الجمعة، 16 مايو 2014

حدث في الثامن من رجب

 
في الثامن من رجب من عام 932 وقعت معركة بانيبات، 80 كيلا شمالي دهلي في الهند، بين السلطان المغولي محمد ظهير الدين بابَر وبين السلطان إبراهيم اللودي وانتهت بانتصار بابر  ومقتل السلطان إبراهيم، وبهذه المعركة تأسست الدولة المغولية الهندية التي دامت في الهند قرابة قرنين ونصف القرن، وازدهرت في ظلها الآداب والفنون والعلوم. وجاء اللقب بابر تشبيهاً له بالنمر، قال في لسان العرب: البَبْرُ ضرب من السباع، أعجمي معرّب.
وبابر هو السليل الخامس لتيمور لنك الزعيم المغولي الشهير بغزوه للمشرق العربي وتدميره للمدن وقتله لسكانها، ولما توفي تيمور لنك سنة 807 خلفه ابنه شاه رُخ واستطاع أن يثبت سلطانه على معظم ملك أبيه ويلجم الخارجين الطامعين من أقاربه، وتوفي شاه رُخ سنة 850 وجاءت من بعده الاضطرابات والشقاق، ونشأت الدولة الصفوية ثمرة لها، واستطاع الشاه إسماعيل تأسيس دولة امتدت من حدود العراق إلى أفغانستان ونهر جيحون.
وينبغي الإشارة هنا أن القبائل المغولية التي جاءت مع جنكيز خان والتي تحولت فيما بعد إلى الإسلام ديناً، قد تطبعت بعادات الأتراك الذين حلت بينهم، فهي مغولية العرق، مسلمة الدين، تركية التقاليد، وكان بابر ينفر من ذكر المغول نفوراً شديداً، ويعتز بتركيته، ولذا فإنه اعتمد على القبائل التركية في تأسيس دولته وحاشيته، ولعل سبب نسبة دولته إلى المغول هو أن الهنود درجوا منذ قدوم جنكيز خان على إطلاق اسم المغول على كل الغزاة الذين جاؤوهم من بلاد ما وراء النهر.
وقد سجل بابر مراحل حياته في كتاب أسماه بابر نامه أي قصة بابر، ويتضح منها تواضعه وبساطته، وهما سمتان غالبتان لمؤسسي الدول، ومنه استقى الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله مقالة عن بابر نشرها في مجلة الرسالة، وأفدت منها كثيراً.
ولد بابر بن عمر بن أبي سعيد بن محمد بن ميران شاه بن تيمور سنة 787 في فَرْغَانة على السفوح الشمالية لجبال هندوكوش، في أوزبكستان اليوم، حيث كان والده عمر منذ سنة 870 أميراً على إمارتها الصغيرة من قبل أبيه السلطان أبي سعيد، ويصف بابر أباه بأنه كان: حنفي المذهب، مواظباً على الصلوات في أوقاتها، يديم تلاوة القرآن، وكان من مريدي الشيخ عبد الله، المعروف بخواجه أحرار، يحرص على صحبته والتبرك به، ويدعوه الشيخ ابنه. وكان الأب يحب الأدب، ويقرأ دواوين شعراء فارس المشهورين مثل نظامي والمثنوي والشاهنامه، وكتب التاريخ؛ وكان عادلاً سخياً، حسن الخُلق فصيح الكلام حلوه، شجاعاً باسلاً يحسن الضرب بالسيف، وكان وسطاً في الرمي بالسهام، شديد اللكم لا يثبت للكمته مصارع.
وكان عمر شيخ مرزا قصير القامة مستدير اللحية بدينا ممتلئ الوجه، وكان لا يتكلف في ملبسه ومأكله، يلف عمامته لفة واحدة، وكانت العمائم إذ ذاك أربع لفات، وكان يلفها دون طيّ ويترك لها عذبة، ويلبس في أكثر أوقات الصيف خارج الديوان قلنسوة مغولية.
وبابر هو السليل الثالث عشر لجنكيز خان، فقد كانت أمه قُتلُق نكار ابنة يونس خان سليل جغطاي بن جنكيز خان، ويذكر بابر لها أنها رافقته أكثر أيام كفاحه وانتصاراته وهزائمه، وتوفيت سنة 911.
وتوفي الأب سنة 899، وهو في السادسة والعشرين، عندما انهار عليه برج حمام كان قد بناه، فآلت المملكة إلى ابنه الأكبر بابر الذي كان في الثانية عشرة من عمره، وكان في أندِجان لما بلغته وفاة أبيه، فانطلق على فرسه وقطع بسرعة البرق مسافة 50 كيلاً إلى قلعة فرغانة ليستلم زمام الأمور قبل أن يسبقه أعمامه الطامعون أويسلمه أمراؤه المتآمرون.
وكانت الخلافات والمعارك لا تكاد تتوقف بين أمراء الأسرة التيمورية، ذلك إن تيمور لم يترك منهجاً واضحاً في انتقال الحكم من السلف إلى الخلف ففتح ذلك الباب أمام مطامع الأمراء، كلٌ يرى في نفسه ملكاً وريثاً لجده تيمور، ما عليه إلا أن يأخذ عرشه ممن حوله من الملوك المتغلبين، ولم يكن الأب عمر ميرزا بعيداً عن ذلك، فقد كان يطمح أن يستعيد سمرقند عاصمة جده تيمور، وهي على بعد 300 كيل، ولما تولى بابر الحكم كان هذا ثاني هدف له، فقد كان هدفه الأول البقاء في الحكم في خضم المؤامرات التي تحيط بالملك الغر المستصغر.
وتمكن بابر من فتح سمرقند سنة 903 ولكن لم يدم له أمرها طويلاً فقد ثار عليه بعض أمرائه في فرغانة وعينوا أخاه جهانكير ملكاً، فعاد من سمرقند إليها ليقمع هذا التمرد، فانتهز على ميرزا صاحب بخارى هذه الفرصة واستولى على سمرقند، ولم ييأس بابر فجمع قواته واستولى عليها ثانية سنة 906، ولكن ملك الأزبك محمد الشيباني كان أقوى منه وأكثر تنظيماً فاستطاع هزيمته في سنة906، ودحره من سمرقند وفرغانة، بعد أن قاتله بابر عدة مرات دون أن يحقق انتصاراً حاسماً يعيد له ملكه الذاهب.
ويذكر بابر في قصة حياته أنه هُزم مرة ففر في ثمانية من أنصاره وتعقبهم العدو وأعيت الخيل، فتخلف بعض رفاقه، وبقي معه اثنان، فلما أعيا فرسه نزل له أحد الرفيقين عن فرسه، فسار حتى أعيا الفرس الثاني، فقدم إليه الرفيق الأخير حصانه، وسار وحده ووراءه اثنان من الأعداء حتى جن الظلام، فترجل وأوى إلى صخرة ليعتصم بها ويرمي من يتعقبه بالنبال.
ولجأ بابر طريداً شريداً إلى خاله في طشقند، ولكن رجلاً هذه همته وشجاعته وصبره لا بد له أن يحاول مُلكاً، وإذا أضفت لها صفات التواضع واحترام الناس والعدل رجحت أن يكون النجاح حليفه، ولذا تجمع تحت يده عدد من الأمراء الهاربين من الأُزبك، ولكنه تفادى أن يشتبك مع الشيباني خشية إخفاق جديد قبل أن يقوى جانبه، ولما عجز بابر عن استرجاع فرغانة يمم وجهه تلقاء كابل في أفغانستان، والتي كانت تمر بأزمة سياسية حادة.
كان ملك كابل أولغ بك مرزا قد توفي وترك طفلاً رضيعاً، فجاء الملك مكين بك من خارجها واستولى عليها، وسط معارضة شديدة من أهلها، ولما علم بابر بذلك عبر مع مجموعة من قواته ليست بالكبيرة جبال هندكوش وثلوجها، وفتح كابل سنة 911، وكانت هراة في الشرق عاصمة البلاد على الحقيقة من حيث الثروة والعلم، وكان ملكها حسين ميرزا تيموري الأصل مثل بابر، فتحالفا سوية لصد هجمات الشيباني، ولكن حسين ميرزا توفى ولم يرغب خليفتاه في خوض حرب، وما لبثا أن دفعا ثمن ترددهم عندما استولى الشيباني على هراة وأطاح بهم.
وبسقوط هراة لم يعد للتيمورين مملكة سوى مملكة كابل وملكها بابر، فانضم إليه كثير من أمراء التيمورين فاستعملهم على المناطق التي تحت سيطرته، واتخذ لقب باديشاه أي الإمبراطور، ولكن لم تصف له الأمور فواجه تمرداً في كابل استطاع قمعه، وبعده بسنتين تمرد عليه كبار قادته فاضُطر للخروج من كابل في عدد قليل من أنصاره، ولكنه ما لبث أن عاد واستولى عليها واستعاد ولاء كثير ممن خرجوا عليه، وفي سنة 916 استطاع الشاه إسماعيل الصفوي هزيمة وقتل محمد الشيباني، فزال من وجه بابر منافس قوي عنيد.
واستغل بابر الفراغ الذي خلفه مقتل الشيباني واستولى على كثير من أراضي التيموريين، وتحالف مع الشاه إسماعيل الصفوي لتقاسم ممالك آسية الوسطى، ومقابل مساعدته له قبل بابر أن يكون في صورة ملك خاضع للصفويين، وأصبح بذلك في نظر السلطنة العثمانية حليفاً لألد أعدائها، فساعدت أحد خصومه وهو عبيد الله خان، وأمدته بالمدافع، ولكنها ما لبثت  أن صالحته خشية أن ينضم فعلياً إلى الصفويين، وارتأت أن تقويه ليستغني عنهم، فأمدته بالمدافع وبنادق البارود وأرسلت مدرباً قام بتدريب جنوده على استخدامها وتكتيكاتها.
ولأن استعادة سمرقند كانت لا تبرح مخيلته، قام بابر في سنة 919 بحملة لاسترداد سمرقند، ونجح في أخذها هي وبخارى، ثم ما لبث أن خسرهما عندما هاجمه الشيبانيون، فعاد إلى كابل وقد تخلى عن هذا الحلم، وأمضى السنوات العشر القادمة في كابل وهو يكابد من تمرد القبائل الأفغانية وتآمر أمرائه وأقاربه عليه، ورغم أن تلك الفترة كانت فترة سلام نسبي إلا أن بابر أمضاها وهو يبنى جيشه ويدربه أحدث تدريب على فنون القتال، وقاده في حملات عبر الجبال الشرقية غزت المناطق الهندية القريبة، والتي كانت ذات ثروات أفضل كثيراً من ثروات أفغانستان آنذاك.
وفي سنة 928 استولى بابر على قندهار في شرقي أفغانستان، فاستطاع تقصير خطوط إمداده إذا أراد غزو الهند، وقام بابر في السنوات التالية بثلاث هجمات على البنجاب دون أن يفلح في تثبيت أقدامه فيها إزاء تشكك أمرائها في نواياه وتآمرهم عليه لكيلا يطول مقامه.
وكان شمال الهند يقع تحت حكم الأسرة اللودية البشتونية الأفغانية الأصل، تحكمه منذ أن أسس السلطان بهلول مملكته في البنجاب سنة 855، وتوسعت مملكته لتصل إلى حدود البنغال خلال حكمه الذي امتد 39 سنة، وتلاه ابنه اسكندر الذي استولى على بيهار وأسس مدينة اسكندرآباد قرب أكرا، واستمر حكمه 29 سنة، وخلفه ابنه إبراهيم الذي تولى الحكم سنة 1517.
وكان إبراهيم متغطرساً قاسياً يحب الأبهة والمظاهر، أبعد كبار الأمراء من حوله وقرب صغارهم، فاستاء منه أمراء الدولة اللودية، وتكبر عليهم فسخطوا عليه وكرهوا حكومته، فاجتمع بعضهم حول أخيه جلال وثار آخرون عليه، فقمع تمردهم بالقوة الشديدة وقتل عدداً من الأمراء، وكان على وشك أن يعزل الأمير دولة خان لودي عن إمارة لاهور، وإزاء ذلك أرسل دولة خان رسالة إلى بابر في كابل يلتمس معونته على إبراهيم، وكانت هذه فرصة لن يضيعها بابر، وأمنية جاءت إلى باب إمارته، فقد عرف من قبل ضعف السلطنة اللودية وكان ينتهز الفرصة المناسبة للانقضاض على البنجاب وضمها إلى مملكته، فقد كانت من قبل ضمن مملكة جده تيمور لنك.
وفي سنة 930 حشد بابر جيوشه وسار إلى لاهور عاصمة إقليم البنجاب ليجد جيوش دهلي قد هزمت أمير البنجاب المتمرد دولة خان لودي، فانقض عليهم بجيشه وهزمهم، ثم أسرع جنوباً ففتح بلدة ديبل بور، وهي اليوم على حدود الباكستان مع الهند، وأعطى دولة خان وأبناءه بلدتي جلندور وسلطانبور وترك لاهور تحت سيطرته، ولم يقبل هذا دولة خان وهرب ليجمع قواته ثم يحارب بابر، ولكن ابنه ديلوار قبل ذلك، وفي أثناء ذلك شن الأزبكيون هجوما على بلخ، مزار شريف اليوم، فقفل بابر عائداً إلى أفغانستان ليقاتلهم، وترك بعض القوات مع علاء الدين علم خان لودي، عم إبراهيم لودي، ليقوم بالزحف على دهلي وأخذها من ابن أخيه، ولكن ذلك الهجوم فشل فشلاً ذريعاً.
وفي أثناء محاولته الخامسة كاد بابر أن يعود أدراجه إلى عاصمته كابل بعد أن بلغه هجوم الأزبكين عليها، ولكن عماً آخر لإبراهيم هو علم خان استنجد به لينصره على إبراهيم، فقرر بابر أن يجرب حظه لمرة أخرى، فكان النصر حليفه.
وقرر بابر أن يسير هو على رأس جيشه فسار في المحرم من عام 932، ولما اقترب من بِشاور جاءته الأنباء المحبطة أن دولة خان انضم إلى إبراهيم لودي، وطرد علم خان، فسارإلى بشاور فهرب من وجهه جيش دولة خان الذي استسلم فعفا بابر عنه، وسار منها يبسط سلطانه في البنجاب حتى استتب له الأمر بعد قرابة 20 يوماً، وأصبح ملك البنجاب دون منازع يؤبه له.
