الجمعة، 28 مارس 2014

حدث في الرابع والعشرين من جمادى الأولى


في الرابع والعشرين من جمادى الأولى من سنة 1337=1919 توفي في القاهرة، عن 65 عاماً، الأديب الفكه والقاضي الأريب، حفني ناصف، أحد رجال الرعيل الأول للنهضة الأدبية في هذا العصر.
ولد حفني بن إسماعيل ابن خليل بن ناصف، ويقال له أيضاً محمد حفني، عام 1273، في بركة الحج في القليوبية شمال شرقي القاهرة، وكان والده قد توفي وهو جنين فكفله خاله وجدته لأبيه.
والتحق حفني ناصف بكتاب القرية حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وأكمل حفظه وهو في الثالثة عشرة من عمره، ثم التحق بالأزهر في سنة 1286= 1869 وبقي فيه 10 سنوات، حفِظ فيها المتون، ودرس فيها التوحيد وعلوم التجويد والتفسير والحديث والفقه الشافعي، والنحو والصرف وعلوم البلاغة، وحصل على إجازة برواية الحديث من الشيخ محمد الأشموني الشافعي المتوفى سنة 1321.
ثم أراد بعدها دراسة العلوم الدنيوية فالتحق بمدرسة دار العلوم، التي تأسست سنة 1289=1872، وهي من أمتن الكليات المصرية في العلوم الأدبية، وخرجت عمالقة كبار في الأدب والشعر والنقد والقضاء والاجتماع، فدرس فيها ثلاث سنوات، درس أثناءها الحساب والهندسة والكيمياء والطبيعة والتاريخ والجغرافيا ووظائف الأعضاء، ومبادئ اللغة الفرنسية، وتخرج منها سنة 1299=1882، وكان ترتيبه الأول في جميع مراحل الدراسة.
ولتفوق حفني ناصف البارز أشركه الشيخ محمد عبده في تحرير مجلة الوقائع المصرية، وهي الجريدة الرسمية المصرية التي أسست سنة 1828، وكانت تنشر كذلك مباحث علمية وأدبية واجتماعية وفلسفية ودينية وقانونية، وكان حفنى وهو الذي درس في الأزهر ثم دار العلوم قريباً من الإمام محمد عبده في جهوده الإصلاحية للنهضة بالأزهر والإحياء الديني، ومن القصص الطريفة عن حفني ناصف أنه لما توفي الشيخ محمد عبده سنة 1323=1905، وقف على قبره ستة من  العلماء والأدباء يرثونه، وكانوا حسب الترتيب: الشيخ أحمد أبو خطوة، حسن عاصم باشا، حسن عبد الرازق باشا الكبير، قاسم بك أمين، حفني ناصف، حافظ إبراهيم.
وقدر الله أن مات الأربعة الأولون بهذا الترتيب، ولاحظ حفني ناصف ذلك يوماً، وكان حافظ إبراهيم قد مرض وجزع أن  يكون أجله قد حان، فأرسل إليه هذه الأبيات حفني يطمئنه:
أتذكـرُ إذ كُنَّا على  القبرِ ستـةً ... نعـدِّدُ آثـارَ الإمـامِ وننـدُبُ
وقفنا بترتيـبٍٍ وقـد دبَّ بيننـا ... ممـاتٌ على وفْقِ الرثـاء مُرَتَّبُ
أبو خطـوةٌ ولَّى، وقَفَّـاه عاصمٌ ... وجـاء لعبدِ الرازق الموتُ يطلبُ
فلبّى وغابت بعده شَمْسُ قاسـمٍ ... وعمّـا قليلٍ نَجْم مَحْياي يغرب
فلا تخشَ هلكاً ما حييتُ وإن أمت ... فما  أنت  إلا خائـف تترقَّـبُ
فخاطر، وقَعْ تحت القطار ولا تخف... ونَمْ تحت بيتِ الوقْفِ وهو مُخَرَّبُ
وخُضْ لُجَـج الهيجاءِ أعزلَ  آمناً ... فإن  المنايا  عنك  تنـأى وتَهربُ
وشارك حفني ناصف وهو طالب في دار العلوم في تمرد عرابي سنة 1298=1881، وكان يلقي الخطب في المتظاهرين وتجمعات الوطنيين، ولا يكتفي بذلك بل يكتب الخطب ويوزعها على خطباء المساجد أملاً في أن يستخدموها في خطب الجمعة ويحرضوا المصريين على الانضمام للتمرد.
وبعد تخرجه التحق بسلك التعليم، ورغم أنه كان الأول في الناجحين فقد ألحقوه مدرساً في مدرسة المكفوفين والبكم، وبقي فيها ثلاث سنوات حقق فيها كثيراً من النجاح مع هؤلاء الطلبة، ولكنه اعتبر ذلك نوعاً من العقوبة المقصودة، فقال:
غلط  الناسُ في عرابي وسامي ... حيث أقصوهما إلى سيلانِ
لم يريدوا بهم عذاباً فهلا ... أرسلوهم للخرس والعميان
وفي سنة 1304= 1886 انعقد في فينّة بالنمسة المؤتمر السابع للمستشرقين، وأرسلت مصر وفداً علمياً للمؤتمر كان حفني ناصف أحد أعضائه وأمين سره، وألقى محاضرة عن لغات القبائل المختلفة في مصر، طبعها في كتاب لدى عودته من المؤتمر بعنوان مميزات لغات العرب وتخريج ما يمكن من اللغات العامية عليها، وفائدة علم التاريخ من ذلك. وبقي حفني ناصف يشارك في مؤتمرات الاستشراق، وقد قدّم في مؤتمر أثينة سنة  1330=1912 بحثاً عن مسقط رأس مارية القبطية، وبحثاً آخر في رقيم عربي من بلاد اليمن.
والتمس حفني إعفاءه من تدريس المكفوفين والبكم، وقال في ذلك قصيدة رفعها لصاحب الأمر، تبين ظرفه ولطفه حتى في الشكوى، ومما جاء فيها:
مولاي دعوة ثاوٍ بين ذي بصرِ ... بغير سمع وسمع غير ذي بصرِ 
نداء مستلفتٍ أنظاركم أملاً ... أن تُلحقوهُ بأقوامٍ ذوي نظرِ 
أشكو إلى عدلكم نفياً أُصبت به ... وما أتيتَ بذنْبٍ غيرِ مغتفرِ 
لم تُستَشَر سفراءُ العلم فيّ ولم ... تدعَ الفنونُ إلى أعمالِ مؤتمرِ 
وبرلمان العلا أعضاؤهُ رفضت ... نفيي ولم ترضَ أحزابُ الهوى ضرري
وأي فائدةٍ في النحوِ أقصد إن ... لم يرتفع بين أربابِ العُلَى خبَري 
وما النتيجة من وزن العَروضِ إذا ... لم يحوِ معناي بيتٌ غير منكسرِ 
وكان حفني ناصف يتمتع ببلاغة عالية في الكتابة والنثر، فاختير لتدريس مادة الإنشاء القضائي بمدرسة الحقوق الخديوية، وكذلك المنطق والبلاغة وآداب المناظرة، فعمل فيها 5 سنوات من سنة 1304=1887 حتى سنة1309=1892، واشترك في أثنائها في ترجمة القوانين المصرية، وكان من طلابه في الحقوق الزعيم الوطني مصطفى كامل، وأمير الشعراء أحمد شوقى حيث درس عليه سنتين، والاقتصادي الكبير طلعت حرب، وغيرهم من أقطاب السياسة والعلم.
وفي سنة 1309=1892 تقدم حفني ناصف لامتحان مسابقة وظائف قضائية، ونجح في المسابقة بتفوق وامتياز، وعين قاضياً في تلك السنة، ومنح البكوية من الدرجة الأولى، ولذا أصبح اسمه حفني بك ناصف، وهو أول الألقاب التشريفية التي كانت سائدة في الدولة العثمانية ثم المصرية، وتنقل حفني بسبب علمه في القضاء في عدة أقاليم ما بين القاهرة وقنا وطنطا، ولما نقل إلى قنا في جنوب الصعيد عقوبة له على مواقفه الوطنية، قال في ذلك قصيدة اشتهرت، منها:
قالوا شخصت إلى (قنا)... يا مرحبا بقنا و (إسنا)
قالوا سكنت السفح قلت: وحبذا بالسفح سكنى
قالوا (قنا) حر فقلت: وهل يرد الحر قنا
ها قد أمنت البرد والبرداء والقلب اطمأنا
ووقيت أمراض الرطوبة واستِراق الريح وهنا
ألقى الهواء فلا أهاب لقاءه ظهرًا وبطنا
وأنام غير مدثر... شيئا إذا ما الليل جنا
قد خفَّت النفقات إذ... لا أشتري صوفًا وقطنا
وفَّرت من ثمن الوقود... النصف أو نصفًا وثُمنا
عش في القرى رأسا ولا... تسكن مع الأذناب مدنا
واربأ بنفسك أن ترى... مستمرئا في العيش جُبنا
واسلُ الأغاني والغواني واسأل الرحمن عَدْنا
وبقي قاضياً 20 سنة إلى سنة 1330=1912، حين خرج وهو في وظيفة وكيل محكمة طنطا الكلية.
وفي أثناء عمله في القضاء، شارك في تأسيس الجامعة المصرية عند تأسيسها سنة 1908، وكان رئيس لجنة الاكتتاب، ثم انتخب أول رئيس لها، ودرَّس فيها، كذلك دعا لتأسيس مجمع اللغة العربية، وشارك في تأسيس نادي دارالعلوم سنة 1322= 1905، وكان النادي يجمع صفوة القوم من الغيورين على اللغة والدين ممن يريدون لمصر الخير وأن تستعيد مجدها الأصيل وريادتها السابقة بين الأمم.
وفي سنة 1326=1908 اجتمع نادي دار العلوم، وكان حفني ناصف رئيسه، وجرى البحث في الألفاظ الأعجمية التي غزت اللغة العربية، وتباحث الحضور وهم نخبة متأدبي مصر وقضاتها وعلماؤها في ذلك، وألقى كلمة مرتجلة في هذا الصدد الحقوقي الكبير ووكيل وزارة العدل أحمد فتحي باشا زغلول، المتوفى سنة 1322=1914، ثم ألقى بعده حفني ناصف كلمة مطولة في اللغة وفنونها وترجمة المصطلحات الجديدة، واتخذ بعدها الحاضرون القرار التالي، وهو تعبير عن الأمل في تأسيس مجمع للغة العربية يتولى معالجة قضاياها وترجمة المصطلحات المستجدة:
يُبْحَثُ في اللغة العربية عن أسماء للمسميات الحديثة بأي طريق من الطرق الجائزة لغة، فإذا لم يتيسر ذلك بعد البحث الشديد يستعار اللفظ الأعجمي بعد صقله ووضعه على مناهج اللغة العربية، ويستعمل في اللغة الفصحى بعد أن يعتمده المجمع اللغوي الذي سيؤلف لهذا الغرض.
ولم يتأسس المجمع المأمول إلا بعد 19 سنة في سنة 1351 =1932، وأورد هنا بعضاً من كلمة حفنى ناصف رحمه الله تعالى ليتبين فضله وزملائه من مؤسسي النهضة الحديثة، وغيرتهم على اللغة، وحرصهم على الدين، ووقوفهم في وجه التغريب والجهل:
أكثر القائلون بتطبيق سياسة الباب المفتوح على اللغة العربية من ذكر جمود أمتنا واشتغالها عن الجواهر بالأعراض، ووقوفها موقف المستضعفين أمام الأمم الغربية، ونعوا علينا تحرجنا قبول الدخيل في لغتنا، ورمونا بالرجوع إلى الوراء، والنفور من كل جديد، والوقوف عند حدّ ما أماته الزمان، ومخالفة سنة اللغات الحية صاحبة الحركة الدائمة التي قدر أهلها أن ينتفعوا بكل ما خلقه الله، إلى آخر ما أتوا به من القضايا الخطابية؛ بقصد التأثير في أفكار السامعين حتى تخيلوا أن الكَلِمَ الأعجمية واجبة الاستعمال في اللغة العربية حرصاً على الزمن أن يضيع في انتقاء ألفاظ عربية تسد مسدها، وأن قواعد الاقتصاد السياسي تقضي بصرفه في اختراع آلة حربية أو معمل صناعي أو مصرف مالي، ولقد كدت من شدة التأثير أمسك عن الكلام خِيفَة أن أضيع عليكم ساعة يمكنكم فيها اختراع بندقية جديدة، أو آلة للطيران، أو علاج للسرطان.
