الجمعة، 22 نوفمبر 2013

حدث في التاسع عشر من المحرم


في التاسع عشر من المحرم من عام 1157 ورد إلى دمشق أمر من السلطنة العثمانية إلى رسولها الخاص في دمشق بالتفتيش الشديد ومصادرة أموال والي دمشق سليمان باشا العظم الذي كان قد توفي في طبرية قبل 6 أشهر أثناء قتاله لظاهر العمر الزيداني الذي تمرد على الدولة العثمانية.
وجاءت في الخط الشريف التعليمات إلى هذا الرسول، ويسمى قبجي، أن يجمع أعيان البلد ويقرأ عليهم الفِرمان، ومضمونه بأن يفتش ويفحص على أموال الباشا، وأن يعذِّب الرجال والنساء بلا معارض حتى يقروا بالمال. ففعل ذلك وقرأ الفرمان عليهم فأجابوا بالسمع والطاعة، فأول من أتى به، ابن عم الباشا المتوفى محمد العظم وهدده، فحلف بالطلاق، بأن ما عنده علم، وقيل ضربه، فأقرّ على مكان، وقال: احفروا هنا، فحفروا في دار الباشا حول المدفئة، فبان عن أربع خوابي ذهب، فيهم 16.000 فرنك ذهبي.
ثم ضربوا الطواشي، فأقرّ بأنه مودع عند رجل يقال له حسن الطرابلسي، مخلاة ملآنة ريالات، فساروا إليه فأخرج المال إليهم، ووجدوا داخل المخلاة بين المال جوهرة نفيسة لا تقدر لها قيمة، ورأوا المال ناقصاً عن ما قال الطواشي، فأمر القبجي بحبس الذي خرج من عنده المال وحبس أولاده ومن يلوذ به.
وكان القبجي من قبل قد أخرج نساء الباشا وحريمه من الدار بشدة وغلظة، ووضعهم في الإقامة الجبرية، وتسمى آنذاك الترسيم، فأمر بإحضارهم فأحضروهم وصار يقررهم فأنكروا وجحدوا، فأمر بحبسهم، فحبسوا في باب البريد وشدد عليهم.
وكان لسليمان باشا سُرِّية مقدمة على جميع محاظيه تسمى زهراء، من أجمل النساء، وكان قد تركها القبجي عند سليمان بيك وكيل سليمان باشا على أملاكه، فلما جاءه الفرمان بعقوبة الرجال والنساء أمر بإحضارها، وسألها عن المال، فأنكرت وادَّعت أنها ما رأت شيئاً ولم تعرف شيئاً، فأمر بضربها، فضربت على وجهها ويديها وأجنابها، حتى غابت عن الوعي فلم تقرّ بشيء، وهي تحلف أن ليس لها علم ولا خير ولا أطلعها سيدها سليمان باشا على أمر، فتركها تحت الترسيم.
ثم بعد ذلك جمع القبجي جميع حريم الباشا من جواري وأحرار في جملة واحدة، وأخذ جميع ما معهم وما عندهم من ذهب وفضة ومتاع وحلي وألبسة وجميع ما تقتنيه النساء، وذلك بعد العذاب والإهانة والضرب الشديد.
وكان سليمان باشا قد تزوج من ابنة الشيخ ياسين الكيلاني نسباً القادري طريقةً، فلما رأت ما حلّ بصحيباتها من الإهانة وسألها القبجي عن مال زوجها الباشا، وهددها بالعذاب، خافت وأعطت له مبلغاً  من الذهب يساوي عشرة أكياس، أي عشرة آلاف، وأعطته سندات كانت على بعض التجار بنحو مئة وخمسين كيساً، وكان جميع ذلك المال إرثاً عن أبيها الشيخ ياسين القادري، فافتدت نفسها من أشد الإهانة بمبلغ 160.000 فرنك ذهبي.
وكانت الدولة العثمانية بعد وفاة سليمان باشا العظم قد عينت ابن أخيه أسعد باشا بن إسماعيل العظم والياً على دمشق، وأميراً للحج الشامي، وكانت هذه المصادرات تجري وهو في الحج، فلما عاد عقد اجتماعاً مع القبجي حضره أركان الولاية وأبرز القبجي الخط الشريف القاضي بتفويضه أن يفعل ما يشاء من تعذيب وقتل وحبس، وألا يعترضه أحد، فلم يحرك أسعد باشا ساكناً، وكانت الناس تترقب عودته من الحج وتقدر أن يقوم ويقعد لما حصل، ولكن ما عساه أن يفعل إزاء فرمان السلطنة العثمانية.
ولا شك أن آل العظم سعوا في دوائر السلطنة لاستصدار عفو فلم يلبث بعد مدة أن جاء فِرمان بالعفو، فشكلوا لجنة فيها مدير أملاك المتوفى سليمان باشا العظم وابن أخ له يدعى محمد، وقامت اللجنة برفع الحظر على ما تبقى من الأموال والأملاك والأمتعة والأسلحة، واشتراها منها الوالي أسعد باشا بأربع مئة كيس.
وقبل أن نتناول سيرة الوالي سليمان باشا العظم، نشير إلى أن آل العظم من الأسر العريقة في حماة ودمشق، ويذكر الأستاذ الزركلي أن أصلهم من قونية وكان جدهم إسماعيل العظم المتوفى سنة 1144=1731، أول من تولى الشام من هذه الأسرة سنة 1132=1720، وسكنها إلى أن توفي فيها، وأعقب ثلاثة أولاد: سعد الدين باشا، وأسعد باشا، ومن نسلهما آل العظم في دمشق وحماة، وإبراهيم باشا وسلالته في معرة النعمان، وكان من هذه الأسرة حكامٌ وموظفون كبار اعتمدت عليهم الدولة العثمانية اعتماداً وثيقاً لأنهم لأنهم أخلصوا لها كل الإخلاص، ولم تبدر منهم أي بادرة تمرد أو استقلال، فوسدت إليهم الأحكام في الشام، وأعطتهم من حرية التصرف ما لم تعط غيرهم، وأقصى ما فعلته بأحدهم أن نقلته من بلد لآخر، وكان ذلك في زمن أعمار الولاية فيه جد قصيرة، والتقلبات بالحكام لا تكاد تتوقف، ويكفي أن نشير أن السلطان محمود الأول، سلطان الفترة، قد غيَّر 17 صدراً أعظماً في فترة حكمه التي دامت 22 عاماً.
ومن آل العظم في العهد القريب أدباء وشعراء ومربون، من أبرزهم رفيق بن محمود العظم، المولود سنة 1282=1867 والمتوفى بالقاهرة سنة 1343=1925، صاحب المؤلفات القيمة، ومنها كتاب أشهر مشاهير الإسلام في الحرب والسياسة، وكتاب تنبيه الأفهام إلى مطالب الحياة الاجتماعية في الإسلام، وأهدى المجمع العلمي العربي بدمشق خزانة كتبه وهي نحو ألف مجلد.
نعود إلى سيرة سليمان باشا العظم، ولاتفيدنا المصادر كثيراً فيما يتعلق بمكان أو تاريخ ولادته، ومن المرجح أن تكون معرة النعمان حيث كانت إقامة والده إبراهيم باشا العظم، وأول منصب تولاه سليمان باشا كان ولاية طرابلس، وكانت من الولايات الثانوية التابعة لدمشق الشام، ثم عهدت إليه السلطنة العثمانية بولاية صيدا، وكان أخوه إسماعيل قد عين والياً على دمشق سنة 1138، وكان ذلك يشمل إمارة الحج فجعله مسؤولاً عنها ويسمى جرداوياً في اصطلاح ذلك الوقت،فكان يحج في كل سنة مع الحاج الشامي والتركي، ولما توفي أخوه سنة 1145 والياً على جزيرة كريت، صدر أمر الدولة سنة 1146=1733 بتعيينه والياً على دمشق مع إمارة الحج، وكانت البلاد آنذاك تعاني من مجاعة كبيرة أدت بحبل الأمن أن ينفرط وهاجم السكان الجائعون مخازن الحبوب بما فيها مخازن الولاية فقام على الفور بشنق أربعة من المتورطين، واتخذ إجراءات من شأنها توفير الطعام في البلد، وقد استاء الرأي العام في دمشق من إعدام هؤلاء المساكين، واعتبره سليمان باشا قسوة وظلماً من الوالي، ولكن أهل دمشق ما لبثوا أن مالوا إليه بسبب تركيزه على تشجيع الاقتصاد، وإبطاله مظالم كثيرة وضرائب كانت تفرض على الحِرف والصنائع والحارات في الشام.
واستمر سليمان باشا في ولاية دمشق حتى سنة 1151=1737حين عزله السلطان واستبدل به حسين باشا بستنجي، وجاء عزله بعد أن بنى في دمشق داراً بديعة كبيرة، ولم يرد في خطاب العزل تعيين جديد فخرج من دمشق بأهله وأولاده إلى حماة.
ثم جعله السلطان والياً على مصر سنة 1152 فبقي فيها إلى سنة 1154=1741، حين صدر الأمر بإعادته والياً على دمشق، فبقي والياً عليها حتى موته سنة 1156=1743، وقد حاول أثناء ولايته على مصر أن يقضي على كبار المماليك بواسطة التآمر مع بعضهم، فلم ينجح، ولما انتقل إلى دمشق أرسل المصريون شكاية عليه حملها الشيخ إبراهيم بن مصطفى الحلبي المداري القاهري، المولود بحلب والمتوفى في إستانبول سنة 1190، فلم يكن للشكاية قبول في أوساط البلاط العثماني.
وكان سليمان باشا العظم حازماً أعاد إلى الشام الاستقرار، فعندما جرى تعيينه لآخر مرة سنة 1154 أرسل أحد رجاله للشام ليتسلم إدارتها ثم جاء بعد ذلك بشهرين ونزل على البقاع، وأعلن أنه يريد محاصرة جبل الدروز، الذي كان من حين لآخر يستعصي على الدولة، ويقوم بعض أفراده بالاعتداء على القوافل ما بين دمشق وبيروت، فجاء إليه زعماء الدروز وصالحوه بمال عظيم حتى أرضوه، فتركهم ودخل الشام، وبعد ثلاثة أيام من دخوله صلب ثلاثة مجرمين من البدو، ولكنه بعد ذلك أبقى كل شيء على حاله ولم يحرك ساكناً.
وكانت التقاليد أن يصدر مرسوم تعيين الوالي لسنة واحدة، فما أن يقترب الحول حتى تبدأ الرعية والوالي في الترقب لخطاب التجديد، وقد حدث في سنة 1155 تأخر مجيء الفرمان الذي يجدد ولاية سليمان باشا العظم فصار ذلك مادة للشائعات والتخرصات، وبدأ بعض الزعران بالتجرؤ على الفساد والمنكرات، اعتقاداً منهم أن الوالي في موقع ضعف، ثم جاء الفرمان، وجاء معه أمر آخر بالقضاء على ما تبقى من الإنكشارية في دمشق، وكانوا شوكة في جنب الوالي لما يبدونه من جبروت وعصيان، ولما يقومون به من أعمال تزرع الرعب في قلوب الناس، قال المؤرخ البديري في الكتاب المسمى حادث دمشق اليومية: عقد سليمان باشا العظم اجتماعاً في ديوانه دعى إليه الأفندية والأغاوات، وأخرج خطاً شريفاً بإقامة العدل ومعاقبة المفسدين في دمشق من الإنكشارية، وطلب رؤساء الميدان وهم الأغاوات للحضور، فأبوا وأرسلوا له يسألونه ما يريد، فأرسل يطلب منهم ستة عشر رجلاً من الأشقياء الذين يسمونهم باصطلاحهم زرباوات، فأرسلوا له يقولون له: نحن لا نقدر على إلقاء القبض عليهم فدونك وإياهم. فبالحال أعلن تسريحهم من مناصبهم، وعيَّن غيرهم فيها، وأعطى أسماءهم للدلاّل، وأمره أن ينادي في شوارع الشام أن هؤلاء الستة عشر دمهم مهدور ولا جُناح على من قتلهم، وغيرهم في أمن وأمان من سليمان باشا. ففرحت الناس أجمعين، لأنهم كانوا من أعظم المفسدين.
وحدث في اليوم الثاني أن قتل أحد الجنود من فرقة القابيقول إنكشارياً غير الذين أهدر الوالي دمهم، فهربت الناس وأُغلِقت الأسواق،  فسأل الباشا عن ذلك، فقيل له إن بعض القابيقول، وأصلهم من الموصل وبغداد يريدون أن يثيروا فتنة في البلد، فأمر منادياً ينادي أن لا يبقى في البلد أحد من هؤلاء بعد ثلاثة أيام، وكل من بقي منهم يصلب وماله ينهب. والقابيقول لفظة تركية تعني عبيد الباب أي السلطان، ولعله في الأصل يعني قوات السلطان الخاصة.