وتابع بابر حملته باتجاه دهلي حتى وصل إلى بلدة تدعى بانيبات، تبعد عنها 50 كيلاً، وواجه جيش إبراهيم لودي في مبادرة جسورة، وكان جيش إبراهيم يبلغ 100.000 جندي معهم 100 فيل، أما بابر فكان على رأس 12.000 مقاتل، ورغم التفوق العددي الكبير لجيش دهلي فإن جيش بابر كان يتمتع ببعض المزايا التي جعلت كفة المعركة ترجح لصالحه، فقد كان مقاتلوه مخضرمين أشداء عركتهم الحروب وخبروا المعارك، وكان اعتمادهم على هجمات الخيالة السريعة من كر وفر، وإلى جانب هذا كان معهم حوالي 20 مدفع ميداني مما أعطاهم السلطان العثماني، وفي المقابل كان جيش لودي يعتمد على أساليب قتالية عتيقة ويشيع في قادته التذمر والشقاق.
وللتغلب على التفوق العددي لخصمه قام بابر بجعل مدينة بانيبات يمين جيشه لتحميه من التفاف الخصم، وحمى ميسرته بأن حفر خندقاً كبيراً وغطاه بغصون الأشجار ليقع فيه المهاجمون، ووضع 700 عربة في قلب جيشه بعد أن ربطها بالحبال ووضع رماة البارود وراءها، وترك بينها مسافة تسمح لخيالته بالخروج والانقضاض منها، ولما جاء إبراهيم بجيشه اضطر إلى أن يحارب على جبهة ضيقة فأسرعت خيالة بابر بالالتفاف عليه، وصار جيشه تحت نيران المدافع والبارود من أمامه وهجمات الخيالة من أطرافه، فلم تمض ساعات قليلة حتى انهار جيش لودي وقتل الملك إبراهيم في المعركة مع 15.000 قتيل من جنوده، وانتهت بمقتله الدولة اللودية في الهند.
وكأي زعيم عسكري محنك قام باربر باستثمار انتصاره دون تردد، فسار إلى دهلي وخطبت باسمه الجمعة في 14 رجب، ثم سار منها إلى أكرا وأنشأ حديقة بديعة على ضفاف نهر جمنى لا تزال قائمة إلى اليوم، وفرق على جنوده ما حصل عليه من غنائم، ولم يدخر منها شيئاً، فازدادت حماستهم ورغبتهم في القتال، ورغم هذه البداية القوية بدا أن انتصاره الحاسم السريع شبيه بانتصاراته السابقة في سمرقند، لن يلبث قليلاً حتى يتحول إلى هزيمة منكرة.
وذلك إنه كان بعيداً مسافة 1.300 كيل عن عاصمته كابل، في حر الهند الذي لم يألفه جنوده، ثم إن نظراءه من الأمراء الأفغان الذين احتلوا نهر الكنج كانوا قوة من شانها أن تطيح به يوم يتتناسون خلافاتهم ويوحدون كلمتهم، وإلى الجنوب كانت هناك مملكتا ملوا وكجرات الهندوسيتين وكلاهما أقوى منه بكثير، ومن ورائهما تحالف إمارات راجستان الذي يقوده الملك رانا سانجرام سينغ، والذي كان يهدد كل الوجود الإسلامي في شمالي الهند.
وواجه بابر ما واجهه الإسكندر في فتحه للهند، فقد سرت في جيشه بوادر حركة تذمر تدعو لترك الهند وحرها والعودة إلى أفغانستان وأفيائها، وكان خصومه قد حرقوا الحقول ودمروا المحاصيل فما بقي من الطعام والأعلاف إلا قليل، فلجأ إلى التعبئة المعنوية وجمع قواته وخطب فيهم قائلاً: إن عدواً قوياً قد هُزِم، وإن تحت أقدامكم مملكة عظيمة، فهل نترك كل ما كسبنا بعد أن بلغنا الغاية التي سعينا إليها ونفر إلى كابل كأننا جيش مهزوم مطارد؟ من كان يزعم أنه صديقي فليقلع عن هذه الوساوس، ومن لم يستطع أن يقسر نفسه على البقاء فليذهب. فهدأت الأمور ولو إلى حين.
وحشد تحالف راجبوت جيشاً كبيراً يزيد على 120.000 مقاتل معهم30.000 حصان و500 فيل، وانضم إليهم الأمير محمود من الأسرة اللودية، ولكن نجاحهم الكبير كان حين انضم إليهم أمير مسلم راجبوتي هو راجا حسن خان، وفي المقابل كانت قوات بابر لا تتجاوز 25.000 جندي، كثير منهم لا يرغبون في القتال، فيما خصومهم الراجبوتيون مشهورون بقوة المراس وشدة البأس.
وحاول بابر شق الصف الراجبوتي، فأطلق سراح أمير راجبوتي مسلم كان قد أسره في معركة بانيبات، وأرسله معززاً مكرماً إلى والده خان زاده حسن خان الذي كان أحد قواد التحالف المهمين والمحترمين بين مسلمي الهند، وكان يأمل أن يقع معروفه  من خان زاده بمحل يجعله يترك تحالفه مع الهندوس، ولكن ذلك لم يحصل، بل اعتبر الأب أن إطلاق بابر لسراح ابنه يكشف ضعفه وخوفه من قوات راجبوت.
وقيّم بابر الموقف تقييماً صحيحاً ودقيقاً، وأدرك أنه إزاء أكبر جيش واجهه في حياته من حيث العدد والشجاعة، فبدأ في حشد قواته استعداداً لخوض معركة فاصلة، وأعرض عن كل المعارك الجانبية، فسحب أغلب قواته من أكرا، وأمر ابنه همايون أن يعود من حملته في جانبور وينضم إليه، ولتقوية الروح المعنوية في جنوده استصدر فتوى من علماء المسلمين برِدَّة خان زاده الذي يحارب المسلمين تحت راية الكافرين الهندوس، ولكن كل ذلك لم يفلح في إزالة الخوف تماماً من قلوب جنوده.
وبقي بابر يحشد قواته ويعد للمعركة 25 يوماً، واتفق مع قواده على عدد من الخطط والخطط البديلة، وأجرت مدفعيته تمارين مما يشبه المناورات اليوم، وحيث لم يكن له كبير ثقة ببعض حلفائه من أمراء الهند ارتأى أن يخوض المعركة بدونهم، وأرسلهم مدداً لبعض الحاميات، واختار بابر أرض المعركة وأرسل من حفر فيها الآبار ليتوفر الماء لمقاتليه، وسار إليها في جيشه وهم على أهبة الاستعداد خشية أن يطرقهم العدو على حين غرة  وهم في مسيرهم، ولما وصلوا قريباً من جيش راجبوت حدث اشتباكان جانبيان معه كان الدائرة فيهما على قوات بابر وخسروا عديداً من القتلى والأسرى، وأدرك جنوده أن هذا الخصم أعتى من كل خصم قاتلوه من قبل، فدب الخوف في قلوبهم أكثر من ذي قبل، حتى إن أولاده أبدوا يأسهم من الانتصار وتراءت لهم الهزيمة المحتومة.
ولكن بابر وقد عرك المعارك وذاق حلوها ومرها لم يظهر أي تردد أو رهبة، وجاءه في أثناء ذلك مدد من كابل قوامه 500 فارس فتفاءل به، ولكن قادته تساءلوا ما عسى أن يفعل هؤلاء إزاء جيش أصبح عدد فرسانه 120.000 فارس؟! 
وأخيراً طرق بابر أبواب من لا يخيب سائله وأقلع عن الذنوب والمعاصي، فألغى الضرائب والمكوس، وأعلن توبته عن شرب الخمر، وهي عادة مغولية عريقة مستحكمة، وأمر بإراقة دنانها، وكسر أدواتها من كؤوس الذهب والفضة وفرقها على الفقراء والمساكين، وقال: اقتلعنا أسباب المعصية بقرع أبواب الإنابة. وتذلل لله وخضع له، ثم جمع جنده فخطب فيهم قائلاً: أيها الأمراء والجند، لا بد لمن يجيء لهذا العالم أن يفارقه؛ وإنما البقاء لله الذي لا يتغير. وكل من جلس على مائدة الحياة شارب كأس الموت لا محالة، وكل من طرق نزل الفناء هذا فهو لا بد راحل يوماً عن دار الحزن.
وأولى بنا أن نموت أحراراً من أن نعيش أذلاء، وإن من فضل الله علينا أن ضمن لنا إحدى الحسنيين، فإن متنا متنا شهداء، وإذا ظفرنا ظفرنا في سبيله. هلموا نقسم جميعاً بالله العظيم ألا نفر من هذا الموت، وألا نرهب مآزق الحرب حتى تفارق أرواحنا أجسادنا.
وأقسم الجيش كله أمراؤه وجنوده على القتال حتى النصر أو الشهادة، وارتفعت معنوياته ارتفاعاً لم يسبق له مثيل، ولما ضمن بابر الروح المعنوية العالية في جنوده تحرك من معسكره باتجاه العدو، ولكن حركته كانت في تشكيل دفاعي، لأن خطته كانت تقضي الاقتراب من العدو يوماً بعد يوم، وكان هو على فرسه برفقة جنوده يوجههم ويدربهم، ولما اقتربوا من مكان التخييم هاجمتهم قوة راجبوتية سمعت باقترابهم، فلم يتعرض لها بقوة كبيرة بل دفعها حتى نزل جنوده وعسكروا ثم أرسل وراءها مجموعة من خيالته فاشتبكت معها ودحرتها وعادت برؤوس القتلى على الرماح فكان ذلك قفزة أخرى في معنويات جنوده.
وأعد بابر قواته في تشكيلات جمعت بين الدفاع والهجوم، فقد وضع رماته ومدافعه وراء المتاريس، ولكنه أعد خيالته لتلتف على جوانب العدو في الفرصة المناسبة، وجنَّب جزءاً من جنوده في قوة احتياطية تدخل في المعركة لصد الانكسار أو ترجيح الكفة.
وجرت المعركة في منطقة اسمها خانوا قرب فاتح بور في 13 جمادى الأولى سنة 933، ولما استمرت عدة ساعات استغل بابر قواته الاحتياطية في الضغط على عدوه، وكانت خيالته ومدفعيته الميدانية تتحركان بمرونة فائقة، فصارت الفيلة تهرب وتدوس جنود راجبوت في طريقها وعمت الفوضى، وحاول مقاتلو راجبوت موجة تلو الموجة أن يهاجموا المدافع لإسكاتها ولكن جنود بابر كانوا يبيدونهم، ومع حلول المساء حلت بقوات راجبوت هزيمة منكرة، وانسحبوا مخلفين عشرات الآلاف من قتلاهم في ساحة المعركة.
وتعقبهم بابر بنفسه إلى معسكرهم لئلا يمنحهم فرصة لتجميع قواتهم من جديد، فاستمروا في الهرب، فبقي هو عند المعسكر وأرسل وراء القائد الراجبوتي رانا بعضاً من قواده ولكنه تمكن من الهرب ومات بعدها بسنة تقريباً.
وانتهى بهذه المعركة أكبر وأخطر تحد واجهه بابر، وكان من قبل هذه المعركة قد خرج عليه كثير من المتمردين مستغلين ضعفه، فانطلق يقضي عليهم واحداً بعد الآخر في مواقع كثيرة، وجعل أكرا عاصمة مملكته الجديدة، وعاش بابر بعد هذه الموقعة الأخيرة سنة ونصف سنة، قبل أن تدركه فيها المنية في 6 جمادى الأولى سنة 937، وهو في التاسعة والأربعين من عمره، ثم نقل جثمانه إلى كابل بوصية منه، وخلفه ابنه الأكبر همايون.
رأينا من سيرة بابر أنه كان زعيماً بارعاً وقائداً شجاعاً ومقاتلاً محنكاً أمضى معظم حياته في الأسفار والحروب، ولكنه يتفرد بين القادة والزعماء على مر العصور بأنه كان كذلك مولعاً بالآداب والفنون، يقرأ الشعر وينظمه، ويعجب بالأبنية الجميلة، ويهتم بتنسيق الحدائق وغرس الأزهار، ويكلَفُ بالغناء والموسيقى، وله ديوان صغير بالتركية تتخلله قطع فارسية.
وعن كتابه بابر نامه قال الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله: هو في موضوعه نادرة من نوادر التاريخ؛ فما عرفنا قبل بابر ملكا أمضى حياته في عراك الحوادث ثم استطاع أن يصف مشاعره، ويسجل وقائع سيرته، وسيرة أقاربه وأعوانه في بيان واضح مفصل بعيد من التكلف، يتجلى فيه اهتمام الكاتب بما يرى ويسمع ودقته في الإدراك والوصف... وهو في لغته وأسلوبه ذخيرة أدبية ... والكتاب بعد هذا وذاك فصول ممتعة بل ساحرة يكلف بقراءتها كل من حاولها، فعرف ما تبعث في نفس القارئ من سرور وإعجاب وما تتضمن من فوائد للعلم والأدب والتاريخ.
ويعتبر بابر بطلاً وطنياً في أزبكستان، وقائداً إسلامياً عظيماً في إيران وأفغانستان والباكستان التي أطلقت اسمه على أحد صواريخها البعيدة المدى، ولا يكتمل الحديث عن بابر دون الحديث عن المسجد البابري في أيوديا الذي ينسب إليه والذي هدمه متطرفو الهندوس في سنة 1992بدعوى أن بابر هدم معبداً للإله راما وأقام المسجد على أنقاضه،  وهي دعوى أثبتت أبحاث مصلحة الآثار الهندية أنها غير صحيحة.
دامت الإمبراطورية المغولية في الهند قرابة 235 سنة، ولم تسمح الفترة القصيرة التي عاشها بابر بعد انتصاره إلا بإرساء حجر أساسها، وعانى ابنه همايون مما عانى منه أبوه من كيد الأقارب والمتمردين، وكان حفيده السلطان أكبر هو الذي شاد بنيانها فقد كان سياسياً ماهراً في تألف العامة والخاصة على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، ودام حكمه 50 سنة ازدهرت فيها المشاريع العمرانية والعلوم والآداب والإصلاحات الإدارية والمالية التي خففت كثيراً من الأعباء على الطبقات الفقيرة.
هذه صفحة من تاريخ الإسلام في شرق المعمورة، وما أزهدنا في بلاد العرب بتاريخ ولغة وحضارة الهند والصين وغيرها من هذه البلدان والشعوب، وفيها إخوان لنا في الدين والتاريخ والعادات والتقاليد، ولنا معها مصالح وفيها لنا معايش، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.

