بالله لقبَ غياث الأمة لبهاء الدولة، وخطب له بذلك على المنابر مضافاً إلى ألقابه، ولما كان الخليفة على جلالة منصبه قد أصبح في يد السلطان رأينا كثيراً من الخلفاء يقترنون بمن يلوذ بالسلطان من ابنة أو أخت، واتباعاً لهذه العادة تزوج القادر بالله في سنة 383 سكينة بنت بهاء الدولة على صداق مئة ألف دينار، ولكنها ماتت قبل الدخول بها، ومات بهاء الدولة سنة 403 عن 42 عاماً، وأوصى بالملك بعده لولده أبي شجاع.
جاءت خلافة القادر بالله في حقبة بلغ فيها الضعف مبلغه من الخليفة العباسي والسلطان البويهي على السواء، وكانت الدولة الفاطمية تسعى بكل الوسائل لتوسيع نفوذها في المشرق العربي وخراسان وأفغانستان كما سنرى، والاضطراب الذي أدى إلى خلافة القادر قام به الديلم والأتراك ضد الوزير أبي الحسن بن المعلم وزير السلطان بهاء الدولة البويهي، وكان قد استولى على الأمور فثقل على كبار الجند أمره، وقصَّر هو في مراعاة أمورهم، فخرجوا فأجابهم السلطان بتلطف ووعدهم بعزله، فأبوا إلا قتله وهددوا بالخروج على السلطان وخيروه بين بقاء أبي الحسن أو بقاء دولته، فقبض عليه حينئذ وقتله خنقاً.
وبقي ملوك بني بويه المسيطرون على العراق يستمدون شرعيتهم من الخليفة العباسي، ففي سنة 404 تولى عرش المملكة البويهية سلطان الدولة فناخسرو بن الملك بهاء الدولة، وهو صبيٌ في العاشرة، فأرسل إليه القادر بالله، خِلعَ الُملك إلى شيراز، وهي سبع ملابس، وعمامة سوداء، وتاج مرصع، وسيف، وسواران، وطوق، وفَرَسان، ولواءان عقدهما القادر بيده،  وكتب إلىه عهداً أغدق عليه فيه الألقاب: عماد الدين، مشرف الدولة، مؤيد الملة، مغيث الامة، صفي أمير المؤمنين.
وفي سنة 416 تسلطن الملك فيروز خسرو بن بهاء الدولة، فلقبه القادر بالله: ركن الدين جلال الدولة، وحُمِلت إليه الخلع السلطانية واللواء والكتاب، وخرج القادر بالله يتلقاه في زورقه بدجلة لما أتى بغداد وهو أمر لم يسبق لخليفة أن فعله.
ومما ينبغي ذكره أن جلال الدولة البويهي كان موصوفاً بالرقة والرأفة والحنو على الكافة، والعفو عند المقدرة، وكان محافظاً على الصلوات في أوقاتها، يخرج الزكاة والصدقات، ويواصل الصلاة في المساجد الجامعة المشهودة والمشاهد المقصودة، محباً للصالحين كثير الزيارة لهم، وتوفي سنة 435 عن 52 عاماً.
وكثر في هذه الفترة ملوك النواحي الذين لا يخضعون للبويهيين، والذين راسلوا المقتدر يطلبون منه مراسيم التعيين وألقاب الملك، إضفاءاً للشرعية على مناصبهم، ففي سنة 387 طلب صاحب الموصل حسام الدولة، مقلد بن المسيب العقيلي خلعة التعيين من القادر بالله فأرسلها له، وفي سنة 388 جلس القادر بالله للرسولين الواردين من أبي طالب رستم بن فخر الدولة، وأبي النجم بدر بن حسنويه وكنى أبا طالب ولقبه مجد الدولة وكهف الأمة، وكنى أبا النجم ولقبه نصر الدولة، وعهد لأبي طالب على الري وأعمالها، وعقد له لواء، وحمل إليه الخلع السلطانية الكاملة، وعهد لبدر على أعماله، وتصرف بالجبل، وعقد له لواء وحمل إليه الخلع الجميلة.
وفي سنة 390 كتب القادر بالله لمحمد بن عبد الله بن الحسن وقد ولاه بلاد جيلان كتاباً نورد بعض ما جاء فيه لإبراز شخصية القادر بالله في ما يوصي به عماله وولاته:
فقلده الصلاة والخطابة على المنابر والقضاء والحكم ببلاد جيلان أسودها وأبيضها، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله، عليه توكله وإليه في كل حال موئله، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل.
أمره بخشية الله، فإنها مزية العلماء، ومراقبته فإنها خاصة الأدباء، وتقواه ما استطاع، فإنها سكة من أطاع، وجُنة من تجاذبه الأطماع، وأن يأخذ لأمر الله أهبته ويعد له عدته، ولا يترخص فيه فيفرُط، ولا يضيع وظيفة من وظائفه فيتورط.
وأمره بقراءة القرآن وتلاوته، والمحافظة عليه ودراسته، وأمره بمداومة الطهر فإنه أمان من الفقر، ولا يقنع به في الجوارح، أو أن يكون مثله فيما بين الجوانح، فإن النقاء هناك هو النقاء الذي يتم به البهاء، وحينئذ تكمل الطهارة، وتزول الأدران، وأمره بمراقبة مواقيت الصلاة للجمع، فإذا حانت سعى إليها، وإذا وجبت جمع عليها بالأذان الذي يسمع به مؤذنوه الملأ.
وأن يديم التصفح لأحوال البلاد التي ولي فيها ما وليه من قواعد الشريعة، وليقابل نعمة الله بشكر الصنيعة، فإن وجد فيها نافراً عن فريضة الدعوة الشريفة اجتذبه إليها بالموعظة الحسنة والدلالة الصريحة، فإن استبصر لرشده وراجع المفروض بجهده فقد فاز وغنم، وإن تشاوس وعَنِدَ استنفر عليه الأمم وقمعه بما يوجبه الحكم.
وأمره بصلوات الأعياد والخسوف والاستسقاء، وأمره أن يكون لأمر الله متأهباً، ولنزول الموت مترقباً ولطروقه متوقعاً، وأمره أن يتبع شرائع الإسلام، وأن يواصل تلاوة القرآن ويستنبط منه ويهتدي به فإنه جلاء للبصائر، ومنار الحكم، ولسان البلاغة.
وأمره أن يخلي ذهنه إذا انتدب للنظر، ويقضي أمامَه كل وطر، ويأخذ لجوارحه بحظ يعينها فإن القلب إذا اكتنفته المآرب يعرض له التعب، وأمره بالجلوس للخصوم في مساجد الجوامع ليتساووا في لقائه، وأن يقسم لحظه ولفظه بين جمهورهم، وأمره بالنظر في الأمور بالعدل، وأمره بانتخاب الشهود والفحص عن أحوالهم، وأمره بالتناهي في تفقد الأيتام، فإنهم أُسَراء الإسلام، وأمره بتعهد الوقوف وإجراء أحوالها على ما يوجبه التوقيف من أربابها.
وممن قدَّم ولاءه للخليفة القادر وطلب منه مرسوم التعيين السلطان محمود بن سُبكتكين الغَزنوي - نسبة إلى غزنة في شرق أفغانستان - وذلك في سنة 389،  فأرسل إليه القادر بالله خلعة السلطنة، ولقَّبه يمين الدولة، وكان السلطان محمود من السلاطين الفاتحين، جعل دأبه غزو الهند مرة في كل عام، فافتتح بلادا شاسعة، وكان من الفقهاء والبلغاء، له كتاب التفريد في فروع الفقه الحنفي، وخطب، ورسائل وشعر، وكان ولاؤه للخليفة العباسي ولاءَ صدق لا ولاء مصلحة، كما يتجلى ذلك من مراسلاته وتقاريره المستمرة مع الخليفة.
