الجمعة، 1 فبراير 2013

حدث في العشرين من ربيع الأول

في العشرين من ربيع الأول من سنة 47 عزل الخليفة الأموي معاوية الصحابيَّ الجليل عقبةَ بن عامر الجهني رضي الله عنه عن إمارة مصر، بعد أن كان عليها والياً مدة سنتين وثلاثة أشهر، جمع له فيها بين الخراج والصلاة، أي الناحية المالية والإدارية.
وجاء عزل عقبة بن عامر وتعيين مسلمة بن مخلد الخزرجي الأنصاري بطريقة يتجلى فيها دهاء معاوية، وكونه خائفاً من أن يكون لعزل عقبة عواقب لا يحمدها، فقد قال معاوية لمسلمة أن يكتم أمر تعيينه، وأرسل إلى عقبة فجعله على البحر وأمره أن يغزو جزيرة رودس، فلما توجه سائراً، استوى مسلمة على سرير إمرته، فلما بلغ ذلك عقبة فقال: ما أنصفَنا أميرُ المؤمنين؛ عزلنا وغرَّبنا! والأمير الجديد مسلمة كان كذلك رجلاً صالحاً عابداً، حسن التلاوة لآيات الله، طويل الصلاة، زاد في مسجد عمرو بن العاص، وأمر ببناء منارات المساجد  كلها، وأن يؤذن المؤذنون في الليل في وقت واحد، وتوفى وهو أميرمصر في سنة 62.
وعقبة بن عامر صحابي جليل، له فضل الهجرة والصحبة والسابقة، آمن بُعيد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتزم معه البقاء في المدينة، روى الإمام أبو جعفر الطحاوي في مشكل الآثار والطبراني في الأوسط عن عقبة قال: بلغني قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا في غنم لي أرعاها، فتركتها ثم أتيته، فقلت: جئت أبايعك، فقال: بيعةً أعرابية تريد أو بيعةَ هجرة؟قلت: بيعة هجرة، فبايعته، وأقمت.
ويبدو أنه مع إقامته كان يذهب في البادية مع أصحابه وبقي وراءهم فيها ليتعلموا من رسول الله ثم كره ذلك فانضم إليهم في المدينة فاضطروا إلى العودة إلى إبلهم في البادية، فلم يعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عقبة رضي الله عنه قال: جئت في اثني عشر راكباً حتى حللنا برسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال أصحابي: من يرعى لنا إبلنا، وننطلق فنقتبس من نبي الله صلى الله عليه وسلم فإذا راح ورحنا أقبسناه مما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ففعلت ذلك أياماً، ثم إني فكرت في نفسي، فقلت: لعلّي مغبون يسمع أصحابي ما لم أسمع، ويتعلمون ما لم أتعلم من نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.
فحضرت يوماً، فسمعت رجلاً يقول: قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ وضوءاً كاملاً كان من خطيئته كيوم ولدته أمه. فتعجبت لذلك؛ فقال عمر بن الخطاب: فكيف لو سمعت الكلام الأول كنت أشد عجباً، فقلت: اردد عليّ جعلني الله فداك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات لا يشرك بالله شيئاً فتح الله له أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء، ولها ثمانية أبواب.
قال: فخرج علينا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فجلست مستقبله، فصرف وجهه عني، حتى فعل ذلك مراراً، فلما كانت الرابعة، قلت: يا نبيّ الله بأبي وأمي، لم تصرف وجهك عني؟ فأقبل عليّ فقال: واحدٌ أحبّ إليك أم اثنا عشر؟ فلما رأيت ذلك رجعت إلى أصحابي.
وكان عقبة فقيراً من أهل الصفة الذين كان أغلبهم لا يفارقون المسجد، وقد نذروا أنفسهم للعلم والذكر، وأقرهم على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل شجعهم على أن تكون مجالسهم لحفظ القرآن، فقد روى عقبة فقال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصّفّة فقال: أيّكم يحب أن يغدو إلى بطحان أو العقيق فيأتي كلّ يوم بناقتين كوماوين زهراوين يأخذهما من غير إثم ولا قطع رحم؟ قلنا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله، قال: فلان يغدو أحدكم إلى المسجد، فيقرأ أو يتعلم آيتين خير له من ناقتين، وثلاثاً خير له من ثلاث، وأربعاً خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل.
وصار عقبة بن عامر صاحب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الشهباء التي يقودها في الأسفار، وأتاحت له هذه المهمة الشريفة فرصة أن يرتوي من معين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتوشح بتوجيهه ويتسم بأدبه، روى الطبراني في الكبير عن عقبة قال: قدت برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو على راحلته، رَتوة من الليل، وإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: أَنِخْ. فأنخت، فنزل عن راحلته ثم قال: اركب يا عقبة. فقلت: سبحان الله! أعلى مركبك يا رسول الله وعلى راحلتك؟! فأمرني فقال: اركب. فقلت أيضاً مثل ذلك، ورددت ذلك مراراً حتى خفت أن أعصي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فركبت راحلته ورحله، ثم زجر الناقة فقامت، ثم قادني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نَقَب من النِّقاب، فقال: يا عقبة، ألا أعلمك سورتين من القرآن هما أفضل القرآن، أو من أفضله؟  فقلت: بلى، بأبي أنت وأمي، فعلمني المعوذتين، ثم قال: يا عقبة، إذا رأيت الفجر فأعلمني. فلما رأيت الفجر قلت: يا رسول الله، هذا الفجر. فأناخ راحلته، ثم توضأ، ثم أقام الصلاة، ثم أخذ بيدي، فجعلني عن يمينه، فقرأ بهما في صلاة الصبح، ثم التفت إلي، فقال: يا عقبة، اقرأ بهما كلما قمت ونمت.
قال عقبة: ثم لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتدأته فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال، فقال: يا عقبة صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك. ومن توجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم لعقبة بن عامر عندما سأله: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: يا عقبة، أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك.
بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عقبة أن يقضي بين متخاصمين وفي حضوره، وهذا شرف عظيم، وثقة كبيرة من الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الصحابي، وتشجيع وتدريب له، روى الإمام أحمد في مسنده والطبراني في الأوسط عن عقبة بن عامر قال: جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده خصمان يختصمان، فقال لي: اقض بينهما، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنت أولى، قال: اقض بينهما، قلت: على ماذا يا رسول الله؟ قال: اجتهد، فإن أصبت فلك عشر حسنات، وإن أخطأت فلك حسنة.
وكان آخر لقاء لعقبة بن عامر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيل وفاته، عندما زار الرسول قتلى أُحد ثم اعتلى المنبر فخطب الناس مودعاً، وروى ذلك عقبة في الحديث الذي رواه له البخاري ومسلم، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فَرَطٌ، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها. قال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر.
وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتاً بالقرآن، فقال له عمر بن الخطاب: اعرض عليّ، فقرأ عليه سورة براءة، فبكى عمر، وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عقبة بن عامر أحد الصحابة الذين قاموا بجمع القرآن، وذلك لمعرفته بالذكر الحكيم، وحفظه لأماكن السور، وكتب مصحفاً بمصر بيده، قال مؤرخ مصر عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المتوفى سنة 347: رأيت مصحفه بمصر على غير تأليف مصحف عثمان، وفي آخره: كتبه عقبة بن عامر بيده. ولذلك عده بعض المؤرخين - بحق - من أوائل القراء الذين جاءوا مصر.
وكان رامياً لا يترك الرمي والتدرب عليه حتى في شيخوخته، وكيف يتركه وقد رويت عنه أكثر الأحاديث المتعلقة بالرمي، روى له مسلم أنه  سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ، يقول:﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي.