 

الجمعة، 9 مايو 2014

حدث في الثاني من رجب


في الثاني من رجب من سنة 725 خرج شاب في الثانية والعشرين من عمره من طنجة بالمغرب الأقصى ليبدأ رحلة تستغرق منه سنوات، وهي الأولى من عدة رحلات جعلته من أعظم الرحالة في تاريخ العالم، إن لم يكن أعظمهم، ذلكم هو ابن بطوطة، محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي.

ولد ابن بطوطة سنة 703، ولا تفيدنا مصادر التاريخ عن والديه وأهله، سوى أنه ولد ونشأ في طنجة، وكان على جانب من العلم بالمذهب المالكي جعله أهلاً لأن يكون قاضياً فيما بعد، كما أنه كان يقرض الشعر، وله ترجمته مكررة في أغلب ما راجعته من كتب التراجم،  تدور حول مولده ورحلته، بل إننا لا نعرف لماذا أُطلق عليه ابن بطوطة، وحتى الزَبيدي المعروف بتعقبه، والذي يذكره عند ذكر الأماكن التي زارها، يذكره في مستدركاته دون كثير إفادة عن اسمه.

ولعل أقرب معاصر ترجم له هو لسان الدين بن الخطيب، محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني اللوشي، المولود سنة 716 والمتوفى سنة 776، وذلك في كتابه الإحاطة في أخبار غرناطة، وهو في ذاك ناقل عن شيخه أبي البركات ابن الحاج البلفيقي، المولود سنة 680 والمتوفى سنة 771، وذلك في كتابه المؤتمن على أنباء أبناء الزمن. قال ابن الخطيب: مِن خَطِّ شيخنا أبي البركات، قال: هذا رجل لديه مشاركة يسيرة في الطلب، رحل من بلاده إلى بلاد المشرق يوم الخميس الثاني من رجب عام 725، فدخل بلاد مصر والشام والعراق، وعراق العجم، وبلاد الهند والسند، والصين، وصين الصين، وبلاد اليمن... واستقر عند ملك الهند، فحظي لديه، وولاه القضاء، وأفاده مالاً جسيماً. وكانت رحلته على رسم الصوفية زيا وسجية، ثم قفل إلى بلاد المغرب، ودخل جزيرة الأندلس، فحكى بها أحوال المشرق، وما استفاد من أهله، فكذب. وقال: لقيته بغرناطة، وبتنا معه ببستان أبي القاسم ابن عاصم بقرية نبلة، وحدثنا في تلك الليلة، وفي اليوم قبلها عن البلاد المشرقية وغيرها، فأخبر أنه دخل الكنيسة العظمى بالقسطنطينية العظمى، وهي على قدر مدينة مسقفة كلها، وفيها 12.000 أسقف. وانتقل إلى العَدْوة، أي المغرب، فدخل بلاد السودان، ثم تعرف أن ملك المغرب استدعاه، فلحق ببابه. وأمر بتدوين رحلته. وعلق ابن الخطيب على قول شيخه عن كذب ابن بطوطة، فقال: وأحاديثه في الغرابة أبعد من هذا.

ويبدو أن السلطان جعل ابن بطوطة قاضياً في تَامَسْنَا جنوبي فاس، لأن ابن الخطيب في كتابه الآخر نفاضة الجراب في علالة الاغتراب، يورد نص رسالة خاطب بها ابن بطوطة القاضي بتَامَسْنَا لكونه أخذ أرضاً زراعية بجوار أرضه.

وبسبب قلة المصادر ونزارة ما ذكرته فلا بد أن نعتمد على كتاب ابن بطوطة الذي روى فيه أخبار رحلاته، والذي أسماه تحفة النُظَّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، وأملاه أواخر سنة 756 وذلك بأمر من السلطان المتوكل على الله أبي عنان المريني، وكتبه أديب كبير من أدباء عصره، هو ابن جُزَي الكلبي الغرناطي، وانتهى منه أول سنة 757.

وقبل أن نستعرض رحلات ابن بطوطة ونبحث عما في ثنايها، ينبغي أن نتحدث قليلا عن السلطان المتوكل على الله الذي أمر بكتابة الرحلة، وعن ابن جزي الشاعر المؤرخ الذي كتبها، وعن رحالة أندلسي سابق يذهب بعض الباحثين إلى أن ابن بطوطة تأثر به واقتفى مسار رحلاته، هو ابن جُبير الأندلسي.

والمتوكل على الله أبو عنان المريني هو فارس بن علي بن عثمان بن يعقوب المريني، المولود سنة 729 والمتوفى سنة 759،  أحد ملوك الدولة المرينية بالمغرب. ولد بفاس ونشأ محبوبا في قومه لفضله وعلمه، وولاه أبوه إمارة تلمسان ثم ثار على أبيه، وبويع في حياته سنة 749، واستتب أمره لما مات أبوه سنة 752، فدخل تلمسان وانتظم له أمر المغرب الأوسط، وقصد إفريقية سنة 758 فانتزع قسنطينة وتونس من أيدي الحفصيين، ولقي منيته على يد وزيره، فقد مرض أياما فدخل عليه وزيره الحسن بن عمر الفودودي فقتله خنقا. وكان أبو عنان فارسا شجاعا يقوم في الحرب مقام جنده، فقيها يناظر العلماء، كاتبا بليغا شاعرا، له آثار من مدارس وزوايا.

أما ابن جُزَي فهو محمد بن محمد ابن جزي الكلبي، المولود بغرناطة سنة 721 والمتوفى بفاس سنة 757، فقد كان والده من أعلام الأندلس، وكان هو بارزاً في شعره ونثره منذ حداثته في غرناطة، واستكتبه أمير المؤمنين فيها أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل الأحمر النصري، المولود سنة 718 والمقتول سنة 755، ثم جار عليه مرة فضربه بالسياط من غير ذنب اقترفه، ففارقه وانتقل إلى المغرب سنة 753، فأقام بفاس وحظي عند ملكها المتوكل على الله أبي عنان المريني حتى توفي بها.

أما الرحالة ابن جبير فهو محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي، المولود في بلنسية سنة 540 والمتوفى بالإسكندرية سنة 614، الذي كانت له ثلاث رحلات، وترك لنا كتابه رحلة ابن جبير، ويظهر للمتأمل في كتابيهما أن هناك تشابهاً في بعض طريق رحلتيهما، ولكن ابن بطوطة لا يتطرق لذكر ابن جبير إلا في كليمات ينقلها عنه في حلب ودمشق وبغداد، وهو في هذا ناقل عن رحلته، لا متقص لخطواته.

وأول ما يلفت نظرنا في كتاب الرحلة هو قول ابن جزي عن ابن بطوطة: الشيخ الفقيه السائح الثقة الصدوق، جوال الأرض، ومخترق الأقاليم بالطول والعرض، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي المعروف بابن بطوطة، المعروف في البلاد الشرقية بشمس الدين، وهو الذي طاف الأرض معتبراً، وطوى الأمصار مختبراً، وباحثَ فِرَقَ الأمم، وسبر سِيرَ العرب والعجم...

ثم يقول ابن جزي مشيراً لأمر السلطان بكتابة الرحلة، ولمنهجه هو في كتابة ما أملاه ابن بطوطة: وصدر الأمر العالي لعبد مقامهم الكريم، المنقطع إلى بابهم، المتشرف بخدمة جنابهم، محمد بن محمد ابن جزي الكلبي، أعانه الله على خدمتهم، وأوزعه شكر نعمتهم، أن يضم أطراف ما أملاه الشيخ أبو عبد الله من ذلك، مشتملاً في تصنيف يكون على فوائده مشتملا، ولنيل مقاصده مكملا، متوخياً تنقيح الكلام وتهذيبه، معتمداً إيضاحه وتقريبه... ونقلتُ معاني كلام الشيخ أبي عبد الله بألفاظ موفية للمقاصد التي قصدها، موضحة للمناحي التي اعتمدها، وربما أوردت لفظه على وضعه، فلم أخل بأصله ولا فرعه، وأوردت جميع ما أورده من الحكايات والأخبار، ولم أتعرض لبحث عن حقيقة ذلك ولا اختبار، على أنه سلك في إسناد صحاحها أقوم المسالك، وخرج عن عهدة سائرها بما يشعر من الألفاظ بذلك، وقيدتُ المُشكِل من أسماء المواضع والرجال بالشكل والنقْط، ليكون أنفع في التصحيح والضبط، وشرحت ما أمكنني شرحه من الأسماء العجمية، لأنها تلتبس بعُجمتها على الناس، ويخطئ في فك معماها معهود القياس...