ففي سنة 410 أرسل محمود بن سُبكتكين كتاباً إلى القادر بالله يذكر فيه ما افتتحه من بلاد الهند ووصل إليه من أموالهم وغنائمهم، فقال فيه: إن كتاب العبد وصل من مستقره بغزنة والدين في أيام سيدنا ومولانا الأمير القادر بالله أمير المؤمنين مخصوص بمزيد الإظهار، والشرك مقهور بجميع الأطراف والأقطار، وانتدب العبد لتنفيذ أوامره العالية، وتمهيد مراسمه السامية، وتابع الوقائع على كفار السند والهند، وخرج العبد من غزنة بقلب منشرح لطلب الشهادة ونفس مشتاقة إلى درك الشهادة، ففتح قلاعاً وحصوناً، وأسلم زهاء عشرين ألفاً من عباد الوثن، وسلَّموا قدر ألف ألف درهم من الفضة، ووقع الاحتواء على ثلاثين فيلاً، وبلغ عدد الهالكين منهم خمسين ألفاً، ووافى العبد مدينة لهم عاين فيها زهاء ألف قصر مشيد، وألف بيت للأصنام، ولهم صنم معظم يؤرخون مدته لعظم جهالتهم بثلثمئة ألف عام، واعتنى العبد بتخريب هذه المدينة اعتناء تاماً، وعمها المجاهدون بالإحراق، قلم يبق منها إلا الرسوم، وحين وجد الفراغ لاستيفاء الغنائم حصل منها عشرون ألف ألف درهم، وأفرد خُمس الرقيق فبلغ ثلاثة وخمسين ألفاً واستعرض ثلثمئة وستة وخمسين فيلاً.
وفي سنة 420 قضى محمود بن سبكتكين على البويهين في الريّ - وهي اليوم طهران -  وسجن ملكها مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه، وكان متشاغلاً بالنساء، ومطالعة الكتب ونسخها، وكانت والدته تدبر مملكته، فلما توفيت طمع جنده فيه، واختلت أحواله، وأخذ محمود بن سبكتكين من الأموال ألف ألف دينار، ومن الجواهر ما قيمته خمسمئة ألف دينار، ومن الثياب ستة آلاف ثوب، ومن الآلات وغيرها ما لا يحصى، وخُطِبَ له في أنحاء إيران، وأرسل محمود بن سُبكتكين كتاباً إلى القادر بالله جاء فيه: سلامٌ على سيدنا ومولانا الإمام القادر بالله أمير المؤمنين، إن كتاب العبد صادر عن معسكره بظاهر الري، وقد أزال الله عن هذه البقعة أيدي الظَلَمة، وطهرها من أيدي الباطنية الكفرة، وكانت الرَيُّ مخصوصة بالتجائهم إليها، وإعلانهم بالدعاء إلى كفرهم فيها، يختلطون بالمعتزلة والرافضة، ويتجاهرون بشتم الصحابة، ويسيرون على الكفر ومذهب الإباحة. ثم ذكر محمود ما عثر عليه من أموال وجواهر وفرش. وتوفي محمود بن سبكتكين بغزنة في سنة 421، وقد بلغ 60 سنة من العمر.
وفي سنة 391 قام أحد أحفاد الخليفة العباسي الواثق بالله بمحاولة جريئة ليصبح ولياً للعهد بعد الخليفة القادر بالله، والحفيد هو: عبد الله بن عثمان بن عمر بن عبد الرحيم بن إبراهيم بن الواثق بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، و يدعى الواثقي، وقصد هذا الحفيد بلاد ما وراء النهر واتصل بملكها هارون بن سليمان المعروف ببغراخان، وزوّر كتاباً عن لسان القادر بالله بأن يخطب له في بلاده بعد الخليفة وتلقب بالصادع بالحق، ووردت الأخبار إلى القادر فانزعج وخطب بولاية العهد لولده أبي الفضل محمد ولقبه الغالب بالله، وعمره إذ ذاك ثماني سنين، وجلس القادر جلوساً خاصاً لحجاج خراسان بحضور الأشراف والقضاة، والشهود، والفقهاء، وأعلمهم أنه قد جعل الأمير أبا الفضل ابنه ولي عهده، وكتب إلى الملك بإبعاد الواثقي، فأُبعِدَ فوصل بغداد مختفياً وبلغ القادر خبره فطلبه فانحدر إلى البصرة ومضى إلى فارس وعاود بلاد الترك وجاء إلى خوارزم وفارقها، وقصد الأمير يمين الدولة محمود بن سبكتكين فأخذه وسجنه في بعض القلاع إلى أن مات.
وفي سنة 400 مرض القادر بالله، واشتد مرضه، فأُرجِفَ بموته، فردَّ على ذلك رداً عملياً بأن جلس للناس في يوم جمعة بعد الصلاة وعليه البُردة وبيده القضيب، فدخل إليه الإمام أبو حامد الأسفراييني، فقال لابن حاجب النعمان: اسأل أمير المؤمنين أن يقرأ شيئاً من القرآن ليسمع الناس قراءته؛ فقرأ بصوت علا مسموع الآيات الثلاث من سورة الأحزاب ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ اْلمُنَافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّك بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾، فبكى الناس وانصرفوا ودعوا له.
ذكرنا أن الدولة الفاطمية كانت تسعى حثيثاً لامتداد نفوذها وتوسيع رقعتها، ولتحقيق ذلك كان لا بد لها القضاء على الخلافة العباسية التي بقيت تمثل الشرعية الراسخة العتيدة، واتخذت محاولات الفاطميين أشكالاً مختلفة أهمها التحالفات السياسية مع المتمردين على الخلافة العباسية، ومنها استعادة إرث آل البيت تقوية لدعوى الفاطميين في نسبهم وشرعيتهم، ففي سنة 400 أرسل الحاكم بأمر الله رجلاً ومعه أموال راتبة كان يرسلها للحسنيين والحسينيين وزادهم فيها، وأمره أن يحضرهم ويطلب منهم فتح دار جعفر بن محمد الصادق بالمدينة، والنظر إلى ما فيها من آثار جعفر، وأن يحمل ذلك إلى حضرته ليراه ويرده إلى مكانه، ووعدهم على ذلك الزيادة في البر، فأجابوه، ففتحت الدار، وكانت مغلقة منذ وفاة جعفر في عام 148، فوجد فيها مصحف وقعب من خشب مطوق بحديد ودرقة خيزران وحربة وسرير، فجُمِعَ وحُمِلَ ومضى معه جماعة من العلويين، فلما وصلوا أطلق لهم النفقات القريبة ورد عليهم السرير وأخذ الباقي، وقال: أنا أحق به. فانصرفوا ذامين له.
وفي سنة 400 جاء إلى بغداد الحسين بن علي، المعروف بالوزير المغربي هارباً من مصر بعد أن قتل الحاكم بأمر الله أباه وعمه وأخويه، وأراد أن يلتحق بالملك فخر الملك البويهي، وبلغ القادر بالله أمرُه، فخشي أن يكون مكيدة من مكائد الحاكم، واتهمه بالورود في إفساد على الدولة العباسية، فخرج إلى الموصل، وبقي الوزير المغربي طيلة حياته إِلْباً على الحاكم يسعى في زوال دولته بما استطاع.
وكان أقوى نجاح للفاطميين هو في سنة 401 مع حاكم الموصل قرواش بن مُقَلَّد أمير بني عقيل، الذي ترددت عليه رسل الحاكم بأمر الله بالكتب والأموال تستميله وتمنيه، فانساق وراء ذلك، ناسياً أن الخليفة القادر بالله هو الذي أنفذ اللواء والخِلع إلى أخيه في سنة 387.
فجمع قرواش بن مُقَلّد أهل المَوْصِل وأظهر عندهم طاعة الحاكم بأمر الله، ودعاهم إلى ذلك، فأعطى الخطيب نسخة ما يخطب به، وكان فيها في الخطبة الثانية بعد الصلاة على محمد: اللهم صلِّ على وليك الأكبر علي بن أبي طالب أبي الأئمة الراشدين المَهْديين، اللهم صل على السِّبْطَيْن الطاهرين الحسن والحسين، اللهم صلِّ على الإمام المهدي بك والذي بلَّغٍ بأمرك وأظهر حُجتَّك، ونهض بالعدل في بلادك هادياً لعبادك، اللهم صلِّ على القائم بأمرك، والمنصور بنصرك، اللذين بذلا نفوسهما في رضاك، وجاهدا عِداك، وصلِّ على المعز لدينك، المجاهد في سبيلك، والمُظْهِر لآياتك الخفية، والحجة العلية، اللهم وصل على العزيز بك، والذي تهذبت به البلاد، اللهم اجعل توافي صلواتك على سيدنا ومولانا، إمام الزمان، وحصن الإيمان، وصاحب الدعوة العلوية والملة النبوية، عبدك ووليك المنصور أبي علي الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين، كما صليت على آبائه الراشدين. اللهم أعنه ما وليته، واحفظ له ما استرعيته، وانصر جيوشه وأعلامه.