وفي منتصف 1155 صدر الأمر لسليمان باشا العظم أن يتوجه لإخماد تمرد قام به ظاهر العمر الزيداني، المولود سنة 1106 والمتوفى سنة 1196، وكان قد أعلن العصيان على الدولة وتحصن في قلعة طبرية، فخرج على رأس قوة كبيرة أكثرها من الدالاتية، ولعلهم أشبه بالقوات الخاصة اليوم، واصطحب معه مختصين بالمدفعية والألغام كانوا قد جاؤوه من إستانبول بطلب منه، وانضم إليه في الحصار الدروز وقوان من نابلس والقدس وعرب بني صخر، واستمرفي حصار القلعة مدة وهو يضرب عليها بالمدافع ، ولكنها كانت من الحصانة بحيث لم نؤثر فيها مدفعيته وألغامه، واستغرب سليمان باشا صمود القلعة مع تضييقه الحصار عليها، ثم أخبره بعض أهل طبرية أن مؤن المحصورين بالقلعة كثيرة، وإن تزويدهم بالطعام والذخيرة مستمر رغم الحصار، فشدد الرقابة وبث العيون، فألقى رجل من عسكره القبض على رجل وجدوا  معه بعد تفتيشه كتاباً موضوعاً في نعله، وإذا بالكتاب من أخي ظاهر العمر يخبر أخاه أنه أرسل باروداً وغيره من الذخائر مع بعض الأشخاص، فأخذ الباشا الكتاب وقرأه، وقرّر الرسول فأقر بالنجدة والذخيرة المرسلة لأخي الظاهر عمر، فأمر بقتله فوراً، وأرسل جماعة للقوم الذين معهم الذخيرة فأُخذت منهم، وقتلوا غالبهم، وقطعت رؤوسهم، وأرسلها سليمان باشا إلى إستانبول، وشدّد الحصار، وأرسل لأخي ظاهر عمر يقول له: إذا فرغنا من أخيك جئنا إن شاء الله إليك.
وما لبثت القلعة أن استسلمت بعد إحكام الحصار عليها، وذلك لأن سليمان باشا العظم بدأ في حفر نفق بغرض وضع لغم يفجر سور القلعة تمهيداً لاقتحامها، فزاد قلق المحصورين، وكان من حسن حظهم أن مر في المنطقة في طريقه إلى إستانبول عمر بك وهو مسؤول مالي كبير في حكومة مصر يقوم بنقل أموال الجبايات والضرائب من مصر للخزانة العثمانية في إستانبول، فأرسل إليه ظاهر العمر راجياً إياه التوسط بالصلح بينه وبين سليمان باشا، وكان عمر بك يعرف سليمان باشا من أيام ولايته على مصر، وكان عمر بك رجلاً وقوراً كبير السن،فدخل على سليمان باشا العظم قال له: إن ظاهر العمر عبد نعمتكم ودولتكم، والصفح من شيم الكرام، وأنتم الكرام لا سواكم. فوعده سليمان باشا خيراً.
ثم انتهز أهل طبرية حلول عيد الفطر فطلبوا أن يدخل إليهم علي آغا الترجمان من حاشية الوالي، فدخل إليهم، فوقعوا على قدميه وصاروا يبكون حواليه، وقدموا له 10.000 فرنك ذهبي، ليدخل بينهم وبين سليمان باشا بالصلح، ثم خرجت النساء والأطفال والشيوخ يبكون وينتحبون، فرقّ لهم وسار إلى سليمان باشا وقبل قدميه، وذكر له فضائل محاسن الأخلاق والصفح الجميل، فرقّ قلبه وصفح عنهم، فخرجت النساء والرجال والأطفال، وفي رقابهم المحارم وعليهم الذل رافعين أكفّ الضراعة بالمسكنة، وضاجّين بالأدعية له وللسلطان الأعظم، ودفعوا لسليمان باشا العظم 200.000 فرنك ذهبي، وعاد هو إلى دمشق ومعه ابن ظاهر العمر رهينة، وقرر هدم القلعة وتسويتها بالأرض، وأرسل جماعة قاموا بذلك.
وكان مما جعل سليمان باشا يميل للصفح اقتراب موسم الحج في شوال، وعليه أن يكون على رأس ركب الحجيج الشامي الذي يضم كذلك حجاج الأناضول، وتحسباً من أن تتدهور الأوضاع مع الإنكشارية الذين أهدر دمهم، عقد سليمان باشا اجتماعاً في 20 شوال قبل أن يخرج مع الجردة، ودعا إليه الأعيان، وأظهر الفرمان الذي فيه قتل المفسدين من الإنكشارية، وقال لمن حضر: هذا الفرمان الذي أمره مفوض لنا قد ألغيناه وعفونا عنهم. وعُدّ ذلك من حسناته.
وكان الوزير يذهب بتكليف من الدولة العثمانية للحج كل سنة على رأس قوة تتولى حماية الحجيج من اعتداء البدو في هذه الرحلة الطويلة من دمشق إلى المدينة المنورة، وكانت قافلة الحجيج تضم حجاج حلب ومن ينضم إليهم من حجاج الأناضول بل والعجم أحياناً، وكانت القافلة تخرج من دمشق في منتصف شوال وتعود بعد أكثر من 3 أشهر في أواخر المحرم من العام التالي، وفي عودة الحاج لسنة 1156 جاءت السيول في طريقهم في منطقة القطرانة شمالي معان في الأردن، وذهب على ما قيل مقدار نصف الحاج، من خيل وجمال وبغال، ونساء ورجال وأموال وأحمال، وقد غرق لأحد التجار سبعة عشر حمل، كل حمل لا يقام بثمن، فاستغاثوا بسليمان باشا العظم، وقالوا: نحن نهب لك مالنا وخذه أنت ولا تتركه للعرب. فحالاً نهض وأخذ معه جماعة، وذهب نحو مرحلة، وقد خاطر هو وجماعته، ثم غاب يوماً وليلة بعدما جدّوا في طلبه، وإذا هو قادم ومعه الأحمال بعينها، وسلمها إلى أصحابهم، وعُدّت هذه من مناقبه.
وفي منتصف سنة 1156 عاد ظاهر العمر وشق عصا الطاعة في طبرية وسواحل فلسطين، فجاء فرمان من الباب العالي إلى سليمان باشا العظم أن ينهض إلى قمعه واستئصاله، وأن يخرج معه والي صيدا ووالي طرابلس والقدس وغزة والرملة وإربد، فخرج سليمان باشا العظم ، واستصحب معه نحو 500 جندي، والتحق به من جبل الدروز عدد كبير، ثم ما لبث أن طلب أن يلتحق به 300 إنكشاري، وأن يرسل ما بقي من العسكر للحفاظ على الأمن في قرى حوران، وأن يخرج من كل قرية من قرى الشام عشرة أنفار ينضمون لقوة الإنكشارية المكلفة بحفظ الأمن.
وسار سليمان باشا العظم بتلك القوات إلى المناطق الشيعية في جنوبي لبنان، وانضم إليه الأمير ملحم ومعه مئتا خيَّال، ولكن سرعان ما تنازع الشيعة والدروز واقتتلوا، وكانت الدائرة أولاً على الشيعة الذين قتل الدروز منهم أكثر من 1000 شخص وحرقوا بلادهم ونهبوا أموالهم، ثم صال الشيعة على الدروز فقتلوا منهم نحو 500 منهم أمير دير القمر، واستاء سليمان باشا مما حدث، وردَّ الدروز ولم يقبل منهم مساعدة، وضم إليه حوالي 400 من الشيعة ليهاجم لقلعة التي تحصن فيها أخو ظاهر العمر.
وأرسل ظاهر العمر كتاباً إلى سليمان الباشا العظم، يطلب فيه الصلح فأبى، وقال: لا يمكن إلا برأسك! فأرسل يستغيث به، ويقول خذ من الأموال ما تشاء، ودع سفك الدماء والقتال، وارحم النساء والأطفال. فلم يقبل سليمان باشا أن يلدغ من ذلك الجحر مرتين.
وبعد شهر من خروجه جاء الخبر إلى دمشق في السابع من رجب أن سليمان باشا العظم قد توفي وهو في حصار ظاهر العمر في عكة، ثم ما لبث جثمانه أن وصل دمشق في اليوم التالي فصلوا عليه ثم دفنوه في مدفن آل العظم في مقبرة باب الصغير، بجوار ولده إبراهيم الذي توفي قبله، وفقاً لوصيته.
ولأن وفاته تمت في هذه الظروف، فمن الطبيعي أن تحوم الشائعات أنه مات مسموماً، وأن ظاهر العمر دفع مالاً لبعض خدمه ليدس له السم، والثابت أن دخل إلى حمام عكة، وخرج منه محموماً، وأدرك أنه الأجل المحتوم، فأوصى أن يرحل به إلى الشام ويدفن عند ولده.
وكان من الممكن أن يؤدي موت سليمان باشا لهجوم من المعسكر المعادي، ولكن أمراء الجيش كتموا موته، وأظهروا أنه عائد إلى دمشق، وقاموا بكل مراسم التعظيم المعتادة في سفر الوالي من اصطفاف الجند وإطلاق المدافع، وبلغهم لما وصلوا هضبة الجولان أن 5000 من الشيعة يكمنون لهم، فجدّوا في السير من أول الليل حتى دخلوا دمشق مع طلوع الفجر.
ويبدو أن تعليمات أو تقاليد الدولة العثمانية كانت تقضي بإجراء الحجز الاحتياطي والتوقيف في مثل هذه الحالة، لأن دفتردار دمشق، فتحي جلبي بن الفلاقنسي، ختم على دور سليمان باش العظم وخزائنه وأملاكه، وأقام عليها حرساً بالليل والنهار، وأمر بسجن سلحداره وخزنداره، وكذلك ابن عمه محمد بيك، ومحمد آغا الديري مدير أعمال سليمان باشا، وكتب بذلك عرضاً، وأرسله لإستانبول وأقام ينظر الجواب.
وجاء قبجي من إستانبول لضبط مال سليمان باشا، فضبط 2050 كيساً تحوي 1.025.000 قرش، واشترى فتحي الدفتردار غالب متاعه والغلال التي في مستودعاته فبلغت كميتها 500 غِرارة، والغرارة كيس كبير لعله يسع قرابة 50 كيلو، وهو أمر يلفت النظر لأن دمشق كانت تعاني من شح في القمح وغلاء شديد في أسعار الغذاء.
ولكن هذه المصادرة لم تكف، فجاء مبعوث سلطاني آخر في آخر شوال، ومعه أمر بتحصيل أموال سليمان باشا العظم، وقدرَّها باثني عشر ألف كيس أو 12.000.000 فرنك ذهبي! قال البديري عن هذا المفتش: ودخل الشام مثل شعلة النيران، وأخرج حرم سليمان باشا من ديارهم إخراجاً شنيعاً، وصاروا يفتشونهم واحدة واحدة، مع التفتيش في جيابهم وأعبابهم، وختم على جميع مخادع الدار، وأمر بالقبض على ابن عم المرحوم سليمان باشا، وهو السيد محمد، وعلى جماعة أخرى معه، وأمر بالترسيم الشديد عليهم، وسأل عن محمد آغا الديري، وكيل خرج سليمان باشا، فأخبروه أنه ذهب مع أسعد باشا إلى الحج، فأمر بجلبه، فجاؤوا به، وأمر بالترسيم عليه.
ثم أحضر المندوب القاضي والأعيان، واستجلب حرم سليمان الباشا، وأحضر الجلاد وآلة العذاب، وشدّد على الحريم بالطلب، وأن يعلموه عن المال أين مخبأ، فلما رأوا التشديد خافوا من العذاب وأقروا له عن بعض مخابئ تحت الأرض، فأرسل خلف المعمارية الذين عمروا السرايا، وكانوا نصارى، وكان المعلم نصرانياً يقال له ابن سياج، فأمر القبجي بتعذيبهم، وقطع رؤوسهم وأيديهم، فلما تحققوا عذابهم قالوا: نحن ندلك على كل ما عمل ثم أنهم حفروا له تحت الدرج، فبان عن سرداب، فرفعوا عنه التراب، ونزلوا في درج، فظهر مكان واسع وفيه صندوق مقفول، فأخرجوه وفتحوه، فرأوه ملآن من الدراهم والريالات، ثم أخرجهم النصراني إلى مخدع، فحفر في دوائره، فإذا فيه سبع خوابي مملوءة من الذهب المحبوب السلطاني، فلما رأى الحاضرون ذلك الحال زاغت منهم الأبصار، ثم عدوه وضبطوه، فوجدوه 850 كيساً. فلما بلغ الناس ما خرج عنده من هذا المال، وكان في أيام شدة الغلاء، مع سوء الحال، لهجوا بالذم والنكال، وقالوا قد جوّع النساء والرجال والبهائم والأطفال حتى جمع هذا المال من أصحاب العيال، ولم يراقب الله ذا الجلال.