مسكينة الأمة المستضعفة، لا تدري من أين تُؤْتَى، ولا تعرف لِتأخّرها عِلّة، فتذهب مع كل ذاهب، وتمشي وراء كل حاطب.
ظننا النيل سبب رخاوتها فعدلنا عنه إلى الآبار فما نشطنا، وخِلْنا الأزياء الواسعة مانعتنا عن الحركة فاستبدلنا بها أزياءً ضيّقة فما عدونا، وحسبنا اقتعاد السيارات والدراجات يوصلنا إلى المدنِيَّة فاقتعدنا وما استفدنا، وزعمنا ملاهي التمثيل أقرب سبيل فأبعدتنا، وعددنا المراقص معارج فما عرجنا، وغيرنا العمائم بالقلانس، والدور بالقصور، وظهور الصافنات ببطون العربات فما أخرَجنا كل ذلك عما نحن فيه من الاستضعاف ولا سَمَا بِنَا إلى رقي الألمان والإنكليز واليابان.
إن لارتفاع الأمم وانحطاطها أسباباً خاضَ فيها الحكماء، وأفاض في بيانها العلماء وليس المقام الآن مقام ذكرها، وإن المسألة التي نحن بصددها مسألة نقلية يُرجع فيها إلى كتب اللغة والأدب، وليس لأحدٍ أن يأخذ فيها بالهوى، أو يسترسل مع الوجدان، أو يقتصر فيها على مجرد الاستقباح والاستحسان ... على هذا استقرت اللغة العربية، وتَمّ إحكامها، وحُصِرَتْ مُفْرَدَاتُها الأصلية وقوانينها، وأُبِيحَ استعمال مفرداتها في غير ما وُضِعَتْ له عند الاحتياج بشرط العلاقة والقرينة، وانتهت أدوار التنقيح فيها، فلم يَبْقَ إلا استظهارها، والعمل بها...
ولما قعدت هِمَم الخالفين وانتشر فساد اللغة مادَّةً وقوانينَ رأى فريق من الناس أن يكفونا مؤنة التحصيل؛ فهبوا إلى فتح ثغور اللغة العربية للدخيل من الألفاظ، وطفقوا يحسِّنون صنيعهم بأقيسة خطابية وجدلية لا تغني من الحق شيئًا، فقالوا أولاً: إن العرب أخذوا ألفاظًا من الأعاجم في أطوار تنقيح العربية واستعملها الفصحاء، وورد منها كثير في القرآن والأحاديث فما لنا لا ننشئ مذهبًا خامسًا في التنقيح، وفاتهم أن ما أخذه العرب قليل جدًّا بالنسبة إلى ما نبذوه ونادر بالإضافة إلى مادة لغتهم الأصلية؛ والقليل النادر لا يُقَاسُ عليه ...
وقالوا: إن التعريب أسهل من انتقاء اللفظ العربي، واستعمال الأعجمي أخف على السمع ... وفاتهم أن هذه الصعوبة تزول بعد الاهتداء إلى الكلمة العربية والاصطلاح عليها، والإلحاح في استعمالها لفظًا وكتابة... وإني أذكركم أننا كنا نستعمل كلمة قومسيون وقوميتيه وجرنال وغازيته وأفوكاتو وكوليرا ووابور وقنصل وجنرال، ولما ابتدأ الصحافيون يغيرونها بلجنة وصحيفة ومحامٍ ووباء وقطار ومعتمد كنا نتقززها، فلما ألحوا في استعمالها زال التقزز شيئا فشيئا، حتى عفنا الكلمات الأولى فجازاهم الله عن العرب خيرا. فلِمَ لا يعمل المحدثون من الصحافيين مثل ما عمل الأقدمون؟ ولماذا لا يحذو مترجمو اليوم حذو مترجمي أمس؟ ولِمَ لا نساعد هؤلاء وهؤلاء على أداء ذلك الواجب؟
وبعدُ، فإني لم أفهم للآن وجهًا للتشبث بحب الأعجمي، فإما أن نكون مصابين بمرض الشعوبية، وهو تفضيل العجم على العرب، وإما أن نكون لاستضعافنا مُقلدين كما قال ابن خلدون، وإما أن يكون في طباعنا إخلاد إلى الراحة والسكون؛ فلا نريد أن نعاني أعمالاً جديدة لم نتعودها فتخدعنا هذه الطباع إلى تحسين ما نحن عليه...
وقد نشأ من التساهل في حياطة اللسان العربي أن تطرق الفساد إلى مادته وهيئته، وتولد عنه لسان آخر لا هو بالعربي ولا هو بالأعجمي، وسَمّاه الناس باللغة العامية أو الدارجة، وهو المُسْتَعمَل لهذا العهد في مصر والشام والعراق وجزيرة العرب والمغرب والسودان لا يتكلمون بغيره، وإن كانوا لا يزالون يكتبون بالعربية الفصحى أو ما يقرب منها.
وترى الطفل يتعلم العامية في أقلّ من خمس سنين، ولا يتعلم الفصحى في أقل من عَشْرٍ، والسبب في ذلك ظاهر، وهو أنه في أول أمْرِهِ لا يسمع غير العامية ولا يتكلم بغيرها، فهو أينما سار وحيثما ذهب مُشْتَغِل بها فترسخ في ذهنه رسوخ الإنكليزية في أذهان أطفال الإنكليز، وليس الحال كذلك في إبّان تعلّمه لغة الكتابة، ولو فرضنا صبيًّا نشأ في بلد يتكلم أهله بالعربية الفصحى بالسليقة وبعد سِنّ مخصوص يتعلمون العامية، ويستعملونها في الكتابة فقط لانعكس معه الحال، وتعلم العامية في أقل من عَشْرٍ، فليس من طبيعة اللسان العربي الصحيح شيء من الصعوبة، وإنما هي طريقة التلقين وبيئة التعليم.
وعلى كل حالٍ فالجمع بين العامية والفصحى يستنفد 15 سنة كان يغني عنها خمس لو اقتصر المعلم على إحداهما، ويضيع على كل متعلم عشْر سنين من عمره، فإذا تحققت الآمال، وصار التعليم إجباريًّا؛ فكم تخسر الأمة كل سنة من أعمار أفرادها؟
فإذا أخذنا المعدل السنوي للمواليد وهو 470000 وطرحنا منه معدل وَفَيَات الأطفال إلى سِنّ العشرة، ونفرض أنه النصف، يكون الباقي 235000 نضربه في عَشَرة أعوام، وهي مقدار ما يخسره كل واحد، فتكون النتيجة أن الأمة تخسر في كل عام عمل شخص واحد في 2.350.000 سنة، وبعبارة أخرى يفوتها ربح زراعة 1.275.000 فدان، على فرض أن الفدان يزرعه اثنان، وهي خسارة لا يحسن السكوت عليها (فيا ضيعة الأعمار تمشي سَبَهْلَلاً).
... تُترك العامةُ يتكلمون بما يريدون، وتُدرب التلاميذُ في المدارس على التكلم بالفصحى، ويُحبب إليهم التحاورُ بها كلما اجتمع لَفِيفٌ منهم حتى ترسخ فيهم ملكتها وتملك ألسنتهم دُرْبَتها، ويكون أخذهم بالتمرين تدريجيًّا يطبقونه على ما عرفوه، ويكملون محاورتهم بالعامية فيما لم يعرفوه، وكلما زادت درجتهم في التعليم زادت قوتهم في التطبيق إلى أن تهجر العامية، وتحل الفصحى محلها.
فإذا ضُمّ إلى ذلك مطالعة الصحف والمجلات العربية، وسماع الخطب العلمية في النوادي العربية، والتردد على معاهد العظات، ومشاهد التمثيلات، ومواقف المرافعات، وتعليم الفتيات، واحتذاء أساليب المُنْشِئين، وطبع كتب المبرزين، فإن اللغة العامية تنقرض في أقل من عشرين عامًا، وتخلفها اللغة الصحيحة، ويرجع اللسان العربي إلى عصر مجده وأيام سعده.
ولقد هَمّ المُرَبّي الكبير الشيخ محمد الخضري منذ عشرين سنة بإلزام تلاميذ المدارس بالتكلم بالعربية الفصحى ما داموا تحت نظر معلميهم وأخذ يُعد لهذا الأمر عُدَّته وعتاده، وسألني رأيي في ذلك وكنت معلمًا في مدرسة الحقوق، فقلت له: إن الأمر ميسور، والخطب سهل، فطلب إلىَّ تجربة ذلك قبل أن يصدر الأوامر، فقلت: نعم وكرامة، ولم يَمْضِ شهر حتى دعوته لشهود التجربة مع من شاء من المفتشين، فأَسْفرَتِ التجربة عن نجاح باهر وارتقاء ظاهر، فصمم على إمضاء عزيمته لولا احتجاج فريق من المعلمين؛ بل نفر من العاجزين، بأن التطبيق متعذر قبل حفظ اللغة وإتمام القواعد، ولولا التوكّؤُ على هذه المغالطة لَكانت العامية الآن في خبر كَادَ إن لم تكن في خبر كَانَ.
وبعد تركه لسلك القضاء عمل حفني ناصف كبيراً لمفتشي اللغة العربية بوزارة المعارف، وظل بها حتى أحيل إلى التقاعد سنة 1333= 1915 لبلوغه سن التقاعد وهي 60 سنة، وقبل أن يترك العمل بقليل قال هذه الأبيات:
برزتُ في سحرِ البيـانِ وشابَ فيه مفرقي
فقضيتُ عمري في البلاغة سابقاً لم أُلحـقِ
فاتَ الكثيرُ من الحيـاةِ وقلَّ منها ما بقي
وفي سنة 1333=1914 تولى السلطان حسين كامل الحكم، وكان رجلاً خبيراً عاقلاً حازماً، وفي أيامه أحالت وزارة المعارف المصرية إلى حفني ناصف تطبيق رسم المصحف الشريف الذي تريد طباعته على رسم مصحف الإمام عثمان بن عفان، وعاونه في هذا العمل أحمد السكندري والشيخ مصطفى العناني، وأراد السلطان أن يمنحه رتبة الباشوية فاعتذر عن قبولها، تواضعاً منه ومعرفة بقدره الذي تضيق به الرتب، كيف وهو القائل:
وبالخلائق تمتاز الخلائق لا ... بشارةٍ تجعل المعلوم مجهولا
لو لم يخَلْ ربُّها جهلَ الرجالِ به ... ما احتاج منها على معناه تدليلا
وما الكمال بموقوف على سِمة ... ما أوسعت قط أهل النقص تكميلا
ولم يقدر لهذا المصحف أن يصدر إلا في أيام الملك فؤاد سنة 1342، وعرف باسم مصحف الملك فؤاد، ويتسم بحرفه الجميل وتنسيقه الهادئ، لكونه لم يلتزم توزيع الأجزاء والربعات على عدد محدد من الصفحات، فكان عدد الكلمات في كل صفحاته متساوياً، فهو أروح للنظر وأسلس في القراءة.
ونشبت الحرب العالمية الأولى في سنة 1332=1914 فأدرك حفني ناصف ما ستحمله من كوارث على البلاد التي كانت تأن تحت وطأة الاحتلال البريطاني، فقال:
عسى الله يُلقي في الأعادي خصومةً ...فتُشغل عنا أو يخف لظاها
وإلا فإنا هالكون ضرورةً ... وأين قوانا من عظيم قواها