فخطب للحاكم بأمر الله  في أعماله كلها، وهي: الموصل، والأنبار، والمدائن، والكوفة وغيرها، وأثار ذلك استياء كثير من أهل هذه البلاد من علماء وأفاضل وعلويين وعباسيين فالتحقوا بالخليفة في بغداد، وأرسل القادرُ بالله القاضيَ أبا بكر محمد بن الطيب الباقلاني إلى بهاء الدولة يطالبه بقمع هذا التمرد الخطير، فأمر بهاء الدولة وزيره عميد الجيوش بالمسير إلى حرب قرواش، فسار إليه في جيشه فما كان من قرواش وقد رأى الخطر القريب يتهدده إلا أن أرسل يعتذر وقطع خطبة الفاطميين وأعاد الخطبة للقادر بالله.
ومن الجدير بالذكر أن عميد الجيوش الذي أرسله بهاء الدولة، واسمه أبو علي الحسين بن جعفر وتوفي في سنة 401 عن51 عاماً ، كان شديد الهيبة قوي السطوة مع عدل وإنصاف، جاء العراق في سنة 392 والفِتَن شديدة، واللصوص قد انتشروا ففتك بهم وغرَّق طائفة، وأبطل ما تعمله الشيعة يوم عاشوراء، وقيل: إنه وضع دنانير في صينية وأعطاها غلاماً له، فقال: خذها على يدك، وسر في بغداد من أولها إلى آخرها فإن عرض لك معترض فدعْه يأخذها، واعرف الموضع. فرجع في نصف الليل فقال: قد مشيتُ البلدَ كله، فلم يلْقني أحد. ودخل مرة كاتب المواريث وأحضر مالاً كثيراً، وقال: مات نصراني مصري ولا وارث له. فقال عميد الجيوش: نترك هذا المال، فإن حضر وارث وإلا أُخذ، فقال: فيحمل إلى خزانة مولانا إلى أن يتيقن المال؟ فقال: لا يجوز ذلك. ثم جاء أخو الميت فأخذ التركة. وفيه يقول الببغاء الشاعر:
سألتُ زماني: بمن استغيث؟... فقال: استغِثْ بعميد الجيوشِ
رجاؤك إياه يُدْنيك منه... ولو كنتَ بالصين أو بالعريشِ
وفي إطار هذا الصراع قام الخليفة القادر بمحاولة لنزع الشرعية الدينية من الفاطميين من خلال الطعن في انتسابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصدر في سنة 402 منشوراً عاماً عن ديوان الخلافة يقدح في الخلفاء الذين بمصر في أنسابهم وعقائدهم، ووقع المنشور جماعة من كبار العلماء والأشراف منهم الشريف الرضيّ، وأخوه الشريف المرتضى، وابن الأزرق الموسوي، ومحمد بن محمد بن عمر بن أبي يَعْلَي العلويون، والقاضي أبو محمد عبد الله بن الأكفانيّ، والقاضي أبو محمد أبو القاسم الجزري، والإمام أبو حامد الإسفرائينيّ، والفقيه أبو محمد الكُشفليّ، والفقيه أبو الحسين القُدوريّ الحنفيّ، والفقيه أبو علي بن حَمَكَان، وأبو القاسم بن المحسنّ التنوخيّ، والقاضي أبو عبد الله الصَيْمُريّ.
ومما جاء في المنشور أن الفاطمية: منسوبون إلى دَيْصَان بن سعيد الخُرّميّ، إخوان الكافرين، ونُطَف الشياطين، شهادةً يُتقرَّبُ بها إلى الله. ومعتقد ما أوجب الله تعالى على العلماء أن يبينوه للناس، شهدوا جميعاً أن الناجم بمصر وهو منصور بن نزار الملقب بالحاكم حكم الله عليه بالبوار، والخزْي والنكال، ابن مَعَد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد، لا أسعده الله، وسيلة كفار وفُساق فُجار زنادقة، ولمذهب الثنوية والمَجُوسية معتقدون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية.
وهو ومن تقدم من سلفه الأرجاس الأنجاس، عليه وعليهم اللعنة، أدعياء خوارج لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأنتم لا تعلمون أن أحداً من الطالبيين توقف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج أنهم أدعياء.
وبقي خطر الدولة الفاطمية المتربصة هاجساً عند القادر بالله لا يتساهل فيه أبداً، فقد نظم الشريف الرضي، محمد بن الحسين المتوفى عن 47 عاماً في سنة 406، قصيدة يهدد فيها بالرحيل إلى مصر والعيش في ظل الفاطميين، وقال فيها:
كم مُقامي على الهوان وعندي... مِقوَلٌ قاطع وأنفٌ حَميُّ
وإباء محلق بي عن الضيم... كما راغ طائرٌ وحشي
أي عذر له إلى المجد إن ذل غلام في غمده المشرفي
ألبَسُ الذل في ديار الأعادي... وبمصر الخليفةُ العلوي؟!
مَنْ أبوه أبي ومولاه مولاي إذا ضامَني البعيدُ القصيُّ
لف عِرْقي بعِرقه سيدا الناس جميعاً محمدٌ وعلي
إن خوفي في ذلك الربع أمنٌ... وأُوامي بذلك الوِرد رِيُّ
قد يذل العزيز ما لم يشمر... لانطلاق وقد يضام الأبي
كالذي يقبس الظلام وقد أقمر من خلفه الهلال المضي
ولما كتب أصحاب الأخبار بالأبيات إلى القادر، غاظه أمرها، واستدعى القاضي أبا بكر محمد بن الطيب، وأنفذه إلى والد الشريف الرضيِّ الشريف الطاهر أبي أحمد الموسوي، الحسين بن موسى المتوفى سنة 400 عن 97 عاماً، برسالة تقول: قد علمتَ موضعك منا ومنزلتك عندنا وما لا نزال من الاعتداد بك، والثقة بصدق الموالاة منك، وما تقدم لك في الدولة العباسية من خِدَم سابقة ومواقف محمودة، وليس يجوز أن تكون على خليقة نرضاها، ويكون ولدك على ما يضادها، وقد بلغنا أنه قال هذه الأبيات، فيا ليت شعرنا على أي مُقام ذلٍ أقام؟! وما الذي دعاه إلى هذا المقال؟! وهو ناظر في نقابة الأشراف وقائم على نيابة الحج، فيما هو أجلُّ الأعمال وأقصاها علواً في المنزلة، وعساه لو كان بمصر لكان كبعض الرعايا، وما رأينا - على بلوغ الامتعاض منا مبلغه - أن نخرج بهذا الولد عن شكواه إليك وإصلاحه على يديك.
فقال الشريف الطاهر: والله ما عرفتُ هذا! ولا أنا وأولادي إلا خدم الحضرة المقدسة المعترفون بالحق لها والنعمة منها! ثم استدعى الشريفُ ابنيه المرتضى والرضي، وعاتب الرضيَّ العتابَ المستوفي، فقال له: ما قلتُ هذه الأبيات ولا أعرفها. فقال له: إذا كنت تنكرها فاكتب خطك للخليفة بمثل ما كنتُ أنا كتبتُ به في أمر صاحب مصر، واذكره بما أذكره به من الادعاء في نسبه، فقال: لا أفعل، فقال له أبوه: كأنك تكذبني بالامتناع عن مثل قولي، قال: ما أكذبك، ولكني أخاف الديلم ومَنْ للرجل من الدعاة بهذه البلاد، فقال: ياللعجب تخاف من هو منك على بلاد بعيدة وتراقبه، وتُسخِطُ من أنت بمرأى منه ومسمع وهو قادر عليك وعلى أهلك! وتردد القول بينهما حتى غضب الأب من الابن، وآل الأمر إلى إنفاذ القاضي أبي بكر وأبي حامد الاسفرائيني، وأخذا اليمين على الرضي أنه لم يقل الشعر المنسوب إليه، ولا يعرفه.