ذكرنا في البداية أن المصادرات والتحقيقات تمت وأسعد باشا العظم ابن أخي سليمان باشا هو الوالي على دمشق، فلم يفعل شيئاً لدفع الضر عن قرابته، ولكنه، وهو المتمرس بالسياسة، ترَّقب الفرصة المواتية للانتقام من فتحى أفندي الدفتردار، وحانت هذه الفرصة سنة 1160، ولا ندري إن كان ذلك بسعي منه أم من جراء سياسة الدولة العثمانية في تغيير المتنفذين من الموظفين واستصفاء أموالهم.
قال البديري: وفي نهار الأحد بعد العصر خامس عشر جمادى الثانية من هذه السنة ضربت مدافع، فسأل الناس عن الخبر، فقيل: إن سعد الدين باشا أخا أسعد باشا جاءته رتبة وزارة، فهُرِعت أكابر الشام لتهنئة أخيه أسعد باشا، وكان أسبقهم لتهنئة الباشا فتحي أفندي دفتردار الشام، فلما رآه الباشا قام ودخل لدهليز الخزنة، فتبعه وجلس عنده، فأخرج أسعد باشا صورة عرض وأراه إياه، فأخذه فتحي أفندي وقرأه، وإذا فيه الأمر بقتله. وقال له الباشا: ما تقول في هذا؟ فقال: سمعاً وطاعة، لكن أنا في جيرتك فخذ من المال ما أردت وأطلقني. فقال له الباشا: ويلك يا خائن، أنا لم أنس ما فعلت في نساء عمي! ثم أمر برفع شاشه وقطع رأسه، فوضع في رقبته حبل، وسحب إلى خارج السرايا وقطع رأسه، وأرسل للدولة. ثم أمر الباشا أن تطاف بجثته في سائر شوارع الشام وطرقها وأزقتها ثلاثة أيام، ففعل به ذلك، وطيف به عرياناً مكشوف البدن وتركوه للكلاب، ثم دفنت جثته في تربة الشيخ رسلان، وأمر الباشا بالإحاطة على داره وعلى ماله والقبض على أعوانه، فألقوا القبض على خزنداره عثمان وعلى ولده فأمر بحبسهما، ثم أتوا بأكبر أعوانه وكان يلقب بالعفصا فقطع رأسه حالاً. وزادوا على أعوانه بالتفتيش، فقتل بعض أعوانه وخدامه، ثم ضبط الوزير تركته وأموال أتباعه جميعاً للدولة العلية، فبلغت شيئاً كثيراً، وتفرق الباقون أيدي سبا، كأن لم يكونوا وانقضت دولته كأنها طيف خيال.
ترك سليمان باشا العظم عدداً من الآثار العمرانية في دمشق، من أبرزها خان العظم، الواقع في منتصف سوق مدحت باشا، وقد بناه سليمان باشا سنة 1145، وهو كما يقول الباحث عماد الأرمشي: ثاني أكبر خانات دمشق بعد خان أسعد باشا العظم، ويتألف من طابقين يضم الدور الأول محلات تجارية، ويضم الدور الثاني 30 غرفة خاصة لنزلاء الخان، ومستودعات وباحة كبيرة كانت مغطاة بقبتين كبيرتين زالتا ومازالت آثارهما باقية. وإضافة للخان بنى سليمان باشا سنة 1148 حمامين في دمشق كانا من محاسن البنيان.
ولئن كان هذا مشروعاً ربحياً فإن لسليمان باشا العظم آثاراً عمرانية ذات نفع عام، منها إصلاحه شبكة المياه التي تشرب منها دمشق والمسماة بالقنوات لاعتمادها على منظومة متكاملة من الأقنية مختلفة السعة والتي تدخل كل حي وبيت.
قال البديري: وفي يوم الأحد غرة جمادى الأولى من سنة 1156، شرع حضرة سليمان باشا ابن العظم، في تعمير وترميم نهر القنوات، وجعل جميع المصارف من ماله جزاه الله خيراً، واشتغل بها من الفعلة مئتا فاعل، فأمر بقطع بعض الصخر من طريقها، وبتشييد أركانها وإصلاح ما فسد منها، ورفع جدرانها، وبضبطها ضبطاً جيداً وبإصلاح فروض مستحقيها على الوجه الحق، وأن يأخذ كل ذي حق حقه. فكانت هذه العمارة والضبط ما سبقه إليه أحد من عهد إصلاحها من أيام تيمور لما أصلحت بعده، وقد تمت عمارته في برهة خمسة عشر يوماً، ولما تم أمر بإطلاق النهر، فكان إطلاقه على أهل دمشق فرجة من أبهج الفرج، ويوم مثل يوم الزحام. وقد أرّخ هذه العمارة شيخ الأدب في الشام الشيخ عبد الرحمن البهلول، مادحاً حضرة الوزير سليمان باشا ومشيراً لتاريخ تتميم البناء، فقال:
جزى المولى أميرَ الشام خيرا ... سليمانَ الزمان ودام دهرا
بما قد جدد القنوات صدقا ... بإخلاص زكا سرا وجهرا
فيا طوبى له إذ نال أجرا ... على مرّ الليالي مستمرا
له في كل مكرمة أياد ... بإحسان علت وهلم جرا
فكم صنعت يداه وجوه بر ... بها أرخ سبيل الخير أجرا
ولم تقتصر آثار سليمان باشا العمرانية على دمشق، بل عهدت إليه الدولة ببناء قلعة في تلبيسة بين حمص وحماة لحفظ الأمن على الطرقات، فقام بذلك خير قيام.
كذلك بنى سليمان باشا العظم سنة 1150 مدرسة قرب داره عند باب البريد بدمشق، ووقف الأوقاف لمدرسيها، ووقف بها خزانة كتب نفيسة دخلت في خزانة دار الكتب الظاهرية عند إنشائها سنة 1296، وكان له مائدة دائمة للفقراء كل يوم لا تخلو من اللحم، ولما احتفل بختان ابنه أول سنة 1156 أقام حفلاً شارك فيه عامة الناس وأمر بختان أولاد الفقراء وغيرهم ممن أراد، فأقبل الناس بأولادهم، وأمر بمنح كل ولد بذلة وفرنكين ذهبيين.
 

الجمعة، 15 نوفمبر 2013

حدث في الثاني عشر من المحرم


في الثاني عشر من المحرم من عام 1252، الموافق 29/4/1836، ولد في بغداد السيد خير الدين نعمان بن محمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي، العلامة القاضي الفقيه، وأحد أعلام الأسرة الآلوسية في العراق. ونسبة الأسرة الآلوسية إلى جزيرة آلوس في وسط نهر الفرات، على خمس مراحل من بغداد، فر إليها جد هذه الأسرة من وجه هولاكو المغولي عندما دهم بغداد، وأقام بها، ثم رجعت أحفاده إلى بغداد في القرن العاشر فنسبوا إليها. وقد نبغ من هذا البيت رجال فضلاء، جمعوا بين الدين والأدب، والفقه والفصاحة، والقضاء والتدريس، فخدموا العلوم الشرعية والآداب العربية، ونشروا مندثرها وأحيوا أمواتها، وكانوا على رأس نهضة العراق الحديثة في العلم والشرع.
ولد خير الدين نعمان لأشهر علم من أعلام هذه الأسرة العريقة، فقد كان والده شهاب الدين أبو الثناء محمود، المولود ببغداد 1217=1802 والمتوفى بها 1270=1854، من كبار علماء العراق وتولى الإفتاء سنة 1248 ثم عُزِلَ فانقطع للعلم، وكان مفسراً محدثاً مجدداً، أديباً شاعراً، سلفي الاعتقاد، مجتهدا. له مؤلفات قيمة منها تفسير روح المعاني، وكتاب غرائب الاغتراب، ضمنه تراجم الذين لقيهم، وأبحاثا ومناظرات، وكتاب كشف الطرة عن الغرة، شرح به درة الغواص للحريري، ومقامات في التصوف والأخلاق، عارض بها مقامات الزمخشري، وغيرها من الكتب.
وكان أخواه الكبيران بهاء الدين عبد الله وسعد الدين عبد الباقي، والد محمود شكري، من رجال العلم والفقه والقضاء.
درس خير الدين على والده النحو والمنطق، ودرس على تلميذ والده السيد محمد أمين الواعظ، محمد أمين بن محمد الأدهمي الحسيني المشهور بالواعظ، المولود سنة 1223=1808 والمتوفى سنة 1273=1857، وكان متضلعاً في الفقه الحنفي والأصول، مع تمكن من الأدب واللغة، ودرس الفقه الحنفي على الشيخ عبد الرزاق بن محمد أمين البغدادي، وهو قد أخذه عن العلامة محمد أمين عابدين الدمشقي، ودرس علي صديق والده الشيخ صفاء الدين البَنْدَنيجي النقشبندي، عيسى بن عبد الله، المتوفى سنة 1283=1866، وكان الوزير داود باشا قد أقامه مدرساً في مدرسته التي أنشأها في بغداد، كما تعلم خير الدين الخط وامتاز بخط بارع، ولما أنهى دراسته وأصبح أهلاً لمتابعة طريق والده، دخل في سلك القضاء وتولى قضاء الحلة، ولعله كونه قاضياً هو ما جعل مطبوعات ذلك الوقت تدعوه باسم نعمان أفندي الآلوسي.
وقد ذكر الأستاذ محمد بهجة الأثري، المولود سنة 1322=1904 والمتوفى سنة 1416=1996، في ترجمة مختصرة له لخير الدين الآلوسي نشرتها مجلة لغة العرب العراقية سنة 1345=1927، أن الآلوسي سافر للحج في سنة 1295، وكان سفره عن طريق الشام فالقاهرة فالحجاز، وكان غرضه أن يطبع في مصر تفسير والده المسمى روح المعاني، ولما كان في القاهرة اطلع على تفسير فتح البيان، الذي ألفه الأمير الهندي صِدِّيق حسن خان، زوج ملكة بوبال، والذي كان قد طبع في القاهرة، فأعجبه ما تضمنه من الآراء الإصلاحية والمباحث العلمية، وتطلع للتعارف والاتصال به، فلما كان في مكة سأل عنه فتوصل إلى الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى الشرفي النجدي، المولود سنة 1253 والمتوفى سنة 1329، وهو صديق حميم لصديق حسن خان، فحدثه عنه بما زاده إعجاباً على إعجاب، وأرسل له بواسطة الشيخ أحمد رسالة كانت بداية علاقة وثيقة دامت بينهما أعواماً مديدة.
وأنا أقدر أن الآلوسي التقى بصديق حسن خان في مكة المكرمة، لأنه يصفه في كتابه جلاء العينين فيقول: وهو أبيض، ربعة من القوم، قليل الشيب لهذا العهد، شعره إلى شحمة أذنيه.  أما صديق حسن خان فيذكر في كتابه أبجد العلوم أنه أجازه سنة 1297، فهي على الأغلب إجازة مواجهة لا مراسلة، والآلوسي يذكره في كتبه باسم شيخنا، مع تقارب السن، إذ ولد صديق حسن خان سنة 1248، وتوفي سنة 1307.
وسواء كان لقاء أم مراسلة، فقد كان أول ثمار هذه العلاقة أن نشرت ملكة بوبال بمساعي صديق حسن خان كتاباً كبيراً وهاماً ألفه الآلوسي، وهو جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، فقد أتمه الآلوسي في شهر ربيع الآخر سنة 1297، وأرسله إلى الأمير في الهند، ورغب إليه في نشره، فحقق له أمنية كل عالم في نشر كتابه دون اعتبار للتكاليف التي تقصر عنها يده، وطبع الكتاب وبهامشه كتابان أحدهما من تأليف صديق حسن خان، قد أشار إلى ذلك الآلوسي في الكتاب وترجم للأمير صديق حسن ترجمة طيبة، وقال عنه: شيخنا الإمام الكبير، السيد العلامة الأمير، البدر المنير، البحر الحبر. وأشار إليه بضع مرات في ثنايا الكتاب.