وابتدأ ابن بطوطة أول وأطول رحلة له في الثاني من رجب سنة 725، بقصد الحج إلى بيت الله الحرام، فاتجه من طنجة جنوباً إلى فاس ثم تلمسان ثم شمالاً إلى الجزائر ثم تونس، حيث انضم إلى قافلة الحاج وتعين قاضياً فيها.

واتجه الركب إلى صفاقص، حيث عقد ابن بطوطة على ابنة أحد وجهائها، واصطحبها معه، ودخل عليها بعد شهر قرب طرابلس الغرب، وهو زواج لم يدم طويلاً، فقد: وقع بيني وبين صهري مشاجرة، أوجبت فراق بنته، وتزوجت بنتاً لبعض طلبة فاس وبنيت بها، وأولمت وليمة حبست لها الركب يوماً وأطعمتهم.

ثم سار الحجيج بموازاة ساحل البحر حتى وصل الإسكندرية، وأقام فيها ثلاثاً في ضيافة برهان الدين الأعرج، أحد كبار الزهاد وأفراد العباد، والذي تنبأ لابن بطوطة بزيارة الهند والصين، ولقاء ثلاثة من كبار المتصوفة فيها، وهو أمر لم يكن بخاطر ابن بطوطة قبلها.

ووصل يطوطة القاهرة، وقال فيها: هي أم البلاد، وقرارة فرعون ذي الأوتاد، ذات الأقاليم العريضة والبلاد الأريضة، المتناهية في كثرة العمارة، المتناهية بالحسن والنضارة، ومجمع الوارد والصادر، ومحل رحل الضعيف والقادر، وبها ما شئت من عالم وجاهل، وجاد وهازل، وحليم وسفيه، ووضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكر ومعروف، تموج موج البحر بسكانها، وتكاد تضيق بهم على سعة مكانها وإمكانها.

ثم اتجه جنوباً نحو أسيوط فإسنا فعيذاب على شاطئ البحر الأحمر ليركب السفينة إلى رابغ، فإذا بالمعارك تدور بين حكام مصر المماليك وبين قبائل البَجة من أهل النوبة، وقد خرّق هؤلاء المراكب، فتعذر السفر، وعاد أدراجه إلى القاهرة وقد نوى أن يسافر إلى الحجاز مع الحاج الشامي عن طريق بلاد الشام.

وفي شعبان سنة 726 اتجه إلى الشام عن طريق غزة فعسقلان حتى وصل صور فطرابلس فحمص فحماة فحلب فأنطاكية، ثم عاد عن طريق الساحل إلى أن وصل القُصير ثم حمص، وعن سواحل الشام يقول ابن بطوطة: وأكثر أهل هذه السواحل هم الطائفة النصيرية، الذين يعتقدون أن علي بن أبي طالب إله، وهم لا يصلون ولا يتطهرون ولا يصومون، وكان الملك الظاهر ألزمهم بناء المساجد بقراهم، فبنوا بكل قرية مسجداً بعيداً عن العمارة ولا يدخلونه ولا يعمرونه.

ووصل ابن بطوطة دمشق ويتحدث عنها حديثاً مطولاً في وصفها ووصف مسجدها وصفاً دقيقاً، طوله وعرضه، وعدد سواريه، ووصْفُ ابن بطوطة لهذه المعالم وأمثالها، وحديثه عن المشايخ والعلماء والوجهاء الذين قابلهم، وتاريخِ لقائه بهم، يدعو إلى ترجيح أنه احتفظ ببعض المذكرات عن رحلاته، أو أنه كان يتمتع بذاكرة قوية مباركة بقيت فيها كل هذه التفاصيل الدقيقة والأسماء المختلفة.

ويذكر ابن بطوطة أن: الأوقاف بدمشق لاتحصر أنواعها ومصارفها لكثرتها، فمنها أوقاف على العاجزين عن الحج، يعطى لمن يحج عن الرجل منهم كفايته، ومنها أوقاف على تجهيز البنات إلى أزواجهن، وهن اللواتي لا قدرة لأهلهن على تجهيزهن... ومنها أوقاف على تعديل الطرق ورصفها لأن أزقة دمشق لكل واحد منها رصيفان في جنبيه يمر عليهما المترجلون، ويمر الركبان بين ذلك، ومنها أوقاف لسوى ذلك من أفعال الخير... مررت يوماً ببعض أزقة دمشق فرأيت به مملوكاً صغيراً قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصيني، وهم يسمونها الصحن، فتكسرت واجتمع عليه الناس فقال له بعضهم: اجمع شقفها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني. فجمعها وذهب الرجل معه إليه فأراه إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن. وهذا من أحسن الأعمال فإن سيد الغلام لا بد له أن يضربه على كسر الصحن، أو ينهره وهو أيضاً ينكسر قلبه، ويتغير لأجل ذلك، فكان هذا الوقف جبراً للقلوب، جزى الله خيراً من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا.

وتزوج ابن بطوطة في دمشق زوجة أصلها من مكناس، ثم مالبث أن رافق ركب الحج الشامي إلى المدينة المنورة فمكة المكرمة، ليحضر حج سنة 726، ويمتعنا بملاحظاته عن الأماكن التي يمر بها وأهليها، ويقول من جملة صفحات طويلة عن أهل مكة المكرمة ومراسمهم في الشهور والحج: ولأهل مكة الأفعال الجميلة والمكارم التامة والأخلاق الحسنة، والإيثار إلى الضعفاء والمنقطعين، وحسن الجوار للغرباء، ومن مكارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمة يبدأ فيها بإطعام الفقراء المنقطعين المجاورين، ويستدعيهم بتلطف ورفق وحسن خلق، ثم يطعمهم... وأهل مكة لهم ظرف ونظافة في الملابس وأكثر لباسهم البياض فترى ثيابهم أبداً ناصعة ساطعة.

 ورجع ابن بطوطة مع حجيج العراق حتى وصل النجف فالبصرة، ويصف أهلها: لهم مكارم أخلاق وإيناس للغريب وقيام بحقه، فلا يستوحش فيما بينهم غريب. ومن البصرة ذهب إلى عبادان وقرر أن يذهب إلى بغداد بالاتجاه شمالاً إلى عراق العجم، وهو شرقي إيران اليوم، ثم يتجه غرباً إلى بغداد، ويبرر ذلك بقوله: ومن عادتي في سفري أن لا أعود على طريق سلكتها ما أمكنني ذلك.

وفي تُستر، وهي اليوم شوشتر، نزل ضيفاً على الشيخ شرف الدين موسى ابن صدر الدين سليمان، وشاهد مجلساً له حضره  فقهاء المدينة وكبراؤها، فأجاد فيه إجادة قال عنها ابن بطوطة: صغر لدي كل واعظ رأيته قبله بالحجاز والشام ومصر، ولم ألق فيمن لقيته مثله. وبعد الدرس ترامت على الشيخ الرقاع من كل ناحية. ومن عادة الأعاجم أن يكتبوا المسائل في رقاع، ويرموا بها إلى الواعظ، فيجيب عنها، فلما رمي إليه بتلك الرقاع جمعها في يده، وأخذ يجيب عنها واحدة بعد واحدة بأبدع جواب وأحسنه.

وتابع ابن بطوطة رحلته إلى أصفهان فشيراز، ويصف أهلها بقوله: وأهل شيراز أهل صلاح ودين وعفاف وخصوصا نساؤها، وهن يلبسن الخفاف، ويخرجن ملتحفات متبرقعات فلا يظهر منهم شيء ولهن الصدقات والإيثار. ومن شيراز يتابع رحلته إلى الكوفة فكربلاء فبغداد التي أعجبته حماماتها، ويصف لنا بدقة مراسم السفر لدى ملك العراق، ويرحل من بغداد إلى تبريز ويلتقي بسلطانها ويعلمه بنيته في العودة للحج في الحجاز، فأمر له بما يحتاجه في سفره، وحيث بقي لموعد سفر الركب أكثر من شهرين، سافر ابن بطوطة إلى الموصل وديار بكر مروراً بسامراء وتكريت، ثم يعود لينضم إلى موكب الحجاج ويحج للمرة الثانية في عام 727.

ومن مكة يتجه بعد موسم الحج إلى جدة ليسافر في البحر إلى اليمن ويمر في طريقه بمجموعة من الزهاد المتعبدين فتعجبه عبادتهم وبساطة حياتهم ويتمنى لو أقام معهم بقية العمر، ويصل إلى زَبيد ويقول: وعلماء تلك البلاد وفقهاؤها أهل صلاح ودين وأمانة ومكارم وحسن خلق.

ومن زبيد إلى تعز فصنعاء فعدن التي يصف أهلها بأنهم: أهل دين وتواضع وصلاح ومكارم أخلاق، يحسنون إلى الغريب، ويؤثرون الفقير، ويعطون حق الله من الزكاة على ما يجب. ومن عدن يبحر إلى مدن الساحل في شرق أفريقية يمكث في كل واحدة بضعة أيام، فيصل زيلع ثم منها في البحر ثانية إلى موقاديشو عاصمة الصومال اليوم، ويشير إلى كثرة سكانها ونشاطها التجاري البحري المنظم، وقرب سلطانها من شعبه، ومن موقاديشو يبحر إلى ممباسا قبل أن يعود منها إلى ظَفَار في عمان التي كانت ميناء من أراد السفر للهند من بحر العرب.

يقول ابن بطوطة عن ظفار: ومن الغرائب أن أهل هذه المدينة أشبه الناس بأهل المغرب في شؤونهم... وأكثر أهلها رؤوسهم مكشوفة، لا يجعلون عليها العمائم، وفي كل دار من دورهم سجادة الخوص، معلقة في البيت، يصلي عليها صاحب البيت، كما يفعل أهل المغرب.

ومن ظفار يعبر الفيافي والقفار إلى عمان ثم يبحر إلى الشط الفارسي من الخليح فيزور مدينتا لار وسيراف، ثم يبحر ثانية إلى الشط العربي فيزور الأحساء والقطيف، ويقول عن أهلها: رافضية غلاة، يظهرون الرفض جهاراً، ويقول مؤذنهم في أذانه بعد الشهادتين: أشهد أن علياً ولي الله ويزيد بعد الحيعلتين: حي على خير العمل، ويزيد بعد التكبير الأخير: محمد وعلي خير البشر، ومن خالفهما فقد كفر.

ثم يصل إلى اليمامة في وسط الجزيرة العربية، ومنها إلى مكة المكرمة فيحج في موسم عام 732، وبعد الحج أراد التوجه لليمن فالهند، فلم يتيسر له ذلك، فيركب البحر الأحمر  إلى مصر، ويقيم في القاهرة أياماً ثم يتوجه منها إلى فلسطين فالساحل الشامي ويبحر من اللاذقية في مركب إلى تركية، ولسمته الديني يكرمه صاحب المركب وهو من جنوة في إيطالية فلا يأخذ منه أجراً.

وفي تركية يننقل ابن بطوطة من مدينة إلى مدينة ويحل في أغلبها ضيفاً على الأَخيّة وهي رابطة تشبه ما كان يدعى بالفتوة في العراق، يقول ابن بطوطة: وهم بجميع البلاد التركمانية الرومية، في كل بلد ومدينة وقرية، ولا يوجد في الدنيا مثلهم أشد احتفالاً بالغرباء من الناس، وأسرع إلى إطعام الطعام وقضاء الحوائج، والأخذ على أيدي الظَلَمة وقتل الشرط، ومن أُلحق بهم من أهل الشر. والأَخي عندهم رجل يجتمع أهل صناعته وغيرهم من الشبان الأعزاب والمتجردين، ويقدمونه على أنفسهم، وتلك هي الفتوة أيضاً، ويبني زاوية ويجعل فيها الفرش والسرج وما يحتاج إليه من الآلات، ويخدم أصحابُه بالنهار في طلب معايشهم، ويأتون إليه بعد العصر بما يجتمع لهم، فيشترون به الفواكه والطعام إلى غير ذلك مما ينفق في الزاوية، فإن ورد في ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه عندهم، وكان ذلك ضيافته لديهم، ولا يزال عندهم حتى ينصرف، وإن لم يرد وارد، اجتمعوا على طعامهم فأكلوا وغنوا ورقصوا، وانصرفوا إلى صناعتهم بالغدو، وأتوا بعد العصر إلى مقدمهم بما اجتمع لهم ويسمون بالفتيان ويسمى مقدمهم الأخي، ولم أر في الدنيا أجمل أفعالاً منهم، ويشبههم في أفعالهم أهل شيراز وأصفهان، إلا أن هؤلاء أحب في الوارد والصادر، وأعظم إكراماً له وشفقة عليه.