وكان الشريف الرضي معروفاً باعتداده بنفسه وافتخاره بأصله، حتى إنه خاطب القادر بالله في إحدى قصائده  وهو يمدحه، فقال:
عطفاً أميرَ المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا نتفرقُ
ما بيننا يوم الفخار تفاوتٌ ... أبداً، كلانا في المعالي مُعرِق
إلا الخلافة ميزتك، فإنني ... أنا عاطل منها وأنت مطوَّق
وفي سنة 416 أرسل الخليفة الفاطمي في مصر الظاهرُ لإعزاز دين الله رسولاً إلى محمود بن سُبكتكين يدعوه إلى الولاء له وأرسل له خِلعة،  فما كان من محمود بن سبكتكين  إلا أن أرسلها إلى الخليفة القادر في بغداد، ومعها رسالة الظاهر وقد خرقها وبصق فيها، فجلس القادر بالله بعد أن جمع القضاة والشهود والفقهاء والأماثل، وأحضر الرسول فأدى رسالة محمود بن سبكتكين بأنه الخادم المخلص الذي يرى الطاعة فرضاً، ويبرأ من كل ما يخالف الدولة العباسية، ثم أخرجت الثياب والخلعة إلى باب النوبي، وحفرت حفرة وطرح فيها الحطب، ووضعت الثياب فوقه وحرقت بالنار، والعوام ينظرون، وجُمِع ما فيها من فضة فتُصِدقَ به على ضعفاء بني هاشم.
ومن مناقب محمود بن سبكتكين أن الحاكم بأمر الله أرسل مع رسوله بغلاً نفيساً، فأهدى السلطان محمود البغل إلى القاضي أبي منصور محمد ابن محمد الأزدي الشافعي شيخ هراة، وقال: كان هذا البغل يركبه رأس الملحدين، فليركبه رأس الموحدين.
وإلى هذه المنافسة مع الفاطميين أشار الشاعر أبو الحسن الشعباني، محمد بن محمد بن جمهور، في قصيدة مدح بها القادر:
يخافك مَنْ إسكندريةُ دارُه ... وأندلسُ القصوى ومن ضمَّه مصرُ
فما منهم من ليس منك بقلبه ... بلابل لا يخبو لجاحمها جمر
إضافة إلى الاضطرابات والفتن السياسية، كان زمن القادر مليئاً بالفتن بين السنة والشيعة في بغداد ومدن العراق، وهي فتن اختفى فيها أحياناً الطموح السياسي وراء المذهب الديني، ولكنها في بغداد كانت ذات طابع مذهبي صرف، ففي ذي الحجة من عام 397 تمادت الشيعة في نصب القباب والزينة وشعار الأعياد في يوم الغدير، وفي محرم عملوا عاشوراء باللطم والعويل وشعار الحزن، وأثار ذلك أهل السنة فعمد عوامهم وجهالهم كما يقول ابن الأثير في تاريخه: وأحدثوا في مقابلة يوم عيد الغدير، يوم الغار، وجعلوه بعد ثمانية أيام من يوم الغدير، وهو السادس والعشرون من ذي الحجة، وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، اختفيا حينئذ في الغار، وهذا جهل وغلط، فإن أيام الغار، إنما كانت بيقين، في شهر صفر، وفي أول ربيع الأول، وجعلوا بإزاء عاشوراء وبعده بثمانية أيام، يوم مصرع مصعب بن الزبير، وزاروا قبره يومئذ بمسكن، وبكوا عليه، ونظروه بالحسين، لكونه صبر وقاتل حتى قتل، ولأن أباه ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وحواريّه وفارس الإسلام، كما أن أبا الحسين، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وفارس الإسلام، ودامت السُّنّة على هذا الشِّعار القبيح مدّة عشر سنين.
وفي رجب من ذات السنة قصد بعض الهاشميين أبا عبد الله محمد بن النعمان بن المعلم شيخ الشيعة، وهو في مسجده، وتعرض به تعرضاً امتعض منه تلامذته، فثاروا واستنفروا أهل الكرخ، وصاروا إلى دار القاضي أبي محمد الأكفاني والشيخ أبي حامد الإسفراييني فسبوهما، وطلبوا الفقهاء ليوقعوا بهم، ونشأت فتنة عظيمة، وهتف الشيعة بالولاء للحاكم بأمر الله الفاطمي في مصر: يا حاكم يا منصور.
وأزعج هذا الهتاف القادر بالله فأنفذ فرساناً من حرسه لمعاونة السنة، وساعدهم الغلمان، فانكسر الشيعة وأحرق بعض أحيائهم، ثم اجتمع الرؤساء إلى الخليفة، فكلموه فعفى عنهم، وأخرج ابن المعلم عن بغداد، ووكل به، وضُرِبَ جماعة ممن قام في الفتنة وحُبِسَ آخرون، ومنع القُصَّاص من الجلوس، ثم سمح الخليفة لابن المعلم في العودة إلى بغداد وأذن للقصاص، بشرط أن لا يتحدثوا عن الفتن.
وفي سنة 408 بلغت الفتنة بين الشيعة والسنة في بغداد حداً وصل إلى أن قتل كل فريق من دخل أحياءه من الفريق الآخر، وعجز عن إيقافه وزير القادر بالله أبو الحسن الشيرازي، علي بن عبد الصمد، والذي كان له في هذا المنصب 19 عاماً، فجاء إلى دار الخليفة وقدم استقالته من العمل، وأشهد على نفسه بذلك في الموكب، فعهد القادر بحسم الفتنة إلى رئيس الشرطة أبي مقاتل، فأراد دخول الكرخ، فمنعه أهلها فأحرق بعضها فصارت تلولاً.
ثم أعاد القادر في سنة 409 الوزير المستقيل فأخذ بسياسة الشدة، وقتل الموسومين بالفتن من الشيعة والسنة، ونفى ابنَ المعلم فقيهَ الإمامية وجماعةً من الوعاظ وأهل السنة، ونسبهم إلى معاونة أهل الفتن، فقامت الهيبة وسكن البلد.
ومع هذه القلاقل اضطرب الأمن  وزادت السرقات إلى حد أنه في سنة 410 صار اللصوص يكبسون دور الناس نهاراً وفي الليل بالمشاعل، وكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره ويستخرجونها منه بالضرب كما يفعل المصادِرون، ولا يجد المستغيث مغيثاً.
وتكرر انعدام الأمن في سنة 416 عندما منع الجيش في بغداد جلال الدولة من الوصول إليها ونادوا بابن أخيه أبي كاليجار صاحب الأهواز سلطاناً، ولكنه كان مشغولاً بحرب مع عمه صاحب كرمان، فلم يستطع القدوم إلى بغداد، فصار الجنود الأتراك يصادرون الناس ويأخذون أموالهم، وأحرقت المنازل والدروب والأسواق، وطمع اللصوص فكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره كما يفعل السلطان بمن يصادره، ووقعت الحرب سنة 417 بين العامّة والجند، فظفر الجند بهم، ونهبوا الكرخ وغيره، فلما رأى القوادّ وعقلاء الجند أن الملك أبا كاليجار مشغول عنهم، وأن البلاد قد خربت، وطمع فيهم المجاورون لهم من الأعراب والأكراد، ندموا على فعلهم، واعتذروا للخليفة القادر بالله من تصرفاتهم، وسألوه أن يرسل إلى جلال الدولة ليملكه بغداد ويجمع الكلمة، فأرسل وراءه وأتى إلى بغداد.
و قام القادر بالله بعدة محاولات لفرض المذهب السني في المناطق الخاضعة لنفوذه، ففي سنة 408 استتاب القادر بالله طائفة من المعتزلة والرافضة، وأخذ خطوطهم بالتوبة، وبعث إلى السلطان محمود بن سبكتكين، يأمره ببثّ السنة بخراسان، ففعل ذلك وبالغ، وقتل جماعة، ونفى خلقاً كثيراً من المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والجهمية والمشبّهة، وأمر بلعنهم على المنبر.
وفي سنة 420 ألف القادر بالله كتاباً طويلاً في أصول الاعتقاد سمي بالاعتقاد القادري، وذكر فيه أخباراً من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، وما روي عنه في عدة أمور من الدين وشرائعه، وخرج من ذلك إلى الطعن على من يقول بخلق القرآن وتفسيقه، وتضمن الكتاب ذكر أبي بكر وعمر وفضائلهما، ثم فضائل الصحابة، واتبع في ذلك ترتيب مذهب أصحاب الحديث،  وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز، ثم ختمه بالوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان الكتاب يُقرأ كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي ويحضر الناس سماعه.