ولما اشتدت الحرب وصارت مصر تدفع الثمن في أمر لاناقة لها فيه ولا جمل، قال:
سنلقى اليوم أهوالاً شداداً ... فتنسينا الذي كنا لقينا
وكانت في الحياة لنا ظنونٌ ... وها قد صار مصرعُنَا يقينا
وفي سنة 1335 احتفلت الجمعية الخيرية الإسلامية بمرور 25 سنة على تأسيسها، فقال في ذلك قصيدة تبين فلسفته الاجتماعية المبنية على الإسلام، ومما جاء فيها نحو الطبقة الفقيرة والزُراع:
خلُّوا سواعدَهم تمتدّ ناشطةً ... زرعاً وصُنعاً وتطريقاً وتعدينا
وعلِّموهم على قدر استطاعتكم ... مبادىءَ العلم والأخلاقَ والدينا
فالعلم يرشدهم، والخُلق يسعدهم ... والدين يُقصي عن النفس الشياطينا
تَلقَى على كلِّ نفسٍ من مهابته ... في السرّ والجهر شرطيّاً وقانونا
إن خان صاحبَه الحظُّ استكان له ... وقال أمرٌ قضاه ربُّنا فينا
كم أظهر العلْمُ من  أطفالهم علمَاً ... فرداً وأخرج كنزاً كان مدفونا
اللهَ فيهم فحرثُ الأرضِ في يدهم ... يبدون مِن سرّها ما كان مكنونا
وهُم قيامٌ على الأنعامِ سائمةً ... وهُم طُهاةٌ  ونُسّاج وبانونا
لهمُ يدٌ كلَّ يومٍ في مرافقنا ... فلْتجْرِ مِن فوقِ أيديهم أيادينا
فبادروا بزكاة المال إنّ بها للنفس والمال تطهيراً وتحصينا
ألم ترَوا أن أهل المال في وجلٍ ... يخشّون مصرعهم إلا المزكينّا
فهل تظنونَ أن الله أورثكم ... مالاً لتشقوا به جمعاً وتخزينا
أو تقصروه على مرضاة أنفسكم ... وتحرموا منه معتَّراً ومسكينا
ما أنتمو غير قُوّام  سيسألكم ... إلهكم عن حساب المستحقينا
أنتم خلائفه في الأرض ألزمكم ... أن تَعْمُروها وتفتنّوا الأفانينا
ولن تنالوا نصيباً من خلافتهِ ... إلابأن تنفقوا مما تحبّونا
ثم يعاتب الأغنياء المقصرين الممسكين:
أليس جرماً على الإسلام أنّ له ... في مصرَ أكثر من عشرٍ ملايينا
ضَنّوا على مُعْوِزيهم بالقليل فلم ...  يصّدقوا غير ألفٍ  أو يزيدونا
لحفني ناصف مؤلفات قيمة كان لها وقع كبير في حينها، منها كتاب حياة اللغة العربية، في تاريخ الأدب العربي، والذي ألفه ودرّسه لطلبة الجامعة المصرية، وجمع ابنه مجد الدين ناصف شعره، في ديوان سماه شعر حفني ناصف، وفي سنة 1304 إلى سنة 1309 اشترك حفني ناصف مع عدد من أساتذة اللغة في تأليف كتب مدرسية للمدارس الابتدائية والثانوية، أسموها الدروس النحوية، وألفوها على الطريقة الحديثة بعيداً عن المتون والشروح والمختصرات، وتتكون كل مجموعة من عدة أجزاء، واعتمدتها وزارة المعارف العمومية وشيخ الأزهر محمد الأنبابي. وفي سنة 1310 أخرج مع مجموعة من الأساتذة كتب دروس البلاغة التي لقيت القبول كذلك وكانت تدرس في المدارس الثانوية، وفي سنة 1328=1910 صنف كتاب القطار السريع لعلم البديع، وهو مختصر في علم البديع، ألفه تحقيقاً لرغبة بعض طلاب مدرسة الحقوق.
وفي سنة 1918 أصيب حفني ناصف بشلل جزئي، ثم شفي وعاد إلى مراجعة المصحف الشريف الذي تطبعه وزارة المعارف، ولكنه فجع بوفاة ابنته مَلَك الملقبة باحثة البادية في محرم من سنة 1337= تشرين أول/أكتوبر سنة 1918، وحضر حفلَ تأبينها في الجامعة المصرية محمولاً لفرط ما أصابه من ضعفٍ وهمٍّ ومرض، حتى إذا وقف حافظ يرثيها قال:
وتركتِ شيخَكِ لا يَعِي ... هل غابَ زيدٌ أو حَضَر
ثَمِلاً  تُرَنِّحُـه الهمُومُ إذا تَمايلَ أو خَطَـر
كالفَرْعِ هزَّتـهُ  العواصفُ فالتوى ثم انْكَسَر
وعندما أنشد حافظ ذلك بكى حفني بك، وحملوه وهو يبكي، ولم يعش بعدها سوى بضعة أيام ثم لحق بابنته في يوم الثلاثاء 24 جمادى الأولى سنة 1337، الموافق 25 شباط/فبراير 1919.
أما ابنته، وكبرى أولاده، مَلَك حفني ناصف، الملقبة بباحثة البادية، المولودة سنة 1304=1886، فقد عملت بعد تخرجها في سنة 1322 في التدريس، واتجهت للنهوض بالمرأة المصرية، وأسست اتحاد النساء التهذيبي، وتزوجت أحد أثرياء الفيوم وهو الوجيه الفاضل عبد الستار بن حمد الباسل، الذي كان سليل أسرة عربية صميمة، محافظاً على الزي العربي، يرتدي الشملة البيضاء والطربوش المغربي، وتوفيت وعمرها 32 سنة.
وقد أربت شهرة البنت على شهرة والدها، وذلك لأنها كان رائدة النهضة النسوية في مصر، وقد قامت بذلك متأثرة بما أحرزه الغرب من تقدم على صعيد صحة الطفل وتعليم المرأة، ولكنها كان تدعو إلى ذلك على أسس تراعي الإسلام وتحترم التقاليد، كما يتبين لكل من قرأ مقالاتها وأشعارها، فقد رفضت التبرج وحثت على الفضيلة من خلال الالتزام الديني، ويكفى أن نشير أن السيد محمد رشيد رضا نشر لها في مجلة المنار وأثنى عليها وكتب عنها بعد وفاتها، وهذا مقتطف من محاضرة لها في النساء نشرتها المنار:
تخرج بعض نسائنا عن حدود الأدب والشرع زعمًا باتباع (المودة)، ولكن هناك فرقًا كبيرًا بين (المودة) والخلاعة، فإن لبست المرأة آخر الأزياء في بيتها فما عليها في ذلك من حرج، ولكن إذا أظهرت زينتها للمارة وظلت تتلكأ وتضحك، فتلك هي الخلاعة الشائنة...
لاحظت شيئًا غريبًا في الفتيات، وهو أن الفتاة التي تتبرج وتتأنق مغالية في إظهار محاسنها وغناها، تريد بذلك أن يُعجب بها الخاطبون والخاطبات، هي التي تتأخر دائمًا في الزواج، وإن تزوجت فبرجل أقل مما كان يُنتظر لمثلها، وهو عقاب طبيعي للمتبرجات، لأن الرجل مهما أعجبه شكل الخليعة وكلامها، فهو لا يود أن يقتنيها لنفسه اعتقادًا أن ما أعجبه منها ظاهر لغيره أيضاً، ولو فطنت الفتيات إلى أن أول شرط يشترطه الرجل في امرأته خاصة هو الحشمة والترفع عن البهرجة، لما تأخرن لحظة عن الإقلاع عما زعمنه يقربهن في أعين الراغبين في الزواج، وهو في الحقيقة يبعدهن وينفر الرجال منهن، لست بذلك أدعو النساء إلى التقشف أو البعد عن الزينة فليس لي أن أحرم ما حلل الله، ولأن في الزينة للمرأة بعض السعادة ولزوجها كذلك ولكن غرضي الاعتدال في الزينة إلى عدم الخروج عن المعروف.
وإلى جانب ملك، رُزِق حفني ناصف بستة أولاد، جلال الدين، ثم مجد الدين الذي سار على خطة والده في الأدب وصار أستاذاً في جامعة القاهرة، وجمع شعر والده في مجلد، وتوفى سنة 1395=1975، ثم حنيفة، ثم عصام الدين الذي درس علوم الطبيعة وله مقالات في العلوم والأحياء، وله قصة تتناول العلاقة بين الفلاح المصري وصاحب الأرض، اسمها عاصفة فوق مصر، ثم الطبيب صلاح الدين، ثم الطبيبة الجراحة كوكب المولودة سنة 1905 والمتوفاة سنة 1999.
نختم، وقد أطلنا، بحادثة وقعت لحفني ناصف مع الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي، المولود سنة 1298=1881 والمتوفى سنة 1356=1937، ورواها الأديب الكبير محمد سعيد العُريان، وهي تدل على خلق حر ترفع عن السفاسف واستقام على العدل والإنصاف، وتشجيع المواهب والفضلاء، ولنلاحظ أن الرافعي كان في سن أولاد حفني ناصف، قال الأستاذ العريان ما مختصره:
نشر الرافعي مقالة سنة1322=1905، صنف فيها شعراء العصر إلى طبقات، فجعل الطبقة الأولى منهم على الترتيب: الكاظمي، والبارودي، وحافظ، والرافعي، والطبقة الثانية على الترتيب: صبري، وشوقي، ومطران، وغيرهم من الشعراء وجعل آخرهم وذيلهم حفني ناصف!
وكان الرافعي يعمل في محكمة طنطا ولا يلتزم بساعات العمل الرسمي، بل ينهي ما يوكل إليه من أعمال على خير وجه ثم يترك العمل، وعرف ذلك منه رؤساؤه وقبلوه، وجاء المحكمة رئيس جديد فاشتكى عليه إلى وزارة الحقانية، يبلغها أن في محكمة طنطا كاتباً أطرش، لا يحسن التفاهم مع أصحاب المصالح على شدة اتصال عمله بمصالح الجمهور، وهو مع ذلك كثير التهاون بنظام المحكمة ومواعيد العمل ولا يخضع للرأي، وطلب الرئيس في آخر كتابه إقالة الرافعي من الخدمة.
وأرسلت وزارة الحقانية مفتشها لتحقيق هذه الشكوى، وكان المفتش هو حفني ناصف، ولم تكن بين الرافعي وحفني ناصف صلة ما إلى هذا الوقت إلا تلك الكلمة القاسية التي كتبها الرافعي بأسلوبه اللاذع عن شعراء العصر، وجعل فيها حفني ناصف ذيّل الشعراء.
وجاء حفني ناصف إلى الرافعي فحيا وجلس، وبسط أوراقه ليحقق، وقال الرافعي: قل لهم في الوزارة: إن كانت وظيفتي هنا للعمل، فليؤاخذوني بالتقصير والخطأ فيما يُسند إليّ من عمل؛ وإن كانت الوظيفة: تعال في الساعة الثامنة، واجلس على الكرسي كأنك مشدود إليه بحبل، فلا عليّ إن تمردت على هذا التعبد! قل لهم في الوزارة: إنكم لا تملكون من الرافعي إلا هذين الإصبعين ساعات من النهار!
واستمع الأديب الشاعر إلى حجة الأديب الشاعر، ثم طوى أوراقه، وحيا صاحبه ومضى، فلما كان في خلوته، كتب تقريره إلى وزارة الحقانية يقول: إن الرافعي ليس من طبقة الموظفين الذين تعنيهم الوزارة بهذه القيود، إن للرافعي حقاً على الأمة أن يعيش في أمن ودعة وحرية، إن فيه قناعة ورضى، وما كان هذا مكانه ولا موضعه لو لم يسكن إليه، فدعوه يعيش كما يشتهي أن يعيش، واتركوه يعمل ويفتنّ ويبدع لهذه الأمة في آدابها ما يشاء أن يبدع، وإلا فاكفلوا له العيش الرخيّ في غير هذا المكان!
وبلغ التقرير وزارة الحقانية، وانطوت القضية، وصار تقليداً من تقاليد المحكمة من بعد أن يغدو الرافعي ويروح لا سلطان لأحد عليه، وله الخيرة في أمره؛ ولكنه مع ذلك لم يهمل في واجبه قط، ولم ينس يوماً واحداً أنه في موضعه ذاك بحيث يرتبط به كثير من مصالح الجمهور.
وثم تولى حفني القضاء في محكمة طنطا فتقاربا وتوثقت بينهما أواصر الود؛ وكانت طنطا في ذلك الوقت حلبة من حلبات الشعر والأدب؛ فلا يمضي أسبوع حتى يقدم إليها أديب أو شاعر لزيارة الشاعرين: حفني والرافعي، فيقوم للشعر سوق ومهرجان.
ثم يروي الأستاذ العريان عن الأستاذ الأديب جورج إبراهيم، صديق الرافعي وصفيُّه منذ حداثته، قال: لقد كانت الصلة بين الرافعي وحفني أكثر مما يكون بين الأصدقاء، وكانا يتزاوران ويجتمعان كثيراً، وكنت أغشى مجلسهما أحياناً، فكنت أرى حفني يتواضع للرافعي ويتصاغر في مجلسه، على مقدار ما يتشامخ الرافعي ويتكبر ويدعي الأستاذية، حتى ليرى له الرأي في القضايا التي لم يدرسها حفني بعد، فلا يحكم فيها إلا بما حكم الرافعي!
رحمة الله على تلك الأنفاس.
 