وروى الإمام أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير عن خالد بن زيد الجهني قال: كنت رجلاً رامياً، وكان عقبة بن عامر الجهني رجلاً يحب الرمي، إذا خرج خرج بي معه، فدعاني يوما فأبطأت عليه، فقال: تعال أقول لك ما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حدثني: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل يُدخِل بالسهم الواحد ثلاثةَ نفر الجنة: صانعَه المحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله. وقال: ارموا واركبوا، ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، وليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته امرأته، ورميه بقوسه، ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها. ولهذا توفي عقبة عن أكثر من ستين قوساً بجعابها ونبالها، وأوصى بهن في سبيل الله.
جاهد عقبة في فتوح الشام، وكان هو البريد إلى عمر بفتح دمشق سنة 14، وحدَّث عقبة أنه قدم على عمر وعليّه خفّان، فقال لي عمر: كم لك يا عقبة مذ لم تنزع خفيك؛ تمسح عليهما؟ قلت: من الجمعة إلى الجمعة: ثمانية أيام، قال: أحسنت وأصبت السنة.
وسكن عقبة بن عامر دمشق وكانت داره من نواحي باب توما، ثم استدعاه عمر بن الخطاب إلى المدينة مع النفر الذي استدعاهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لكثرة روايتهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، قال إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمعهم من الآفاق، عبد الله وحذيفة وأبي الدّرداء وأبي ذر وعقبة بن عامر، فقال: ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآفاق؟ قالوا: أتنهانا؟ قال: لا، أقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشت، فنحن أعلم ما نأخذ ونرد عليكم. فما فارقوه حتى مات.
ولما وقعت الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية، شهد صفين مع معاوية، ثم تحول إلى مصر، وطلب من معاوية أن يقطعه أرضاً ليترزق منها، فمنحة مساحة ألف ذراع في ألف ذراع، فلما خرج ينتقيها كان حريصاً على ألا يخل بشروط العهد بين المسلمين وأهل مصر، قال ابن عبد الحكم: كتب عقبة بن عامر إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، يسأله أرضاً يسترفق فيها، فكتب له معاوية بألف ذراع في ألف ذراع، فقال له مولى له كان عنده: انظر أصلحك الله أرضاً صالحة، فقال عقبة: ليس لنا ذلك، إنَّ في عهدهم شروطاً ستة منها، أن لا يؤخذ من أرضهم شيء، ولا من ذراريهم، ولا يكلفوا غير طاقتهم، ولا يُزاد عليهم، وأن يقاتل عاملُهم عدوَّهم من ورائهم، وأنا شاهد لهم بذلك. وعُرِفت الأرض التي اقتطعها عقبة بمُنية عقبة في الجيزة، ومما فعله عقبة في إمارته أنه أمر أهل الجيزة أن يجمعوا، أي يصلوا الجمعة، في مسجد همدان الذي بناه مزاحف بن عامر، وذلك تخفيفاً عليهم من الذهاب إلى مسجد عمرو بن العاص في الفسطاط.
تولى عقبة بن عامر أول منصب له في سنة 35، لما بدأت الفتنة في مصر وتكلم الناس بالطعن على عثمان في مصر، وذهب أميرها عبد الله بن سعد إلى أمير المؤمنين عثمان في المدينة، واستخلف على مصر عقبة بن عامر، ولم تمض هذه الولاية بالوكالة دون مشاكل، فقد توثب عليه محمد بن أبي حذيفة زعيم التمرد، وأخرجه من الفسطاط، ودعا إلى خلع عثمان وأسعر البلاد وحرض الناس على عثمان، ولم يقم عقبة بمقاومته بالسلاح، ولكنه عارضه وبيَّن أن طلاوة لسانه تحمل وراءها الفتنة والخروج على الدين، خرج عقبة بن عامر إلى الجمعة فجلس بقرب المنبر، فخرج محمد بن أبي حذيفة، فاستوى على المنبر، فخطب، وقرأ سورة - وكان من أقرأ الناس - فقال عقبة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليقرأن القرآن رجال لا يجاوز تَراقِيَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة. فسمعها محمد بن أبي حذيفة، وكان سريع البديهة حاضر الجواب، فقال: والله لئن كنتَ صادقا - وإنك ما علمتُ لكذوب - إنك لمنهم.
وانتهت فتنة محمد بن أبي حذيفة في سنة 43 حين عين معاوية بن أبي سفيان أخاه عتبة أميراً على مصر، ودامت ولايته عليها سنة وأشهراً ثم توفاه الله فاستخلف على مصر عقبة بن عامر.
شارك عقبة بن عامر بعد عزله في الجهاد، فخرج رئيساً على جند مصر في سنة 52 في الجيش الذي غزا القسطنطينية في خلافة معاوية، والذي كان فيه أبو أيوب الأنصاري.
روى عقبة بن عامر أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى له أئمة الحديث الستة أحاديث في مواضيع متنوعة وبألفاظ مختلفة وروايات متعددة، يتضح منها فضله وحرصه وفقهه، واستفادته من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إن صحابياً جليلاً مكثراً مثل جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، المتوفى سنة 78، رحل من المدينة إلى مصر، في أيام مسلمة بن مخلد، ليسأل عقبة بن عامر عن حديث انفرد به عقبة، ثم عاد إلى المدينة، فقد جاء جابر بن عبد الله على مسلمة بن مخلد، وهو أمير على مصر، فقال له: أرسل إلى عقبة بن عامر الجهني حتى أسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه. والحديث الذي أراد جابر سماعه، هو ما رواه كاتب عقبة دخين بن عامر قال: قلت لعقبة بن عامر: إن لنا جيراناً يشربون الخمر وأنا داع لهم الشُرَط فيأخذوهم. قال: لا تفعل ولكن عِظْهم وتهددهم. قال: ففعل، فلم ينتهوا، فجاء دخين إلى عقبة فقال: إني نهيتهم فلم ينتهوا وأنا داع لهم الشرط. فقال عقبة: ويحك لا تفعل فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ستر عورة فكأنما استحيا موؤدة من قبرها.
وكان مما حمله عن رسول الله حديث بثه في مصر ولم يصل إلى إمام جليل مثل الإمام مالك بن أنس رحمه الله، قال الإمام عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري تلميذ الإمام مالك، المولود سنة 125 والمتوفى سنة 197: كنت عند مالك، فسئل عن تخليل الأصابع، فلم ير ذلك، فتركت حتى خفَّ المجلس، فقلت: إن عندنا في ذلك سنَّة: حدثنا الليث وعمرو بن الحارث، عن أبي عشانة، عن عقبة بن عامر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا توضأتَ، خلل أصابع رجليك. فرأيته بعد ذلك يسأل عنه، فيأمر بتخليل الأصابع، وقال لي: ما سمعت بهذا الحديث قط إلى الآن. فانظر رحمك الله إلى أدب التابعين وتأمل أين نحن منهم اليوم!
وقد أخذ الحديث عنه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس، وأخذ عنه كثير من التابعين في الشام ومصر، منهم أبو إدريس الخولاني، عائذ الله بن عبد الله، المتوفى سنة 80، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني مفتي أهل مصر في وقته، المتوفى سنة 90، وأبو ليلى دخين بن عامر الحجري، وكان كاتبه، وتوفي سنة 100، وأبو عمران التجيبي أسلم بن عمر، وعابس بن سعدي المرادي قاضي مصر المتوفى سنة 68، الذي تولى القضاء سنة 60، وكان أعرابياً غير معروف من قبل بالعلم، ولكنه جالس عقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو حتى استفرغ علمهما. وأخذ عنه كذلك عبد الرحمن بن جبير المصري المؤذن، المتوفى سنة 97، وكان عبد الله بن عمر معجباً به ويقول إنه من المخبتين.
وكان عقبة لا يألو من حوله من الشباب نصحاً، قال قال عامر بن ذريح الحميري: بتّ عند عقبة بن عامر أنا وجابر بن سهل، فقال له عقبة: لئن دخلت الجنة لتندمنّ، قال: فقلت له: ولِمَ أندمُ إن دخلتُ الجنة؟ فقال: لعلك أن ترى عبد بني فلان فوقك، فتندم من أن لا تكون أعطيتَ ثوباً أو رغيفاً فتلحق به.
توفي عقبة بن عامر سنة 58 بمصر، عن عمر ودفن فيها وفي القاهرة الآن مسجد عقبة بن عامر بجوار قبره، ودفن شهاب الدين أحمد بن يحيى بن أبي حجلة التلمساني، المتوفى سنة 776، أحدَ أولاده في جوار عقبة بن عامر، فحفزه ذلك على أن يصنف كتاباً في مناقبه أسماه: جوار الأخيار في دار القرار.
رحمه الله ونفعنا ببركاته.