ولما ألف الخليفة الكتاب جُمِعَ العلماء والأعيان ببغداد له، فقرئ عليهم، ثم أرسل الخليفة إلى جامع براثا، وهو مقر الشيعة، من أقام الخطبة على السنّة، فخطب وقصرّ عما كانوا يفعلونه في ذكر عليّ رضي الله عنه، فرموه بالآجُرِّ من كل ناحية، فنزل وحماه جماعة، حتى أسرع بالصلاة، فتألَّم القادر بالله، وغاظه ذلك، وكاتب السلطان جلال الدولة البويهي ووزيره ابن ماكولا، الحسن بن جعفر المتوفى سنة 422 عن 56 عاماً، يطالبه بمعاقبة الشيعة، وقال له في الرسالة: وإذا بلغ الأمير أطال الله بقاءه ما جرى في الجمعة الماضية في مسجد براثا، الذي يجمع الكفرة والزنادقة، ومن قد تبرّأ الله منه، فصار أشبه شيء بمسجد الضرار، وذلك أن خطيباً كان فيه، يقول مالا يخرج عن الزندقة، فإنه كان يقول، بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: وعلى أخيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مكلم الجمجمة، ومحيي الأموات، البشريّ الإلهيّ، مكلِّم أهل الكهف.
وكان القادر بالله متقشفاً في معيشته بعيداً عن البذخ، ومن الطريف أن الطائع لله، وكان سجيناً لديه كما ذكرنا، كان يتذمر من التقشف ويعيبه على القادر بالله، فقد أرسل إليه يوماً القادر بالله عَدَسية، فقال: ما هذا ؟ فقالوا: عدس وسلق، فقال: أو قد أكل أبو العباس من هذا؟ قيل له: نعم؛ قال: قل له عني: لـمّا أردت أن تأكل عدسية لِـمَ اختفيت، فما كانت العدسية تعوزك، ولِـمَ تقلدتَ هذا الأمر؟ فأمر حينئذ القادر أن تفرد له جارية من طباخاته تطبخ له ما يلتمسه كل يوم؛ فأقام على هذا إلى أن توفي.
كان القادر بالله يعتمد على مجموعة من الكتاب وعلى رأسهم أبو الحسن علي بن عبد العزيز المعروف ابن حاجب النعمان، وهو كاتب بليغ أريب توفي سنة 423 عن 63 عاماً قضى منها أربعين سنة في خدمة الخلفاء وكتب كتاباً في أصول الخدمة وعمل الدواوين، وقد حدث أن أعفاه القادر في سنة 388 فلم يستطع أن يستغني عنه، فأعاده بعد حوالي شهرين.
كان القادر بالله على صلة بالصالحين في عصره يبرهم ويكرمهم، ولما توفي في سنة 419 المحدث محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد أبو الحسن التاجر، وكان غنياً فافتقر، فلما مات لم يوجد له كفن، فأرسل له القادر بالله ما يكفن فيه.
وكان أبو بكر الدَينوري الزاهد، محمد بن علي نزيل بغداد، عابداً قانتاً، خشن العيش، منقبضاً عن النّاس، ولكنه كان كثير الدّخول على القادر بالله، وكان القادر بالله كذلك يتردد إلى أبي الحسن القزويني، علي بن عمر المتوفى سنة 442 عن 82 عاماً.
وكان الخليفة القادر بالله أبيض كث اللحية طويلها، يخضب شيبته، وكان من أهل الستر والصيانة وإدامة التهجد، وكثرة البر والصدقات، وكان حليماً، كريماً، خيّراً يحب الخير وأهله، ويأمر به، وينهى عن الشر ويبغض أهله.
وكان حسن الاعتقاد، تفقه على العلامة أبي بشر أحمد بن محمد الهروي الشافعي، المتوفى سنة 385 عن 57 عاماً، وعدّه الشيخ تقي الدين ابن الصلاح من الفقهاء الشافعية، وأورده في طبقاتهم.
وكان القادر بالله على صلة بالإمام أبي الحسن الماوردي صاحب الكتاب المشهور في الأحكام السلطانية، علي بن محمد بن حبيب المتوفى سنة 450 عن 86 عاماً، قال ياقوت الحموي في معجم الأدباء: قرأت في مجموع لبعض أهل البصرة: أن القادر بالله طلب من أربعة من أئمة المسلمين في أيامه في المذاهب الأربعة، أن يصنف له كل واحد منهم مختصراً على مذهبه، فصنف له أقضى القضاة الماوردي الإقناع على مذهب الشافعي، وصنف له أبو الحسين القُدُوري مختصره المعروف على مذهب أبي حنيفة، وصنف له القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن محمد بن نصر المالكي مختصراً آخر، ولا أدري من صنف له على مذهب أحمد، وعُرِضت عليه، فخرج الخادم إلى أقضى القضاة الماوردي وقال له: يقول لك أمير المؤمنين: حفظ الله عليك دينك، كما حفظت علينا ديننا.
وبينما القادر يمشي ذات ليلة في أسواق بغداد إذ سمع شخصاً يقول لآخر: قد طالت دولة هذا الخليفة المشؤوم، وليس لأحد عنده نصيب، فأمر خادماً كان معه بالتوكل عليه، وأن يحضره بين يديه، فما شك الرجل أنه يبطش به، فسأله عن صنعته فقال: إني كنت من السُعاة - المخبرين- الذين يستعين بهم أرباب هذا الأمر على معرفة أحوال الناس، فمذ وَليَ أمير المؤمنين أقصانا، وأظهر الاستغناء عنا، فتعطلت معيشتنا وانكسر جاهنا، فقال له: أتعرف مَنْ في بغداد من السعاة مثلك؟ قال: نعم، فأحضر الخليفة القادر كاتباً، وكتب أسماءهم، وأمر بإحضارهم، ثم أجرى لكل واحد منهم راتباً معلوماً، ونفاهم إلى الثغور القاصية، ورتبهم هناك عيوناً على أعداء الدين، ثم التفت إلى من حوله وقال: اعلموا أن هؤلاء ركَّب الله فيهم شراً، وملأ صدورهم حقداً على العالم، ولا بد لهم من إفراغ ذلك الشر، فالأَوْلى أن يكون ذلك في أعداء الدين، ولا ننغص بهم المسلمين.
وقيل: كان يقسم إفطاره كل ليلة ثلاثة أقسام: فقسم كان يتركه بين يديه، وقسم يرسله إلى جامع الرصافة، وقسم يرسله إلى جامع المدينة، يفرق على المقيمين فيهما، فاتفق أن الفراش حمل ليلة الطعام إلى جامع المدينة، ففرقه على الجماعة، فأخذوا، إلا شاباً فإنه رده.
فلما صلوا المغرب خرج الشاب، وتبعه الفراش، فوقف على باب فاستطعم، فأطعموه كسيرات فأخذها وعاد إلى الجامع، فقال له الفراش: ويحك ألا تستحي؟ ينفذ إليك خليفة الله بطعام حلال فترده وتخرج وتأخذ من الأبواب! فقال: والله ما رددته إلا لأنك عرضته علي قبل المغرب، وكنت غير محتاج إليه، فلما احتجت طلبت، فعاد الفراش فأخبر الخليفة بذلك فبكى وقال له: راع مثل هذا، واغتنم أخذه، وأقم إلى وقت الإفطار.
وقال أبو الحسن الأبهري: أرسلني بهاء الدولة إلى القادر بالله في رسالة، فسمعته ينشد:
سبق القضاء بكل ما هو كائن، ... والله يا هذا لرزقك ضامنُ
تُعنى بما يفنى، وتترك ما به ... تغنى، كأنك للحوادث آمن
أوما ترى الدنيا ومصرع أهلها؟ ... فاعمل ليوم فراقها، يا خائن
واعلم بأنك لا أبا لك في الذي ... أصبحت تجمعه لغيرك خازن
يا عامر الدنيا أتعْمُر منزلاً ... لم يبق فيه مع المنية ساكن
الموت شيء أنت تعلم أنه ... حق، وأنت بذكره متهاون
إن المنية لا تؤامر مَنْ أتت ... في نفسه يوماً ولا تستأذن
فقلت: الحمد لله الذي وفق أمير المؤمنين لإنشاد مثل هذه الأبيات. فقال: بل لله المنة إذ ألزمنا بذكره، ووفقنا لشكره، ألم تسمع قول الحسن البصري في أهل المعاصي: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم
وكان  القادر بالله يخرج من داره في زِيّ العامة، ويزور قبور الصالحين، كقبر معروف الكرخي وغيره، وإذا وصل إليه حالٌ أمر فيه بالحق، قال القاضي الحسين بن هارون: كان بالكرخ مُلكٌ ليتيم، وكان له فيه قيمة جيدة، فأرسل إلي ابن حاجب النعمان، وهو حاجب القادر، يأمرني أن أفك عنه الحَجْر ليشتريَّ بعضُ أصحابه ذلك المُلك، فلم أفعل، فأرسل يستدعيني، فقلت لغلامه: تقدمني حتى ألحقك، وخِفتُه، فقصدت قبر معروف الكرخي، فدعوت الله أن يكفيني شره، وهناك شيخٌ، فقال لي: على من تدعو؟ فذكرت له ذلك، ووصلت إلى ابن حاجب النعمان، فأغلظ لي في القول، ولم يقبل عذري، فأتاه خادم برقعة، ففتحها وقرأها وتغير لونه، ونزل من السدة فاعتذر إلي، ثم قال: كتبتَ إلى الخليفة قصة؟ فقلت: لا. وعلمتُ أن ذلك الشيخ كان الخليفة.