الجمعة، 21 مارس 2014

حدث في السابع عشر من جمادى الأولى

 في السابع عشر من جمادى الأولى من سنة 979، الموافق 7 تشرين الأول/أكتوبر 1571، وقعت معركة ليبانتو البحرية بين الأسطول العثماني وأسطول العصبة المقدسة، المكونة من جمهورية البندقية ودولة البابا وملك إسبانيا وملك النمسا، وانجلت المعركة عن خسارة فادحة للأسطول العثماني، ورغم أن المعركة وقعت بسبب غزو العثمانيين لجزيرة قبرص، إلا أن الهزيمة لم تمنع استيلاءهم عليها أو توقف التوسع العثماني في البحر المتوسط، إلا أنها كسرت حاجز الوهم الأوربي أن العثماني لا يقهر، ورفعت من الروح المعنوية لدى شعوب أوروبا في حربها مع الإسلام والدولة العثمانية.
نشبت هذه المعركة في وسط حملة كبيرة قامت بها الدولة العثمانية يقودها السلطان سليم الثاني لإخراج البندقية من شرقي البحر المتوسط، وكانت جمهورية البندقية الصغيرة قد سيطرت على البحر الأدرياتيكي، وكان المسلمون والعثمانيون يدعونه بخليج البندقية، وكان لها وجود قوي شرقي البحر المتوسط قروناً طويلة لأغراض تجارية بحتة، وكانت سياستها تقوم على تغليب المصالح التجارية مع الدول، والبعد عن النزاعات العسكرية، والحفاظ على سفنها وتجارتها من القراصنة والضرائب الباهظة أو المعاملة السيئة في الموانئ لتجارها ومواطنيها، وكانت تسيطر على عدة موانئ في بحار الأدرياتكي وإيجة والمتوسط لترسو فيها سفنها وتتزود بالماء والمؤن إلى جانب التبادل التجاري المنتظم، وكانت سيطرتها على قبرص تدخل في هذا الإطار.
وكانت العلاقات بين البندقية وبين الدول الإسلامية في جنوبي وشرقي المتوسط علاقات قوية منظمة، مبنية على معاهدات دبلوماسية، وبخاصة في الحقبة المملوكية، حيث تورد كتب التاريخ لمحات خاطفة عن بعض السفارات بهذا الخصوص، وهيمنت هذه البلدة الصغيرة وسكانها المكافحين المغامرين على التجارة بين أوروبا وبين الشرق العربي ومن ورائه الهند والصين، وكان لها أسطول تجاري كبير وآخر عسكري لحمايته يصنعان في دار الصناعة بالبندقية، التي لا تزال تحمل الاسم العربي Darsena إلى يومنا هذا.
ونذكر استطراداً أن هذه الجمهورية التي كانت من أغنى بقاع الأرض بفضل تجارتها الواسعة، كانت جمهورية أرستقراطية، تستأثر فيها الطبقة الحاكمة بالحكم والسلطان، مع إنصاف وعدل فيما لا يمس سلطانها بسوء، قال المؤرخ الفيلسوف السويسري سيموند سسموندي في كتابه تاريخ الجمهوريات الإيطالية في القرون الوسطى: كانت البندقية فياضة الحزم والغيرة والطمع، جامدة في مبادئها، راسخة في سلطانها، تقترف باسم الحرية طرفا من أشنع مثالب الاستبداد، مشاكسة غادرة في السياسة، متسامحة مع الفرد، باذخة في الشؤون العامة، مقتصدة في الإدارة المالية، عادلة نزيهة في القضاء، قديرة في إزهار الفنون والزراعة والتجارة، محبوبة مطاعة من الشعب؛ يرتجف النبلاء الذين تمثلهم منها فرقا! ونضيف هنا أن البندقية، خلافاً لجمهورية جنوة الإيطالية أو البرتغال، كانت تضع المصالح التجارية قبل المصالح الدينية أو الاستعمارية، وإن كانت بين حين وآخر قد شاركت في الحملات الأوربية ذات الطابع النصراني، ولكنها شاركت مترددة وبالقدر الذي لا يهدد مصالحها مع الدول الأوربية ومع البابا بخاصة، ولذا كانت مشاركتها في الغالب ذات طابع مصلحي كتوفير السفن لنقل المقاتلين والمؤن.
وكانت قبرص واسطة العقد في ممتلكات البندقية، ضمتها إليها قبل قرابة 80 سنة، وكانت قبرص إلى ما قبل 150 سنة آخر قاعدة للصليبيين في المنطقة، ثم استولى عليها الجنويون مستقلين بها ولما هاجموا الإسكندرية في سنة 825 قام السلطان المملوكي بشن حملة عسكرية أخضعت الجزيرة التي صارت تدفع الجزية لخزاتة السلطان في القاهرة وأصبح ملكها يدين بالولاء للدولة المملوكية، وفي سنة 868 قام الملك جيمس الثاني بتسنم العرش بمساعدة قوة مصرية في سنة 868 وطرد الجنويين من فاماغوستا، وتزوج بنبيلة من البندقية تدعى كاترينا كورنارو، فلما توفي انتقل الملك إلى ابنه الذي ولد بعد وفاته، وكان من الطبيعي أن تستعين الملكة الأم بالبندقيين في إدارة البلاد وتقدم لهم التسهيلات، فازداد نفوذهم في البلاد إلى أن أقنعوها بالتخلي عن الجزيرة لجمهورية البندقية في سنة 894.
وكان القراصنة النصارى المسمون أوسكوكس Uskoks ينطلقون من البحر الأدرياتكي وينهبون سفن الحجاج والتجار المسلمين، ثم أصبحوا خطراً على المواصلات البحرية بين استانبول ومصر التي كانت أغنى ولايات الدولة العثمانية، ورغم أنهم كانوا يدينون بالولاء لإمبراطورية النمسة، إلا أن كونهم في منطقة نفوذ وهيمنة البندقية جعل العثمانيين يعتبرونها مسؤولة عن إيقافهم، وهدد العثمانيون البندقية أنهم سيرسلون قواتهم للقضاء على هؤلاء القراصنة، وكانت البندقية ترفض السماح للأسطول العثماني بدخول الأدرياتيكي وتعتبر ذلك اعتداءً على ممتلكاتها.
ولم يدرك البنادقة الخطر الكامن في استثارة الدولة العثمانية، وهي الدولة العظمى التي غضت النظر عن أن يكون لدولة صغيرة ونصرانية مثل البندقية موانئ استراتيجية في نحر وخاصرة الدولة العثمانية مثل جزر المورة أو البحر المتوسط، وبخاصة أنها كانت قد بدأت فعلاً في تفكيك بعض هذه الموانيء، وكانت أكبر هذه القواعد وأقربها للدولة العثمانية جزيرة قبرص، والتي كانت تشكل شوكة في صدر الإمبراطورية، إضافة إلى ما كانت الجزيرة تشتهر به من ثروات تعود بالضرائب على الخزينة العثمانية.
وجرت معركة ليبانتو في أيام السلطان سليم الثاني الذي تسنم سدة الحكم في سنة 974، بعد والده سليمان القانوني، ولم يكن مؤهلاً ليملأ الفراغ الذي تركه والده من متطلبات العرش وسياسة البلاد، فقد كان ميالاً للذات والنعيم، وما كان ليفلح في إدارة البلاد لولا أن أنعم الله عليه بوجود الصدر الأعظم محمد باشا صقللي، المولود في صُقُل بالبوسنة سنة 910 والمتوفى غيلة سنة 978، وكان صقللي رجل دولة من الطراز الأول، واسع النظر، بعيد الغور، له خبرة بالحرب البحرية حيث كان من قبل قائد الأسطول العثماني، وحاكم مقاطعة الروم، وتزوج بابنة السلطان سليم، وقام صقللي بعقد معاهدات مع النمسا وفرنسا وبولندا وإيران الصفوية حفظت للدولة العثمانية مهابتها ومكانتها بين الدول، وضمنت لها وقوف هذه الدول إلى جانبها أو على الحياد فيما قد يتم من حروب أو نزاعات.
وفي سنة 978=1570 أرسل محمد باشا صقللي الأسطول العثماني شمالاً إلى بحر اليونان والبحر الأدرياتيكي، واستولى على بعض موانئهما، وحاصر ما استعصى عليه منها، وشكل حملة مكونة من 100000 حندي لفتح جزيرة قبرص، فاستولت على ليماسول ثم نيقوسية، ثم حاصرت فاماجوستا وفتحتها بعد قرابة سنة، وأصبحت الجزيرة عملياً في قبضة العثمانيين، وكان العثمانيون متسامحين جداً في اتفاق الاستسلام الذي عقدوه مع حامية فماجوستا، ولكن قام بعض البنادقة بقتل حجاج مسلمين كانوا محتجزين في ثكنة فاماجوستا، فكان رد الفعل العثماني قاسياً جداً، فقد قطعوا رؤوس 5 من قادة البنادقة ثم أتوا بالحاكم العام مارك أنطونيو براجادين الذي أمر بقتل المسلمين فسلخوه حياً ثم حشوا جلده تبناً وساروا به في موانئ الأناضول.
والبنادقة قوم تجار عمليون، أدركوا ألا قِبَل لهم بالقوة العثمانية، وكانوا قد بدأوا اتصالاتهم مع القوى الأوربية التي يمكن أن ينضووا تحت لوائها ويتحالفوا معها لهزيمة العثمانيين، فانضم إليهم البابا بيوس الخامس الذي جمع آنذاك بين السلطة الدينية والقوة الدنيوية فقد كانت له دولة ذات سطوة وعساكر، وانضم إليهم الملك فيليب الثاني ملك أسبانيا، وانضمت إليهم من إيطاليا جمهورية جنوة ودوقيات توسكانية وسافوية وأوربينو وبارما، وفرسان القديس يوحنا من مالطة. وتركت العصبة الباب مفتوحاً لتنضم إليها ألمانية أو الإمبراطورية الرومانية المقدسة وفرنسة والبرتغال، ولكن ألمانية فضلت أن لا تخرق الهدنة مع استانبول، وكانت فرنسة في حلف مع العثمانيين ضد أسبانيا، ولم يكن لدى البرتغال أية قوات تقدمها فقد كانت مشغولة بحروبها في المغرب في البر ومع العثمانيين في البحر الأحمر وبحر الهند.
كان التحالف في بدايته ضعيفاً، ولوّح البنادقة في البداية بخطر اندفاع العثمانيين واستيلائهم على إيطالية، ولكن ذلك بدا احتمالا جد بعيد، فلم يكن له الوقع الذي أرادوه، فلما وقعت حادثة السلخ والتمثيل، استغلوها وركزوا عليها دون أسبابها في إثارة الرأي العام وتوحيد العصبة حول هدف واحد محدد وهو محاربة الكفار المسلمين دون توقف أو هوادة حتى النصر!
وقررت العصبة المقدسة أن تحشد في مسينا في صقلية أسطولاً لمواجهة العثمانيين في البحر، واكتمل هذا الحشد في أول ربيع الثاني من عام 979، أي بعد قرابة سنة من سقوط نيقوسية بيد العثمانيين، وكانت فاماجوستا على وشك السقوط، فاتجه الأسطول إلى أقرب مواجهة ممكنة للعثمانيين الذين أرسى أسطولهم في خليج باترا قرب ليبانتو، وهي اليوم نافابكتوس Nafpaktos، فكانت هذه المعركة.