وكان ذلك بداية رعاية من الأمير للآلوسي تجلت في طبع عدد من مؤلفاته ومؤلفات والده، وذلك لتقارب المشارب في تجديد أمر الدين وفتح باب الاجتهاد الفقهي، وكتاب جلاء العينين، كتاب جعل فيه الآلوسي نفسه حكماً بين ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، المولود سنة 661 والمتوفى سنة 728، وبين ابن حجر الهيتمي، أحمد بن محمد، المولود سنة 909 والمتوفى سنة 974، وذلك إن ابن حجر هاجم ابن تيمية هجوماً شديداً في آرائه المتعلقة بالعقيدة والصفات، ووصفه بأنه: عبدٌ خذله الله تعالى وأضله، وأعماه وأصمه وأذله! فأراد الآلوسي أن يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، وينتصف لابن تيمية من تعنت ابن حجر الهيتمي، فصنف هذا الكتاب في أدب وإنصاف واحترام كبير لابن حجر رحمه الله.
وفي شارع الرشيد من الشورجة في من بغداد جامع شيده أحد موالي السلطان المغولى أويس بن حسن، وهو أمين الدين مرجان بن عبد الله، المتوفى سنة 775، وهو مدفون فيه ويعرف المسجد باسمه: جامع مرجان، وقد شرط واقفه رحمه الله أن يتولى أوقاف هذا الجامع أعلم أهل بغداد، ولذا صارت لهذا الجامع مكانة خاصة في البلد إضافة إلى الراتب الذي خصصه الواقف للناظر، وكان والد خير الدين قد نال هذه المنزلة سنة 1249 حين عينه والي بغداد علي رضا في هذا المنصب، وهو ما يفضي إلى أن يكون الناظر مفتي الحنفية في بغداد، ولكن حسد الحاسدين ومكايدهم أدت إلى أن نزع هذا المنصب من الوالد في سنة 1263، ومرت به سنون عصيبة صبر عليها صبر الكرام، ثم رحل إلى الآستانة سنة 1267 والتقى بشيخ الإسلام عارف حكمة الذي أعجب بالأب وعلمه، وأعاده إلى منصبه معززاً مكرماً، وكان من ثمرات هذه المحنة والرحلة أن كتب الأب كتابه الماتع: غرائب الاغتراب، ولم يتهنأ بالمنصب طويلاً، فقد توفى سنة 1270.
وتكرر الأمر مع خير الدين حيث تسنم النظر في أوقاف المسجد ثم نزع منه، فسافر إلى إستانبول سنة 1300، عن طريق دمشق حيث التقى بعلمائها وأدبائها، وفي إستانبول اجتمع خير الدين الآلوسي بشيخ الإسلام وغيره من أهل الحل والعقد في هذه الأمور، وقضى فيها سنتين لقي فيها التكريم والترحيب، وأنعم عليه السلطان عبد الحميد بمراتب عالية، وأصدر أمره بإعادة المدرسة إلى نظره، فعاد إلى بغداد وباشر التدريس فيها والنظر في مصالحها من الصباح إلى المساء، وقد هنأه الشاعر شهاب الموصلي بقصيدة منها:
وافى وعرفانه والعلم عرَّفه ... إلى رجال ذوي علم وعرفان
موظفا قد أتى لكن بمدرسة ... قديمة العهد من إنشاء مرجان
وظيفةٌ قبله كانت لوالده ... بموجب الشرط شرط الواقف العاني
واليوم قد عاد مقبول الجناب إلى ... بغداد باليمن مشمولا بإحسان
وتذكر صفحة على الشبكة أنه في سنة 1365=1946 هدم المدرسةَ معولُ التخطيط الحديث واقتطع منها جزءاً كبيراً أضيف إلى شارع الرشيد، وشُيِّد على ما تبقى منه مسجد جامع، ولم يبق من أصل المدرسة سوى بابها الأثري القديم.
ودرَّس الآلوسي في إستانبول بعضاً من حاشية ابن عابدين في الفقه الحنفي، وكان ممن درس عليه الأديب أبو النصر السَّلاوي، يحيى بن عبد الغني المغربي الأصل المصري الولادة، وقد ناله من إكرام الآلوسي وتواضعه، وهو موظف عادي من موظفي دائرة المعارف العمومية لا يرجى نفعه ولا يخشى ضر، ما يدل عى كرم ومرؤوة الآلوسي، وصدقه في بث العلم، قال السلاوي: حضرت بين يديه في خلال أوقات متفرقة شيئا من حاشية رد المحتار على الدر المختار لمؤلفها ابن عابدين، وكان بودي أن أتلقى عنه كثيرا من الفنون والعلوم لولا ما شُغلت به من عوارض الغربة والهموم، ولكن سماحة نفسه الكريمة وأخلاقه المشهورة، أخلفتني خيرا مما فرط مني ... وكان يتنازل لتشريفي، ويتعهدني بالزيارة في منزلي مرة بعد أخرى، ويملي عليَّ من معقوله ومنقوله.
ودرس على الآلوسي كثير من نوابغ العراق وعلمائه، ومن أبرزهم ابن أخيه محمود شكري، المولود سنة 1273 والمتوفى سنة 1342، وللآلوسي إجازات في الحديث الشريف مجيزاً ومجازاً، ولكنه لا يعد من المحدِّثين، بل هي إجازات معتادة بين علماء ذلك العصر، لا تخرج عن كونها تقليداً لعلماء الحديث وتبركاً برواية حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ذكر الأستاذ محمد بهجة الأثري في ترجمته لخير الدين الآلوسي أنه كان واعظاً من الطراز الأول تقبل على درسه العامة قبل الخاصة، وشبهه بابن الجوزي أشهر واعظ عرفته بغداد، وذكر أنه واجه مشكلة كبيرة في بغداد في درسه تغلب عليها بجرأته دون تنازل عما يعتقد أنه الحق، قال الأثري: وقد كان رحمه الله جوزيَّ زمانه في الوعظ، وقد بلغ في حسن التذكير والإرشاد النهاية، فكان في كل سنة يجلس في شهر رمضان للوعظ في أحد المساجد الواسعة فيُقصَد من أطراف البلد حتى يغص المكان بالمستمعين، فاتفق له في شهر رمضان سنة 1305هـ أن استطرد في أحد مجالسه فناقش بحث إن كان الموتى يسمعون كلام الأحياء، فذكر ما قاله علماء الحنفية من عدم سماع الموتى كلام الأحياء، وأن من حلف لا يكلم زيدا مثلا فكلمه وهو ميت لا يحنث، وعليه فتوى العلماء.
فقام عليه المخالفون وقعدوا لها وأنكروا عليه هذا العزو، وأثاروا أفراد جهلة العوام والمرجفين في مدينة السلام، وكادت تقع فتنة، ولكنه بدهائه وحلمه سكن ثائرتهم، فجمع في اليوم الثاني كل ما لديه من كتب فقهاء المذاهب الأربعة، وصعد كرسي الوعظ وقد احتشدت الجموع، فأعاد البحث وصدع بالبيان ثم أخذ يتناول كتابا كتابا فيتلو نصوص العلماء ثم يرمي بها إلى المستمعين ويصرخ: هؤلاء هم علماؤكم فإن كنتم في ريب منهم فدونكموهم وناقشوهم الحساب! حتى إذا فرغ نهض واخترق الجموع غير وجل ولا هياب، فأقبلوا عليه يقبلون يديه ويعتذرون إليه من قيامهم بتحريك المرجفين من فريق المقلدة والجامدين. ثم ألف رسالة لطيفة جمع فيها ما آراء الفقهاء في هذا الباب واسماها: الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات، ونشرها سنة 1305.
وحج الآلوسي مرة أخرى في سنة 1311، وكان قد اشتهر وعلا ذكره، فاجتمع به العلماء للمذاكرة والأخذ عنه، ومنهم العلامة المحدث شمس الحق العظيم آبادي، محمد بن علي الصديقي، المولود بالهند سنة 1273=1856 والمتوفى سنة 1329=1911.
صنف خير الدين الآلوسي عدداً من الكتب نورد أسماءها مع نبذه عن كل واحد منها حسب تاريخ تأليفها، وأولها ما سبق الحديث عنه وهو جلاء العينين الذي طبع سنة 1298، وكتاب غالية المواعظ، ومصباح المتعظ وقبس الواعظ، طُبع في بولاق سنة 1301، ويتألف من 50 باباً، ولعله على عدد أسابيع العام، وقد لخصه من كتب ابن الجوزي وغيره، ورتبه ترتيبا حسنا سهل فيه مسالك الوعظ، وصار عليه عليه اعتماد أغلب الواعظين في الديار العراقية، وكتاب الآيات البينات المطبوع سنة 1305، وسبق الحديث عنه، وكتاب الجواب الفسيح لما لفّقه عبد المسيح، وهو ردٌّ على رسالة منسوبة لعبد المسيح بن اسحق الكندي التي أجاب بها في زمن المأمون رسالة عبد الله بن إسماعيل الهاشمي حينما دعاه فيها إلى الإسلام، وكلاهما فيما يظهر مزور، وكانت المنصرون قد طبعوا الرسالتين في ليدن بهولندة سنة 1880م، ثم في غيرها من بلاد العرب، فتصدى رحمه الله وألف هذا الكتاب في سنة 1306 وطُبع في المطبعة الإسلامية بلاهور في الهند آنذاك، ورسالة شقائق النعمان في رد شقاشق ابن سليمان، طُبع في مصر سنة 1313، وابن سليمان هذا كان من متصوفة بغداد اسمه داود ألف رسالة دعا بها العوام إلى الغلو في أهل القبور، فردَّ عليه بهذه الرسالة، وكتاب الأجوبة العقلية لأشرفية الشريعة المحمدية، وهو رد على طائفة القاديانية والأحمدية وتأكيد أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وأن شريعته نسخت سائر الشرائع، وطبع سنة 1314 في مومباي، وله مؤلّف أسماه الإصابة في منع النساء من الكتابة، طبع سنة 1314، وهو جواب سؤال ورده من الهند، قال فيه: فأما تعليم النساء القراءة والكتابة فأعوذ بالله منه، إذ لا أرى شيئاً أضر منه بهن. فإنهن لما كُنَّ مجبولات على الغدر، كان حصولهن على المَلكة من أعظم وسائل الشر والفساد... فاللبيب من الرجال هو من ترك زوجته في حالة من الجهل والعمى، فهو أصلح لهن وأنفع!
وهناك كتب أخرى لم تنشر، وكتب نشرت بعد وفاته، منها كتاب صغير اسمه سلس الغانيات في ذوات الطرفين من الكلمات، طبع في بيروت سنة 1318، وهو كتاب لغوي في الأسماء التي تقرأ طردا وعكسا مثل: قلق وسدس وليل، وكتاب الطارف والتالد في إكمال حاشية الوالد، وهو في النحو يتمم حاشية والده على كتاب قطر الندى لابن هشام، وطُبع سنة 1320، ورسالة الحباء في الإيصاء، وهي في أحكام الوصية والإيصاء، استقاها من رد المحتار على الدر المختار للعلامة الفقيه ابن عابدين الحنفي، وطبعها ابنه علي علاء الدين في إستانبول سنة 1328.
قال الأستاذ الأثري في ترجمته لخير الدين الآلوسي: هذا وقد نشر رحمه الله عدا كتب أبيه كتاب الألفاظ الكتابية لعبد الرحمن ابن عيسى الكاتب، وقد دعاه كتاب الأشباه والنظائر، ونسبه سهوا إلى عبد الرحمن الأنباري. والكتاب المشار إليه طبع في إستانبول سنة 1302، ومشحون بالأخطاء، وقد أوضح الأب أنستاس ماري الكرملي في مقالة له في مجلة لغة العرب البغدادية ملابسة تتعلق بالكتاب استحسنت إيرادها لأن مصدرها هو الآلوسي دون ريب، قال الكرملي: كنا قد قلنا إن النسخة التي نشرت في الآستانة باسم كتاب ألفاظ الأشباه والنظائر كان قد سعى في تعميم فوائدها بالطبع السيد نعمان الآلوسي. وقد اتضح لنا الآن ما يخالف هذا القول فأسرعنا إلى تصحيحه. والحقيقة هي أن الطابع وهو أبو ضياء استعار النسخة الآلوسية من السيد المذكور لكي يطبعها على نفقته وهي نسخة قديمة الخط محفوظة إلى الآن في خزانة كتب جامع مرجان التي أوقفها السيد على الجامع المذكور تعميماً لفوائد العلم على ما هو مشهور عن الأسرة الآلوسية، وكان السيد نعمان في ذلك الحين موجوداً في الآستانة فصحح الملزمة الأولى فقط من الكتاب، ثم عاد إلى وطنه لأمور أوجبت رجوعه إلى مسقط رأسه، وبعد أن تم طبعها أرسلت إليه نسخة منها، فلما رآها وجد الطابع نسب تصحيحها إليه ترويجاً لمقصده، وهو بيعها بأقرب مدة فأسف لذلك.