الخميس، 31 يناير 2013

حدث في الثالث عشر من ربيع الأول

في الثالث عشر من ربيع الأول من عام 132 بويع بالخلافة في مسجد الكوفة الأعظم، وعمره 28 سنة، أبو العباس السفاح، عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس بن عبد المطلب، أول خلفاء بني العباس، وأحد الجبارين الدهاة من ملوك العرب، لُقِّب بالسفاح لكثرة ما سفك من دماء بني أمية.
ولد أبو العباس السفاح سنة 104 في الحميمة من إقليم الشراة، وهو إقليم في جنوب الأردن قاعدته مدينة معان، أقام به جده علي، وكان والده محمد بن علي، المولود بالشراة سنة 62 والمتوفى بها سنة 125، وأمه رَيطة بنت عبيد الله بن عبد الله ابن عبد المَدان الحارثي، وهي بنت خال أبيه، ولذا كان السفاح يُعرف بابن الحارثية. وكانت زوجة عبد الله بن عبد الملك بن مروان، فهلك عنها، فخلف عليها الحجاج بن عبد الملك، فطلقها قبل أن يدخل عليها، فقدم محمد بن علي، على عمر بن العزيز، وقال: ابنة خالي كانت متزوجة فيكم، فإن تأذن أتزوجها. قال عمر: ومن يحول بينك وبينها، وهي أملك بنفسها؟ فتزوجها.
وفي المؤرخين من يرى أن عروبة أم السفاح كانت السبب في تقدمه على أخيه المنصور الذي كان يكبره في السن، واسمه كذلك عبد الله، فإن أم المنصور بربرية، اسمها سلامة. والسفاح أول ثلاثة من خلفاء بني العباس ولدوا لأم عربية.
وكانت طائفة من الشيعة ترى أن أمر الشيعة بعد مقتل الحسين صار إلى أخيه محمد ابن الحنفية، وأنه انتقل من محمد إلى ابنه عبد الله، وأن عبد الله وفد على الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، فأعجب به كثيراً وخشيه على ملكه، ودس له من سقاه السم في طريق عودته إلى المدينة، فلما أحس بالموت مال إلى الحُميمة وبها ابن عمه ووالد السفاح: محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، المولود سنة 61، فعرفه حاله، وصرف إليه شيعته، وأعطاه كتبا كانت عنده، وأفضى إليه بأسراره، وذلك في سنة 99، ومما ذُكر أنه قاله له: يا ابن عم، إني ميت وأنت صاحب هذا الأمر، وولدك عبد الله بن الحارثية هو القائم به، ثم أخوه من بعده، والله لا يتم هذا الأمر حتى تخرج الرايات السود من خراسان، ثم ليغلبن على ما بين حضرموت وأقصى أفريقية وما بين الهند وأقصى فرغانة، فعليك بهؤلاء الشيعة فهم دعاتك وأنصارك، ولتكن دعوتك خراسان، واستبطن هذا الأمر الحيَّ من اليمن، فإن كل مُلك لا يقوم بهم، فأمره إلى انتقاض.
فبدأ محمد بن علي بالدعوة، وسيرَّ الرجال إلى الأفاق يؤلبهم على بني أمية ويدعوهم إلى بني هاشم، وجبى الخُمْس من الأموال من الشيعة، ثم  ولي رسمياً إمامة الهاشميين سراً في أواخر الدولة الأموية، بعد سنة 120، ولما اقتربت منيته سنة 124 أوصى إلى ابنه إبراهيم، المولود سنة 82، فتابع أمر الدعوة وهو الذي وجَّه أبا مسلم الخراساني في سنة 128 إلى خراسان، وعمره 29 سنة، فبدأ في إظهار الدعوة في منطقة مرو، واصطدم مع حاكمها نصر بن سيّار وتغلب عليه، ودخل مرو ونزل قصر الإمارة في سنة 130، وبدأت مدن خراسان تدين له وتسقط في يديه واحدة تلو الأخرى، ثم عضده إبراهيم بقحطبة بن شبيب الطائي، وكان قائداً عسكرياً محنكاً، فتابع الاستيلاء على خراسان ثم تابع المسير نحو العراق وقتل فيها سنة 132، وكان قبل موته قد أوصى أن يكون بديله أبو سلمة حفص بن سليمان الهمداني الخلال، وبدأت مدن العراق تنحاز كذلك إلى العباسيين أو تسقط في أيديهم، وكانت الكوفة أول مدينة تنحاز إليهم في عاشوراء من المحرم من عام 132.
وإزاء هذا التدهور الخطير أرسل الخليفة الأموي مروان بن محمد للقبض على إبراهيم بن محمد في الحميمة، فكان ذلك آخر العهد به، وتختلف الروايات اختلافاً شديداً في صورة موته، ولكنه لما قُبِضَ عليه نعى نفسه إلى أهل بيته، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي العباس عبد الله، وأوصاهم بالسمع والطاعة له، وأوصاه وجعله الخليفة من بعده.
وسار أبو العباس من الحميمة إلى الكوفة ومعه أهل بيته وأخوه أبو جعفر المنصور، وعبد الوهاب ومحمد ابنا أخيه إبراهيم، وأعمامه بنو علي بن عبد الله بن عباس: داود، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، وعبد الله، وعبد الصمد، وموسى ابن عمه داود، وابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي، وتردد عمه داود في الذهاب إلى الكوفة وقال له: يا أبا العباس تخرج بالكوفة وشيخ بني أمية مروان مطل على العراق في أهل الشام والجزيرة، وشيخ العرب ابن هبيرة في جلة العرب بالعراق؟! فقال أبو العباس: يا عم من أحب الحياة ذَلّ! فقال داود لولده: صدق ابن عمك، فامض بنا معه نحيا أعزاء أو نموت كراما.
ولما وصل السفاح وجمعه الكوفة أنزلهم أبو سلمة الخلال داراً وكتم أمرهم عن جميع القواد نحو أربعين ليلة، ويقال إنه فعل ذلك ليحوِّل الأمر إلى أولاد علي بن أبي طالب بعد أن بلغه موت إبراهيم الإمام، ولكن محاولته لم تنجح فقد اكتشف بعض القادة بمحض الصدفة وجود أبي العباس بينهم فالتفوا حوله على مضض من أبي سلمة الخلال، وجرت مبايعته في المسجد في الثالث عشر من ربيع الأول، وقد لبس الناس السلاح، واصطفوا لخروجه، وركب معه أهل بيته فدخلوا دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد فخطب وصلى بالناس، ثم صعد المنبر ثانية فقام في أعلاه، وصعد عمه داود فقام دونه، وألقى أبو العباس خطبة قال فيها:
الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه، فكرمه وشرفه وعظمه، واختاره لنا وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها، وخصنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته، وأنشأنا من آبائه، وأنبتنا من شجرته، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك كتاباً على أهل الإيمان يتلى عليهم فقال تبارك وتعالى فيما أنزل في محكم كتابه: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً " وقال تعالى: " قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى " فأعلَمَهم جلَّ ثناؤه فضلَنا، وأوجب حقنا ومودتنا، والله ذو الفضل العظيم، وزعمت السبئية الضُّلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا فشاهت وجوههم، ثم ولم أيها الناس؟ وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسداً، ورفع بنا الخسيسة، وتمم بنا النقيصة، وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر ومواساة في دينهم، وإخواناً على سرر متقابلين في آخرتهم، منح الله ذلك منه منحة لمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما قبضه الله قام بالأمر من بعده أصحابه شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها، ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصاً منها، ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزوها وتداولوها، فجاروا فيها واستأثروا بها وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حيناً حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا، وتدارك بنا أمتنا، وولى نصرنا والقيام بأمرنا، ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وإني لأرجو ألا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله.