وضم أسطول العصبة المقدسة 62100 جندي وبحار، وتكون من حوالي 219 سفينة حربية تدعمها 100 سفينة أخرى، وتكونت السفن الحربية التي كانت تتحرك بالمجاديف من 140 سفينة بندقية، و70 سفينة أسبانية، 12 سفينة تابعة للبابا و9 سفن من رهبان مالطة، وضم كذلك 6 سفن حربية ضخمة تتحرك بالمجاديف والأشرعة، ملئ سطحها بالمدافع الضخمة كذلك،  ورغم ضخامتها التي تجعل مناورتها صعبة بطيئة إلا أن مدافعها كان لها دور حاسم في المعركة.
وعهدت العصبة المقدسة بقيادة أسطولها للأمير دون خوان النمساوي، الأخ غير الشقيق للملك الأسباني، والابن غير الشرعي للأمبراطور شارل الخامس ملك أسبانيا وأرشيدوق النمسا، وكان عمره آنذاك 23 سنة، واستطاع بحماسته وشخصيته واسمه الملكي تشكيل أسطول كفؤ من السفن التي تحت يده رغم تباينها وتناحر قادتها المتناحرين من الأمراء والنبلاء الأسبان والإيطاليين.
وكان الأسطول العثماني يتكون من حوالي 205 سفينة حربية وما بين 35 إلى 68 سفينة حربية أصغر،  وضم 57700 جندي وبحار، وكان يقوده مؤذن زاده علي باشا صهر السلطان ووالي مصر السابق، والمعروف بتدينه وتصوفه، ومحمد سولاق والي الإسكندرية السابق، وعلوج علي حاكم الجزائر، وهو الوحيد المتمرس بحرب البحار، فقد كانت أغلب خبرة القائدين الأولين في الحروب البرية، وهناك بعض الروايات التي تتحدث عن اختلاف في أراء القادة الثلاثة حول خطة القتال، وتعزوه لتباين الخبرة، ويبني عليها بعض المؤرخين رأيه أن لذلك دوراً كبيراً في الخسارة التي تعرض لها الجانب العثماني، وتذكر هذه الرواية أن علوج علي كان مدركاً أن أسطوله هو الأضعف وأن بحارته كانوا منهكين، ولذا فقد أشار باتحاذ موقف دفاعي في خليح ليبانتو، ولكن علي باشا، وهو قائد الأسطول، قرر أن يكون هو البادئ بالهجوم.
وقد تبدو هذه الأرقام متقاربة، ولكن الطرف العثماني كان الأضعف، فقد كان لديه 741 مدفعاً وكان لدى العصبة المقدسة 1344 مدفعاً، وكذلك تشير الروايات العثمانية إلى نقص في عدد الجنود لديهم بسبب قتلاهم وجرحاهم في المعارك التي سبقت، كما أن كثيراً من طواقم السفن المحلية المرابطة في اليونان كان قد عاد إلى بلاده في إجازة الشتاء المعتادة.
تقدم أسطول العصبة في أربعة تشكيلات واشتبك مع الأسطول العثماني في قتال كلاسيكي يتكون من ميمنة وميسرة وقلب ومؤخرة، وفي البداية استطاع محمد سولاق أن يلتف حول ميسرة أسطول البندقية، وأغرق منها عدة سفن وأصيب قائدها أجستينو بارباريجو إصابة مميتة، ولكن سفناً أخرى أفلتت وانضمت إليها سفن هرعت من المؤخرة واستطاعت القضاء على الميمنة العثمانية في فترة وجيزة، وقضي فيها محمد سولاق شهيداً، أما القلب فجرت معركة عنيفة فيه قادها على باشا من على سفينته سلطانة، وكانت خطته نقضي بأن يواجه التفوق الناري للعدو من خلال الصمود حتى تلتف المؤخرة العثمانية بقيادة علوج علي حول طرفي الأسطول المسيحي وتدمره، وتقدم علي باشا رغم القنابل التي لم تتوقف حتى اصطدم بسفينة القيادة الأسبانية ريال وصعد رجاله عليها، ولكن لم يكن لديه العدد الكافي للاستمرار فانكسر واستشهد في القتال، واستولى الأسبان على سفينته وانهار قلب الأسطول العثماني، وأغرقت أو أخذت كل سفنه، وقتل الأسبان على الفور كل من وقع تحت يديهم من رجاله.
ووقعت معركة أخرى بين سفن علوج علي وبين سفن جان أندريا دوريا، ابن أخي الأدميرال الإيطالي الشهير، واستطاع علي في البداية أن يهاجم سفن درويا في الوسط والميمنة، وأن يعطب أو يغرق 15 سفينة وأن يفكك ميسرته، وأن يستولي على سفينة القيادة المالطية ويأخذ رايتها، وأراد علوج بعدها أن ينجد القلب وعلي باشا، ولكن كان أولئك قد طوتهم الكسرة، وأرسل القائد الأسباني ما لديه من سفن لضرب سفن علوج علي، الذي رأى استحالة تغيير الموقف فقرر الانسحاب، وخرج إلى البحر المفتوح مع 30 سفينة، وانجلت المعركة بعد 4 ساعات من القتال بانتصار ساحق للعصبة المقدسة حيث أغرقت 94 سفينة وغنمت 117 سفينة وخسر العثمانيون 30000 قتيل، فيما خسر أعداؤهم 8000 قتيل.
وللأهمية نذكر هنا عجالة سريعة عن ريّس علوج علي، كما تعرّفه المصادر التركية، فهو إيطالي الأصل اسمه جيوفاني جاليني، ولد سنة 925=1519 في قرية في كالابريا في جنوب إيطالية، وأخذ أسيراً وهو في الرابعة والعشرين، واعتنق الإسلام، وأصبح بفضل مقدرته البحرية أحد قادة أسطول ريس درغوث، وترقى حتى أصبح والياً على جزيرة ساموس في بحر إيجة، ثم والياً على الإسكندرية،  ثم طرابلس الغرب، ثم نائب السلطنة في الجزائر، وشارك في معركة ليبانتو وانسحب منها بسفنه وضم إليه السفن الناجية الأخرى، فوصل إلى استانبول ومعه 87 سفينة، وقدم للسلطان الراية المالطية، وأنعم عليه السلطان بلقب كيليج أي السيف، وعينه قائداً للأسطول، وكانت له صولات وجولات حتى أدركته المنية في استانبول سنة 995= 1587ودفن في جامعه الذي يحمل اسمه وبناه المعمار الشهير سنان باشا. والطريف أن كاستِلّا، القرية الإيطالية التي ولد فيها، قد وضعت له تمثالاً في إحدى ساحاتها كأحد أبنائها البارزين.
أثار انتصار العصبة المقدسة في ليبانتو حماسة قائدها الأمير دون خوان لشن مزيد من الهجمات على العثمانيين، ولكن أخاه الملك فيليب كان عاقلاً فكبح جماحه المرة تلو الأخرى، وسمح له بغزو تونس في سنة 980 ولكن العثمانيين استردوها في السنة القادمة، ثم جعله أخوه حاكماً على هولندة التي كانت خاضعة للتاج الأسباني، وبقي يتطلع إلى انتصارات تنتظره، فحلم بغزو بريطانية، وواجهته مصاعب ومتاعب أراحه منها موته سنة 986=1578، ودفن في مدافن النبلاء في الأسكوريال قرب مدريد.
وكان السبب في تعقل الملك فيليب أنه في أيام والده شارل الخامس قبل قرابة 30 سنة، لقي الأسطول الأسباني البندقي بقيادة الأدميرال الجنوي أندريا دوريا هزيمة ساحقة في بريفزيا باليونان أمام الأسطول العثماني الذي قاده خير الدين بارباروسا، ومهد بذلك للهيمنة العثمانية على شرق المتوسط.
ولكن المعركة منحت الأسبان عن جدارة الشرف الذي تطلعوا إليه، وهو أن يكونوا المُدافع الأول عن الكاثوليكية في أوروبة، وهو شرف اعتزوا به وأيدوا من أجله سياسات الملك الدينية والإستعمارية في هولندة وضد بريطانية وألمانية رغم ما جرته عليهم من تكاليف باهظة في المال والأرواح.
أعطى انتصار القوى المسيحية مجداً عظيماً للبابا بيوس الخامس كان في أمسّ الحاجة إليه، فقد جعلته قراراته غير الواقعية على شقاق مع أغلب ملوك زمانه بما فيهم ملك أسبانيا حليفه في العصبة المقدسة، وأعلن البابا أن أكتوبر، شهر الانتصار، شهر الحمد والشكر، ولكنه لم يعش طويلاً ليتمتع بهذا المجد فقد مات بعد المعركة بستة أشهر.
خلد هذا الانتصار أدباء وفنانو ومعماريو أوربا الكاثوليكية، وقد شارك فيها وجرح ميخويل سرفانتس مؤلف قصة دون كيشوت، وكان عمره سنة 24 سنة، وخلدها شاعر أسبانيا الأول في زماته، فرناندو دي هيريرا، المتوفى سنة 1597، في كتاب اسماه حرب قبرص ومعركة ليبانتو البحرية، وفي مسينا التي انطلق منها أسطول العصبة المقدسة تجد في ميدان ليبانتو تمثالاً للقائد دون خوان، وإذا قادتك الرحلة إلى مدينة مارينو الإيطالية الصغيرة الواقعة جنوب شرقي روما بالقرب من كاستل جوندولفو المنتجع البابوي، فستجد في ساحة المدينة نافورة العبيد الأربعة التي أنشئت ذكرى لانتصار ليبانتو، وستجد على الحائط في كنيسة القديس بارنابا درعاً تركياً من أسلاب تلك المعركة.
ويزعم بعض المؤرخين أنه لم تكن لهذه المعركة أية عواقب استراتيجية ملموسة، اللهم نتائجها المعنوية الباهرة، ويستندون في ذلك إلى أن العثمانيين أعادوا بناء الأسطول في زمن وجيز، حتى أن السفير الفرنسي في استانبول كتب إلى دولته بعد 7 أشهر من معركة ليبانتو يقول: إن قائد البحرية العثماني على أهبة الاستعدار ليبحر ثانية مع 200 سفينة كبيرة و100 أصغر، وما كنت لأصدق عظمة هذه المملكة لو أنني لم أر ذلك بأم عيني!
ويستندون كذلك إلى أن البندقية الحريصة على استعادة نشاطها التجاري في أقرب وقت تنازلت عن قبرص للسلطان العثماني في سنة 982=1573، وحتى أسبانيا أدركت أن الوجود العثماني لا يمكن دحره، فوقعت اتفاقية هدنة مع العثمانيين في سنة 988=1580، وينبغي أن نذكر أن العصبة المقدسة انحلت بعد توقيع اتفاق سنة 982 مع البندقية، وبعد أن غيب الموت البابا بيوس الخامس المحرك القوي لهذه الحرب.
ولكن الواقع يقول إن هذه كانت أول موقعة تشتبك فيها الدولة العثمانية مع أكثر من دولتين من الدول الأوربية، فكان هذا الانتصار حافزاً للدول الأوربية على التحالف والتعاون إزاء الخطر العثماني، وخرجت البندقية وقد سلم لها، إلى حين، ما بقي لها من موانئ في شرق المتوسط، وأهمها جزيرة كريت، ورغم أن العثمانيين بنوا الأسطول من جديد إلا أنهم لم يستطيعوا تعويض الخسائر البشرية من البحارة والمقاتلين المتمرسين بقتال البحر، ولذا كان علوج علي، قائد الأسطول، أكثر حنكة من أن يتعرض في معركة كبيرة للأساطيل المسيحية بجنوده المتدربين، وأضحى الأسطول العثماني أكثر تحفظاً وأقل طموحاً في معاركه ومواجهاته.    