نظم الآلوسي الشعر ليس عن موهبة وصنعة بل استكمالا لشخصيته العلمية، وقد قال الأثري عنه: كان عقله أكبر من علمه، وعلمه أبلغ من إنشائه، وإنشاؤه أمتن من نظمه. ولذا كان شعر مثال شعر الفقهاء، ومن شعره ما أورده في أول كتابه غالية المواعظ في مديح السلطان العثماني عبد الحميد الثاني:
بمولانا أمير المؤمنينا ... لقد سرت قلوب العالمينا
وفي ظل الإله همُ أقاموا ... وظل الله يؤوي القائلينا
أنامَ الكلَّ في ظل ظليل ... فكان لجمعهم كهفاً أمينا
وأصناف الرعية قد تراءت ... بأنواع المعارف عارفينا
مليك ليس يشبهه مليك ... فلا تطلب له ملكاً قرينا
ملاذ الخلق في الدنيا جميعاً ... وسيدنا إمام المسلمينا
أدام الله دولته علينا ... وأيدنا به دنيا ودينا
وملَّكه أقاصي الأرض طُراً ... شمائلَها البعيدة واليمينا
وأيد جنده الباري بنصر ... وفتح كائن حيناً فحينا
كان خير الدين يصرف كل وقته في القراءة والتحقيق، وينفق كل ماله في جمع الكتب، فجمع خزانة كبيرة كانت من أغنى خزائن كتب بغداد وأحفلها بالمخطوطات النادرة، ووقفها على مدرسة جامع مرجان، ثم أصبحت ضمن مكتبة الأوقاف العامة عندما ضمت الدولة العراقية سنة 1345=1926 المكتبات الوقفية في مكتبة واحدة.
وقد ذكر الشيخ زاهد الكوثري في مقالاته أن خير الدين نعمان قد تصرف في تفسير والده المسمى روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني، تصرفاً ينسجم مع نزعته السلفية، وأثار هذه القضية الأخ الأستاذ المحقق محمد بن عبد الله آل رشيد، واستشهد على صحتها بإفادة الأستاذ الباحث أحمد بن عبد الكريم العاني، رغم نفي الأثري والدكتور محسن عبد الحميد لها نفياً قاطعاً، وبقي السجال معلقاً في انتظار أن تحسمه مخطوطة مكتبة راغب باشا بإستانبول التي كان المؤلف والد خير الدين قد أهداها إلى السلطان عبد المجيد خان.
كان الآلوسي ربعة نحيفا، أبيض اللون يميل إلى الصفرة،  جوادا معطاء؛ نقيا تقيا، ورعا زاهدا، يأخذ ما صفا ويدع ما كدر، حفيا بالأهل وذوي القربى، منشطا لأهل العلم، مستقيما في العمل، حلو المفاكهة، لطيف المحاضرة، بشوش الوجه. أثنى عليه كثير من معاصريه، وقرَّظ كتبه عدد من مشايخ العصر، وقد قرَّظ كتابه غالية المواعظ أبو الهدى الصيادي، محمد بن حسن، المولود سنة 1266=1849 والمتوفى سنة 1328= 1909، وكان من كبار متصوفة الوقت، وكان شيخ المشايخ عند السلطان عبد الحميد، وهو مما يستدعي مزيداً من البحث والدراسة لمسار التطور العلمي والفكري لدى الآلوسي الذي اشتهر بكونه من المدرسة السلفية الإحيائية التي أرادت تجديد أمر الدين من خلال العودة إلى المصادر والمبادئ الأصلية، وهي تختلف عن المدرسة السلفية المعاصرة، باحترامها وإجلالها واغترافها من التراث الفقهي للمذاهب الأربعة، فهي تأسس على ما أنجزه علماء هذه المدارس وتقدرإنجازاتهم، وتراجعها وتنتقدها في اعتدال وتواضع ومحبة، كما رأينا في كتاب جلاء العينين.
توفي خير الدين الآلوسي، عن 65 عاماً، بعد مرض استمر عدة أشهر، في 7 من المحرم من عام 1317 ودفن في مدرسته في جوار قبر مرجان رحمهم الله جميعاً.
تزوج الآلوسي السيدة آسية بنت درويش أفندي المفتي، وله منها 4 بنين اشتغلوا كذلك بالعلم، وأشهرهم علاء الدين علي، ولد سنة 1277=1860 وتوفي سنة 1341=1922، أرسله والده إلى الهند للأمير صديق حسن خان في أمور تتتعلق بطباعة كتبه وكتب والده، وانتظم في سلك مدرسة القضاة، وقام مقام أبيه بعد وفاته، وتولى تدريس مدرسة مرجان وصار قاضياً لبغداد وانتخب في مجلس النواب العثماني نائباً عنها، وصنف في التراجم كتاب الدر المنتثر في رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر ولم يوفق لإتمامه، ونظم الأجرومية في علم النحو، وله ديوان شعر.
أما ولده الأكبر ثابت الدين محمد، المولود سنة 1275=1858 والمتوفى سنة 1329=1911، فكان أميل للشعر، وتولع بحب الخيل والبادية، وتولى آخر حياته نيابة لواء السليمانية فحمدت سيرته.
 

الجمعة، 8 نوفمبر 2013

حدث في الخامس من المحرم


في الخامس من المحرم من السنة الخامسة للهجرة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل عبد الله بن أُنيس الجُهني الأنصاري، في مهمة خاصة للقضاء على زعيم من المشركين بدأ في جمع جيش لغزو المدينة، وهذه المهمة الفردية يسميها مؤرخو السيرة سرية عبد الله بن أنيس. قال عبد الله بن أنيس: خرجت من المدينة يوم الاثنين لخمسٍ خلون من المحرم، على رأس أربعةٍ وخمسين شهراً، فغبت اثنتي عشرة ليلة، وقدمت يوم السبت لسبعٍ بقين من المحرم.
وكان قد بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن خالد بن سفيان بن نُبيح الهُذَلي، ثم اللحياني، قد نزل حول وادي  عُرَنَة قرب مكة في ناسٍ من قومه وغيرهم، وجمع الجموع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وانضم إليه عددٌ كثيرٌ من أشواب الناس.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس، فبعثه سريةً وحده إليه ليقتله. وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: انتسب إلى خزاعة. روى الواقدي في المغازي عن عبد الله بن أنيس قال: فقلت: يا رسول الله ما أعرفه، فصفه لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك إذا رأيتَه هِبتَه وفَرَقتَ منه وذكرتَ الشيطان. وكنتُ لا أهاب الرجال، فقلت: يا رسول الله، ما فَرِقتُ من شيءٍ قط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى، آيةُ بينك وبينه أن تجد له قشعريرةً إذا رأيته. واستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن أقول، فقال: قل ما بدا لك.
قال: فأخذت سيفي لم أزد عليه، وخرجت أعتزي إلى خزاعة، فأخذت على الطريق حتى انتهيت إلى قديد، فأجد بها خزاعة كثيراً، فعرضوا علي الحِملان والصحبة، فلم أُرِدْ ذلك وخرجت حتى أتيت بطن سَرِف، ثم عدلت حتى خرجت على عُرَنة، وجعلت أخبر من لقيت أني أريد خالد بن سفيان لأكون معه، حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي، ووراءه الأحابيش ومن استجلب وضوى إليه. فلما رأتيه هبته، وعرفته بالنعت الذي نعت لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأيتني أقطر عرقاً فقلت: صدق الله ورسوله! وقد دخلت في وقت العصر حين رأيته، فصليت وأنا أمشي، أومىء إيماءً براسي، فلما دنوت منه قال: من الرجل؟ فقلت: رجلٌ من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمدٍ فجئتك لأكون معك. قال: أجل، إني لفي الجمع له.
فمشيت معه، وحدثته فاستحلى حديثي، وأنشدته شعراً، وقلت: عجباً لما أحدث محمد من هذا الدين المحْدَث؛ فارق الآباء وسفه أحلامهم! قال: لم يلق محمدٌ أحداً يشبهني! وهو يتوكأ على عصا يهد الأرض، حتى انتهى إلى خبائه، وتفرق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه وهم مطيفون به، فقال: هلم يا أخا خزاعة! فدنوت منه فقال لجاريته: احلبي! فحلبت ثم ناولتني، فمصصت ثم دفعته إليه، فعبَّ كما يعب الجمل حتى غاب أنفه في الرغوة، ثم قال: اجلس. فجلست معه، حتى إذا هدأ الناس وناموا وهدأ، اغتررته فقتلته وأخذت رأسه؛ ثم أقبلت وتركت نساءه يبكين عليه، وكان النجاء مني حتى صعدت في جبل فدخلت غاراً.
وأقبل الطلب من الخيل والرجال توزع في كل وجه، وأنا مختف في غار الجبل، وضربت العنكبوت على الغار، وأقبل رجلٌ ومعه إداوةٌ ضخمةٌ ونعلاه في يده، وكنت حافياً، وكان أهم أمري عندي العطش، كنت أذكر تهامة وحرها، فوضع إداوته ونعله وجلس يبول على باب الغار، فوضع إداوته ونعليه، وضربت العنكبوت على الغار، أو قال: خرجت حمامة، فقال لأصحابه، ليس فيه أحد، فنزل وترك نعليه و إداوته، فانصرفوا راجعين، وخرجت إلى الإداوة فشربت منها وأخذت النعلين فلبستهما، فكنت أسير الليل وأتوارى النهار حتى جئت المدينة، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فلما رآني قال: أفلح الوجه! قلت: أفلح وجهك يا رسول الله! قلت: قد قتلته. قال: صدقت! فوضعت رأسه بين يديه، وأخبرته خبري.
ثم قام رسول الله فدخل بيته ، فأعطاني عصا ، فقال : أمسك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنيس. قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا؟ قلت: أعطانيها رسول الله، وأمرني أن أمسكها عندي، قالوا: أفلا ترجع إلى رسول الله فتسأله لم ذلك؟ فرجعت إلى رسول الله، فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتني هذه العصا؟ قال : آيةُ ما بيني وبينك يوم القيامة؛ إن أقل الناس المتخصرون يومئذ. فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه، حتى إذا مات أمر بها فضمت معه في كفنه ، ثم دفنا جميعاً .
وقال عبد الله بن أنيس في ذلك شعراً:
تركت ابن ثور كالـحُوار وحوله... نوائحُ تفري كل جيب مُقدد
تناولته والظَّعنُ خلفي وخلفه... بأبيض من ماء الحديد مهند
عجومٍ لهامِ الدارعِين كأنه... شهابٌ غضىً من مُلهَب متوقد
أقول له والسيف يعجُمُ رأسه... أنا ابن أنيس فارسا غير قُعْدُد
أنا ابن الذي لم يُنزِل الدهرُ قِدْرَه... رحيبُ فناء الدار غيرُ مزنَّد
وقلت له خذها بضربة ماجد... حنيف على دين النبي محمد
وكنتُ إذا همَّ النبي بكافر... سبقت إليه باللسان وباليد

والحوار: ولد الناقة، وقوله يعجم رأسه من قولهم فلان يعجم التمرة أي يلوكها ويعضها، والقعدد الجبان.

أبو يحيى عبد الله بن أنيس الجهني القضاعي السَلَمي الأنصاري، هو من بني وبرة من قضاعة حلفاء بني سلمة من الأنصار، وقيل له الجهني لأنه جهينة من قضاعة، والعرب قد تقدم في النسبة الفرع على الأصل. ويتأكد هذا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عده من قضاعة، وقد أورد أبونعيم في الحلية أن رجلاً من حِميَر قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقام عنده ثم مات فقال: اطلبوا له وارثاً مسلماً. فلم يوجد فقال: ادفعوا ميراثه لرجل من قضاعة. فدُفِع إلى عبد الله بن أنيس، وكان أقعدهم يومئذ في النسب.
شهد عبد الله بن أنيس بيعة العقبة مع جده لأمه كعب بن مالك الأنصاري، شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما عاد إلى المدينة كسر مع معاذ بن جبل رضي الله عنهما أصنام بني سلمة، ولما هاجر مسلمو قريش إلى المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الله بن أنيس وبين الأرقم بن أبي الأرقم عبد مناف المخزومي، المولود سنة 32 قبل الهجرة والمتوفى سنة 53، وهو الذي استخفى النبي صلى الله عليه وسلم في داره بمكة.
شهد عبد الله بن أنيس غزوة أحد وسائر المشاهد، ولم يشهد بدراً إذ كان محموماً، ذكر الواقدي في المغازي أن عبد الله بن أنيس لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتُربان، وهو موضع على نحو 5 فراسخ من المدينة، فقال: يا رسول الله الحمد لله على سلامتك وما ظفَّرك، كنتُ يا رسول الله ليالي خرجتَ مورودا، فلم يفارقني حتى كان بالأمس، فأقبلتُ إليك. فقال: آجرك الله.
ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، خرج معه عبد الله ومعه زوجته وهي حبلى، فولدت في الطريق، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: انقع لها تمرا، فإذا انعمَ بَلُّهُ فامرثه لتشربه. قال عبد الله: ففعلتُ فما رأت شيئا تكرهه، فلما فتحنا خيبر أحذى النساء، أي منحهن من الغنيمة، ولم يُسهِمْ لهن، فأحذى زوجتي وولدي الذي ولد.
وكانت له مواقف متميزة في الجهاد، منها أنه شارك في سرية عبد الله بن عتيك لقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي، وذلك في أول السنة السادسة بعد غزوتي الخندق وقريظة، فقد كان أبو رافع سلام بن أبي الحقيق ممن حزَّب الأحزاب وألَّب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد الخندق أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب، وجعل لهم الجعل العظيم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرادت الخزرج أن تتقرب لرسول الله بقتل من يعاديه، فذكروا ابن أبي الحقيق، واستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله، فأذن لهم.
وروى الواقدي عنه في كتاب المغازي قصة السرية قال: قال عبد الله بن أنيس:
خرجنا من المدينة حتى أتينا خيبر. قال: وقد كانت أم عبد الله بن عتيك بخيبر يهودية أرضعته، وقد بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة بن ربعي، والأسود بن خزاعي، ومسعود بن سنان. قال: فانتهينا إلى خيبر، وبعث عبد الله إلى أمه فأعلمها بمكانه، فخرجت إلينا بجراب مملوء تمرا كبيسا وخبزا. فأكلنا منه ثم قال لها: يا أماه، إنا قد أمسينا، بيتينا عندم فأدخلينا خيبر. فقالت أمه: كيف تطيق خيبر وفيها أربعة آلاف مقاتل؟ ومن تريد فيها؟ قال: أبا رافع. فقالت: لا تقدر عليه. قال: والله لأقتلنه أو لأقتلن دونه قبل ذلك. قالت: فادخلوا علي ليلا. فدخلوا عليها،  فلما نام أهل خيبر وهدأت الرِجل قالت: انطلقوا حتى تستفتحوا على أبي رافع فقولوا إنا جئنا لأبي رافع بهدية فإنهم سيفتحون لكم.
قال: فصعدنا وقدمنا عبد الله بن عتيك، لأنه كان يرطن باليهودية، ثم استفتحوا على أبي رافع فجاءت امرأته فقالت: ما شأنك؟ فقال عبد الله بن عتيك ورطن باليهودية: جئت أبا رافع بهدية. ففتحت له فلما رأت السلاح أرادت تصيح. قال عبد الله بن أنيس: وازدحمنا على الباب أينا يبدر إليه، فأرادت أن تصيح، فأشرت إليها السيف، وأنا أكره أن يسبقني أصحابي إليه، فسكنت ساعة، ثم قلت لها: أين أبو رافع؟ وإلا ضربتك بالسيف!فقالت: هو ذاك في البيت. فدخلنا عليه فما عرفناه إلا ببياضه كأنه قطنة ملقاة، فعلوناه بأسيافنا، وجعل القوم يضربونه جميعا. وصاحت امرأته، فهم بعضنا أن يخرج إليها ثم ذكرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن قتل النساء، وتصايح أهل الدار بعد ما قتل، فلم يفتح أهل البيوت عن أنفسهم ليلا طويلا.
واختبأنا في بعض مناهر خيبر، وأقبلت اليهود وأقبل الحارث أبو زينب في ثلاثة آلاف في آثارنا، يطلبوننا بالنيران في شعل السعف، ولربما وطئوا في النهر، فنحن في بطنه وهم على ظهره فلا يرونا، فلما أوعبوا في الطلب فلم يروا شيئا رجعوا إلى امرأته فقالوا لها: هل تعرفين منهم أحدا؟ قالت: سمعت منهم كلام عبد الله بن عتيك، فإن كان في بلادنا هذه فهو معهم. فكروا الطلب الثانية، فمكثنا في مكاننا يومين حتى سكن عنا الطلب، ثم خرجنا مقبلين إلى المدينة، كلنا يدعي قتله، فقدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهوعلى المنبر، فلما رآنا قال: أفلحت الوجوه! فقلنا أفلح وجهك يا رسول الله! قال: أقتلتموه؟ قلنا: نعم، وكلنا يدعي قتله. قال: عجلوا علي بأسيافكم. فأتينا بأسيافنا ثم قال: هذا قتله، هذا أثر الطعام في سيف عبد الله بن أنيس.
وفي السنة السادسة للهجرة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس مع عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إلى خيبر ليأتوا بالمستنير بن رِزام اليهودي، الذي كان ييسير في غطفان وغيرهم يجمعهم لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر في شهر رمضان سرا، فسأل عن خبره وغرته فأُخبِرَ بذلك، فقدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فانتدب له ثلاثون رجلا، فبعث عليهم عبد الله بن رواحة فقدموا على يسير فقالوا: نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له؟ قال: نعم، ولي منكم مثل ذلك؟ قالوا: نعم.
قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا إليك؛ لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك، فطمع في ذلك فخرج وخرج معه ثلاثون رجلا من اليهود مع كل رجل رديف من المسلمين، حتى إذا كنا بقرقرة ثِبار ندم المستنير، فقال عبد الله بن أنيس: وأهوى بيده إلى سيفي ففطنت له ودفعت بعيري وقلت: غدرا أي عدوا الله! فعل ذلك مرتين، فنزلت فسقت بالقوم حتى انفرد لي فضربته بالسيف فأندرت عامة فخذه وساقه وسقط عن بعيره وبيده مخرش من شوحط فضربني فشجني، وملنا على أصحابه فقتلناهم كلهم غير رجل واحد أعجزنا شدا، ولم يصب من المسلمين أحد، ثم أقبلنا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحدثناه الحديث فقال: قد نجاكم الله من القوم الظالمين! وتَفَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على شجة عبد الله بن أنيس فلم يقِح جرحُه ولم يؤذه.
وكان عبد الله يسكن بأعراف على منزلة بريد من المدينة، وكان يشق عليه أن يأتي للمسجد النبوي كل يوم في رمضان، فسأل رسول الله عن ليلة القدر، وقال: وقال: يا رسول الله إني شاسع الدار، فمرني بليلة أنزل لها. فقال:  انزل ليلة ثلاثٍ وعشرين . وتُعرف تلك الليلة بليلة الجُهنيِّ وليلة الأعرابي. وقد روى أصحاب السنن والسير عن عبد الله حديثاً في هذا أورده هنا، وقد جمعت فيه عدة روايات، يتبين منه أنه كان شاباً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعله كان دون العشرين. قال عبد الله بن أنيس: كنت في مجلس بين سلمة وأنا أصغرهم، فقالوا: إن قدمنا بأهلينا شقَّ علينا وإن خلفناهم أصابتهم ضيقة، من يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسأله عن ليلة القدر التي نتحرى؟ قال عبد الله بن أنيس: أنا. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم عشية اثنين وعشرين من رمضان فصليت معه المغرب ليلة ثلاث وعشرين من رمضان، ثم انصرفت معه إلى بيته، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام قليل في العين وهو كثير طيب، فطفقت أخطط ليشبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي كأنه أراد أنه يَخطُّ الطعام يُري أنه يأكلُ وليس يأكلُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كُلْ يا عبد الله بن أنيس، فأني قد أرى ما تصنع، والله جاعل فيه بركة. فلما فرغ قال: ناولني نعلي، فقام وقمت معه، فقال: كأن لك حاجة؟ فقلت: أجل يا رسول الله، إن أصحابي من بني سلمة قالوا: من رجل يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسأله عن هذه الليلة التي نتحرى فأخبرنا عنها يا رسول الله؟ قال: اطلبوها يا عبد الله بن أنيس في هذه الليلة، انزلوا ليلة ثلاثة وعشرين. فلما انصرفت قال: اطلبوها يا عبد الله بن أنيس في العشر الأواخر. قال عبد الله: فوقع في نفسي أنه لم يقل الذي قال إلا أنه خشي أن يتكل الناس عليها. وكان عبد الله بن أنيس إذا كانت ثلاثة وعشرين من رمضان نزل من أرضه فيحييها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينصرف إلى أهله.
وقد روى مسلم عن عبد الله بن أنيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أُريت ليلة القدر ثم أُنسيتُها، وأراني صبحها أسجد في ماء وطين. قال: فمُطِرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه.
ومَثله مَثل كثير من الأنصار من أهل المدينة ومن حولها، كان عبد الله بن أنيس ذا خصاصة حتى كان ثوبه يقر عن ستر عورته في الصلاة، روى الطبراني في المعجم الكبير عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقمت عن يساره، فأخذني رسول الله، فأقامني عن يمينه، وعلي ثوب متمزق لا يواريني، فجعلت كلما سجدت أمسكته بيدي مخافة أن تنكشف عورتي، وخلفي نساء، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا لي بثوب، فكسانيه، وقال: تودعه بخلْقِك هذا. أي: صِنْه به، والبس هذا الذي دفعت إليك في أوقات الاحتفال والتزين.
تزوج عبد الله بن أنيس سيدة من الأنصار تدعى فاضلة الأنصارية، وتزوجت بناته بأبناء كعب بن مالك أحد شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت زوجته صاحبة صدقة وخير، قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحث على الصدقة فبعثت إليه بحُليٍّ لي، وقلت: هو صدقة لله عز وجل، فرده عليَّ، وقال: إني لا أقبل صدقة من امرأة إلا بإذن زوجها. فبعثت به إليه مع زوجي، فقال: هو لها يا رسول الله، ورثته عن أبيها، فقبله.
ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حزن عبد الله بن أنيس حزناً شديداً حتى أقعده المرض، ورثى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
تطاول ليلي واعترتني القوارع ... وخطب جليل للبلية جامع!
غداة نعى الناعي إلينا محمدا، ... وتلك التي تستك منها المسامع
فلو رد ميتا قتلُ نفسي قتلتَها ! ... ولكنه لا يدفع الموت دافع
فآليت لا أسى على هُلك هالك ... من الناس، ما أرسى ثَبيرٌ وفارع
ولكنني باك عليه ومُتبِعٌ ... مصيبتَه: إني إلى الله راجع!
وقد قبض الله النبيين قبله، ... وعادٌ أصيبت بالرزى والتبابع
فيا ليت شعري من يقوم بأمرنا؟ ... وهل في قريش من إمام ينازع؟
ثلاثة رهط من قريش هم هم ... أزِِّمةُ هذا الأمر، والله صانع
عليٌّ أو الصديق أو عمر لها، ... وليس لها بعد الثلاثة رابع!
فإن قال منا قائل غير هذه ... أبينا، وقلنا: الله راء وسامع
فيا لقريش قلِّدوا الأمر بعضهم، ... فإن صحيح القول للناس نافع
ولا تبطئوا عنها فَواقا فإنها ... إذا قطعت لم تمن فيها المطامع
روى عنه من الصحابة أبو أمامة إياس بن ثعلبة البلوي الانصاري، وجابر بن عبد الله. وروى عنه من التابعين بسر بن سعيد وبنوه: عطية وعمرو وضمرة وعبد الله، وعبد الله وعبد الرحمن ابنا كعب بن مالك وآخرون. واستشهد به مرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتأكيد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن أنيس: أنهم تذاكروا هو وعمر بن الخطاب يوماً الصدقة، فقال عمر: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر غلول الصدقة إنه من غلَّ منها بعيرا أو شاة أتي به يحمله يوم القيامة؟ قال عبد الله بن أنيس: بلى.
ومن الأحاديث التي رواها عبد الله بن أنيس قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمينا صبرا، فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا جعله الله نُكتة في قلبه إلى يوم القيامة. حلف صبراً: حلف من غير إحلاف.
خرج عبد الله بن أنيس إلى الشام في بعث أرسله عمر بن الخطاب وجعل على رأسه عبد الله بن جعفر الطيار، وقد ذكر ذلك الواقدي في كتابه فتوح الشام، وذكر عن لسان عبد الله بن أنيس أنه كان يحب والده جعفراً رضي الله عنه، كما أورد عنه بعض تفاصيل معارك الشام يمكن الاستئناس بها مع ملاحظة منهج الواقدي وتساهله في الرواية.