وكانت زيارة ابن بطوطة قبل تمكن بني عثمان من ملكهم، ولذا فهو يتحدث عن ملوك كثر كملوك الطوائف في الأندلس؛ لكل مدينة ملك، واتجه ابن بطوطة عبر الأناضول إلى قونية ثم سيواس حتى وصل أزمير ومنها إلى مغنيسة وقصطمون حتى وصل إلى ميناء سينوب على شاطئ البحر الأسود، يريد الذهاب إلى القِرِم ومنها براً إلى آسيا الوسطى.

ونزل في ميناء الكَفَا، وهو اليوم فيدوسيا، وكان تحت سيطرة مدينة جنوة الإيطالية، واستأجر منه عربة سار فيها حتى حل ضيفاً  على السلطان أوزبَك بك في أستراخان على دلتا نهر الفولجا، ويسميها ابن بطوطة الحاج ترخان، وكانت مملكة السلطان الذي أسلم ممتدة من البحر الأسود إلى خوارزم، فأكرمه السلطان وزوجاته، ويصف ابن بطوطة بلاط السلطان وتقاليده ومراسمه وصفاً دقيقاً شيقاً.

وطلب ابن بطوطة من السلطان السفر إلى مدينة بلغار، أي مناطق قازان، ليرى قصر ليلها في الشتاء فأرسله إليها، وساورت ابن بطوطة رغبة في الاستمرار إلى أرض الظُلمة، وهي  سيبيريا، ثم عدل عنها لعظم المؤونة وقلة الجدوى، ويَذكرُ أن السفر فيها لا يكون إلا في عجلات تجرها كلاب كبار.

وواتت ابن بطوطة فرصة لزيارة القسطنطينة، فقد كان السلطان أوزبك متزوجاً بابنة الإمبراطور البيزنطي، ورغبت في زيارة أهلها، فأقنع السلطان في أن يسمح له بأن يذهب معها، فزار القسطنطينية عن طريق البر ماراً بجنوب روسية وأوكرانية، ورأى الإمبراطورية في أوج عظمتها البيزنطية، ومما يجدر نقله عنه أنه لما وصل إلى باب القصر الملكي، قال الحراس: سَراكِنو، سراكنو! وهي لفظة لاتينية تعني المسلم، ومنعوه لذلك من الدخول رغم أنه في موكب ابنة الإمبراطور، حتى أُعلِم والدها بذلك فأذن بدخوله ومن معه، ونودي في المدينة ألا يعترض المسلمين أحد، ويحدثنا عن ترتيبات الأمن التي مر بها عند دخوله قصر الإمبراطور البيزنطي فيقول: فجِزْنا أربعة أبواب، في كل باب سقائف بها رجال وأسلحتهم وقائدهم على دكانة مفروشة، فلما وصلنا إلى الباب الخامس تركني الفتى ودخل، ثم أتى ومعه أربعة من الفتيان الروميين، ففتشوني لئلا يكون معي سكين، وقال لي القائد: تلك عادة لهم، لا بد من تفتيش كل من يدخل على الملك من خاص أو عام، غريب أو بلدي.

وعاد ابن بطوطة إلى أستراخان ورحل منها إلى خوارزم براً في رحلة حثيثة استمرت 30 يوماً، حيث حل ضيفاً على أميرها، وهالته سعتها وازدحامها، حتى إنه يذكر أنه لم يستطع مرة أن يعبر سوقها بسبب الزحام فأراد الرجوع فلم يستطع لكثرة الناس، ولما يفلح إلا بعد جهد جهيد، ويذكر عن أمرائها وقضاتها أن :أحكامهم مضبوطة عادلة، لأنهم لا يتهمون بميل، ولا يقبلون رشوة.

ومن خوارزم اتجه إلى بخارى بلد الإمام البخاري، وأحزنه أن ليس بها اليوم من الناس من يعلم شيئاً من العلم، ولا من له عناية به.

ومن خوارزم اتجه ابن بطوطة للقاء السلطان طَرمَشيرين الذي اعتنق الإسلام وتسمى بعلاء الدين، واستضافه السلطان 45 يوماً توجه بعدها إلى سمرقند فترمذ إلى بلخ، وهي اليوم مزار شريف في أفغانستان، ولفت نظره خرابها، وقال عتها: وهي خاوية على عروشها غير عامرة، ومن رآها ظنها عامرة لإتقان بنائها، وكانت ضخمة فسيحة، ومساجدها ومدارسها باقية الرسوم حتى الآن، ونقوش مبانيها مدخلة بأصبغة اللازورد، وخرب هذه المدينة تنكيز اللعين، وهدم من مسجدها نحو الثلث، بسبب كنز ذكر له أنه تحت سارية من سواريه، وهو من أحسن مساجد الدنيا وأفسحها، ومسجد رباط الفتح بالمغرب يشبهه في عظم سواريه، ومسجد بلخ أجمل منه في سوى ذلك.

ومن بلخ سار ابن بطوطة غرباً إلى هراة فطوس، مدينة مشهد في إيران، وذكر تجاور قبر الرشيد فيها مع قبر الإمام علي الرضا، وقال: إذا دخل الرافضي للزيارة ضرب قبر الرشيد برجله، وسلم على الرضا. ثم اتجه غرباً إلى نيسابور فأقام بها 40 يوماً، ثم اتجه شرقاً حتى وصل غزنة فكابل ومنها إلى البنجاب التي وصلها في أول المحرم من سنة 734.

وفي البنجاب كتب الموكلون بالحدود إلى السلطنة في دهلي بقدوم ابن بطوطة ومن معه، وذلك بعد أن أخبرهم أنه قد جاء مقيماً لا زائراً، فجاء الجواب بالسماح له بدخول الهند والقدوم لدهلي، فسار حتى وصل مُلتان، قاعدة بلاد السند، فسار منها 40 يوماً حتى وصل دهلي وكانت من أكبر مدن الدنيا آنذاك إن لم تكن أكبرها.

ويصف ابن بطوطة دهلي فيقول: ومدينة دهلي كبيرة الساحة كثيرة العمارة، وهي الآن أربع مدن متجاورات متصلات ... والسور المحيط بمدينة دهلي لا يوجد له نظير، عرض حائطه أحد عشر ذراعاً، وفيه بيوت يسكنها السُّمار وحفاظ الأبواب، وفيها مخازن للطعام، ويسمونها الأنبارات، ومخازن للعُدد، ومخازن للمجانيق والرعادات، ويبقى الزرع بها مدة طائلة لا يتغير، ولا تطرقه آفة. ولقد شاهدت الأرز يخرج من بعض تلك المخازن ولونه قد اسود، ولكن طعمه طيب... ولهذه المدينة ثمانية وعشرون باباً

وفي دهلي حط ابن بطوطة رحاله في بلاط الملك غياث الدين محمد بن تغلق شاه، المولود سنة 689 والمتوفى سنة 752، والذي كان ثاني ملوك أسرة تغلق التي حكمت دهلي، وكان سلطاناً شجاعاً طموحاً استطاع أن يوسع سلطنة دهلي لتشمل معظم شبه القارة الهندية، وقال عنه ابن بطوطة: هذا الملك أحب الناس في إسداء العطايا وإراقة الدماء، فلا يخلو بابه عن فقير يغنى أو حي يقتل، وقد شهرت في الناس حكاياته في الكرم والشجاعة، وحكاياته في الفتك والبطش بذوي الجنايات.

ويعطينا ابن بطوطة في غضون كتابه استعراضاً مفصلا لتاريخ سلطنة دهلي، ثم لتاريخ السلطان غياث الدين شاه، ويتحدث في طي ذلك عن البلاط السلطاني وقواعده ومراسمه في استقبال الزوار والاحتفال بالأعياد وطعامه وصيده وحربه وسفره وعودته وغيرها من المناسبات، ويستفيض في الحديث عن كرمه، وحسن تدبيره للملكة، ويذكر أنه لما استولى القحط على بلاد الهند والسند، واشتد الغلاء حتى بلغ من القمح إلى ستة دنانير، أمر السلطان أن يعطى لجميع أهل دهلي نفقة ستة أشهر من المخزن، لكل إنسان صغيراً وكبيراً حراً وعبداً، وخرج الفقهاء والقضاة يكتبون الأزِمَّة بأهل الحارات، ويحضرون الناس، ويعطى لكل واحد عولة ستة أشهر يقتات بها.

ويستفيض كذلك ابن بطوطة في الحديث عن سفك غياث الدين للدماء دون تردد ولأدنى سبب للقريب والبعيد والفقيه والجاهل والأمير والوضيع.

وكان هذا السلطان يقرب الغرباء ويوليهم المناصب، وللعرب عند أهل الهند مكانة خاصة، فرحب بابن بطوطة وأنزله في ضيافته ثم جعله قاضياً على دهلي، وجعل له نائبين يساعدانه في اتباع المذهب الحنفي لكونه مالكياً، ونال ابن بطوطة من إنعام السلطان غياث الدين الأموال الكثيرة، وكان هو ينفقها في وجوه الخير وعلى من حول السلطان، ويذكر في ثنايا ذلك أن للسلطان عيوناً تذكر له كل ما يفعله من حوله من الأتباع، وفي ذكرياته عن الهند يذكر كثيراً من التقاليد الهندية الاجتماعية والخزعبلات والغرائب وأعمال السحر ورياضات رهبان الهندوس التي اشتهرت بها الهند.

وبعد 8 سنوات جرت لابن بطوطة قضية مع السلطان كاد أن يذهب ضحية لها، لولا أن تداركته رحمة الله، فانتهز فرصة غياب السلطان في إحدى غزواته، والتحق بأحد الزهاد الهنود الذي كان يواصل الصيام من  10 أيام إلى  20 يوماً، فأرسل السلطان وراءه عند عودته وأراده أن يعود للخدمة فاعتذر وسأله الإذن في السفر إلى الحجاز فأذن له، وتابع ابن بطوطة اعتكافه انتظاراً لموسم الحج، ولكن السلطان أرسل وراءه وأخبره أنه سيرسله رسولاً عنه في سفارة إلى ملك الصين!

وكان سلاطين الهند المسلمين قد هاجموا الوجود البوذي فيها وساهموا في اجتثاثه، وهدموا معبداً بوذياً ومحجاً هاماً في سيملا على سفوح الهيملايا، فأرسل ملك الصين سفارة بهدايا يطلب الإذن بإعادة بناء هذا المعبد، فأرسل غياث الدين ابن بطوطة بهدايا وفيرة رسولاً إلى ملك الصين مع الاعتذار عن الموافقة على طلبه لأنه: لا يباح بناء كنيسة بأرض المسلمين إلا لمن يعطي الجزية، فإن رضيت بإعطائها أبحنا لك بناءه.

واتجه ابن بطوطة من دهلي جنوباً فزار عدداً من مدن الهند، وحدثنا عنها وعن أمرائها وأهلها، حتى وصل إلى ميناء قاليقوط على الساحل الغربي الجنوبي للهند ليبحر منها إلى الصين، ولكن هيجان بحر الهند تسبب في غرق السفينة التي كانت تحمل الهدايا وغرق فيها بعض المرافقين، وجرى ذلك أمام عيني ابن بطوطة وهو على الشاطئ قبل أن يصعد للسفينة، فلجأ إلى أحد ملوك المنطقة المسلمين يننظر تعليمات السلطان في دهلي، وشارك في بعض الغزوات مع السلطان ثم طال عليه الانتظار فقرر أن يرحل إلى جزائر ذيبة المهل، وهي المالديف وعرَّبها العرب بقلب اسمها، فوصلها بعد 10 أيام، وأراد أن يزورها دون أن يقيم فيها ولكن أخباره سبقت وصوله، فولاه وزير السلطانة القضاء وهو غير راغب، وأحسنوا إليه إحساناً كثيراً وتزوج 4 زوجات من علية القوم، وعظم شأنه حتى كثر حساده مبغضوه، فترك الجزيرة إلى الهند عن طريق سيلان، بعد أن سرح زوجاته سراحاً جميلاً.