يا أهل الكوفة، أنتم أهل محبتنا، ومنزل مودتنا، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم، حتى أدرككم زماننا، وأتاكم الله بدولتنا، وأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مئة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح، والثائر المنيح.
وكان أبو العباس موعكاً فاشتد عليه الوعك، فجلس على المنبر وقام عمه داود على مراقي المنبر، فقال خطبة أخرى لا يتسع المقام لإيرادها، ولما صعد المنبر خطب قائماً، فقال الناس: يا ابن عم رسول الله أحييت السنة. وكانت بنو أمية يخطبون قعوداً، ثم عادوا إلى قصر الإمارة وأجلس أخاه أبا جعفر المنصور يأخذ البيعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم حتى صلى بهم العصر ثم المغرب وجنَّهم الليل.
وخرج أبو العباس فعسكر بظاهر الكوفة، وأرسل الولاة إلى المدن التي دانت له، والقواد لمحاربة جيوش بني أمية، وكان أول انتصار حققه حين هزم عمُّه عبدُ الله بن علي جيشَ الخليفة الأموي مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، على نهر الزاب شمالي العراق، بعد معركة تأرجح فيها النصر بين الطرفين، وغنم فيها العباسيون سلاحاً كثيراً وأموالاً، وأمر السفاح لكل من شهد الوقعة بخمسمئة درهم، ورفع أرزاقهم.
واتخذ أبو العباس قراراً صائباً باستثمار الانتصار المبدئي الذي حققه، فأمر عمه عبد الله بن علي بملاحقة مروان بن محمد فاستمر في مطاردته وهو يهرب أمامه، من الموصل إلى حران فحمص فدمشق ففلسطين، وانتهى إلى بوصير في الفيوم بمصر حيث لقي مصرعه في آخر سنة 132، وعمره 59 عاماً، وحمل رأسه إلى السفاح، وانتهت بمقتله دولة بني أمية في المشرق العربي. وكان مروان حازما مدبرا شجاعا، إلا أن ذلك لم ينفعه عند إدبار الملك وانحلال السلطان، وكان يقال له الحمار لجرأته في الحروب.
وظهر من العباسيين حقد كبير على بني أمية، أمواتهم وأحيائهم، إذ أمر عبد الله بن علي بنبش قبور خلفاء بني أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطاً مثل الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية فوجدوا فيه حطاماً كالرماد، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا فيه جمجمة، وكان يوجد في القبر العضو بعد العضو، غير هشام بن عبد الملك فإنه وجد صحيحاً، لم يبل منه إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط ثم صلبه ثم حرقه وذراه في الريح. ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده من بني أمية نحو تسعين رجلاً على الطعام، فأقبل عليه شبل فقال:
أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العباس
طلبوا وَتر هاشم فشفوها ... بعد مَيل من الزمان وباس
لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس
ذلُّها أظهرَ التوددَ منها ... وبها منكم كحر المواسي
فلقد غاظني وغاظ سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي
أنزلوها بحيث أنزلها الله بذات الهوان والإتعاس
واذكروا مصرع الحسين وزيداً ... وقتيلاً بجانب المهراس
والقتيل الذي بحران أضحى ... ثاوياً بين غربة وتناسي
فأمر بهم عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا، وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها، وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعاً.
وقتل عمُّه داودُ بن علي أميرُ مكة والمدينة من ظفر فيهما من بني أمية، بحيث قال له عبد الله بن الحسن بن الحسن: يا أخي إذا قتلت هؤلاء، فبمن تباهي بملكك؟ أما يكفيك أن يروك غادياً ورائحاً فيما يسرك ويسوءهم؟ فلم يقبل منه وقتلهم. وكذلك قتل عمُّه سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بالبصرة جماعة من بني أمية، وألقاهم على الطريق فأكلتهم الكلاب، ولم يخل من ذلك أبو العباس نفسه الذي قال في ذلك شعراً:
أحيا الضغائن آباءٌ لنا سلفوا ... ولن تموت وللآباء أبناءُ
وقال أيضاً:
تناولت ثأري من أمية عنوةً ... وحزت تراثي اليوم عن سلفي قسرا
وألقيت ذلاًّ من مفارق هاشمٍ ... وألبستها عزاً وأعليتها قدرا
وكان السفاح وهذه حاله يستجيب لتحريض المحرضين، فقد دخل عليه  سديف مولاه وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه السفاح، فقال سديف:
لايغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داءً دويا
فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا
فقال سليمان: قتلتني يا شيخ! ودخل السفاح، وأُخِذَ سليمان فقتل.
وبقي بنو أمية في هرب واختفاء وتشتت شمل، حتى ثاب إلى رشده عم السفاح سليمان بن علي حين قصده عمرو بن معاوية بن عمرو بن سفيان بن عتبة بن أبي سفيان، قال عمرو: كنت لا آتي مكاناً إلا عُرِفتُ فيه، فضاقت علي الأرض فقصدت سليمان بن علي، وهو لا يعرفني، فقلت له: لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك، فإما قتلتني فاسترحت، وإما رددتني سالماً فأمنت، فقال: من أنت؟ فعرفته بنفسي فعرفني، فقال: مرحباً بك، حاجتك؟ فقلت: إن الحَرم التي أنت أولى الناس بهن، وأقربهم إليهن قد خفن لخوفنا، ومن خاف خيف عليه! فبكى كثيراً ثم قال: بل يحقن الله دمك، ويوفر مالك، ويحفظ حرمك، ثم كتب إلى السفاح: يا أمير المؤمنين، إنه قد وفد وافد بني أمية علينا، وإنا إنما قتلناهم على عقوقهم لا على أرحامهم، فإنا يجمعنا وإياهم عبد مناف، فالرحم تبل ولا تفل، وترفع ولا توضع، فإن رأى أمير المؤمنين أن يهبهم لي فليفعل، وإن فعل فليجعل كتاباً عاماً إلى البلدان، شكراً لله تعالى على نعمه عندنا وإحسانه إلينا، فأجابه إلى ذلك. وكتب لهم أماناً، وكان هذا أول أمان بني أمية.