وتتحدث كتب التاريخ والحديث عن رحلة قام بها جابر بن عبد الله الأسلمي رضي الله عنهما إلى مصر لسماع حديث يرويه عبد الله بن أنيس ولم يكن عند جابر، وخلافاً للجمهور رأى الإمام الذهبي أنه ليس صاحب هذه الترجمة بل هو عبد الله بن أبي أنيس، وقد فرِّق من قبله الإمام علي بن المديني بين عبد الله بن أنيس الجهني وعبد الله بن أنيس الأنصاري، ثم جاء الإمام الذهبي فجعلهم ثلاثة: الجهني والأنصاري وعبد الله بن أبي أنيس، ولكن يصعب تمييز خبر هذا عن ذاك، والله أعلم.
ولا تفيدنا كتب السير كثيراً عن حياة عبد الله بن أنيس بعد مقتل عمر رضي الله عنه، إلا أنه توفي بالمدينة سنة 54، رضي الله عنه ونفعنا ببركته.

الجمعة، 1 نوفمبر 2013

حدث في السادس والعشرين من ذي الحجة

 
في السادس والعشرين من ذي الحجة من عام 23، اغتال أبو لؤلؤة المجوسي الخليفة الزاهد العادل عمر بن الخطاب ثالثَ الخلفاء الراشدين، رضوان الله عليهم، فانتهت خلافته التي دامت قرابة 10 سنين ونصف السنة، واستشهد رحمه الله عن 63 عاماً.
وقد اخترت للحديث عن هذا الخبر أن أورد بتصرف يسير - ما كتبه الأستاذ الكاتب إبراهيم عبد القادر المازني في مجلة الرسالة، وقد ترددت في اختياري هذا لأن الأستاذ المازني رحمه كتب عن هذا الحدث التاريخي الجلل بحلة حديثة قديمة فيها شيء من الجدة والطرافة، قد لا تليق بحدث حزين مثل مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولكنني حزمت أمري وأوردته ليعلم القارئ سعة أساليب العربية، وبلاغة كتابها، وأن العقم في الأفكار والأقلام لا في اللغة وأساليبها، فهو مقال تاريخي دقيق وأدبي فريد، وأعتذر للقارئ إن لم يوافقني في هذا الاختيار. قال الأستاذ المازني:
مقتل عمر بن الخطاب            
نقلها عن جرائد ذلك العهد الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
اختلف المؤرخون في مقتل عمر رضي الله عنه، فمنهم من قال إن أبا لؤلؤة حقد عليه لأنه لم يخفف عنه الخراج الذي ضربه عليه سيده المغيرة بن شعبة؛ وقال آخرون بل ائتمر به الهُرمزان وهو قائد فارسي أظهر الإسلام وأضمر الغدر، وجفينةُ وهو من نصارى نجران الذين أجلاهم عمر عن جزيرة العرب.
وقد فاتني - لسوء حظي - أن أشهد الحادثة الضخمة وتأخرتُ عنها أكثر من ثلاثة عشر قرناً، ولو حضرتها لعرفت كيف أقول! ولكنه لا يجدي الأسف على شيء فات؛ وما لا يدرك كله لا يترك جُلّه؛ وقد وقعت لي أعداد من صحف ذلك الزمن، مثل جريدة يثرب، وجريدة دار الهجرة، وجريدة العذراء، وغيرها من الصحف الأولى التي كانت تصدر - صباحاً أو مساءً - في صدر الإسلام، وأكبرها جميعاً يثرب، وكانت تظهر في الفجر، فيتخطفها الناس وهم خارجون من صلاتهم بالمسجد، وكان لها مكاتِبون في الأمصار قاصيها ودانيها، يوافونها بأخبارها وأحوالها، وسيرة ولاتها وعمالها، وجُلُّهم - أي المكاتبون - ممن دخلوا مع رسول الله مكة، واشتركوا في حروب الردة، وقاتلوا مع سعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة، وخالد بن الوليد، في فتوح العراق وفارس والشام، ومن أجل هذا كانت الثقة بأنبائهم عظيمة، والاطمئنان إلى الرواية تاماً؛ ولا عجب بعد ذلك إذا كانت يثرب كبرى الصحف في ذلك العهد وأوسعها انتشاراً، وأوثقها حالاً.
ومما ينبغي أن يذكر من مفاخر هذه الجريدة أن العرب إلى عهد عمر رضي الله عنه كانت تتعامل بالنقود الفارسية والرومية فدعت يثرب إلى ضرب نقود عربية وألحت في ذلك؛ ورأى عمر رضي الله عنه أنها على حق، فأمر فضربت الدراهم على شكل النقود الفارسية، فلم تقنع يثرب بهذا، وطلبت أن ينقش اسم الله تعالى واسم رسوله تمييزاً لها عن نقود الفرس، فاستحسن الخليفة رأيها، فأمر فكتب على الدراهم: "الحمد الله" على وجه، و"محمد رسول الله" على الوجه الآخر. وقد زعم حاسدوها وشانئوها - من الفرس المغلوبين على أمرهم - أنها ما دعت إلى ذلك إلا ليسهل بيعها، فينتشر أمرها ويعظم ربحها، وقالوا: ألا تراها قد أشارت بضرب الدراهم ولم تذكر الدنانير قط؟ فذاك لأن الدراهم خسيسة، ولأن النسخة من جريدة يثرب تباع بدرهم! ولكن هذا طعن الفرس الموتورين فلا يُسمَع في العرب.
على أن من المحقَق أن حاجة يثرب إلى سنة تؤرخ بها، هي التي أمْلَت عليها الدعوة إلى وجوب الاتفاق إلى سنة معينة للتاريخ منها، غير عام الفيل وعام الفجار وما أشبه ذلك مما لا آخر له، فكان أن استشار الخليفة أصحابه في ذلك فأشار عليه عليٌّ كرم الله وجهه - على رواية يثرب - باتخاذ السنة التي هاجر فيها الرسول إلى المدينة مبدأ للتاريخ الإسلامي.
بعد هذا الاستطراد الذي لم نر منه بداً للتعريف بيثرب ورفعة مقامها وعلو منزلها، نقول إنا وجدنا فيما عندنا من أعدادها وصفاً مفصلاً لجريمة مولى المغيرة، فرأينا أن ننقله بحروفه حسما للخلاف، وإحقاقاً للحق.
قالت في ملحق أصدرته ضحى الأربعاء 26 ذي الحجة سنة 23 هجرية تحت العنوانات الآتية المكتوبة بالخط الجليل على سبعة أعمدة: عِلجٌ فارسيٌّ يطعن أمير المؤمنين وهو يقيم الصلاة - ويصيب 13 رجلا ثم ينتحر - أهي مؤامرة فارسية نصرانية؟ - تحريات مندوبي يثرب الخصوصيين.
ثم قالت الجريدة:
لم نكد نفرغ من طبع العدد الأخير من يثرب وندفع به إلى الباعة، ونذهب إلى المسجد للصلاة، حتى فوجئنا باعتداء أثيم مُرَوِّع من علوج فارس على حضرة أمير المؤمنين وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الفاروق عمر بن الخطاب وهو يسوي الصفوف في المسجد ويهم باقامة الصلاة. وهو اغتيال دنيء وغدر خسيس تنكره الشهامة ولا تعرفه العرب، ولو أن مئة من أمثال هذا العلج الزنيم تصدوا له وهو يراهم، لخلط عظمهم بلحمهم وأكلهم وتأدم بآبائهم وأجدادهم إلى قابيل، ولكن هذا العلج جاءه من وراء ظهره، وأخذه غدراً وطعنه غيلة، وهو رافع يديه يكبر للصلاة.
وقد سبق لنا أن حذرنا الحكومة من هؤلاء الفرس والنصارى الذين يفدون على مدينة الرسول؛ فإنها - على وفرة الماء فيها بالقياس إلى غيرها من بلاد العرب - يابسة الضرع، وغيرها من الأمصار التي فتحها أخصب، والعيش فيها أرغد، فمجيء هؤلاء الأغراب الموتورين إلى المدينة وإقامتهم فيها أمر مريب، فما يعقل أن يطيب لأمثالهم فيها عيش، وهو الذين نشأوا في ظلال الدعة وألفوا حياة اللين والترف، وهذا ما جناه السماح لهم بالإقامة بين ظهرانينا.
ودعونا مراراً إلى اتخاذ الشرطة والحراس، والعسس بالليل، ومراقبة الأجانب، وقلنا إن خروج الخليفة وليس معه حارس، ولا في يده سلاح، ونومه في الأحيان الكثيرة في ظل شجرة أو جدار لا يخلو من الخطر، وأنه تعرض لا تؤمن مغبته، ولو أنه ليس بالمدينة إلا العرب لما أشفقنا، ولكن الأغراب كثروا بيننا، وهم من بلاد داستها جيوشنا، ودوخت أممها، وثلت عروشها، فهم حاقدون مضطغنون، لا يؤمن غدرهم ولا يتقي شرهم إلا بالحيطة والتحرز منهم. وقد صدق ظننا مع الأسف، وليته خاب ألف خيبة، نسأل الله اللطف فيما وقع.
ثم فصَّلت الجريدة الحادث كما وقع فقالت:
دخل الخليفة المسجد ليصلي بالناس على عادته، وكانت في يده الدرة التي لا تفارقه، فاخترق الصفوف والناس يفسحون له، ويحيونه بأحسن من تحيته، حتى صار إلى الصدر فاستقبل الناس ليقوم صفوفهم، وذاك دأبه، فإنه يكره الفوضى ويحب النظام، ثم ألقى الدرة من يمينه، وكان يسوي بها الصف، ويشير للمتقدم أن يتأخر، وللمتأخر أن يحاذي الذي بجانبه، ثم اتجه إلى القبلة ورفع يديه وكبر، ولم يكد صوته الجهوري يرتفع بالتكبير حتى هجم عليه رجل - ظهر فيما بعد أنه غلام المغيرة - وفي يده خنجر وضربه به في كتفه، فانحنى أمير المؤمنين قليلاً من عنف الصدمة وقوة الضربة على غير توقع منه، فمال معه المجرم وكاد يسقط، غير أنه اعتمد بيسراه على ظهر أمير المؤمنين ونزع الخنجر الذي أصاب عظمة الكتف، وكان الخليفة قد تمالك، وذهبت عنه دهشة المفاجأة فدار ليواجه المعتدي عليه، فعاجله الجاني بطعنة في خاصرته، وأسرع فنزع، وتشدد الخليفة فضربه بجمع يده في صدره وهو يقول: تريد قتلي يا ابن الفاعلة؟! فارتد المجرم خطوات، ثم كر عليه بالخنجر يطعنه طعناً سريعاً فسقط أمير المؤمنين على الأرض.
وكان الناس قد أذهلتهم هذه المباغتة، وأصابتهم منها لأول وهلة كالرعب، فتراجعوا والتوت صفوفهم، ثم أفاقوا، فصاح بعضهم يطلب الشرطي - وأين هو حتى يلبي النداء؟ - وهجم منهم عليه رهط، فأعمل فيهم خنجره يضرب يميناً وشمالاً كالمجنون، فأصاب منهم ثلاثة عشر رجلاً، وألهم الله بعضهم فألقى عليه برنسا - كما تُلقي على الجواد الجامح ثوباً - فأعماه وشل حركته، ثم تكاثروا عليه، وأيقن هو أنه هالك لا محالة فطعن نفسه فمات!
وأقبل الناس بعد ذلك على أمير المؤمنين واجمين محزونين - حتى الجرحى منهم - فردهم عنه بإشارة وسأل: هل فيكم عبد الرحمن بن عوف؟ فتلفت الناس ينظرون، فإذا ابن عوف يفرقهم ويقول: نعم يا أمير المؤمنين. فقال له: تقدم، فصلِّ بالناس.
فكانت دهشة، ولكن عمر هو عمر، لا يشغله خَطب عن دينه وواجبه، ولا يجرؤ أحد على خلافه من هيبته، فصلى ابن عوف بالناس صلاة خفيفة، وعيونهم على الخليفة، وهو ساكن وادع معتمد على الأرض بمرفقه، يصلى معهم بشفتيه، ثم أقبلوا عليه فحملوه، يريدون أن يذهبوا به إلى داره، فقال: مهلاً، ناولتي درتي يا هذا. فناولوه إياها، فأخذها وعلى فمه ابتسامة،فابتسموا لابتسامته، ولكن دموعهم كانت تساقط على لحاهم وأيديهم التي خضبها دمه الزكي، فنظر اليهم يبكون وقال يزجرهم: بل الحمد الله الذي لم يجعل منيتي بيد مسلم.