وبقي القادر بالله خليفة 41 سنة، وتوفي سنة 422 وعمره 87 عاماً، ولم يبلغ أحد من الخلفاء قبله هذا العمر، ولا أقام في الخلافة هذه المدة. ومن شعره:
ما الزهدُ أن تُمنعَ الدنيا فترفضَها... ولا تزالَ أخا صومٍ حليفَ دُعا
وإنما الزهد أن تحوي البلادَ وأرقابَ العباد فتُلفى عادلاً ورعا
وخَلَفَه بعد وفاته ابنهُ عبدُ الله بوصية منه، وتلقب بالقائم بأمر الله، وكان مثل أبيه ورعا، عادلا، كثير الرفق بالرعية، له فضل، وعناية بالأدب والإنشاء.

الثلاثاء، 8 يوليو 2014

حدث في العاشر من رمضان

في العاشر من رمضان من سنة 485 قُتل، عن 76 سنة، نظام الملك أبو علي الطوسي، الحسن بن علي، باني المدرسة النظامية في بغداد ووزير السلطانين ألب أرسلان وولده مَلِكشاه، قُتِلَ بغُندجان بين إصبهان وهمذان، أتاه شابٌ ديلميٌّ في زيّ صوفيّ، فدعا له وناوله ورقةً، فمد يده ليأخذها فضربه بسكين في فؤاده، فحُمل إلى مضربه فمات، وكان آخر كلامه أن قال: لا تقتلوا قاتلي، فقد عفوت عنه: وتشهد ومات. وقُتل القاتل في الحال بعد أن هرب فعثر بطُنب - حبل- خيمة فوقع.
ولد نظام الملك بطوس، وكان من أولاد الدهاقين وأرباب الضياع بناحية بيهق، وكان عالي الهمة إلا أنه كان فقيراً مشغولاً بالفقه والحديث، ثم قصد داود بن ميكائيل والد السلطان ألب أرسلان، وعرّفه رغبته في خدمته، فلما دخل عليه أخذ بيده فسلمه إلى ولده ألب أرسلان، وقال: هذا حسن الطوسي، فتَسَلَّمْه واتخذه والداً لا تخالفه، فلما صار المُلكُ إلى ألب أرسلان دبر له نظام الملك الأمور فأحسن التدبير، فبقي في خدمته عشر سنين ثم مات، وازدحم أولاده على الملك، وطغى الخصوم، فدبر الأمور، ووطد المُلك لملكشاه فصار الأمر كله إليه، فبقي عشرين سنة ونظام الملك يدبر أمره، فجرى على يده من الرسوم المستحسنة ونفي الظّلم، وإسقاط المؤن، وحسن النظر في أمور الرعية، ورتب أمور الدّواوين أحسن ترتيب.
دخل السلطان ألب أرسلان بغداد سنة 479 وأهدى إلى الخليفة المقتدي، وخلع عليه الخليفة، وقد جلس له في مجلس حافل، ونظامُ الملك قائمٌ يقدّم أمراء السلطان أميراً أميراً إلى الخليفة، وكلما قدَّم أميراً قال: هذا العبد فلان، واقطاعه كذا وكذا، وعدّة رجاله وأجناده كذا وكذا؛ إلى أن أتى على آخرهم.
ولما دخل بغداد سنة 479، وهي أول دخلة دخلها، دخل على الخليفة العباسي المقتدي، فأذن له في الجلوس بين يديه - وكانت الخلفاء لا تسمح لمن يزورها بالجلوس في حضرتها، بل يبقى واقفاً - وقال له: يا حسن رضيَّ الله عنك برضا أمير المؤمنين وأهل الدين عنك. وأعطاه الخليفة يده فقبلها ووضعها على عينيه، وخلع عليه خلعاً سنية.
ولما خرج من عند الخليفة زار المدرسة النظامية التي أمر هو ببنائها، ولم يكن رآها قبل ذلك، فاستحسنها إلا أنه استصغرها، واستحسن أهلَها ومن بها وحمِد الله وسأله أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، ونزل بخزانة كتبها وأملى جزأ من مسموعاته، فسمعه المحدثون منه، وكان يقول: إني لأعلم أني لست أهلاً للرواية، ولكني أريد أن أربط نفسي على قطار النَقَلَة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سمع نظام الملك الحديث، وحضر مجلسه الحفاظ، وأملى في مرو، ونيسابور، والري، وأصبهان، وبغداد، وكان له من المكرمات ما لا يحصى: كان إذا سمع الأذان أمسك عمّا هو فيه حتّى يفرغ المؤذن، وكان يراعي أوقات الصلوات، ويصوم الاثنين والخميس، ويكثر الصدقة، وكان له الحلم والوقار.
وكان مجلسه عامراً بالفقهاء وأئمة المسلمين من العلماء، فقيل له: قد بسطتهم في مجلسك حتى شغلوك عن مصالح الرعية ليلاً ونهاراً، فإن أمرت أن لا يوصل أحد منهم إلا بأذن، وإذا وصل جلس بحيث لا يضيق عليك مجلسك. فقال: هذه الطائفة أركان الإسلام، وهم جمال الدنيا والآخرة، ولو أجلستُ كُلّاً منهم على رأسي لاستقللت لهم ذلك.
وكان يدخل عليه أبو القاسم القشيريّ، وأبو المعالي الجوينيّ، فيقوم لهما، ويجلس في مسنده كما هو، ويدخل عليه الشيخ أبو عليّ الفارمَذيّ فيقوم ويجلس بين يديه، ويجلسه مكانه، فامتعض من هذا الجويني فقال لحاجبه في ذلك فأخبره، فقال: أبو القاسم وأبو المعالي وغيرهما، إذا دخلوا عليّ يثنون عليّ ويطروني بما ليس فيّ، فيزيدني كلامهم عجباً وتيهاً، وهذا الشيخ يذكرني عيوب نفسي، وما أنا فيه من الظلم، فتنكسر نفسي، وأرجع عن كثير مما أنا فيه.
وهو أول من بنى المدارس في الإسلام: بنى نظامية بغداد، ونظامية نيسابور، ونظامية طوس، ونظامية إصبهان، وأحسنُ خِلالِه مراعاةُ العلماء، وتربيةُ العلم، وبناءُ المدارس والمساجد والرباطات، والوقوفُ عليها، وأثرُه العجيب ببغداد هذه المدرسة وسوقها الموقوف عليها، وفي كتاب شرطها أنها وقف على أصحاب الشافعي أصلاً وفرعاً، وكذلك الأملاك الموقوفة عليها شَرَطَ فيها أن يكون على أصحاب الشافعي أصلاً وفرعاً، وكذلك شَرَط في المُدرس الذي يكون بها والواعظ الذي يعظ بها ومتولي الكتب، وشرط أن يكون فيها مقرئٌ للقرآن، ونَحْويٌ يدرس العربية، وفرض لكلٍ قسطاً من الوقف.
وكان النظام يقول: كنت أتمنى أن يكون لي قرية خالصة، ومسجد أتفرد فيه لعبادة ربي، ثم بعد ذلك تمنيت أن يكون لي قطعة أرض أتقوت بريعها، ومسجد أعبد الله فيه، وأما الآن فأنا أتمنى أن يكون لي رغيف كل يوم، ومسجد أعبد الله فيه.
وكان ليلةً يأكل الطعام، وبجانبه أخوه أبو القاسم، وبالجانب الآخر عميد خراسان، وإلى جانب العميد إنسان فقير، مقطوع اليد، فنظر نظام الملك، فرأى العميد يتجنب الأكل مع المقطوع، فأمره بالانتقال إلى الجانب الآخر، وقرب المقطوع إليه فأكل معه.
ودفع بعض حجابه امرأة ضعيفة فزَبَرَه، وقال: أنا استخدمتك لتوصل إليّ مثل هذه، لا لتوصل إليّ رجلاً كبيراً، أو حاجباً. ثم صرفه.