ولم يتمتع السفاح رغم قضائه على الأمويين بالاستقرار، ذلك إن المدن التي دخلت في الطاعة سريعاً عادت عنها بسرعة كذلك، وواجه السفاح حركات تمرد في قنسرين ودمشق وحمص والجزيرة الفراتية وبخارى، وانتهت كلها بهزيمة جيوش المتمردين على يد قواده من أمثال عمه عبد الله بن علي وأخيه أبي جعفر المنصور، ولكن قادة السفاح تعاملوا مع المتمردين بعد انتصارهم عليهم بالتسامح والأمان، وكان من أشهر هؤلاء إسحاق بن مسلم العقيلي وكان من خيرة قواد بني أمية شجاعة وحكمة، خرج لما أتاه الأمان إلى أخي السفاح أبي جعفر المنصور وكان عنده من آثر أصحابه، فاستقام أهل الجزيرة والشام، واستعمل أبو العباس السفاح أخاه أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، فلم يزل عليها حتى مات السفاح وصار هو الخليفة.
ولم يلقب أبو العباس بالسفاح إلا عن جدارة لا يحسد عليها، فقد كان وأعوانه جبارين سريعين إلى سفك الدماء بأدنى سبب، ومن أسوء تصرفاته نقضه عهد من استأمن، فقد أعطى أبو جعفر الأمان للأمير يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري، المولود سنة 87، وكان والي العراقين، البصرة والكوفة، في أيام مروان بن محمد، فرحل إلى واسط وتحصن بها، فمكث أبو جعفر زمنا يقاتله، حتى أعياه أمره فكتب إليه بالأمان والصلح، وأقام ابن هبيرة بواسط، ثم أراد السفاح قتله بإشارة أبي مسلم الخراساني، فأمر أبا جعفر بقتله، فتردد وألح عليه السفاح حتى كتب له: والله لتقتلنه أو لأرسلن إليه من يخرجه من حجرتك ويتولى قتله. فقتله أبو جعفر في سنة 132 ومعه عدد من وجوه من كانوا معه، فقال بعضهم: أعطيتمونا عهد الله وغدرتم، إنا لنرجو أن يدرككم الله.
وفي سنة 132 استعمل السفاح أخاه يحيى على الموصل، بعد امتناع أهلها من طاعة عاملهم محمد بن صول، وقالوا: لا يلي علينا مولى لخثعم، وأخرجوه عنهم، وسير السفاح أخاه إليها في اثني عشر ألفاً، فنزل قصر الإمارة ولم يظهر لهم ما يكرهونه ولا عارضهم في أمر، ثم دعاهم فقتل منهم اثني عشر رجلاً، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح فأعطاهم الأمان، وأمر فنودي من دخل الجامع فهو آمن، فأتاه الناس يهرعون، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجامع فقتلوا الناس قتلاً ذريعاً، قيل إنه قتل عشرين ألفاً ممن له خاتم، ومن ليس له خاتم ما شاء الله، فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء يبكين رجالهن، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان، فقتلوا منهم ثلاثة أيام، وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجي، فأخذوا النساء قهراً، فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل ركب في اليوم الرابع، وبين يديه الحراب والسيوف مصلتة، فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته، فأراد أصحابه قتلها فنهاهم، فقالت له: ألست من بني هاشم؟! ألست من بني عم رسول الله؟! أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهن الزنج؟!! فأمسك عن جوابها وبعث معها من أبلغها مأمنها، فلما كان الغد جمع الزنج للعطاء فاجتمعوا، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم.
وفي سنة 132 اغتيل وزيره أبي سلمة الخلال، وهو أول من لقب بالوزارة في الإسلام، وهو من قدامى العاملين في الدعوة، من أيام إبراهيم بن محمد، وأنفق فيها أموالا كثيرة، واتهم بقتله الخوارج، وصلى عليه يحيى بن محمد أخو السفاح، وفي المؤرخين من يتهم السفاح بذلك، ولكن الأصح أن ذلك كان من فعل أبي مسلم الخراساني الذي حرض السفاح على قتله ليخلو له الجو، وقال له: قد أحَلَّ اللّه لك دمه، لأنه قد نكث وغيَّر وبدل، فقال السفاح: ما كنت لأفتتح دولتى بقتل رجل من شيعتي، لاسيما مثل أبي سَلَمة، وهو صاحب هذه الدعوة، وقد عرض نفسه، وبذل مهجته، وأنفق ماله، وناصح إمامه، وجاهد عدوه، وما كنت لأفسد كثير إحسانه وعظيم بلائه وصالح أيامه بزلّةٍ كانت منه، وهي خَطْرة من خطرات الشيطان، وغفلة من غفلات الإنسان. وزاد هذا في حقد أبي مسلم على أبي سلمة الخلال، وخاف أن يكيد له بمكروه، فوجَّه جماعة من ثقات أصحابه لقتله، وكان السفاح يأنس بأبي سَلَمة ويسامره، وكان أبو سَلَمة فكهاً ممتعاً أديباً عالماً بالسياسة والتدبير، فيقال: إن أبا سَلمة انصرف ليلة من عند السفاح من مدينته بالأنبار، وليس معه أحد، فوثب عليه أصحاب أبي مسلم فقتلوه. قيل: لما اتصل خبره بالسفاح أنشأ يقول:
إلى النار فليذهب، ومن كان مثله ... على أي شيء فَاتَنَا منه نأسَف
واستوزر السفاح بعده خالد بن برمك، المولود سنة 90 والمتوفى سنة 165، وكان على ديوان الخراج والجند من قبل، وكانت سجلات الدواوين في صحف مُدْرَجة، فجعلها خالد دفاتر من الجلود، وبقي الأمر كذلك إلى أن جعلها جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك دفاتر من الورق في أيام الرشيد. وبوزارة خالد سقطت دواوين العرب، وغلب عجم خراسان على الأمر، وقد أرضعت زوجة خالد ريطة بنت أبي العباس السفاح، وأرضعت أم سلمة زوجة السفاح ابنة خالد، دخل خالد يوماً على أبي العباس فقال له: يا ابن برمك أما رضيت حتى استعبدتني؟ ففزع خالد لذلك، قال: وكيف يا أمير المؤمنين؟! بل أنا عبدك! فضحك أبو العباس، وقال: ريطة بنت أمير المؤمنين وأم يحيى بنت خالد: تبيتان في فراش واحد فاتعارُّ من الليل فأجدهما قد تكشفتا فأمد اللحاف عليهما! فقبل خالد يده وتشكر ذلك له.
واستقدم السفاح عالمَ المدينة ربيعة الرأي من المدينة إلى الأنبار ليوليه القضاء فتوفي فيها سنة 136.
ودعاه أخوه أبو جعفر إلى قتل أبي مسلم الخراساني، مؤسس الدعوة العباسية، وقال له: لستَ خليفةً ولا أمرُك بشيء إن تركتَ أبا مسلم ولم تقتله، والله ما يصنع إلا ما أراد! قال السفاح: فاكتمها. ومات السفاح فقام أبو جعفر المنصور فقتل أبا مسلم الخراساني في سنة 137، وكان بمثابة السلطان لا يرد أمره.