أما الجاني فهو أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة، وأصله فارسي من نهاوند، وقد كتب الينا مندوبنا القضائي يقول:
منذ بضعة أيام جاء فيروز هذا إلى أمير المؤمنين يشكو إليه أن مولاه المغيرة بن شعبة يشتط في الخراج الذي ضربه عليه ويرهقه بما يتقاضاه منه، وسأله التخفيف عنه. فسأله الخليفة: كم خراجك؟ فقال: درهمان في كل يوم. فسأله: أو كثير هذا عليك؟ قال: نعم، وحقك. قال الخليفة: دع هذا، وقل ما صناعتك؟ قال الغلام: نحاس ونقاش وحداد. فقال أمير المؤمنين: ثلاث صناعات في يديك، وتشكو رقة الحال وتستكثر درهمين؟ كلا ليس خراجك بكثير على ما تصنع من الأعمال! وأعرض عنه.
وقد يؤخذ من هذا أن فيروز حقدها على أمير المؤمنين، وأسرها في نفسه، وأضمر أن ينتقم، ولكنا لا نعرف أن الناس يقتل بعضهم بعضاً من أجل درهمين، فكيف باغتيال خليفة؟ ثم إن تحرياتي تدل على أن الأمر كان مبيَّتاً بليل، فقد حدثني عبد الرحمن ابن أبي بكر - وهو ثقة - أنه رأى عشية أمس الهرمزان الفارسي وجفينة النصراني وأبا لؤلؤة هذا، وهم يتناجون، فلما رأوه اضطربوا، وسقط من أحدهم خنجر له شعبتان، يقول ابن أبي بكر أنه هو نفس الخنجر الذي ضرب به أبو لؤلؤة أمير المؤمنين. فبماذا كانوا يتناجون في غلس الليل، وهذا فارسي أعجمي، وذاك نصراني عربي وثالثهم مملوك للمغيرة؟ وماذا جمع العربي النصراني، والفارس المجوسي وإن تظاهر بالإسلام؟
ومعروف أن الهرمزان هذا كان من قواد الفرس الذين هزمهم سعد بن أبي وقاص، وقد أظهر الإسلام لينجو بجلده، وخان المسلمين مراراً ثم زعم أنه تاب، ومثله خليق أن يبطن العداوة للعرب وألا يغفر لهم أنهم مزقوا عرش الأكاسرة وغلبوهم على بلادهم ومجوسيتهم، وسووا بين الناس فلا سيد ولا مسود، ولا شريف ولا وضيع.
أما جفينة فأمره مشهور، وهو نصراني من نجران، أتى به سعد بن أبي وقاص ليعلم الناس الكتابة - فيا سوء ما أتى به سعد من هذا! وقد كان أمير المؤمنين خاف انتقاض النصارى في نجران عليه، وهو في حرب الفرس والروم، فأجلاهم عن جزيرة العرب ثم عوضهم وأوسع لهم من الأرض في الشام والعراق، وأعطاهم خيراً مما تركوا، ثم هزم المسلمون جيوش هرقل وهو حامي النصرانية، فجفينة لا ريب مضطغن لذلك؟ وقد وجد في الهرمزان حليفاً ونصيراً، وفي فيروز وهو فارسي كالهرمزان، أداة لارتكاب الجريمة المدبرة.
وهذا هو الذي عليه الرأي العام، ولو ترك الناس لرأيهم وخلى بينهم وبين ما يريدون لفتكوا بالفرس والنصارى وشربوا دماءهم، فإن النفوس فائرة، والصدور مضطرمة، ولكنهم يكبحون أنفسهم ويحملون عليها ويردونها على مكروهها احتراماً لأمير المؤمنين وانتظاراً لما يفعل، شفاه الله وعافاه.
بل هذا هو رأي أمير المؤمنين نفسه، فقد اجتمع إليه في داره المهاجرون والأنصار بعد أن حُمل إليها، فقال لابن عباس وكان معه: أخرج إليهم فاسألهم أعن ملأ منهم ومشورة كان هذا الذي أصابني؟ فعاد إليه ابن عباس يقول: إن القوم يقولون: لا والله، ولوددنا أن زاد الله في عمرك من أعمارنا. فقال الخليفة: إذن أبرق إلى العراق وفارس وأنبئ العمال بما كان، وحذرهم أن ينتقض الناس على غرة منهم، فما يدريني ويدريك، لعله تدبير من هناك.
وقد أرسلت البرقيات اللاسلكية إلى عمال الأمصار بالاستعداد لكل طارئ فلا خوف من هذه الناحية فإن قوتنا كافية لقمع ما عسى أن ينجم من الفتن.
وعند مثول هذا الملحق للطبع أبلغنا مندوبنا ما يأتي تليفونياً:
عرفتم أن المجرم أبا لؤلؤة عليه لعنة الله وملائكته، أصاب ثلاثة عشر من المصلين بخنجره، كانوا يحاولون القبض عليه وانتزع الخنجر منه، فالآن أقول إن سبعة منهم كانت جراحهم خطيرة، فتوفوا من النزف، وسيجهزون للدفن وتشيع جنازتهم بعد صلاة العصر باحتفال كبير يمشي فيه المهاجرون والأنصار والبدريون، وقد أمر الخليفة بأن ينوب عنه في تشييع الجنازة صهيب الرومي.
أما الستة الآخرون فجراحهم خفيفة، وقد بعث إليهم الخليفة بابنه عبد الله بن عمر ليعودوهم ويستفسر عن حالهم، فشكروا له هذا العطف السامي ودعوا الله أن يعجل بشفائه.
هذا وقد فحص الطبيب الشرعي الخنجر فتبين أنه مسموم فلا حول ولا قوة إلا بالله، وأذيعت نشرة طبية موجزة جاء فيها أن الإصابات ست في الكتف والخاصرة والظهر، وإن النزف منها شديد، وقد سُقيَ أمير المؤمنين لبناً فخرج من إحدى الطعنات أبيض كما هو، فنصح الطبيب الخليفة بأن يعهد، تولانا الله برحمته.
صدر العدد التالي من يثرب في الثاني من المحرم من عام 24 مجللاً بالسواد، ينعي أمير المؤمنين إلى العالم الإسلامي، ورثاه رثاء طويلاً، ولخص سيرته في الجاهلية والإسلام، ولا نحتاج أن ننقل من هذا شيئاً فإنه معروف، ووصف تجهيزه للدفن في اليوم السابق، وتشييع جنازته والصلاة عليه بالمسجد، وحمله على سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفنه معه إلى جانب أبي بكر الصديق، وسرد أسماء المشيعين من الأنصار والمهاجرين وغيرهم، وروت فيما روت أن علياً وعثمان تقدما للصلاة عليه فردهما عبد الرحمن بن عوف وقال منكراً عليهما ذلك: لا إله إلا الله! ما أحرصكما على الإمرة! أما علمتما أن أمير المؤمنين قال: ليصل بالناس صهيب؟ وأثبت تصريحاتَه قبل موته، لابن عباس، ووصيته لمن يخلفه، وقالت الصحيفة إنه دفع بها إلى ابنه عبد الله وقال له: إذا اجتمع الناس على رجل - أي أمير المؤمنين - فادفع إليه هذا الكتاب وأقرئه مني السلام. وأوردت الصحيفة ما أمر به في اختيار خليفته، وما أوصى به أبا طلحة الانصاري والمقداد بن الأسود، وكل هذا مشهور فلا داعي لنقله.
ولكن حادثاً وقع بعد ذلك، تعد يثرب مسئولة عنه، فقد ذهبت إلى أن قتل عمر كان عن تآمر من جفينة النصراني والهرمزان الفارسي، وأنهما هما اللذان أغريا أبا لؤلؤة بقتله، وروت ما شهد به عبد الرحمن بن أبي بكر وغيره في ذلك، وأيدت ذلك بالدليل العقلي، فهاج عبد الله بن عمر، ومضى إلى ابنة أبي لؤلؤة فقتلها، ثم إلى جفينة والهرمزان فألحقهما بها، انتقاماً لأبيه؛ ولم يكن الذين وكل إليهم التشاور في أمر الخلافة قد فرغوا، فبعث صهيب عمرو بن العاص إلى عبد الله، وكان عمرو داهية، فلم يزل يحاوره ويداوره ويمسح منه في الذروة والغارب حتى سكنت نفسه، فأخذ منه سيفه، ثم جاء سعد بن أبي وقاص فقبض عليه وحبسه في داره.
ولما تولى عثمان بن عفان الخلافة، استشار أصحابه في أمر عبد الله بن عمر، فأشار بعضهم بقتله فيمن قتل، ولكن آخرين استنكروا أن يقتل الأب أمس ويقتل الابن اليوم، ووجد عمرو بن العاص مخرجاً من هذه الورطة، فقال لعثمان: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان، ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك. أي قبل أن تكون خليفة، فمال عثمان إلى الرأفة، ورفض رأي علي بن أبي طالب، وكان يذهب إلى قتل عبد الله بن عمر، وقال عثمان: أنا وليهم، وقد جعلتها دية واحتملتها في مالي.
وقد أثنت يثرب على مشورة ابن العاص، ومروءة عثمان بن عفان، وقالت: إن هذا درس عسى أن ينفع العجم والنصارى فيصرفهم عن التآمر مرة أخرى، ولكن فريقاً من الأنصار كتبوا إليها يفندون رأيها، ويقولون إن الواجب كان أن يقتل ابن عمر؛ فكان هذا أول خلاف في عهد عثمان.
ولم ننقل هذا إلا لأن الفريق الذي طالب بقتل ابن عمر كذّب ما روته يثرب في ملحقها من أن أبا لؤلؤة قاتل عمر انتحر لما كثر عليه الناس وأيقن من الهلاك، وأكد أنه لم ينتحر، وإنما ثار رجل من المصلين فقتله وأخذ منه الخنجر.
وكذّب أيضاً أن الخنجر كان مسموماً، ولم يحفل بما قاله الطبيب الشرعي في ذلك، وقال إن ستة ممن طعنهم أبو لؤلؤة بخنجره هذا شفوا ونجوا، ولو كان الخنجر مسموماً لماتوا، وإنما مات من مات لإصابته في مقتل، أو من شدة النزف.
وطال الحوار والأخذ والرد بين يثرب ومخالفيها في الرأي، حتى لأنكروا عليها أن الحدث كان عن تآمر، واستهجنوا منها أن تحض على اضطهاد العجم والنصارى، وقالوا إن هذا التحريض من سوء الرأي، وإنه خليق أن يفسد أمور الدولة ويخلق لها متاعب هي في غنى عنها في عهد التأسيس، وأنه توجد عصبيات لا يؤمن شرها في المستقبل، وتفاقم الخلاف بين الفريقين حتى لدعا علي كرم الله وجهه، الخليفة إلى إغلاق يثرب، أو على الأقل تعطيلها حتى تقر الفورة وتهدأ النفوس، ولكن الخليفة شق عليه أن يصيب حرية الرأي في عهده أي سوء، فاكتفى بالنصح لجريدة يثرب ألا تسرف في دعايتها، وأن تتقي اللجاجة وما قد تجر إليه من الفتنة.
وقد آثرنا التخليص، لأن النقل يطول، والقارئ أدرى بالصحف وكيف تبدئ وتعيد حتى تعكر الجو وتضجر وتغشى. وقد بلغ من تفرق الرأي في ذلك الوقت أن الناس كانوا يجلسون في المسجد حلقات وفي أيديهم أعداد يثرب، فهذا يؤيد، وذاك يعارض ويكذب، حتى خيفت الفتنة وحسبنا هذا القدر.
وأورد هنا بعضاً من ترجمة الأستاذ المازني كما أوردها صديقه الأستاذ الزركلي في الأعلام:
إبراهيم بن محمد بن عبد القادر المازني، المولود سنة 1308= 1890، والمتوفى سنة 1368=1949، أديب مجدد، من كبار الكتاب، من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق ومجمع اللغة العربية بالقاهرة ، امتاز بأسلوب حلو الديباجة، تخرج بمدرسة المعلمين، وعانى التدريس، ثم الصحافة، وكان من أبرع الناس في الترجمة عن الإنكليزية، ونَظَمَ الشعر، ثم رأى الانطلاق من قيود الأوزان والقوافي فانصرف إلى النثر، وقرأ كثيرا من أدب العربية والانكليزية، وكان جلدا على المطالعة، وذكر لي أنه حفظ في صباه كتاب الكامل للمبرد غيبا، وكان ذلك سر الغنى في لغته، ورأى الكتابَ يتخيرون لتعابيرهم ما يسمونه أشرف الالفاظ، فيسمُون به عن مستوى فهم الأكثرين، فخالفهم إلى تخير الفصيح مما لاكته ألسنة العامة، فأتى بالبين المشرق من السهل الممتنع.
وكان من أرق الناس عشرة، ومن أسلسهم في صداقته قيادا، يبدو متواضعا متضائلا - وفي جسمه شئ من هذا - وفي قرارة نفسه أشد الاعتزاز بها والعرفان لقدرها.
 

 
log analyzer