 
 

الجمعة، 14 مارس 2014

حدث في العاشر من جمادى الأولى

 في العاشر من جمادى الأولى من سنة 791، أعاد الملك الظاهر برقوق الخطبة بالقاهرة للخليفة العباسي المتوكل على الله، بعد أن بقي قرابة ست سنوات معزولاً محجوراً، والمتوكل على الله هو أبو عبد الله، محمد، ابن أبي بكر المعتضد بالله، ابن سليمان المستكفي، ابن أحمد العباسي، من خلفاء الدولة العباسية الثانية بمصر، وأحد أطول خلفائها مدة، دام في الخلافة 45 سنة.

وكان الملك الظاهر برقوق، المولود سنة 738، قد انتزع السلطنة من الملك الصالح سنة 784، وتسمى بالملك الظاهر، وكان أول من بايعه الخليفة المتوكل على الله، ولكنه ما لبث فيما يبدو أن طمح إلى السلطنة، فتآمر لقتل الظاهر برقوق مما أدى إلى عزله في منتصف سنة 785.
فقد وشى أحد الأمراء للسلطان برقوق أن الخليفة قد أشركه في مؤامرة يدبرها مع عدة أمراء لقتل الملك الظاهر وتولية نفسه، وقال إن الخليفة طلبه وقال له: هؤلاء ظَلَمة، وقد استولوا على هذا الملك بغير رضائي، وإني لم أقلد برقوقاً السلطنة إلا غصباً، وقد أخذ أموال الناس بالباطل، ودعاه للقيام لله تعالى ونصرة الحق. وكانت المؤامرة تقضي أن ينقض المتآمرون على السلطان ويقتلوه عند نزوله من القلعة إلى الميدان للعب بالكرة.
وجمع الملك المتآمرين وحقق معهم، فأقر بعضهم بما نمى إليه، ونفى الخليفة كل ما قيل، فأمر الظاهر برقوق بسجنه في برج الحية بقلعة الجبل، وعين محله ابن عمه عمر بن إبراهيم بن الحاكم بأمر الله العباسي، الذي لُقِب بالواثق بالله، ثم مات الواثق سنة 788 فعين محله أخاه زكريا ولقب المستعصم بالله، واستمر في الخلافة وبقي المتوكل محبوساً جتى أفرج عنه برقوق في 2 جمادى الأولى من سنة 791.
وكان من شعراء ذلك الوقت شهاب الدين ابن العطار، أحمد بن محمد بن علي الدنيسري، المولود سنة 746 والمتوفى سنة 794،  وكان شاعراً مكثراً ينظم في ما يجري من أحداث معبراً عن الرأي العام، فلما سُجِنَ الخليفة، واستهجن ذلك الناس وتعاطفوا مع المتوكل على الله، قال شهاب الدين ابن العطار:
أبشر أمير المؤمنين فما جرى ... أقوى دليل أن عزك سرمد
لا تختشي فيد العدا مغلولة ... ويد الخلافة لا تطاولها يد
وما كان الخليفة المتوكل ليخرج من سجن برقوق، لولا حركة تمرد بدأ بها الأمير يلبُغا الناصري في حلب، وكان من جملة مآخذها على السلطان برقوق أنه خلع الخليفة الشرعي وسجنه، وضيّق برقوق في البداية على الخليفة السجين ومنع عنه الناس، ولكن لما انضمت دمشق إلى التمرد، بدا لبرقوق أن يستل أحد عناصر النقمة عليه، فاستدعى في منتصف ربيع الأول من سنة 791 شيخَ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني إلى مسجد داخل القلعة، واستدعى الخليفةَ المتوكل على الله من محبسه، فقام إليه وتلقاه، وأخذ في ملاطفته والاعتذار إليه، وتحالفا، ومضى الخليفة إلى موضعه، فبعث إليه السلطان عشرة آلاف درهم، وعدة بُقج فيها صوف وثياب سكندرية وفرو، قيمتها نحو ألف دينار، فبعث الخليفة بجزء وافر من ذلك إلى شيخ الإسلام، وإلى والي القلعة.
ولما قوي تمرد يلبغا أفرج برقوق عن الخليفة المتوكل، في الثاني من جمادى الأولى، وأرسل إليه أميرين من الأمراء الكبار، فأحضراه إلى السلطان فقام إليه وتلقاه وأجلسه، وأشار إلى القضاة فحلَّفوا كلا منهما للآخر، فحلفا على الموالاة والمناصحة، وخلع السلطان على الخليفة، وأركبه فرساً شهباء بسرج وكنبوش وسلسلة ذهب، فركب ونزل من القلعة إلى داره، وركب معه الأمراء والقضاة، ونشرت على رأسه الأعلام السود، في موكب جليل إلى الغاية، وفرح الناس به فرحاً عظيماً، ولم يبق أحد حتى خرج لرؤيته فكان يوماً مشهوداً، وأُعيدت إقطاعاته ورواتبه، وأُخلي له بيت بالقلعة ليسكنه، فنقل إليه حرمه، وسكنه، وصار يركب وينزل لداره، ويسير حيث شاء، من غير ترسيم، إلا أنه لا يبيت إلا بمنزله من القلعة.
ولم تكن هذه أول مرة يخلع فيها السلطانُ الخليفة، فقد خلع معز الدولة البويهي الخليفة المستكفي في بغداد سنة 334، بل لم تكن أول مرة يُخلع فيها المتوكل على الله، فقد خُلع لفترة وجيزة في سنة 779! ولذلك قصة:
وكان الخليفة المتوكل على الله، المولود في القاهرة بعد سنة 740، قد بويع بالخلافة في سنة 763بعد وفاة أبيه بعهد منه، وسارت الأمور بهدوء حتى أراد الأمير الكبير أينبك أن يخلع الملك المنصور علي بن الأشرف، وأن يجعل في السلطنة الأمير أحمد بن الأمير يلبغا العمري، فرفض ذلك المتوكل على الله وتعلل بأنه ابن أمير وليس من بيت الملك، وأبى ذلك تماماً، فسبه الأمير أينبك، وقال له: ما أنت شاطر إلا في اللعب بالحمَام، والاشتغال بالجواري المغنيات، والضرب بالعود. ونهره، وأمر به فأخرج منفياً إلى قوص، فنزل خارج القاهرة ريثما يتجهز للسفر، وفي اليوم التالي ومن الغد طلب أينبك ابن عم الخليفة المتوكل نجمَ الدين زكريا بن إبراهيم ابن الخليفة الحاكم بأمر الله العباسي، وخلع عليه، واستقر به في الخلافة عوضاً عن المتوكل على الله، ولقبه بالمعتصم بالله، من غير مبايعة، ولا خلع المتوكل من الخلافة نفسه، وبات الناس في قلق، وعلى تخوف من اختلاف الأمراء وتقاتلهم، واستمرت الأزمة 20 يوماً، وأعيد بعدها المتوكل للخلافة.
وهنا يجدر أن نذكر شيئاً عن الملك المنصور علي ووالده الملك الأشرف شعبان، فقد تولى الملك الأشرف شعبان الحكم سنة 764 وعمره 10 سنوات، ولما اتفق الأمراء على سلطنته أحضروا الخليفة المتوكل على الله والقضاة الأربعة فبايعوه، وفي آخر سنة 778 كان الملك الأشرف في العقبة عندما تمرد عليه بعض أمرائه وكسروه فهرب للقاهرة، وجاء الأمراء المتمردون إلى الخليفة المتوكل على الله، وكان أيضاً في صحبة السلطان الملك الأشرف وقالوا له: يا أمير المؤمنين تسلطن ونحن بين يديك. فامتنع الخليفة من ذلك، وقال: بل اختاروا من شئتم وأنا أولِّيه.
ومن غرائب الصدف أن يقع تمرد في القاهرة في نفس الوقت، وأشاع المتمردون أن السلطان الأشرف قد قتل في العقبة، ونادوا بتنصيب ابنه وولي عهده الطفل علي، وعمره حوالي 7 سنوات، وأرادوا بذلك استمالة الناس إليهم، فقد كان الملك الأشرف محبوباً لعدله وحسن إدارته وفطنته، ولما وصلت أيديهم إلى الملك الهارب قتلوه، وما عاد أمامهم مناص من تنصيب ابنه، فاستدعوا الخليفة المتوكل على الله والقضاة وجددوا البيعة للملك الطفل، على أن يكون الأمير أيبنك البدري هو الوصي عليه والمدبر لأمور المملكة، فما كان منه بعد بضعة شهور إلا أن أراد خلع الملك المنصور وتولية غيره فعارضه الخليفة المتوكل على الله، فخلعه وعين ابن عمه كما رأينا.
ثم دارت الدائرة على الأمير أينبك وقتله الأمراء بعد أيام، وما لبث الملك المنصور أن توفي بالجدري سنة 783، فاتفق الأمراء على تعيين أخيه الكبير واسمه أمير حاج أو حاجي ولقبوه بالملك الصالح، وكان عمره حوالي 9 سنوات، على أن يكون الأتابك برقوق أتابك العساكر ومدبر الممالك لصغر سن السلطان، فبايعه الخليفة، وحلف له الأمراء وباسوا يده، وخلع على الخليفة المتوكل على الله خلعة جميلة، وجرت قراءة مرسوم الخليفة بتعيين الملك في حضور الخليفة والقضاة والأمراء والعساكر، وعند فراغ القراءة أخذ كاتب السر التقليد وقدمه للخليفة، فعلَّم عليه بخطه.
وكان من المحتم أن يقوم برقوق بتقوية مركزه واستمالة الأنصار ثم أن يخلع الملك، وهكذا تسلطن برقوق في رمضان سنة 784، وجرت بيعته في اجتماع ضم الخليفة المتوكل على الله والقضاة وشيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، وخطب المتوكل على الله خطبة بليغة، ثم بايعه على السلطنة وقلده أمور المملكة، ثم بايعه من بعده القضاة والأمراء.
وفي سنة 785 جرى ما ذكرناه حول المؤامرة التي بلغت الظاهر برقوق، فأمر بسجن المتوكل، حتى أفرج عنه في سنة 791 بعد أن اشتد أزر التمرد الذي قاده الأمير يلبغا الناصري في بلاد الشام.
ونعود للتمرد الذي امتد حتى دق أبواب القاهرة بعد أسبوع، وشارك الخليفة المفرج عنه حديثاً في ترتيبات السلطان للدفاع عن القاهرة ورفع معنويات سكانها، فقد خرج في 6 جمادى الأولى على فرس مع الأمير سودون الشيخوني نائب السلطة، وقضاة القضاة، وشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني، فكان الموكب للخليفة وبجانبه شيخ الإسلام وبين يديه النائب والحجاب والقضاة والأعيان، وداروا، ورجلٌ على فرس أمامهم يقرأ من ورقة، أن السلطان قد أزال المظالم، وهو يأمر الناس بتقوى الله، ولزوم الطاعة، وأنا قد سألنا العدو الباغي في الصلح، فأبى وقد قوي أمره، فاحفظوا دوركم وأمتعتكم، وأقيموا الدروب على الحارات والسكك، وقاتلوا عن أنفسكم وحريمكم. فتزايد خوف الناس وقلقهم، وشرعوا في عمل الدروب وشراء الأقوات، والاستعداد للقتال والحصار، وكثر كلام العامة وانتقاصهم للدولة، وتجمع الزعر والدُعَّار ينتظرون قيام الفتنة، لينتهبوا الناس.
وانضم إلى تمرد يلبغا الناصري كثير من الأمراء أرسالاً، وعلى رأسهم الأمير تمر بغا الأفضلي المعروف بمنطاش، وحشد السلطان برقوق قواته ومعه الخليفة المتوكل، واشتبك مع جيش يلبغا الناصري ثم انهزم أمامه واختفى، ثم أُخِذَ وأرسل منفياً إلى الكرك في 22 جمادى الآخرة وبقي فيها معززاً مكرماً.
ولما اختفى الملك الظاهر برقوق سار الأمير منطاش في اليوم التالي إلى القلعة، وأخذ الخليفة المتوكل وعاد به إلى الأمير يلبغا الناصري، فقام إليه وتلقاه، وأجلسه بجانبه، وقال له أمام الأمراء: يا مولانا أمير المؤمنين ما ضربت بسيفي هذا إلا في نصرتك! وبالغ في تعظيمه وتبجيله، وحضر القضاة والأعيان، ثم قام الخليفة إلى خيمة أعدت له، والقضاة إلى خيمة أخرى، واجتمع الأمراء للتشاور في أمر من يتسلطن، واستقر الحال على إعادة الملك الصالح في الملك، فأُجلس على تخت الملك، وغيَّر لقبه إلى الملك المنصور.
ولم تمض شهور حتى وقع الخلاف بين بين الأمير يلبغا الناصري وبين الأمير منطاش، فأرسل يلبغا الخليفةَ المتوكل على الله إلى منطاش يسأله في الصلح وإخماد الفتنة، فذهب الخليفة إليه وكلمه في ذلك، فأبى وقال: والله ما أرجع عنه حتى أقتله أو يقتلني! فعندئذ هجم عليه يلبغا بجنوده وجرت بينهما وقعة انجلت عن انكسار يلبغا، فقبض عليه منطاش وحبسه بالإسكندرية مع عدة من أصحابه من أعيان الأمراء، وأرسل منطاش إلى الكرك رسولاً يأمر بقتل الظاهر برقوق ليصفو له الجو.
ولكن أمير الكرك رفض تنفيذ الأمر وأخرج السلطان برقوق من السجن، واجتمع حوله عدد من مماليكه من الأمراء كان منطاش ويلبغا قد نفوهم إلى الشام، وتتابع المنضمون إلى برقوق فاتجه إلى دمشق وناوشها، وخرج منطاش بالسلطان الملك المنصور حاجي والعساكر المصرية لقتال الملك الظاهر برقوق، ومعه الخليفة المتوكل والقضاة، ، والتقوا في أول سنة 792 في شقحب جنوبي دمشق، وكانت الكسرة على الملك الظاهر برقوق، وهرب الأمير كمشبغا الحموي نائب حلب، فتبعه منطاش هو يظن أنه برقوق، واستمر كمشبغا متوجهاً إلى حلب، وهو لا يعلم ما وقع من بعده.
وبقي مع الملك الظاهر نحو 200 مملوك، انحاز بهم إلى تلة، فرأى منها الملك المنصور والخليفة المتوكل والقضاة، فاتجه إليهم واحتوى عليهم وعلى أثقالهم من غير أن يقاتله أحد، ثم تراجع إليه بعض أمرائه وعسكره وجماعة من أمراء الجيش القادم من مصر لمقاتلته، فعادت القوة إلى معسكره، ورجحت كفته.
وتنازل الملك المنصور لبرقوق عن المملكة، وقام الخليفة المتوكل بمبايعته ثم بايعه القضاة والأمراء، ولما رجع منطاش ليقضي على برقوق، كانت الكسرة على منطاش فعاد وتحصن بدمشق، فأراد الملك الظاهر أن يتبعه، فمنعه من ذلك أعيان دولته وقالوا له: أنت سلطان مصر أم سلطان الشام؟ امض إلى مصر واجلس على تخت الملك، فتصير الشام وغيرها في قبضتك! فصوب الملك الظاهر هذا الرأي، وسار من وقته بمن معه من الملك المنصور والخليفة والقضاة إلى جهة الديار المصرية، ودخل القاهرة في صفر 792، واستقبل الناس موكبه بالفرح والسرور، وكانت العادة أن تعطى الزينات لمماليك دار السلطان فأمرهم بتركها للعامة الذين نثر عليهم الذهب والفضة.
ولما وصل برقوق اصطبل القلعة استَدعى الخليفةَ المتوكلَ على الله وشيخ الإسلام وقضاة القضاة وأهل الدولة، فجددوا له في الاصطبل عقد السلطنة والتفويض من الخليفة، فشهد بذلك القضاة على الخليفة ثانياً، وأفيضت التشاريف الخليفتية على السلطان، ثم أفيضت التشاريف السلطانية على الخليفة، وركب السلطان من الإصطبل، وصعد القلعة، وتسلم قصوره، وجلس برقوق على تخت الملك سلطاناً من جديد، وأرسل برقوق بالإفراج عن الأمير يلبغا الناصري وغيره من الأمراء من سجن الإسكندرية، وجرد جيشاً لقتال منطاش والقضاء عليه وجعل على رأسه الأمير يلبغا الناصري.
ولم يتعرض السلطان برقوق بعدها للخليفة بسوء، بل أمضى بقية أيامه معززاً مكرما، ولكن على هامش الأحداث، قال المقريزي في السلوك في أحداث سنة 801: أهلَّ هذا القرنُ التاسع وخليفة الوقت أمير المؤمنين المتوكل على الله، وليس له أمر ولا نهي ولا نفوذ كلمة، وإنما هو بمنزلة واحد من الأعيان، وسلطان الديار المصرية، والبلاد الشامية، والحرمين الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد برقوق بن أنص أول ملوك الجركس.
وفي شوال من سنة 801 توفي السلطان برقوق بعد مرض دام 10 أيام، ولما شعر السطان بقرب منيته، استدعى الخليفةَ المتوكل والقضاة وسائر الأمراء، فحدثهم في العهد لأولاده. فابتدأ الخليفة بالحلف للأمير فرج ابن السلطان أنه هو السلطان بعد وفاة أبيه، ثم حلف بعده القضاة والأمراء، فلما تم الحلف لفرج، حلفوا أن يكون القائم بعد فرج أخوه عبد العزيز، وبعد عبد العزيز أخوهما إبراهيم، وأسند برقوق إلى عدد من الأمراء مناصب يتولونها في دولة ابنه القادمة، ووجعل الخليفة المتوكل ناظراً على الجميع.
ومات برقوق تاركاً وراءه من الذهب ألف ألف دينار وأربعمئة ألف دينار، ومن الغلال والنقود والأعسال والسكر والثياب وأنواع الفرو ما قيمته ألف ألف وأربعمئة ألف دينار. ومن الجمال نحو خمسة آلاف جمل، ومن الخيل نحو سبعة آلاف فرس، وبلغت رواتب مماليكه في كل شهر نحو تسعمئة ألف درهم فضة، وبلغت عدة مماليكه خمسة آلاف مملوك.
وتمت البيعة للملك فرج الذي لُقِب بالملك الناصر، واجتمع كبار الأمراء وسائر أمراء الدولة، واستدعوا الخليفة وقضاة القضاة، وشيخ الإسلام البلقيني، فلما اكتمل الجمع، أحضروا فرج بن السلطان الملك الظاهر برقوق، وخطب الخليفة، وبايعه بالسلطنة، وقلده أمور المسلمين، وأحضرت خلعة سوداء فأفيضت على فرج، وركب بشعار السلطنة، ولبس الخليفة تشريفاً جليلاً.
وكان من المحتم أن يقع النزاع بين الأمراء للاستئثار بالنفوذ في وجود ملك عمره 10 سنين، ولذا استقل أمير دمشق بها فيما يشبه العصيان، وبدأت سلسلة طويلة من النزاعات بين الأمراء المحيطين بالسلطان، ويدعون الخاصكية، وبقية الأمراء الكبار، وهي نزاعات قتل فيها أمراء وسجن آخرون، وكان للخليفة المتوكل دور جيد، ذو نتائج متواضعة، في محاولة تسكين هذه الفتن والإصلاح بين المتناحرين المتنافسين.
وفي ربيع الأول سنة 808 اختفى السلطان فرج فجأة بعد أن ملَّ من سيطرة الأمراء عليه وخاف على نفسه من المؤامرات التي لا تتوقف، فاجتمع كبار الأمراء ومعهم الخليفة المتوكل على الله والقضاة الأربعة، وتكلموا فيمن ينصبوه سلطاناً، حتى اتفقوا على سلطنة الأمير عبد العزيز بن الملك الظاهر برقوق، لأنه ولي عهد أخيه في السلطنة حسبما قرره والده الملك الظاهر برقوق قبل وفاته، فاستدعوه إليهم من الحريم، وهو فتى قد ناهز الحلم، فعهد إليه الخليفة أبو عبد الله محمد المتوكل على الله بالسلطنة، ولقبوه الملك المنصور عز الدين.
توفي الخليفة المتوكل على الله في رجب من سنة 808، وتولى الخلافة بعده ابنه المستعين بالله العباس، بعهد من أبيه سنة 808، وهو شاب دون العشرين، ثم جمع بين الخلافة والسلطنة في سنة 815، كحل وسط بين الأمراء بعد مقتل الملك الناصر فرج، على أن يكون الأمير شيخ المحمودى نائبه، ثم مالبث شيخ أن خلعه وتسلطن هو في سنة 816، وسجنه في الإسكندرية وتوفي بها سنة 833.
توفي المتوكل على الله عن ثروة عريضة ومال واسع، وهو أول من اتسعت أحواله من الخلفاء العباسيين في مصر، وخلف المتوكل على الله 10 أبناء و7 بنات، وتولى الخلافة بعده خمسة من أولاده، أولهم المستعين، ثم تلاه أخوه المعتضد بالله داود، المولود سنة 755، وبويع بالخلافة سنة 816، واستمر بها حتى وفاته سنة 845، فتلاه أخوه المستكفي بالله سليمان، المولود سنة 792، وبويع له بالخلافة سنة 845 واستمر بها حتى وفاته سنة 855، فتلاه أخوه القائم بأمر الله حمزة، المولود سنة 791، وبويع له بالخلافة سنة 855، واختلف مع الملك الأشرف إينال فخلع منها سنة 859 وسجن بالإسكندرية حتى توفى بها سنة 862، ثم يوسف المستنجد بالله، المولود سنة 798 والذي تولى الخلافة سنة 859 إلى وفاته سنة 884.
هذه صورة من صور الخلافة في قعر انحدارها اختياراً ومساراً، يعينه السلطان المتحكم، وهو لا حل له ولا عقد، لا يجاب ولا يسمع، ولا يفكر في رأي له فيتبع، ليس لهم من الخلافة إلا اسمها ولقبها، وقد يتبرك بالخليفة بعض سلاطين الأقاليم، ويرسلون إليهم أحياناً يطلبون تقليداً بالسلطنة، فيكتبون إليهم تقليداً ويعهدون إليهم بالسلطنة عهداً.
ولا يفوتنا أن نذكر حدثين وقعا في خلافة المتوكل وإن لم يكن له يدٌ فيها: تمييز الأشراف أو السادة من سلالة الرسول صلى الله عليه وسلم، بأن تكون لهم علامة خضراء في عمائمهم، أمر بذلك الملك الأشرف في سنة 773، وفي سنة 785 أمر محتسب القاهرة المؤذنين أن يقوموا عقب الأذان بالصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم.