حاول أبو العباس السفاح أن يستميل بني الحسن بن علي رضي الله عنهما، فدفع أرض فَدَك إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فكان هو القيِّم عليها يفرقها في بني علي بن أبي طالب، وجلس السفاح مرة في مجلس أحشد ما كان ببني هاشم والشيعة ووجوه الناس، فدخل عبد الله بن حسن بن حسن ومعه مصحف، فقال: يا أمير المؤمنين: أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف، فأشفق الناس من أن يعجل السفاح بشيء عليه، ولا يريدون ذلك في شيخ بني هاشم في وقته، أو يعي بجوابه فيكون ذلك عاراً عليه، فأقبل السفاح عليه غير مغضب ولا مزعج، فقال: إن جدك علياً، وكان خيراً مني وأعدل، ولي هذا الأمر فما أعطى جديك الحسن والحسين، وكانا خيراً منك، شيئاً، وكان الواجب أن أعطيك مثله، فإن كنت فعلت فقد أنصفتك، وإن كنت زدتك فما هذا جزائي منك، فما رد عبد الله جواباً، وانصرف الناس يعجبون من جوابه له. ومع ذلك قال له السفاح: احتكمْ عليّ، قال: يا أميرَ المؤمنين، بألف ألف درهم، فإني لم أرها قط. فاستقرضها أبو العباس من صَّيرفيّ وأَمر له بها. وأتى السفاح بجَوهر مَروان، فجعل يُقلِّبه وعبد الله بن الحَسن عنده، فَبَكى عبدُ الله، فقال له: ما يُبكيك؟ قال: هذا عند بنات مَروان وما رأت بناتُ عمك مثلَه قطّ. فحبَاه به. ثم أمر ابنَ مُقرِّن الصّيرفيّ أن يَصل إليه ويبتاعه منه، فاشْتراه منه بثمانين ألف دينار.
أصيب أبو العباس السفاح بالجدري وتوفي بالأنبار في 13 ذي الحجة من عام 136، وصلى عليه عمه عيسى بن علي، ورثاه أبو دلامة زَنْد بن الجَون، وكان منقطعاً إليه، فقال:
أمسيتَ بالأنبار يا ابن محمد ... لا تستطيع إلى البلاد حويلا
ويلي عليك وويل أهلي كلهم ... ويلاً يكون إلى الممات طويلاً
ولقد أردت الصبر عنك فلم يكن ... جزعي ولا صبري عليك جميلا
يجدون أبدالاً سواك وإنني ... لو عشت دهري ما أصبت بديلا
مات الندى إذ مت يا بن محمد ... فجعلتَه لك في التراب عديلا
إني سألت الناس بعدك كلهم ... فوجدت أسمح من رأيت بخيلا
ألشقوتي أُخرتُ بعدك للذي ... يدع السمين من العيال هزيلا
فأبكى الناس قوله، فغضب المنصور غضباً شديداً وقال: لئن سمعتك بعدها تنشد هذه القصيدة لأقطعن لسانك. ومن الطريف أن أبا دلامة دخل على أم سلمة زوجة أبي العباس السفاح يعزيها بزوجها، فبكى وبكت، فلما أنشدها قالت أم سلمة: ما أصيب به غيري وغيرك، فقال: لا والله! ولا سواء رحمك الله! لك منه ولد وليس لي أنا منه ولد، فضحكت منه أم سلمة، ولم تكن ضحكت قبل ذلك، وقالت: لو حدَّث الشيطان لأضحكه.
تولى الخلافة بعد أبي العباس السفاح وبعهد منه أخوه أبو جعفر المنصور، فكان أول من خرج عليه عمه عبد الله بن علي، وقال إن السفاح انتدب أهل بيته لقتال مروان بن محمد، وقال لهم: من سار إليه فهو ولي عهدي. وعلى هذا خرجت من عنده، وقتلت من قتلت، فوجه إليه المنصور أبا مسلم الخراساني فحاربه بنصيبين فانهزم عبد الله بن علي واختفى، وصار إلى أخيه والي البصرة سليمان بن علي، فأشخصه إلى بغداد فحبسه أبو جعفر المنصور، ولم يزل في حبسه ببغداد، حتى وقع عليه البيت الذي حبس فيه فقتله.
خلف السفاح في خزائنه تسع جباب، وأربعة أقمصة، وخمسة سراويل، وأربعة طيالسة، وثلاثة مطارف خزّ. ورغم تقشفه في نفسه فقد كان السفاح سخياً جداّ، وهو وهو أول خليفة وصل بمليوني درهم، ومع ذلك توفي وبيوت الأموال ممتلئة.
تزوج أبو العباس السفاح قبل الخلافة من أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وكانت قبله زوجة عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، ثم خلف عليها مسلمة بن هشام بن عبد الملك، ثم طلقها فعادت إلى منزلها في فلسطين، ثم خرجت مرة إلى بادية الشراة، فبينا هي جالسة ذات يوم، مر بها أبو العباس السفاح وهو يومئذ عزب، فأرسلت إليه مولاةً لها تعرض عليه أن يتزوجها، فأبلغته الجارية السلام، وأدت إليه الرسالة. فقال: أبلغيها السلام وأخبريها برغبتي فيها، وقولي لها: لو كان عندي من المال ما أرضاه لك فعلت. فقالت لها: قولي له: هذه سبعمئة دينار أبعث بها إليك. وكان لها مال عظيم، وجوهر وحشم كثير، فأتته المرأة فعرضت ذلك عليه فأنعم لها، فدفعت إليه المال، فخطبها من أخيها، فزوجها إياه، فأرسل إليها بصداقها خمسمئة دينار، وأهدى إليها مئتي دينار، ولم يتزوج عليها، ولم يتسرَّ، إلى أن مات، وكان يحبها كثيراً، كان يوماً مشرفا على صحن داره ومعه امرأته أم سلمة يتحادثان، فعبثت بخاتمها، فسقط من يدها إلى الدار، فألقى السفاح أيضا خاتمه. فقالت: يا أمير المؤمنين! ما دعاك إلى هذا؟ قال: خشيت أن يستوحش خاتمك، فآنسته بخاتمي غيرة عليه من انفراده، فبكت أم سلمة فرحا. وتزوجت من بعده عبد الله بن علي بن عبد الحميد المخزومي، وكانت مائلة إليه، ثم إنها اتهمته بجاريةٍ لها فاحتجبت عنه، فلم تعد إليه حتى مات.
رُزق السفاح من الولد اثنين: محمد الذي تولى البصرة لأبي جعفر المنصور وتوفي سنة 149،  وابنة سمَّاها رَيطة، تزوَّجها الخليفة المهديُّ وأولدها عليّاً وعُبيد الله. 
ولمِ يكن أحد من الخلفاء يحب مسامرة الرجال مثل أبي العباس السفَّاح، وكان كثيراَ ما يقول: إنما العجب ممن يترك أن يزداد علماً، ويختار أن يزداد جهلاً، فقال له أبو بكر الهذلي وكان جليسه المفضل: ما تأويل هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال: يترك مجالسة مثلك وأمثال أصحابك، ويدخل إلى امرأة أو جارية، فلا يزال يسمع سخفاً، ويروي نقصاً، فقال له الهذلي: لذلك فضلكم اللّه على العالمين، وجعل منكم خاتم النبيين.
أما أخلاق السفاح، إذا كان بعيداً عن السياسة والفتك، فقد كانت من مكارم الأخلاق، ومن كلامه: إذا عظمت القدرة قلت الشهوة، والتغافل عن ذنوب الناس وعيوبهم من أخلاق الكرام، والتهاون بمفاضحتهم من أخلاق اللئام. وكان إذا تعادى اثنان من أهل بطانته لا يسمع من أحد منهما في صاحبه شيئاً، وإن كان عدلا، ويقول: العداوة تزيل العدالة. وكان لا يؤخر إحسان محسن لغد، ويقول: العجب من إنسان يفرِّح إنساناً فيتعجل السرور ويؤخر ثواب مَنْ سره تسويفاً وعِدَةً.
التوقيعات جمل مختصرة يرد بها الخليفة على  يعرض عليه من رقاع، وكان السفاح مشهوراً بتوقيعاته، كتب إليه جماعة من أهل الأنبار يذكرون أنّ منازلهم أُخذت منهم وأُدخلت في البناء الذي أمر به ولم يُعطوا أثمانها، فوقع: هذا بناء أسس على غير تَقْوى. ثم أَمر بدَفع قيم منازلهم إليهم. وإلى عامل تُظلِّم منه: وما كنتُ متّخذَ المضلّين عَضُداً. ووقع إلى من كتب له بوشاية: تقربت إلينا بما باعدك عن الله، ولا ثواب لمن خالف الله. وكان نقشُ خاتمه: الله ثقة عبد الله وبه يؤمن.
  ولما دخل عليه الطبيب وهو في مرض الموت قال:
أنظر إلى ضعف الحِراك وذله بين السكون
ينبيك أن بيانه ... هذا مقدمة المنون
ولما وقع في النزع كان آخر كلامه: إليك يا رب لا إلى النار.