  ويصف ابن بطوطة أهل المالديف بأنهم مسلمون أهل صلاح وديانة وإيمان صحيح ونية صادقة، أكلهم حلال، ودعاؤهم مجاب، وهم أهل نظافة وتنزه عن الأقذار، إلا أن نساءها لا يلبسن أكثرهن إلا فوطة واحدة تسترها من السرة إلى أسفل، وسائر أجسادهن مكشوفة، قال: ولقد جهدت لما وليت القضاء بها أن أقطع تلك العادة وآمرهن باللباس، فلم أستطع ذلك، فكنت لا تدخل إلي منهن امرأة في خصومة إلا مسترة الجسد، وما عدا ذلك لم تكن عليه قدرة.

وفي جزيرة سيلان تلجئه الأنواء أن ينزل على ملك مشهور بالشر، فلا يرى منه إلا الأمان والإكرام، ويزور الجبل الذي يزعمون أن به أثر آدم عليه السلام عندما هبط من الجنة إلى الأرض، ثم من سيلان يعود إلى الهند ويلتقي بالملك غياث الدين الذي يموت بعد قليل بسبب وباء نزل بالمنطقة، ويخلفه ابن أخيه الذي يفلح ابن بطوطة في الحصول على إذنه في مغادرة الهند.

ويبحر ابن بطوطة على مركب متوجه إلى اليمن ولكن قراصنة البحار يخرجون عليهم ويسلبون كل ما كان معه من غال ورخيص، فعاد إلى قاليقوط ثم أبحر منها ثانية إلى المالديف ويرى فيها ولده وقد بلغ عامين، ثم يغادرها في رحلة دامت 43 يوماً حتى وصل البنغال واتجه شمالاً حتى جبال أسام حيث التقى بأحد الزهاد الهنود المدعو جلال الدين التبريزي، ثم عاد إلى الساحل البنغالي فأخذ مركباً سافر فيه حتى وصل جاوة والتقى بسلطانها المسلم الذي أنزله في ضيافته وأكرمه، وبعد 15 يوماً سافر برعايته إلى الصين، فمر أولاً على كورية والتقى بملكتها ثم تابع مسيره براً إلى الصين.

ويصف لنا ابن بطوطة حضارة الصين المتقدمة على بقية العالم آنذاك في صناعتها وحكومتها: ومن ذلك تعاملهم بالعملة الورقية لا بدينار ولا درهم، وإذا تمزقت في يد إنسان حملها إلى دار كدار السكة عندنا، فأخذ عِوضها جدداً ودفع تلك. ووصف مهارتهم في تصوير الأجانب، ولعله توثيق مصور لوجودهم، فقال: وأما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه... ومن عجيب ما شاهدت لهم من ذلك، أني ما دخلت قط مدينة من مدنهم، ثم عدت إليها، إلا ورأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في الحيطان والكواغد، موضوعة في الأسواق.

وليس ابن بطوطة أول رحالة عربي يمدح الأجواء التجارية في الصين والأمان الذي يسودها، ولكنه وصف ترتيبهم في الفنادق فقال: إن لهم في كل منزل ببلادهم فندقاً، عليه حاكم يسكن به في جماعة من الفرسان والرجال، فإذا كان بعد المغرب أو العشاء، جاء الحاكم إلى الفندق، ومعه الكاتب لكتابة أسماء جميع من يبيت به من المسافرين، وختم عليها، وأقفل باب الفندق عليهم، فإذا كان بعد الصبح جاء ومعه كاتبه فدعا كل واحد باسمه، وكتب به تفصيلاً، وبعث معهم من يوصلهم إلى المنزل الثاني له، ويأتيه ببراءة من حاكمه أن الجميع قد وصلوا إليه. وإن لم يفعل طلبه بهم.

والتقى ابن بطوطة بالمسلمين في كل مكان زاره في الصين، ورآهم في عز وسعة من العيش، وزار كوانزو وبكين، ووقعت بعض الاضطرابات السياسية فارتأى مضيفه المسلم أن يغادر عائداً قبل أن يحدث ما يحجزه عن العودة، فأخذ سفينة في رحلة دامت 3 أشهر حتى وصل إلى جاوة، وعاد منها إلى الهند، ومنها إلى ميناء هرمز في خليج فارس، ومنها بالبر إلى شيراز فأصبهان فالبصرة حتى وصل بغداد في سنة 748، وعاد منها إلى دمشق بعد غياب 20 سنة فسأل عن ابن له علم بولادته وهو في الهند، فأخبروه أنه قد مات منذ 15 سنة، وفي أوائل سنة 749 سافر من دمشق إلى القدس الشريف فالقاهرة ومنها للحج مرة أخرى، ثم قفل إلى مصر فتونس فسردينية فالجزائر حتى ألقى عصا ترحاله في فاس في منتصف عام 750، وشمله عطف السلطان أبي عنان ورعايته.

وقام ابن بطوطة بعد رحلته الطويلة برحلتين إحداهما للأندلس، والثانية أرسله فيها السلطان أبو عنان للبلدان الإفريقية جنوبي المغرب مثل موريتانية ومالي والنيجر، ونجتزئ بما ذكرنا عن رحلته الأولى فلا يتسع المقام لاستعراض هاتين الرحلتين.

أشرنا من قبل لاستغراب بل تكذيب ابن الحاج البلفيقي لما حكاه ابن بطوطة لمعاصريه أو رواه في كتاب رحلته، وهو أمرٌ ليس مستغرباً بين معاصريه، أو حاسديه إن شئت، ولكن معاصراً آخر هو الفقيه ابن مرزوق، محمد بن أحمد العجيسي التلمساني، المولود سنة 710 والمتوفى بالقاهرة سنة 781، أنصف ابن بطوطة وقال: لا أعلم أحداً جال البلاد كرحلته. ووصفه بالجود والإحسان، وأنه تولى القضاء حتى مات.

وممن تناول أمر غرائب ابن بطوطة المؤرخ القاضي ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، المولود بتونس سنة 732 والمتوفى بالقاهرة سنة 808، والذي زار فاس وتلمسان في تلك الحقبة، فقد ذكره ابن خلدون في تاريخه في معرِض النهي عن التسرع في التكذيب والإنكار، وأشار إليه بكونه من شيوخ طنجة، فقال:

ورد بالمغرب لعهد السلطان أبي عنان من ملوك بني مرين رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة، كان رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشرق، وتقلب في بلاد العراق واليمن والهند، ودخل مدينة دهلي حاضرة ملك الهند، وهو السلطان محمد شاه، واتصل بملكها لذلك العهد وهو فيروز جوه، وكان له منه مكان، واستعمله في خطة القضاء بمذهب المالكية في عمله... وكان يحدِّث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الارض، وأكثر ما كان يحدث عن دولة صاحب الهند، ويأتي من أحواله بما يستغربه السامعون، مثل أن ملك الهند إذا خرج إلى السفر أحصى أهل مدينته من الرجال والنساء والولدان، وفرض لهم رزق ستة أشهر تدفع لهم من عطائه، وأنه عند رجوعه من سفره، يدخل في يوم مشهود، يبرز فيه الناس كافة إلى صحراء البلد، ويطوفون به، وينصب أمامه في ذلك الحقل منجنيقات على الظهر، تُرمى بها شكائر الدراهم والدنانير على الناس، إلى أن يدخل إيوانه.

فتناجى الناس بتكذيبه، ولقيت أيامئذ وزير السلطان فارس بن وردار البعيد الصيت، ففاوضته في هذا الشأن وأريته إنكار أخبار ذلك الرجل، لما استفاض في الناس من تكذيبه، فقال لي الوزير فارس: إياك أن تستنكر مثل هذا من أحوال الدول بما أنك لم تره، فتكون كابن الوزير الناشئ في السجن! وذلك أن وزيرا اعتقله سلطانه ومكث في السجن سنين ربي فيها ابنه في ذلك المجلس، فلما أدرك وعقل سأل عن اللحمان التي كان يتغذى بها، فقال له أبوه: هذا لحم الغنم، فقال: وما الغنم؟ فيصفها له أبوه بشياتها ونعوتها فيقول: يا أبت تُراها مثل الفار؟ فينكر عليه ويقول: أين الغنم من الفأر!؟ وكذا في لحم الابل والبقر، إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفار، فيحسبها كلها أبناء جنس الفأر. فليرجع الانسان إلى أصوله، وليكن مهيمنا على نفسه، ومميزا بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته، فما دخل في نطاق الإمكان قبله، وما خرج عنه رفضه، وليس مرادنا الإمكان العقلي المطلق، فإن نطاقه أوسع شئ فلا يفرض حدا بين الواقعات، وإنما مرادنا الإمكان بحسب المادة التي للشئ، فإنا إذا نظرنا أصل الشئ وجنسه وصنفه ومقدار عظمه وقوته، أجرينا الحكم من نسبة ذلك على أحواله، وحكمنا بالامتناع على ما خرج من نطاقه، وقل رب زدني علما، وأنت أرحم الراحمين، والله سبحانه وتعالى أعلم.

إذاً فقضية أن ابن بطوطة كذب أو بالغ فيما رآه قضية مستبعدة لما رأينا، ولما يتبين في ثنايا الرحلة من دين وتقوى ومروءة تحلى بهم ابن بطوطة، ولكن هناك قضية أخرى، وهي هل وقائع الرحلة وتسلسلها دقيق أم تداخل لاحقه مع سابقه؟

كان المستشرق شارل دفريمري أول من نشر كتاب ابن بطوطة في سنة 1853، وقام بعض خَلَفه بتتبع خطواته على الخريطة وبمطابقة الأحداث والأشخاص مع وقائع التاريخ، وفعل ذلك مستقلاً كاتب هذه السطور، فوجدت أن خط سير بعض رحلاته لا ينسجم مع المسير المنطقي للسفر، ومثال ذلك رحلته في فارس قبل قدومه إلى بغداد ورحلته من دهلي إلى قاليقوط، وقد عزا الباحثون ذلك إلى بُعد العهد وأن ذاكرته لم تسعفه بالمعلومات الصحيحة حين إملائه مذكراته.

ولكن المؤرخ المغربي الأستاذ الدكتور عبد الهادي التازي يعزو ذلك إلى أن ابن جُزي تصرف في المعلومات التي قدمها له ابن بطوطة، فالخطأ من الناقل لا من القائل، ويستتد الأستاذ في فرضيته إلى أن ما ذكره ابن تيمية عن نشاطه في دمشق وفي بلاد الشام لا تكفيه مدة 20 يوماً المذكورة في الرحلة، ويشير الأستاذ التازي إلى مخطوطة لكتاب المُفهِم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، موجودة في مكتبة الأزهر، كتبها ابن بطوطة وهو في دمشق، وفيها يؤرخ تمام كتابة الكتاب بأجزائه الثلاثة في يوم الاثنين 18 جمادى الآخرة من 727 بمدرسة العزيزية من مدينة دمشق المحروسة. أي أن ابن بطوطة كان مقيماً بدمشق على الأقل في شهور ربيع الثاني وجمادى الأولى وجمادى الآخرة من عام 727، فكيف هذا والرحلة تجعله في رحلةٍ لجنوب بلاد فارس في نفس التاريخ؟!

يقول الأستاذ التازي: أعتقد أن ابن جزي كان مستعجلاً أكثر مما ينبغي في أداء هذه المهمة الدقيقة، وربما كان منشغلاً بمشكل صحي قد يكون قرحة في المعدة، وهو ما عبر عنه مترجموه بقولهم: «مات مبْطوناً»... ربما كانت تلك الظروف والصروف وراء تسرعه وبعثرته للمعلومات التي أمليت عليه أو التقييدات التي قدمت إليه... بل وفي الاستغناء كليةً عن بعض التقاييد، ولا ندري هل كان ابن بطوطة يجلس إلى جانب ابن جُزَي ليراجع هذا التلخيص بعد تحريره، ليعطي رأيه فيه؟

وفوق كل ذي علم عليم.
 