 
 

الجمعة، 7 مارس 2014

حدث في الثالث من جمادى الأولى



في الثالث من جمادى الأولى من عام 808 توفي في القاهرة، عن 65 سنة، كمال الدين الدَمِيري، محمد بن موسى بن عيسى، العلامة الفقيه الأديب، صاحب كتاب حياة الحيوان. والدميري نسبة إلى دميرة، وهي قرية في دلتا نيل مصر تابعة لمركز طلخا في محافظة الدقهلية، قال في تاج العروس: ودميرة كسفينة: قريتان بمصر بالسَّمنُودية، القبلية والبحرية، وقد يضاف إليهما بعض الكفور فيطلق على الكل الدمائر.
ولد الدميري في القاهرة سنة 742، وتزخر تلك الحقبة بكثير من الملقبين بالدميري من فقهاء ووزراء وقضاة، ولكن لا توجد أية دلالة على صلته أو صلة أسرته بهم، ويبدو أنه كان من أسرة عادية لم تتصف بطلب العلم، ويدل على ذلك أنه ابتدأ حياته عاملاً في الخياطة، ثم اتجه لطلب العلم وهو في العشرين أو قبلها بقليل، ولأن الأصل أن يبدأ طالب العلم في سن أبكر من ذلك، فإننا نجد كتب التراجم تشير إلى أنه تكسب بالخياطة ثم اتجه للتعلم.
وكان والده قد سماه كمالاً، وبذلك كان يكتب بخطه في كتبه، ثم تسمّى محمّداً، وكأنه رأى أن في ذلك تزكية للنفس أو تسمياً بما يليق بالله تعالى وحده.
أخذ الدميري عن مشايخ زمانه فلازم كثيراً الشيخ بهاء الدين السبكي، أحمد بن علي، المولود بالقاهرة سنة 717 والمتوفى بمكة سنة 773، وانتفع منه الدميري، وكان السبكي إلى جانب عمله قاضيا، يدرس الفقه بجامع ابن طولون ويتولى الخطابة والوعظ به، ويدرس الفقه بالمدرسة المنصورية، كما تولى قضاء العسكر وإفتاء دار العدل ودرس الشافعية بالشيخونية، وكان معروفاً بالتقوى والورع ويكثر الحج والعمرة، وقد وافته المنية في جوار بيت الله الحرام.
وأخذ عن الشيخ العلامة اللغوي المحقق، جمال الدين الإسنوي، عبد الرحيم بن الحسن، المولود سنة 704 والمتوفى سنة 772، وكان شيخ الشافعية ومفتيهم، وله اشتغال في أصول الفقه والفقه والعربية، وقد درس عليه أغلب علماء الديار المصرية، ولذا أغلب تصانيفه شروح لكتب الفقه الشافعي التي كتبها غيره، وقد وصفه أحد معاصريه فقال: أوحد زمانه، وشيخ الشافعية في أوانه. وولي الإسنوي الحسبة ووكالة بيت المال، ثم اعتزل الحسبة. ولما صنف الإسنوي كتابه التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، مدحه الدميري بأبيات، فكتب له الشيخ جمال الدين الإسنوي، وأثنى عليه ثناء كثيراً.
وأخذ كذلك علم الحديث عن الحافظ العراقي، عبد الرحيم بن الحسين، المولود سنة 725 والمتوفى سنة 806، وهو محدث الديار المصرية آنذاك وعلم من أعلام علم الحديث والرجال، وأخذ كذلك عن سراج الدين ابن الملقن، عمر بن علي، المولود سنة 723 والمتوفى سنة 804، وكان من أكابر العلماء بالحديث ولافقه وتاريخ الرجال، وسمع الدميري المسند من علاء الدين العرضي الدمشقي، علي بن أحمد، المولود سنة 677 والمتوفى سنة 764.
وأخذ عن عالم مكة وقاضيها وخطيبها كمال الدين النويري، محمد بن أحمد، المولود بمكة سنة 722 والمتوفى بها سنة 786، انتهت إليه رياسة فقهاء الشافعية بالحجاز، واستمر في القضاء 23 سنة، وانتفع الناس به وحدث بكثرة من مسموعاته. وأخذ عن جمال الدين اليافعي المكي، عبد الله بن أسعد، المولود في عدن سنة 698، والمتوفى سنة 768 بمكة المكرمة، وهو مؤرخ متصوف شافعي، له كتاب مرآة الجنان، وعبرة اليقظان، في معرفة حوادث الزمان، وأشار إليه الدميري عدة مرات في حياة الحيوان ووصفه بشيخنا الإمام العارف بالله.
ودرس الدميري الأدب واللغة على الشاعر برهان الدين القيراطي، إبراهيم بن عبد الله الطائي، المولود سنة 726 والمتوفى بمكة مجاوراً سنة 781، والذي اتسم بالتقوى والعبادة مع قوله الشعر وتدبيجه النثر، وأورد له الدميري بعض نظمه في كتابه حياة الحيوان، وأخذ الدميري العربية والنحو عن الإمام النحوي الكبير ابن عقيل، عبد الله بن عبد الرحمن، المولود سنة 694والمتوفى سنة 769، وصاحب الشرح المشهور على ألفية ابن مالك.
ولما صار الدميري في مقام أن يدرس، وأُذِنَ له بالإفتاء والتدريس، باشر بعض الدروس في مساجد القاهرة، فدرس الحديث بالخانقاه الركنية التي بناها الأمير ركن الدين بيبرس، وكان يعظ الناس في جامع الظاهر بيبرس بالحسينية، وكانت هذه غاية ما تولاه من مناصب، لأنه لم يسع لتقلد القضاء مخالفاً بذلك كثيراً من معاصريه من العلماء والفقهاء، ولم يغير زيه ليتميز بكونه من كبار العلماء، وهذا يدل على تواضع وفضل في النفس والشيم.
وقد درس على الدميري أغلب من طلب العلم في القاهرة ومكة المكرمة، وصار هو في مقام من يمنح الإذن بالإفتاء لطلبة العلم، ولا حاجة لتعدادهم أو ذكر أسمائهم، ونكتفي بالإشارة إلى واحد منهم لما في ذلك من لمحة نادرة عن شخصية الدميري، فقد درس الحديث على الدميري الشهاب الحجازي، شهاب الدين أحمد بن محمد الأنصاري الخزرجي الشافعي، المولود بالقاهرة سنة 790، والمتوفى سنة 875، فقد واظب هذا الشاب على حضور شرح ابن ماجه والمقامات والعربية، وكان الكمال ينوه بنجابة تلميذه وقوة ذكائه وحافظته، وكان إذا فات التلميذ شيء من الدرس يقول الدميري:  نعيد للشيخ الصغير!
وكان الدميري صاحب عبادة دائمة لا يفتر لسانه عن تلاوة القرآن الكريم، وله أذكار يواظب عليها، وعنده خشوع وخشية وبكاء عند ذكر الله سبحانه، وكان كثير الصيام، يكاد يسرده مع أنه كان في صباه أكولاً نهماً، وتذكر عنه كرامات، وإخبار بأمور مغيبات وكان يخفي هذه الكرامات فإن أظهرها أحالها على غيره يسندها إلى المنامات تارة، وإلى بعض الشيوخ أخرى، وغالب الناس يعتقد أنه يقصد بذلك الستر والبعد عن الشهرة والرياء.
وكان الدميري حريصاً على الحج والعمرة والمجاورة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكانت أول زيارة له للحرمين سنة 762، وكان في كل مرة يمكث بضع سنين، وتزوج إحدى زوجاته من مكة المكرمة، وهي فاطمة بنت يحيى بن عياد الصنهاجية المكية، وهو زوجها الثالث، وولدت له عدة أولاد وكانت تقيم بمكة وهو بالقاهرة، ثم زارته سنة 783 ومكثت فيها 3 سنين ثم عادت إلى مكة المكرمة وتوفيت فيها سنة 816، وولدت له ابنتين هما أم سلمة وأم حبيبة وابناً اسمه عبد الرحمن، وتزوج ابنتيه أخوين عالمين كانت في أسرتهما إفتاء الأحناف في مكة المكرمة هما جمال الدين محمد وجلال الدين عبد الواحد ابنا إبراهيم بن أحمد المرشدي، ولأم حبيبة رواية لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصار أسباط الدميري فينا بعد من علماء مكة المرموقين.
وكان من معاصري الدميري وأصدقائه المؤرخ العلامة تقي الدين المقريزي، أحمد بن علي المولود سنة 766 والمتوفى سنة 745، وقال عنه في كتاب درر العقود الفريدة: صحبته سنين، وحضرت مجلس وعظه مراراً لإعجابي به، وأنشدني وأفادني، وكنت أحبه ويحبني في الله، لسمته وحسن هديه، وجميل طريقته، ومداومته على العبادة، لقيني مرة فقال لي: رأيت في المنام أني أقول لشخص لقد بعد عهدي بالبيت العتيق، وكثر شوقي إليه، فقال: قل لا إله إلا الله، الفتاح العليم، الرقيب المنان. فصار يكثر ذلك فحجَّ في تلك السنة، رحمه الله وإيانا ونفعنا به.
ترك الدميري لنا عدداً من المؤلفات أغلبها شروح جرياً على عادة علماء ذلك الزمان، منها النجم الوهاج لشرح المنهاج، شرح به كتاب منهاج الطالبين في فروع المذهب الشافعي للإمام النووي ، وابتدأ فيه من حيث انتهى شيخه الأسنوي، وانتهى من في سنة 786، وجاء شرحه في أربعة مجلدات، ضمنها فوائد مما استفاده من شيخه السُّبكيّ وفوائد كثيرة من قبله، خارجة عن الفقه، ويستشهد به كثير من المصنفين ممن جاؤوا بعده
وللدميري باع طويل في الأدب واللغة، اختصر كتاب الصفدي: الغيث الذي انسجم شرح لامية العجم  للطغرائي، وله كتاب في شرح المعلقات السبع، وكتاب غاية الأرب في كلام حكماء العرب، وكتاب الجوهر الفريد في علم التوحيد، وقد وصفه هو بأنه  كتاب مهم عمدة في هذا الشأن، لا يستغني عنه طالب، وهو في ثمان مجلدات ضخمة جداً.
وللدميري في فقه الشافعي أرجوزة طويلة فيها فروع غريبة وفوائد حسنة، اسمها رموز الكنوز، وله شرح على سنن ابن ماجه أسماه الديباجة في شرح سنن ابن ماجة، كتب مسودّته وبيّض بعضه، ولكنه مات قبل تحريره، ومن الطريف أن الشاعر أبو البقاء الأنصاري الطاهري، محمد بن إبراهيم، المولود سنة 748 والمتوفى سنة 830، وكان مزّاحاً قال له عابثاً: سمه بعثرة الدجاجة!
وأشهر كتبه على الإطلاق كتاب حياة الحيوان، وهو كتاب موسوعي ذكر أنواع الحيوان مرتبة على الأحرف البجدية، وذكر ما ورد حول هذا الحيوان في كتاب الحديث والأدب وغيرها، ويذكر من خصائص الحيوان وصفاته أشياء كثيرة مع استطراد من شيء إلى شيء، وتعزو بعض المصادر إلى الدميري قوله إنه جمعه من 560 كتاباً و199 ديوان شعر، وهو قول ليس موجوداً في نسخ الكتاب التي راجعتها، ويتبين فضل الدميري وسعة اطلاعه، في هذا الكتاب الذي كتبه وهو شاب، عمره 31 سنة، بعد أن انتهى من طلب العلم ودخل مرحلة التأليف والتدريس، كما يتبين أسلوبه في ذكر كل ما يتعلق بالحيوان المذكور، من حديث وفقه وتاريخ وأدب ولغة وطب وتعبير الأحلام.
وكان كتاب حياة الحيوان من الكتب التي شاعت وأقبل عليها الناس في زمانه، مثلما يقبلون اليوم على مشاهدة - لا قراءة - غرائب الطبيعة وعالم الحيوان، ولذا نسخت منه نسخ كثيرة بعضها مزين بالصور الجميلة، موجودة في مراكز المخطوطات في أنحاء العالم، واختصره بعض المصنفين وأضاف إليه آخرون، وأثار الكتاب اهتمام الكولونيل أتمارام ساداشيف جايكارJaykar ، الهندي المولود سنة 1844 والمتوفى سنة 1911، والذي كان جراحاً في الجيش البريطاني في مسقط بعُمان منذ سنة 1878 إلى قريب من وفاته، فترجم قرابة نصفه إلى الإنجليزية لطرافة موضوعه في سنتي 1906 و1908، ولعل الكتاب جعله من بعدها يهتم بالحيوان حيث قام بتعريف وتصنيف عدد من الحيوانات التي تتوطن عمان، وصار جايكار يسمي نفسه بالمسقطي.
ومن المناسب أن نستعرض شيئاً من هذا الكتاب الموسوعي، يقول الدميري في مقدمة كتابه بعد حمد الله والصلاة على رسوله:
وبعد، فهذا كتاب لم يسألني أحد تصنيفه، ولا كلفتُ القريحة تأليفه، وإنما دعاني إلى ذلك أنه وقع في بعض الدروس، التي لا مخبأ فيها لعطر بعد عروس، ذكر مالك الحزين والذيخ المنحوس، فحصل في ذلك ما يشبه حرب البسوس، ومزج الصحيح بالسقيم، ولم يفرق بين نسر وظليم، وتحككت العقرب بالأفعى، واستنت الفصال حتى القرعى، وصيروا الأروى مع النعام ترعى، وقضوا باجتماع الحوت والضب قطعاً، واتخذ كلٌ أخلاق الضبع طبعاً، ولبس جلد النمر أهل الإمامة، وتقلدها الجميع طوق الحمامة.
والقوم إخوان وشتى في الشيم ... وقيل في شأنهم: اشتدي زِيَم