الأحد، 31 أغسطس 2008

تمذهبتَ للنعمان بعد ابن حنبل

المبارك بن المبارك بن سعيد بن الدهان أبو بكر بن أبي طالب النحوي الواسطي الضرير الملقب بالوجيه والمتوفى سنة 612 عن ثمانين سنة. قرأ القراءات واشتغل بالعلم، كان حنبليا ثم تفقه على مذهب أبي حنيفة، وقيل انتقل إلى مذهب الشافعي، وفيه يقول أبو البركات بن التكريتي المؤيد الشاعر:

ومن مبلغ عني الوجيه رسالة * وإن كان لا تجدي لديه الرسائلُ
تمذهبتَ للنعمان بعد ابن حنبل * وذلك لما أعوزتك المآكل
وما اخْـتَرتَ رأي الشافعي ديانةً * ولكنما تهوى الذي هو حاصل
وعما قليل أنت لا شك صائر * إلى مالكٍ فانظر لما أنا قائل


ومالك خازن النار كما لا يخفى.

السبت، 30 أغسطس 2008

وبودي أني واحدٌ منكم

قدم الأمير محمد بن جعفر ولي عهد الخليفة العباسي المعتمد من الجبل إلى العراق سنة 278، وقد اشتد به وجع النِّقْرس، حتى لم يقدر على الركوب، فاتُخذ له سريرٌ عليه قبة، فكان يقعد عليه، ومعه خادم يبرّد رجله بالأشياء الباردة، حتى بلغ من أمره أنه كان يضع عليها الثلج، ثم صارت علةُ رجله داءَ الفيل وكان يحمل سريره أربعون حمالاً، يتناوب عليه عشرون عشرون، وربما اشتد به أحياناً فيأمرهم أن يضعوه، فقال لهم يوماً: قد ضجِرتم وبودي أني واحدٌ منكم أَحمِل على رأسي، وآكل، وأني في عافية، قد أطبق دفتري على مائة ألف مرتزق ما أصبح فيهم أقبح حالاً مني. ثم توفي عن 49 سنة.