الجمعة، 2 مايو 2014

حدث في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة

 
في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة من سنة 207 توفي في مرو، عن 48 سنة، الأمير أبو الطيب طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن ماهان، الخزاعي، وزير الخليفة العباسي المأمون ثم عامله على خراسان، وأحد كبار الوزراء والقواد أدباً وحكمة وشجاعة. وكان جده الأعلى زريق من موالي طلحة بن عبد الله الخزاعي، المعروف بطلحة الطلحات، ولذا قيل لهم الخزاعية.
ولد طاهر بن الحسين سنة 159 في خراسان في بلدة بوشنج، غربي هَراة في شمالي شرق أفغانستان وقد اندثرت، وكان جده مصعب بن زريق والياً عل هراة. وأما والده الحسين بن مصعب فكان من كبار القوم في خراسان، ومن المقربين إلى الخليفة هارون الرشيد.

وسكن طاهر بغداد، واتصل بالمأمون في صباه، ولما مات الرشيد في طوس، قرب مشهد في إيران، سنة 193 عن 45 عاماً، وتولي الخلافة ابنه محمد الأمين بعهد منه، كان المأمون في مرو حيث جعله والده نائباً له على خراسان، وجرى بين الأخوين خلاف تطور إلى أن نزع الأمين المأمون من ولاية العهد سنة 195، فاستحال الأمر إلى نزاع مسلح وقتال مرير ومعارك دامية، كان طاهر بن الحسين قائد جيوش المأمون فيها فخاض عدة معارك ظافرة مع جيوش الأمين مرة تلو الأخرى، ابتدأ من خراسان حتى وصل إلى بغداد فحاصرها وظفر بالأمين وقتله سنة 198، وصار الحكم للمأمون دون منازع، وقد ذكرنا طرفاً من هذه الأحداث في وفاة وزير المأمون الفضل بن سهل في الثاني من شعبان من عام 202.

وظهرت في هذه الحملات شجاعة طاهر بن الحسين وحسن تدبيره في إدارة الحروب، وسياسته في استمالة الناس، ولقب بعدها طاهر بن الحسين بذي اليمينين لأنه ضرب بسيفه شخصاً في إحدى المعارك فقدّه نصفين، وكانت الضربة بيساره، فقال فيه بعض الشعراء: كلتا يديك يمين حين تضربه. فلقبه المأمون ذا اليمينين.

وعرف المأمون لطاهر فضله، فولاه شرطة بغداد سنة 198 وهو منصب عظيم بمثابة حاكم البلد في غياب المأمون الذي بقي في خراسان، ثم كتب له المأمون من خراسان في نفس السنة أن يسلم إلى الحسن بن سهل  جميع ما افتتحه من البلاد، وهي العراق وبلاد الجبل وفارس والأهواز والحجاز واليمن، وأن يتوجه هو إلى الرقة، وولاه الموصل وبلاد الجزيرة الفراتية والشام والمغرب، فأطاع دون تردد، وذهب إلى الرقة، وتوفي والده في خراسان سنة 199 وهو في الرقة، فحضر المأمون جنازته، وأرسل إلى ابنه طاهر يعزيه.

وفي سنة 205 ولاه الخليفة المأمون خراسان، فتوجه إليها في أول سنة 206، واستخلف ابنه طلحة، وكان هذا تقليداً متبعاً من قبل ومن بعد في كثير من مناصب الحكومات في البلدان الإسلامية.

وتوفي طاهر بن الحسين سنة 207، وهناك أقوال تتحدث عن نية له في التمرد على المأمون والاستقلال ببلاد أهله وأجداده، وأنه مات عقيب ذلك ميتة طبيعة أو بالسم بتدبير من المأمون، وهذا من المستبعد لأن المأمون لم يعزل ابنه بعده بل بقي في ولايته حتى وفاته سنة 213، وعين المأمون من بعده أخاه عبد الله وبقي في ولاية خراسان حتى وفاته سنة 230 في أيام المعتصم، فعين بعده ابنه طاهر بن عبد الله، وأسس طاهر بن الحسين مجداً وحكماً للأسرة الطاهرية التي استمرت في حكم خراسان حتى سنة 259 حين انتزعها منهم يعقوب بن الليث الصفار.

وأخبار طاره بن الحسين في الجود والأدب والسياسة والحرب كثيرة تفيض بها كتب التاريخ والأدب التي تتناول ذلك العصر، وتتجلى شخصيته السياسية والأدبية  في رسالة نفيسة شاملة جامعة كتبها لابنه عندما ولاه المأمون مصر سنة 206، تداولها الناس والكبراء في أيامها، ونوردها هنا مقابلة على عدة مصادر، ولها قصة.

فقد كان والي الجزيرة الفراتية يحيى بن معاذ قد توفي في تلك السنة، فدعا المأمون عبد الله بن طاهر، فقال له: يا عبد الله إني أستخير الله عز وجل منذ شهر، وأرجو أن يخير الله لي. إن الرجل يصف ابنه ليطريه، لرأيه فيه وليرفعه، وقد رأيتك فوق ما وصفك أبوك، وقد مات يحيى بن معاذ واستخلف ابنه، وليس بشيء، وقد رأيت توليتك مصر، فقال: السمع والطاعة لأمير المؤمنين، وأرجو أن يجعل الله لأمير المؤمنين الخيرة وللمسلمين. فعقد له اللواء، وأمر أن تقطع حبال القصَّارين عن طريقه، وتُنحى عن الطرقات المظلات، كيلا يكون في طريقه ما يرد لواءه، ثم عُقِد له لواءٌ مكتوبٌ عليه بصُفرة ما يكتب على الألوية، وزاد فيه المأمون: يا منصور. وكتب طاهر بن الحسين لابنه وقد صار والي مصر الرسالة التالية:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد، فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، وخشيته ومراقبته، ومزايلة سخطه، وحفظ رعيتك في الليل والنهار، والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك، وما أنت صائر إليه، وموقوف عليه، ومسؤول عنه، والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله، وينجيك يوم القيامة من عقابه وأليم عذابه، فإن الله سبحانه وتعالى قد أحسن إليك وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده، وألزمك العدل عليهم، والقيام بحقه وحدوده فيهم، والذبَّ عنهم، والدفع عن حريمهم وبيضتهم، والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم، وإدخالَ الراحة عليهم في معايشهم، ومؤاخِذُك بما فرَضَ عليك من ذلك، ومُوقِفُك عليه، ومُسائلُك عنه، ومثيبُك عليه بما قدَّمتَ وأخَّرتَ، ففرِّغ لذلك فهمَك، وعقلك، ونظرك، ولا يذهلك عنه ذاهل ولا يَشغلُك عنه شاغل، فإنه رأس أمرك ومِلاك شأنك، وأول ما يوفقك الله عز وجل به لرشدك.

وليكن أول ما تُلزِمُ نفسَك، وتُنسَبُ إليه أفعالُك، المواظبة على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس، والجماعة عليها بالناس قِبَلَك، فأتِ بها في مواقيتها على سننها في إسباغ الوضوء لها، وافتتاح ذكر الله فيها، ورتل في قراءتك، وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك، ولتصدق فيها لربك نيتك، واحضض عليها جماعة من معك وتحت يدك، وادأب عليها فإنها كما قال الله عز وجل في سورة العنكبوت: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾

ثم أتبِعْ ذلك بالأخذ بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمثابرة على خلائقه، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده، وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله وتقواه، ولزوم ما أنزل الله في كتابه، من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، وائتمامِ ما جاءت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قُمْ فيه بالحق لله ولا تميلَنَّ عن العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو بعيد.

وآثر الفقه وأهله، والدين وحمَلَته، وكتابَ الله عز وجل والعاملين به، فإن أفضل ما تزينَّ به المرءُ الفقه في دين الله، والطلب له، والحث عليه، والمعرفة بما يتقرب به إلى الله عز وجل، فإنه الدليل على الخير كله، والقائد إليه، والآمر به، والناهي عن المعاصي والموبقات كلها، وبه مع توفيق الله يزداد العبد معرفة لله عز وجل وإجلالاً له، ودَرَكاً للدرجات العُلى في المعاد، مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك، والأُنسة بك، والثقة بعدلك.

وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها، فليس شيءٌ أبين نفعاً ولا أخص أمناً ولا أجمع فضلاً من القَصْد، والقصد داعية إلى الرُشد، والرشد دليل على التوفيق، والتوفيق قائد إلى السعادة، وقِوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد، فآثره في دنياك كلها.

ولا تقصِّر في طلب الآخرة، والأجر، والأعمال الصالحة، والسنن المعروفة، ومعالم الرشد، ولا غاية للاستكثار من البر والسعي له، إذا كان يُطلب به وجه الله تعالى ومرضاته، ومرافقة أوليائه في دار كرامته.

واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز، ويحصِّن من الذنوب، وأنك لن تحوط لنفسك ومن يليك، ولا تستصلح أمورك بأفضل منه، فأتِهِ واهتدِ به تَتِمُ أمورُك، وتَزْددْ مقدرتُك، وتصلُح خاصتُك وعامتك.

وأحسن الظن بالله تستقم لك رعيتُك، والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلها تستدم النعمة عليك.

ولا تتهِمنَّ أحداً من الناس فيما توليه من عملك قبل أن تكشف أمره، فإن إيقاع التهم بالبُرآء والظنونَ السيئة بهم مأثم، فاجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، واطرد عنك سوء الظن بهم، وارفضه فيهم، يُعِنْك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم، ولا يـجِدَنَّ عدوُ الله الشيطانُ في أمرك مغمزاً، فإنه إنما يكتفي بالقليل من وَهْنِك، ويدخل عليك من الغم في سوء الظن بهم ما ينغص لذاذة عيشك.

واعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة، وتُكفى به ما أحببت كفايته من أمورك، وتدعو به الناس إلى محبتك والاستقامة لك في الأمور كلها ، ولا يمنعنك حسن الظن بأصحابك، والرأفة برعيتك، أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك، ولتكن المباشرة لأمور الأولياء، والحياطة للرعية، والنظر فيما يقيمها ويصلحها والنظر في حوائجهم، وحمل مؤوناتهم آثرَ عندك مما سوى ذلك، فإنه أقوم للدين وأحيا للسنة.

وأخلص نيتك في جميع هذا، وتفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسؤول عما صنع، ومجزيٌّ بما أحسن، ومأخوذ بما أساء، فإن الله عز وجل جعل الدين حرزاً وعزاً، ورفع من اتَّبعه وعزَّزه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين، وطريقة الهدى.

وأقِمْ حدودَ الله في أصحاب الجرائم على قدْرِ منازلهم وما استحقوه، ولا تعطل ذلك، ولا تهاوَن به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن في تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك، واعزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانِبَ البدعَ والشبهات يسلم لك دينك وتقم لك مروءتك.

وإذا عاهدت عهداً فأوف به، وإذا وعدت خيراً فأنجزه، واقبل الحسنة وادفع بها، وأغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور، وأبغض أهله، وأقصِِ أهل النميمة، فإن أول فساد أمورك في عاجلها وآجلها تقريب الكذوب، والجرأة على الكذب، لأن الكذب رأس المآثم، والزور والنميمة خاتمتها، لأن النميمة لا يسلم صاحبها، وقائلها لا يسلم له صاحب، ولا يستقيم لمطيعها أمر.

وأَحبَ أهلَ الصلاح والصدق، وأعنِ الأَشراف بالحق، وآسِ الضعفاء، وصِلِ الرحِم، وابتغِ بذلك وجه الله تعالى وإعزاز أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة، واجتنب سوء الأهواء والجور، واصرف عنهما رأيك، وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك، وأنعم بالعدل سياستهم، وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى.

واملُك نفسك عند الغضب، وآثر الوقار والحلم، وإياك والـحِدة والطيش والغرور فيما أنت بسبيله، وإياك أن تقول: أنا مسلط أفعل ما أشاء. فإن ذلك سريع فيك إلى نقص الرأي وقلة اليقين بالله عز وجل.

وأخلص لله وحده النية فيه، واليقين به، واعلم أن الملك لله يؤتيه من يشاء وينزِعُه ممن يشاء، ولن تجد تغيَّرَ النعمة وحلول النقمة إلى أحد أسرعَ منه إلى حَـمَلة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة، إذا كفروا بنِعَم الله وإحسانه، واستطالوا بما آتاهم الله من فضله.