وظن الكبير أنه أصدق من القطا، وأن الصعوة كالفاختة غلطاً، وصار الشيخ الأفيق كذات النحيين، والمفيد ذو التحقيق كالراجع بخفي حنين، والمقيد كالأشقر تحيراً، والطالب كالحباري تحسراً، والمستمع يقول: كل الصيد في جوف الفرا، والنقيب كصافر يكرر: أطْرِق كَرا، فقلت عند ذلك في بيته يؤتى الحكم، وبإعطاء القوس باريها تتبين الحِكم، وفي الرهان سابق الخيل يرى، وعند الصباح يحمد القوم السرى، واستخرت الله تعالى وهو الكريم المنان، في وضع كتاب في هذا الشان، وسميته حياة الحيوان، جعله الله موجباً للفوز في دار الجنان، ونفع به على ممر الأزمان، إنه الرحيم الرحمن، ورتبته على حروف المعجم، ليسهل به من الأسماء ما استعجم.
وثم نورد ما ذكره الدميري عندما تحدث عن الطاووس، مثالاً على مادة الكتاب مع اختصار صفحتين أو ثلاث، قال رحمه الله:
الطاووس: طائر معروف وتصغيره طويس، بعد حذف الزوائد، وكنيته أبو الحسن وأبو الوشي، وهو في الطير كالفرس في الدواب، عزاً وحسناً، وفي طبعه العفة وحب الزهو بنفسه والخيلاء والإعجاب بريشه وعقده لذنبه كالطاق، لاسيما إذا كانت الأنثى ناظرة إليه.
والأنثى تبيض بعد أن يمضي لها من العمر ثلاث سنين، وفي ذلك الأوان يكمل ريش الذكر ويتم لونه، وتبيض الأنثى مرة واحدة في السنة اثنتي عشرة بيضة وأقل وأكثر، ولا تبيض متتابعاً ويسفد في أيام الربيع، ويلقي ريشه في الخريف كما يلقي الشجر ورقه، فإذا بدا طلوع الأوراق في الشجر طلع ريشه، وهو كثير العبث بالأنثى، إذا حضنت، وربما كسر البيض ولهذه العلة يحضن بيضه تحت الدجاج، ولا تقوى الدجاجة على حضن أكثر من بيضتين منه، وينبغي أن تتعاهد الدجاجة بجميع ما تحتاج إليه من الأكل والشرب، مخافة أن تقوم فيفسده الهواء.
والفرخ الذي يخرج من حضن الدجاجة، يكون قليل الحسن، ناقص الخلق وناقص الجثة، ومدة حضنه ثلاثون يوماً، وفرخه يخرج من البيضة كالفروج كاسياً كاسباً، وقد أحسن الشاعر في وصفه حيث قال:
سبحان مَنْ مِنْ خلقه الطاووس ... طيرٌ على أشكاله رئيس
كأنه في نقشه عروس ... في الريش منه ركبت فلوس
تشرق في داراته شموس ... في الرأس منه شجر مغروس
كأنه بنفسج يميس ... أو هو زهر حرم يبيس
وأعجب الأمور أنه مع حسنه يتشاءم به، وكأن هذا، والله أعلم، أنه لما كان سبباً لدخول إبليس الجنة، وخروج آدم منها، وسبباً لخلو تلك الدار من آدم مدة دوام الدنيا، كرهت إقامته في الدور بسبب ذلك.
حكي أن آدم لما غرس الكرمة، جاء إبليس فذبح عليها طاوساً، فشربت دمه فلما طلعت أوراقها، ذبح عليها قرداً فشربت دمه، فلما طلعت ثمرتها ذبح عليها أسداً فشربت دمه، فلما انتهت ثمرتها ذبح عليها خنزيراً فشربت دمه، فلهذا شارب الخمر تعتريه هذه الأوصاف الأربعة، وذلك أنه أول ما يشربها وتدب في أعضائه، يزهو لونه ويحسن كما يحسن الطاووس فإذا جاءت مبادي السكر لعب وصفق ورقص، كما يفعل القرد فإذا قوي سكره جاءت الصفة الأسدية، فيعبث ويعربد ويهذي بما لا فائدة فيه ثم يتقعص كما يتقعص الخنزير، ويطلب النوم وتنحل عراقوته.
فائدة
طاوس بن كيسان فقيه اليمن كان اسمه ذكوان، فلقب بطاوس لأنه كان طاوس القراء والعلماء. وقيل: اسمه طاوس وكنيته أبو عبد الرحمن، كان رأساً في العلم والعمل، من سادات التابعين أدرك خمسين صحابياً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع ابن عباس وأبا هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن الزبير، وروى عنه مجاهد وعمرو بن دينار وعمرو بن شعيب، ومحمد بن شهاب الزهري وآخرون.
توفي طاوس وهو ابن بضع وسبعين سنة حاجاً بمكة، قبل يوم التروية بيوم، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، وهو أمير المؤمنين، وذلك في سنة ست ومائة. وحج أربعين حجة وكان مجاب الدعوة.
الحكم
يحرم أكل لحم الطاووس لخبث لحمه، وقيل: يحل لأنه لا يأكل المستقذرات واللحوم، وعلى الوجهين يصح بيعه إما لحل أكله، وإما للتفرج على لونه. وقد تقدم في الصيد، أن أبا حنيفة قال: لا يقطع سارق الطيور لأن أصلها على الإباحة، وخالفه الشافعي ومالك وأحمد.
الأمثال
قالوا: أزهى من طاوس وأحسن من طاوس. قال الجوهري: وقولهم: أشأم من طويس، هو مخنث كان بالمدينة، قال: يا أهل المدينة توقعوا خروج الدجال ما دمت حياً بين ظهرانيكم، فإذا مت فقد أمنتم، لأني ولدت في الليلة التي مات فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وفطمت في اليوم الذي مات فيه أبو بكر، وبلغت الحلم في اليوم الذي قتل فيه عمر، وتزوجت في اليوم الذي قتل فيه عثمان وولد لي في اليوم الذي قتل فيه علي.
الخواص
لحم الطاووس عسر الهضم رديء المزاج، وأجوده الحديث ينفع المعدة الحارة، وسلقه قبل طبخه بالخل، يدفع ضرره، وهو يولد كيموساً غليظاً يوافق الأمزجة الحارة. وقد كرهت الحكماء لحوم الطواويس وقالوا: إنها أغلظ لحوم جميع الطيور وأعسرها انهضاماً، ويجب أن يذبح ويبيت مثقلا ويطبخ وينضج، ويمنع منه أصحاب الترفه والرفاهية، فإنه من أغذية أصحاب الرياضة.
قال ابن زهر، في خواصه: إن الطاووس إذا رأى طعاماً مسموماً، أو شم رائحته فرح ونشر جناحيه ورقص، وبان منه السرور، ومرارته إذا سقي منها المبطون بالكنجبين والماء الحار أبرأه. ونقل عن هرمس، أن مرارته إذا شربت بخل نفعت من لدغ الهوام، لكن قال صاحب عين الخواص: قالت الحكماء، وأطهورس: إن مرارة الطاووس، إن سقي منها إنسان جن، قال وقد جربته. وقال هرمس: إن خلط دم الطاووس بالأنزروت والملح وطلي به القروح الرديئة الرطبة، التي يخاف منها الأكلة، أبرأها. وزبله، إن طلي به الثآليل قلعها، وعظامه، إذا أحرقت وسحقت وطلي بها الكَلَف أبرأته بإذن الله تعالى.
التعبير
الطاووس تدل رؤيته على التيه والعجب بالحسن والجمال لمن ملكه، وربما دلى رؤيته على النميمة والغرور والكبر والانقياد إلى الأعداء، وزوال النعم، والخروج من النعيم إلى الشقاء، ومن السعة إلى الضيق، وربما تدل رؤيته على الحلي والحلل، والتاج والأزواج الحسان والأولاد الملاح. وقال المقدمي: الطاووس في المنام، امرأة عجمية ذات مال وجمال، لكنها مشؤومة الناصية. والذكر من الطواويس ملك أعجمي، فمن رأى أنه يواخي الطواويس، فإنه يواخي ملوك العجم، وينال منهم جارية نبطية. وقال ارطاميدورس: الطواويس في الرؤيا تدل على أقوام صباح الوجوه، ضحاك السن. وقيل: الطاووس امرأة أعجمية غير مسلمة والله أعلم.
والكتاب مع ذلك مشحون بالخرافات السائدة والأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، وبالرُقى والفوائد المجربة التي لا أصل لها في شرع أو عقل، ومنها على سبيل المثال قوله: إذا دخل إنسانٌ على من يخاف شره فليقرأ قوله تعالى ﴿كهيعص و﴿حم عسق، وعدد حروف الكلمتين عشر، يعقد لكل حرف إصبعاً من أصابعه يبدأ بإبهام اليد اليمنى ويختم بإبهام اليد اليسرى، فإذا فرغ عقد جميع الأصابع، وقرأ في نفسه سورة الفيل فإذا وصل إلى قوله: ﴿ترميهم كرر لفظ ترميهم عشر مرات، يفتح في كل مرة إصبعاً من الأصابع المعقودة، فإذا فعل ذلك أمن شره، وهو عجيب مجرب.
وهنا يحتار المرء هل هذا مما صنفه الدميري أم هو من الزيادات التي طرأت على الكتاب بعده، وتقول بعض المصادر بأن المؤلف جعل كتابه نسختين كبرى وصغرى، وتتضمن الكبرى زيادات منها ما هو خارج عن خطة الكتاب مثل استعراض تاريخي من أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلافة المستكفي الذي بويع سنة 845، وأنا أرجح ذلك وأعتقد أن الصغرى هي الأولى والتي يشير الدميري في آخر كتابه أنه انتهى من مسودتها سنة 773.، ذلك إنه يقول في مادة وحش: هكذا أفادنا هذه الفائدة شيخنا الحافظ العلامة زين الدين بن عبد الرحيم العراقي رحمه الله وأحسن إليه. والحافظ العراقي قد توفي سنة 806، فمعنى هذا أنه قد راجع الكتاب مرة أو مرات حتى وفاته سنة 808، ولكنه أبقى على إشارة انتهائه من المسودة في سنة 773.
ونبني على هذا أن نستبعد أن يكون الاستعراض التاريخي الذي يبلغ قرابة 100 صفحة من عمل النميري لأنه ينتهي في سنة 845، أي بعد وفاته بثلاثة عقود، وأن نرجح أن تكون كثير من الفوائد والاستطرادات التي يحفل بها الكتاب، والتي لا محل لها من الإعراب، ولا موضع لها في خطة الكتاب، من عمل المؤلف كلها أو جلها، لا من عمل النساخ، وهذا يتعارض مع ما ذكره شمس الدين السخاوي، محمد بن عبد الرحمن، المولود سنة 831 والمتوفى سنة 902، في ترجمته للدميري في كتاب الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، فقال: وله فيه زيادات لا توجد في جميع النسخ، وأتوهم أن فيها ما هو مدخول لغيره، إن لم تكن جميعها، لما فيها من المناكير.
ولعل تبرير ما أميل إليه يكمن في أن يكون الدميري قد صنف كتابه أولاً وخرج به على الناس، فلما صار له هذا القبول والإقبال عليه، قرأه على طلبة العلم في مجالس، دخل فيها الاستطراد وصار الحديث فيها ذو شجون، أما كون هذه الزيادات خارجة عن خطة الكتاب أو لا تليق محتوياتها الخرافية بمكانة الدميري العلمية، فإنني أشير أن الاستطراد سمة من سمات الدميري في تصانيفه، فنجده في أرجوزته الفقهية يورد 14 بيتاً تحوي الأفعال المبنية للمجهول ، وهو في مؤلفاته الأخرى يورد الغرائب كذلك، ثم إنه في كتاب حياة الحيوان يعزو بعض هذه الغرائب لمشايخه، ولذا يصعب أن نقول إنها من إضافات النساخ. ويؤيد هذا كثيراً ما أورده السخاوي في كتاب النجم الساطع في ترجمة المؤرخ تقي الدين ابن فهد المكي الشافعي، محمد بن محمد، المولود سنة 787 والمتوفى بمكة سنة 871، فقد قال: وأفرد زوائد الكمال الدميري من النسخة الأخيرة بحياة الحيوان على النسخة الأولى إلى غيرها.
ومن الطريف أن الدميري في اختصاره لشرح الصفدي على لامية العجم للطغرائي يقول في خطبة الكتاب: وقد شرحها أوحد زمانه، وفريد أوانه، الشيخ صلاح الدين الصفدي، سقى الله ثراه، وجعل الجنة مأواه، شرحا تُضرب أباطُ الإبل فيما دونه، وتقف فحول الرجال عنده ولا يعدُونه، والتزم أن يذكر فيه ما سمع فوعى، وما جمع فأوعى، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة من فوائده وفرائده إلاّ أظهرها، ولا نكتة بديعة من لطائف معناه إلاّ وفي ذلك الكتاب سطّرها، ولله درّه، فقد أودعه فوائد جمة، ومسائل مهمة ... غير أنه ينتقل فيه من علم إلى علم، ومن نكتة إلى نكتة، ومن غريبة إلى غريبة، وكأنه تمسك بقول القائل:
لا يُصلِح النَفسَ إذْ كانَت مُدبرةً ... إِلّا التَنَقُّلُ من حالٍ إلى حالِ
وللدميري بعض النظم على عادة الفقهاء، ومن ذلك قوله:
بمكارم الأخلاق كن متخلقاً ... ليفوح ند شذائك العطر الندي
واصدق صديقك إن صدقت صداقة ... وادفع عدوك بالتي فإذا الذي
ولما سافر إلى دمشق، شمس الدين بن العمري، محمد بن عبد الله، المولود نحو سنة 760 والمتوفى سنة 829، كتب إليه الدميري وهو بدمشق رسالة جاء فيها:
الصالحية جنة ... والصالحون بها أقاموا
فعلى الديار وأهلها ... مني التحية والسلام

 
log analyzer