ومن شعره:
بعد الثمانين ليس قوة... قد ذهبت شِّرَّةُ الصَّبْوَة
كأنني والعصا بكفي... موسى ولكن بلا نبوة
والشِّرَّةُ النَّشاط
قال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي: رأينا في أوائل أعمارنا ناساً طاب العيش معهم، من العلماء والزهاد وأعيان الناس، وأما النظام فإن سيرته بهرت العقول جوداً وكرماً وحشمة وإحياء لمعالم الدين، فبنى المدارس، ووقف عليها الوقوف ونعش العلم وأهله، وعمّر الحرمين، وعمّر دور الكتب، وابتاع الكتب، فكانت سوق العلم في أيامه قائمة، والعلماء مستطيلين على الصدور من أبناء الدنيا، وما ظنك برجل كان الدهر في خَفارته، لأنه كان قد أفاض من الإنعام ما أرضى الناس، وإنما كانوا يذمون الدهر لضيق أرزاق واختلال أحوال، فلما عمهم إحسانه أمسكوا عن ذم زمانهم.
قال ابن عقيل: وقلت مرة في وصفه: تَرَكَ الناس بعده موتى، أما أهل العلم والفقراء ففقدوا العيش بعده بانقطاع الأرزاق، وأما الصدور والأغنياء فقد كانوا مستورين بالغِنْى عنهم، فلما عَرَضت الحاجات إليهم عجزوا عن تحمل بعض ما عود من الإحسان، فانكشفت معايبهم من ضيق الصدور، فهؤلاء موتى بالمنع وهؤلاء موتى بالذم، وهو حي بعد موته بمدح الناس لأيامه، ثم ختم له بالشهادة فكفاه الله أمر آخرته كما كفى أهل العلم أمر دنياهم، ولقد كان نعمة من الله على أهل الإسلام فما شكروها فسُلِبوها.
وكان نظام الملك مُمَدّحاً، فيقال إن مُدَّاحه كانوا خمسة آلاف شاعر وزيادة، ومُدِح بثلاثمئة ألف قصيدة. وحكى القاضي أبو العلاء الغزنويّ، محمد بن محمود، في كتاب سر السّرور: أن نظام الملك صادف في السفر رجلاً في زِيّ العلماء، قد مسه الكَلال، فقال له: أيّها الشيخ، أُعييتَ أم عَييتَ؟ فقال: أُعييت يا مولانا. فتقدم من حاجبه أن يركبه جنبياً، وأن يصلح من شأنه، وأخذ في اصطناعه، وإنما أراد بسؤاله اختباره، فإنّ عي في اللسان، وأعيى: تعب.
وقد رثاه مقاتل بن عطية المسمى بشبل الدولة:
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة... يتيمة صاغها الرحمن من شرفِ
عزّت فلم تعرف الأيام قيمتها... فردَّها غيرة منه إلى الصدف
ورثاه سديد الملك أبو المعالي المفضل بن عبد الرزاق الأصفهاني وزير المستظهر:
مات الوزير فكلكم جذلان... لا تفرحوا فوراءه خذلانُ
المُلكُ بعد أبي عليٍّ لعبةٌ... يلهو بها النسوان والصبيان

الاثنين، 7 يوليو 2014

حدث في التاسع من رمضان

في التاسع من رمضان في السنة السادسة للهجرة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد مكة في عشرة آلاف، بعد أن نقضت قريش صلح الحديبية،  واستخلف على المدينة أبا رُهْم كلثوم بن حصين الغفاري، ولما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العَرْج، وهو واد يبعد 110 كيلاً جنوبي المدينة، نظر إلى كلبةٍ تهِرِّ عن أولادها، وهُنَّ حولها يرضعنها، فأمر جميل بن سراقة رضي الله عنه أن يقوم حذاءها، لا يَعرِض لها أحدٌ من الجيش، ولا لأولادها.
فلما كانوا بين العرج والطُّلوب أُتوا بعين - جاسوس - من هوازن، فاستخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أن هوازن أرسلت يستطلع خبر الرسول إن كان يغزوها، وأنها تجمع له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبنا الله ونعم الوكيل، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد أن يحبسه لئلا يذهب فيشيع الخبر في الناس.
وخرج رسول الله صائماً، حتى بلغ الكَديدَ بين عُسفان وأَمَج، وبلغه أن الناس شق عليهم الصيام، وقيل له: إنما ينظرون فيما فعلت، فلما استوى على راحلته بعد العصر دعا بإناء من لبن، أو ماء، فوضعه على راحلته ليراه الناس، فشرب فأفطر، فناوله رجلا إلى جنبه فشرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس صام، فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة. فلم يزل مفطرا حتى انسلخ الشهر.
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن صيام، فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفِطرُ أقوى لكم. وكانت رخصةً، فمنّا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: إنكم مصبّحو عدوكم، والفِطر أقوى لكم، فأفطِروا. فكانت عزيمة، فأفطرنا.
فلما نزل مَرّ الظَّهْران، ومعه من بني سليم ألف رجل، ومن مُزَيْنة ألف رجل، ومن غِفار أربعمئة، ومن أسلم أربعمئة، وطوائف من قيس وأسد وتميم وغيرهم، ومن سائر القبائل أيضاً جموع.
وقد أخفى الله تعالى عن قريش الخبر لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم وجسون خائفون؛ وقد خرج أبو سفيان بن حرب، وبُديل بن ورقاء، وحكم بن حزام، يتجسسون الأخبار.
وكان العباس بن عبد المطلب هاجر في تلك الأيام، فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحُليفة، فبعث ثِقْلَه إلى المدينة، وانصرف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا، فالعباس من المهاجرين من قبل الفتح، ورُويَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: هجرتك يا عم آخر هجرة، كما أن نبوتي آخر نبوة.
وذُكر أيضاً أن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، أخا أم سلمة أم المؤمنين، لقياه بنِيق العُقاب مهاجرَين؛ فاستأذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يأذن لهما، فكلمته أم سلمة فأذن لهما، فأسلما.
فلما نزلوا بمر الظهران أسفِت نفس العباس على ذهاب قريش، إن فجئهم الجيش قبل أن يأخذوا لأنفسهم فيستأمنوا، فركب بغلة النبي صلى الله عليه وسلم ونهض، فلما أتى الأراك وهو يطمع أن يرى حطّاباً أو صاحب لبن يأتي مكة فينذرهم؛ فبينما هو يمشي كذلك، إذ سمع صوت أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتساءلان وقد رأيا نيران عسكر النبي صلى الله عليه وسلم، وبُديل يقول لأبي سفيان: هذه والله نيران خُزاعة. فيقول له أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون لها هذه النيران. فلما سمع العباس كلامه ناداه: يا أبا حنظلة. فميز أبو سفيان صوته، فقال: أبو الفضل؟ قال: نعم. فقال له أبو سفيان: ما الشأن فداك أبي وأمي؟ فقال له العباس: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش! فقال له أبو سفيان: وما الحيلة؟ فقال له العباس: والله إن ظفر بك ليقتلنك، فارتدِفْ خلفي وانهض معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأردفه العباس، فأتى به العسكر، فلما مر على نار عمر، نظر عمر إلى أبي سفيان فميزه، فقال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج يشتد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسابقه العباس، فسبقه العباس على البغلة، وكان عمر بطيئاً في الجري، فدخل العباس ودخل عمر على أثره، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بلا عقد، فأذن لي أضرب عنقه. فقال العباس: يا رسول الله، قد أجرتُه. فرادّه عمرُ الكلام، فقال العباس: مهلاً يا عمر، فلو كان من بني عَدي بن كعب ما قلتَ هذا، ولكنه من بني عبد مَناف. فقال عمر: مهلاً، فوالله لإسلامُك يوم أسلمتَ  كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفتُ أن إسلامَك كان أحبَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب.
وقال الزهري: فحادثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عامة الليل، ثم دعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فشهدوا، وأن محمدا رسول الله، فشهد حكيم وبديل وقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك.
فلما جاء الصبح قام المسلمون إلى طُهورهم، فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل! ما للناس؟ أُمِروا فيَّ بشيء؟ قال: لا، ولكنهم قاموا إلى الصلاة.، وأسلم أبو سفيان، فأمره العباس فتوضأ، وذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة كبّر وكبّر الناس، ثم ركع، فركعوا، ثم رفع، فرفعوا، ثم سجد فسجدوا، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم طاعة! قومٌ جَمَعَهم من ههنا وههنا، ولا فارس الأكارم، ولا الروم ذات القرون بأطوع منهم له، يا أبا الفضل أصبح ابن أخيك والله عظيم الملك، فقال العباس: إنه ليس بملك، ولكنها النبوة، قال: أوَ ذاك.
وقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئاً. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دخل دار حَكيم بن حِزام فهو آمن - وهى بأسفل مكة - ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن - وهى بأعلى مكة - ومن أغلق بابه فهو آمن.

الأحد، 6 يوليو 2014

حدث في الثامن من رمضان

في الثامن من رمضان من عام 455 توفي، عن 70 عاماً، مؤسسُ الدولة السلجوقية السلطانُ طُغْرُل بَك، محمد بن ميكائيل بن سَلْجُوق.
وكان السلاجقة، وهم أتراك، قبل تملكهم يسكنون وراء النهر، قريبا من بخارى، ولا يدينون لأحد من الملوك، فإذا قصدهم من لا يطيقونه دخلوا المفاوز، ولهم مع ولاة خراسان وقائع، وأول من ملك منهم طغرل بك، هذا، في سنة 429.
وهو الذى رد مُلكَ بني العباس، بعد أن كان اضمحل وزالت دعوتهم من العراق وخُطِبَ للعبيديين الفاطميين لما استولى البساسيري على بغداد، فما زال طغرل بك يعمل حتى أعاد الخليفة القائم بأمر الله، وأرجع الخطبة باسمه، وقتل البساسيري، وأزال مُلكَ بني بويه من العراق وغيره.
وكان طغرل بك متزوجاً من سيدة اسمها ألترنجان، وفيها دين وافر ومعروف ظاهر وتتصدق كثيراً وتفعل البر كثيراً، ولها رأي وحزم وعزم، وكان السلطان سامعاً لها مطيعاً، والأمور مردودة إلى عقلها ودينها، وتوفيت سنة 452 بعلة الاستسقاء في جرجان، وحزن السلطان عليها حزناً عظيماً، ولما احتُضِرت قالت للسلطان: اجتهد في الوَصْلة بابنة الخليفة لتنال شرف الدنيا والآخرة! وأوصت بجميع ما لها لابنة القائم زوجتِه في المستقبل.
وخطب طغرل بك ابنة القائم بأمر الله، ولم يكن لها كفؤاً بمعايير ذلك الوقت للعُجمة والنسب - فشقَّ على الخليفة ذلك، ولم يجد بداً من زواجها فزوجه بها، وكان العقد بتبريز وزفت إليه ببغداد، فمكثت معه ستة أشهر، كان مريضاً فيها، ثم توفي بالري - وهي اليوم طهران - فحملوا تابوته، فدفنوه بمرو عند قبر أخيه، داود جغري بك.
ومما ذكره المؤرخون عن زفافها: فلما كان ليلة الاثنين الخامس عشر من صفر زُفت السيدةُ ابنة الخليفة إلى دار المملكة، فضُربت لها السُرادقات من دجلة إلى دار المملكة، وضُربت الدبادب - أي الطبول - والبوقات عند دخولها إلى الدار، فلما دخلت أُجلست على سريرٍ مكلل بالذهب، وعلى وجهها بُرقع، ودخل الملك طغرل بك فوقف بين يديها فقبل الأرض، ولم تقم له، ولم تره، ولا كشفت برقعاً كان على وجهها، ولم يجلس حتى انصرف إلى صحن الدار، والحجاب والأتراك يرقصون هناك فرحاً وسروراً، وبعث لها مع الخاتون زوجة الخليفة - وهي ابنة أخيه - عقدين فاخرين، وقطعة ياقوت حمراء، كبيرة هائلة، ودخل من الغد فقبل الأرض وجلس على سرير مكلل بالفضة بإزائها ساعة، ثم خرج وأرسل لها جواهر كثيرة ثمينة وفَرْجية رداء مفرّج الأطراف - نسجت بالذهب مكللة باللؤلؤ، وما زال كذلك كل يوم يدخل ويقبل الأرض ويجلس على سرير بإزائها، ثم يخرج عنها ويبعث بالتحف والهدايا، ولم يكن منه إليها شيء، مقدار سبعة أيام، ويمد كل يوم من هذه الأيام السبعة سماطا هائلا، وخلع في اليوم السابع على جميع الأمراء.
وكان طغرل بك عادلاً في الجملة، حليماً كريماً، محافظاً على الصلوات الخمس في أوقاتها جماعة، يصوم الإثنين والخميس، ويكثر من الصدقات ويبني المساجد، ويقول: أستحي من الله سبحانه وتعالى أن أبني لي داراً ولا أبني إلى جانبها مسجداً.
كان عاقلاً حليماً من أشد الناس احتمالاً، وأكثرهم كتماناً لسره، حكى عنه أقضى القضاة الماوردي قال: لما أرسلني القائم بأمر الله إليه سنة 433، كتبت كتاباً إلى بغداد أذكر فيها سيرته وخراب بلاده، وأطعن عليه بكل وجه، فوقع الكتاب من غلامي، فحُمِل إليه، فوقف عليه وكتمه، ولم يحدثني فيه بشيء، ولا تغير عما كان عليه من إكرامي.
ومن محاسنه أنه سّير الشريفَ ناصرَ بن إسماعيل رسولاً إلى الإمبراطورة البيزنطية ثيودورا، فاستأذنها الشريف في الصلاة بجامع القسطنطينية جماعةً يوم الجمعة، فأذنت له في ذلك، فصلى وخطب للخليفة العباسي القائم بأمر الله، وكان رسول المستنصر العبيدي صاحب مصر حاضراً فأنكر ذلك، وكان من أكبر الأسباب في توتر العلاقات بين المصريين والبيزنطيين.
وكان كريماً، فمن كرمه أن أخاه إبراهيم ينال أسر من البيزنطيين، لما غزاهم، بعضَ ملوكهم فبذل في نفسه أربعمئة ألف دينار، فلم يقبل إبراهيم منه وحمله إلى طغرل بك، فأرسل ملك الروم إلى نصر الدولة بن مروان صاحبِ الجزيرة وميافارقين يشفع في فكاكه، فأرسله طغرل بك إلى ابن مروان بغير فداء، وسير معه رجلاً علوياً، فأنفذ ملك الروم إلى طغرل بك ما لم يحمل في الزمان المتقدم، وهو ألف ثوب ديباج، وخمسمئة ثوب أصناف، وخمسمئة رأس من الكُراع - الماشية - إلى غير ذلك، وأنفذ مئتي ألف دينار، ومئة لبِنة فضة، وثلاثمئة شهري - نوع من الخيول - وثلاثمئة حمار مصرية، وألف عنز بيض الشعور، سود العيون والقرون، وأنفذ إلى ابن مروان عشرة أمنان - المَنُّ يقرب من الكيلو مسكاً، وعمّر ملكُ الروم الجامعَ الذي بناه مَسلمَة بن عبد الملك بالقسطنطينية، وعمر منارته، وعلق فيه القناديل، وجعل في محرابه قوساً ونشابة، وأشاع المهادنة.
وحكى وزيره محمد بن منصور الكندري عنه أنه قال - يعني السلطان - رأيتُ وأنا بخراسان في المنام كأني رُفعتُ إلى السماء وأنا في ضبابٍ لا أبصر معه شيئاً، غير أنني أشم رائحة طيبة فإذا مناد ينادي: أنت قريب من الباري جلت قدرته، فاسأل شيئاً ليقضى، فقلت في نفسي: أسألُ طول العمر، فقيل: لك سبعون سنة، فقلت: يا رب لا تكفيني، فقيل: لك سبعون سنة! فقلت: لا تكفيني، فقيل: لك سبعون سنة!
ولما حضرته الوفاة، قال: إنما مَثلي مَثلُ شاة تُشدُّ قوائمُها لجز الصوف فتظن أنها تُذبح فتضطرب، حتى إذا أطلقت تفرح، ثم تُشدُّ للذبح فتظن أنها لجز الصوف فتسكن، وهذا المرض الذي أنا فيه هو شدُّ القوائم للذبح، فمات منه.
وعاش عقيماً، فعهد بالسلطنة إلى ابن أخيه سليمان بن جغري بك، فاختلفت الأمراء عليه، ومالوا إلى أخيه سليمان بن جغري بك، فاختلفت الأمراء عليه، ومالوا إلى أخيه ألب أرسلان، فاستولى على ممالك عمّه مع ما في يده.

 
log analyzer