ودع عنك شَرَهَ نفسك، ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدَّخِرُ وتكنِزُ: البرَّ والتقوى والـمَعدَلة، واستصلاح الرعية، وعمارة بلادهم، والتفقد لأمورهم، والحفظ لدهمائهم، والإغاثة لملهوفهم.

واعلم أن الأموال إذا كُنِزت وادُخِرت في الخزائن لا تنمو، وإذا كانت في صلاح الرعية، وإعطاء حقوقهم، وكف المؤونة عنهم، نَمَت وزَكَت، وصَلَحت بها العامة، وتزينت الولاية، وطاب بها الزمان، واعتقد فيها العز والمنعة، فليكن كَـنْـزُ خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين قِبلَك حقوقَهم، وأوف رعيتك من ذلك حِصصهم، وتعهد ما يصلح أمورهم ومعاشهم، فإنك إن فعلت ذلك قرَّت النعمة عليك، واستوجبْتَ المزيدَ من الله تعالى، وكنت بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيتك وعملك أقدر، وكان الجميع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك، وأطيب نفساً بكل ما أردت، فأجهِدْ نفسك فيما حددت لك في هذا الباب، ولتعظُم حِسبتك فيه، فإنما يبقى من المال ما أُنفِق في سبيل الله وفي سبيل حقه، واعرف للشاكرين شكرهم، وأثبهم عليه.

وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة، فتتهاون بما يحق عليك، فإن التهاون يورث التفريط، والتفريط يورث البوار، وليكن عملك لله عز وجل وفيه، وارج الثواب منه، فإن الله سبحانه قد أسبغ عليك نعمته، وأظهر لديك فضله؛ فاعتصم بالشكر، وعليه فاعتمد، يزدك الله خيراً وإحسانا، فإن الله يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين، وهو سبحانه قضى الحق فيما حمل من النعم وألبس من العافية والكرامة.

ولا تحقِرنَّ ذنباً، ولا تمالئن حاسداً، ولا ترحمن فاجراً، ولا تصِلَنَّ كفوراً، ولا تداهنن عدواً، ولا تصدقن نماماً، ولا تأمنن غداراً، ولا توالين فاسقاً، ولا تتبعن غاوياً، ولا تحمدن مرائياً، ولا تحقرن إنساناً، ولا تردن سائلاً فقيراً، ولا تحسِّننَّ باطلاً، ولا تلاحظن مضحكاً، ولا تُـخلِفنَّ وعداً، ولا تزهونَّ فخراً، ولا تظهِرنَّ غضباً، ولا تأتين بذَخَاً، ولا تمشين مَرَحاً، ولا تركبن سفهاً، ولا تفرطن في طلب الآخرة، ولا تدفعن الأيام عياناً، ولا تُغمِضَنَّ عن ظالم رهبة منه أو محاباة، ولا تطلبن ثواب الآخرة في الدنيا.

وأكثِرْ مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل والرأي والحكمة، ولا تدخلن في مشورتك أهل الذمة والنِحَل، ولا تسمعن لهم قولاً، فإن ضررهم أكثر من منفعتهم.

وليس شيء أسرع فساداً لما استقبلت فيه أمر رعيتك من الشح، واعلم أنك إذا كنت حريصاً كنت كثير الأخذ قليل العطية، وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا، فإن رعيتك إنما تعقد على محبتك بالكف عن أموالهم، وترك الجور عليهم، ويدوم صفاء أوليائك لك بالإفضال عليهم، وحسن العطية لهم.

فاجتنب الشح، واعلم أنه أول ما عصى الإنسان به ربه، وأن العاصي بمنزلة خزي، وهو قول الله عز وجل في سورة الحشر: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، فسهِل طريقَ الجود بالحق، واجعل للمسلمين كلهم من فيئك حظاً ونصيبا، وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد، فاعدده لنفسك خُلُقا، وارض به عملاً ومذهبا.

وتفقد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم، وأدرَّ عليهم أرزاقهم، ووسع عليهم في معايشهم، يذهب الله عز وجل بذلك فاقتهم، فيقوى لك أمرهم، وتزيد قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصاً وانشراحاً، وحسْبُ ذي سلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته ذا رحمة في عدله وحيطته وإنصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته، فزايل مكروه إحدى البابين باستشعار فضيلة الباب الآخر، ولزوم العمل به تلق، إن شاء الله تعالى، نجاحاً وصلاحاً وفلاحاً.

واعلم أن القضاء بالعدل من الله تعالى بالمكان الذي ليس فوقه شيء من الأمور، لأنه ميزان الله الذي تعتدل عليه أحوال الناس في الأرض، وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح أحوال الرعية، وتأمن السبل، وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدى حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقوم الدين، وتجري السنن والشرائع على مجاريها لتنجز الحق والعدل في القضاء.

واشتد في أمر الله وتورع عن النُطف، وامض لإقامة الحدود، وأقلل العجلة، وابعد عن الضجر والقلق، واقنع بالقِسَم، ولتسكن ريحك، ويقر جدك، وانتفع بتجربتك، وانتبه في صمتك، واسدد في منطقك، وأنصف الخصم، وقف عند الشبهة، وأبلغ في الحجة، ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة، ولا مجاملة، ولا لوم لائم، وتثبت وتأن، وراقب وانظر، وتدبر وتفكر واعتبر، وتواضع لربك، وارأف بجميع الرعية، وسلط الحق على نفسك، ولا تسرعن إلى سفك دم، فإن الدماء من الله بمكان عظيم، فلا تبغ انتهاكاً لها بغير حقها.

وانظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية، وجعله الله للإسلام عزاً ورفعةً، ولأهله توسعة ومنعة، ولعدوه وعدوهم كبتاً وغيظا، ولأهل الكفر من معانديهم ذلاً وصَغارا، فوزِّعه بين أصحابه بالحق والعدل، والسوية والعموم، ولا ترفعن منه شيئاً عن شريف لشرفه، ولا عن غني لغناه، ولا عن كاتب لك، ولا عن أحد من خاصتك وحاشيتك، ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له، ولا تكلف أمراً فيه شطط، واحمل الناس كلهم على مُرِّ الحق، فإن ذلك أجمع لألفتهم وألزم لرضاء العامة.

واعلم أنك جُعِلت بولايتك خازناً وحافظاً وراعياً، وإنما سُمي أهل عملك رعيتك، لأنك راعيهم وقيِّمهم، تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم، وتنفقه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم، فاستعمل عليهم في كُوَر عملك ذوي الرأي والتدبير، والتجربة والخبرة بالعمل، والعلم بالسياسة والعفاف، ووسِّع عليهم في الرزق، فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت، وأسند إليك، ولا يشغلنك عنه شاغل، ولا يصرفنك عنه صارف، فإنك متى آثرته، وقمت فيه بالواجب، استدعيت به زيادة النعمة من ربك، وحسن الأحدوثة في عملك، واستجررت به المحبة من رعيتك، وأُعنت على الصلاح، فدرَّت الخيرات في بلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخصب في كُوَرِك، فكثر خراجك، وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتياض جندك، وإرضاء العامة، بإفاضة العطاء فيهم من نفسك، وكنت محمود السياسة مرضي العدل في ذلك عند عدوك، وكنت في أمورك كلها ذا عدل وآلة وقوة وعدة، فنافِس في هذا ولا تُقدِّم عليه شيئاً، تحمد مغبة أمرك، إن شاء الله تعالى.

واجعل في كل كُورة من عملك أميناً يخبرك أخبار عمالك، ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لأموره كلها، وإذا أردت أن تأمرهم بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع فأمضِهْ، وإلا فتوقف عنه، وراجع أهل البصر والعلم به، ثم خذ فيه عدته، فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أموره قد واتاه على ما يهوى، فأغواه ذلك وأعجبه، فإن لم ينظر في عواقبه أهلكه، ونقض عليه أمره، فاستعمل الحزم في كل ما أردت، وباشره بعد عون الله بالقوة، وأكثر استخارة ربك في جميع أمورك.

وافرَغْ من عمل يومك، ولا تؤخره لغدك، وأكثِرْ مباشرتَه بنفسك، فإن لغد أموراً وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت، واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، فإذا أخرت عمله اجتمع عليك عمل يومين، فيشغلك ذلك حتى تفرغ منه، فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك، وأحكمت أمور سلطانك.

وانظر أحرار الناس وذوي الشرف والفضل منهم، ثم استيقن صفاء طويتهم، وتهذيب مودتهم لك، ومظاهرتهم بالنصح والمحافظة على أمرك، فاستخلصهم وأحسن إليهم.

وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مؤونتهم، وأصلح حالهم، حتى لا يجدوا لـخِلتِهم مَسَّاً، وأفرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمة إليك، والمحتقَر الذي لا علم له بطلب حقه، فاسأل عنه أحفى مسألة، ووكل بأمثاله أهلَ الصلاح من رعيتك، ومُرْهم برفع حوائجهم وخِلالِـهم إليك، لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم.

وتعاهد ذوي البأساء وأيتامهم وأراملهم، وأجعل لهم أرزاقاً من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين، أعزه الله، في العطف عليهم، والصلة لهم، ليصلح الله بذلك عيشهم، ويرزقك به بركة وزيادة، وأَجْرِ للأضِرَّاء من بيت المال، وقَدِمْ حَمَلَة القرآن منهم والحافظينَ لأكثره في الجراية على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دوراً تؤويهم، وقُوَّاماً يرفقون بهم، وأطباءً يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى سَرَف في بيت المال.

واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك، ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم، طمعاً في نيل الزيادة، وفضل الرفق منهم، وربما تبرم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤونة ومشقة، وليس من يرغب في العدل، ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل، كالذي يستثقل ما يقربه إلى الله تعالى ويلتمس به رحمته.

وأكثر الإذن للناس عليك، وابرِزْ لهم وجهَك، وسَكِّنْ لهم حواسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بِشرَكَ، ولِنْ لهم في المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك، وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس، والتماس للصنيعة والأجر، من غير تكدير ولا امتنان، فإن العطية على ذلك تجارة مربحة، إن شاء الله تعالى.

واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى قبلك من أهل السلطان والرئاسة في القرون الخالية والأمم البائدة، ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله، والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسننه، وإقامة دينه وكتابه، واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله عز وجل.

واعرف ما يجمع عمالك من الأموال، وما ينفقون منها. ولا تجمع حراماً، ولا تنفق إسرافاً.

وأكثر مجالسة العلماء، ومشاورتهم، ومخالطتهم، وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها، وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيباً لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سرك، وإعلامك ما فيه من النقص، فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك.

وانظر عمالك الذين بحضرتك، وكُتَّابك، فوَقِّت لكل رجل منهم في كل يوم وقتاً يدخل فيه عليك بكتبه ومؤامرته، وما عنده من حوائج عمالك وأمور كُوَرِك ورعيتك، ثم فرِّغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك، وفهمك وعقلك، وكرر النظر فيه والتدبر له، فما كان موافقاً للحق والحزم فأمضه، واستخر الله فيه، وما كان مخالفاً لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه.

ولا تمنن على رعيتك ولا غيرهم بمعروف تؤتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة، والعون في أمور أمير المؤمنين، ولا تصنعن المعروف إلا على ذلك.

وتفهم كتابي إليك، وأكثر النظر فيه والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك واستخره، فإن الله مع الصلاح وأهله، وليكن أعظم سيرتك، وأفضل رغبتك، ما كان لله عز وجل رضاً، ولدينه نظاماً، ولأهله عزاً وتمكيناً، وللذمة وللملة عدلاً وصلاحاً.

وأنا أسأل الله أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكِلاءتك، وأن ينزل عليك فضله ورحمته، بتمام فضله عليك وكرامته لك، حتى يجعلك أفضل أمثالك نصيبا وأوفرهم حظا وأسناهم ذكرا وأمرا، وأن يهلك عدوك ومن ناوأك وبغى عليك، ويرزقك من رعيتك العافية، ويحجز الشيطان عنك ووساوسه، حتى يستعلي أمرك بالعز والقوة والتوفيق، إنه قريب مجيب.

والسلام.

كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
 

 
log analyzer