الجمعة، 29 أغسطس 2008

يا رسول الله خويدمك

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أخذت أمي أمُ سليم بيدي، وقد أزرتني بخمارها وردتني ببعضه، فجاءت الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، هذا أنس، غلام لبيب كاتب، يخدمك، قال: فقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى الإمام أحمد عن ثابت بن أسلم البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما شممت عنبراً قط ولا مسكاً أطيبَ، ولا مَسَستُ شيئا قطّ ديباجاً ولا خزاً ولا حريراً ألين مَسّاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ثابت: فقلت: يا أبا حمزة ألستَ كأنك تنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأنك تسمع إلى نغمته، قال: بلى، والله إني لأرجو أن ألقاه يوم القيامة، فأقول: يا رسول الله خويدمك.

قال أنس رضي الله عنه: خدمته عشر سنين بالمدينة، وأنا غلامٌ ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي أن يكون، ما قال لي فيها أفٍ، وما قال لي لِـمَ فعلت هذا أو ألا فعلت هذا.

الخميس، 28 أغسطس 2008

الأمل

قال الإمام أبو عثمان النهدي عبدالرحمن بن مل المتوفى سنة 100: بلغت ثلاثين ومائة سنة فما من شيء إلا قد عرفت فيه النقصان إلا أملي فإنه ‏كما هو.‏

الأربعاء، 27 أغسطس 2008

ويلك! العُمَرَين!

كان الرشيد يستقبح المدح بالكذب ويذم المادح به، قال يوماً لبعض ولاته: كيف تركتَ الناس؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أحسنتَ فيهم السيرة، وأنسيتَهم سيرة العُمَرَين. فغضب الرشيد واستشاط وقال: ويلك يا ابن الفاعلة: العُمَرَين! العُمَرَين! وأخذ سفرجلة فرماه بها فكادت تهلكه، وأُخرج من بين يديه.

والعمران أبو بكر وعمر رضي الله عنهما

الثلاثاء، 26 أغسطس 2008

أيسر الخطب

وقالوا لها هذا حبيبك معرضٌ * فقالت ألا إعراضُه أيسرُ الخطبِ
فما هي إلا نظرة بتبسمٍ * فتصطكَ رجلاه ويسقطَ للجنب

الاثنين، 25 أغسطس 2008

مناظرة في المنام

قال المؤرخ الحجة والأديب الماهر أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر المعروف بابن خَلِّكان، والمتوفى سنة 681 عن 73 سنة، في كتابه وفِياتُ الاعيان وأنباءُ أبناءِ الزمان في ترجمة الإمام النحوي أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي البصري المعروف بالمبَـرَّد النحوي والمتوفى سنة 286 عن 76 عاماً:

وكنت رأيت المُبَرَّد في المنام، وجرى لي معه قصة عجيبة، فأحببت ذكرها، وذلك أني كنت بالإسكندرية في بعض شهور سنة 636 - أي عندما كان في الثامنة والعشرين - وأقمت بها خمسة أشهر، وكان عندي كتاب الكامل للمبرد، وكتاب العِقد الفريد لابن عبد ربه، وانا أطالع فيهما، فرأيت في العِقدِ في فصلٍ تَرْجَمَهُ بقوله - أي جعل عنوانه - ما غُلِطَ فيه على الشعراء، وذكر أبياتاً نسبوا اصحابها فيها إلى الغلط وهي صحيحة، وإنما وقع الغلط ممن استَدرَكَ عليهم لعدم إطلاعهم على حقيقة الأمر فيها، ومن جملة من ذكر المبرد فقال: ومثلُه قولُ محمد بن يزيد المبرد النحوي في كتاب الروضة وردَّ على الحسن بن هانئ يعني أبا نواس في قوله

وما لبكر بن وائل عِصَمٌ * إلا بحمقائها وكاذبـها

فزعم أنه أراد بحمقائها هَبَنَّقة القيسي، ولا يقال في الرجل حمقاء، وإنما اراد دُغَة العجلية وعِجْلٌ في بكر، وبها يضرب المثل في الحمق. هذا كله كلام صاحب العقد، وغرضه أن المبرد نسب أبا نواس إلى الغلط بكونه قال بحمقائها، واعتقد أنه أراد هبنقة، وهنبقة رجل، والرجل لايقال له حمقاء، بل يقال له أحمق، وأبو نواس إنما أراد دُغة وهي امرأة، فالغلط حينئذ من المبرد لا من أبي نواس.

فلما كان بعد ليال قلائل من وقوفي على هذه الفائدة، رأيت في المنام كأني بمدينة حلب في مدرسة القاضي بهاء الدين المعروف بابن شداد، وفيها كان اشتغالي بالعلم، وكأننا قد صلينا الظهر في الموضع الذي جرت العادة بالصلاة فيه جماعة، فلما فرغنا من الصلاة قمت لأخرج، فرأيت في آخريات الموضع شخصا واقفا يصلي، فقال لي بعض الحاضرين: هذا أبو العباس المبرد، فجئت إليه، وقعدت إلى جانبه أنتظر فراغه، فلما فرغ سلمت عليه، وقلت له: أنا في هذا الزمان أطالع في كتابك الكامل، فقال لي: رأيتَ كتابي الروضة؟ فقلت: لا، وما كنت رأيتُه قبل ذلك، فقال: قم حتى أريك إياه، فقمت معه وصعد بي إلى بيته فدخلنا فيه، ورأيت فيه كتبا كثيرة، فقعد قدامها يفتش عليه، وقعدت أنا ناحية عنه، فأخرج منه مجلدا ودفعه إلي ففتحتُه وتركته في حجري، ثم قلت له: قد أخذوا عليك فيه، فقال: أي شيء أخذوا؟ فقلت: أنك نسبت أبا نواس إلى الغلط في البيت الفلاني، وأنشدتُه إياه، فقال: نعم غلط في هذا، فقلت له: إنه لم يغلط بل هو على الصواب، ونسبوك أنت إلى الغلط في تغليطه، فقال: وكيف هذا؟ فعرفته ما قال صاحبُ العقد، فعضّ على رأس سبابته، وبقي ساهياً ينظر إليّ وهو في صورة خجلان، ولم ينطق، ثم تيقظتُ من منامي وهو على تلك الحال، ولم أذكر هذا المنام إلا لغرابته.

الأحد، 24 أغسطس 2008

فِقه بُرد أضرُ علينا

كان بشار بن بُرْد يقول الشعر وهو صغير، وكان لا يزال قوم يشكونه إلى أبيه فيضربه، حتى رقَّ عليه من كثرة ما يضربه، وكانت أمه تخاصم أباه، فكان يقول لها: قولي له يكف لسانه عن الناس.

فلما طال ذلك عليه قال له ذات ليلة: يا أبت لم تضربني كلما شكوني إليك؟ قال: فما أعمل؟ قال: احتج عليهم بقول الله تعالى: ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج.

فجاءوه يوماً يشكون بشاراً فقال لهم هذا القول، فقالوا: فِقه بُرد أضرُ علينا من شعر بشار.

السبت، 23 أغسطس 2008

وإن كان موسى الذي سألتني عنه

محمد بن الهذيل أبو الهذيل شيخ المعتزلة ومصنف الكتب في مذاهبهم، ولد سنة 135 وتوفي سنة 235.

قال أبو الهذيل: أول ما تكلمت كان لي أقل من خمس عشرة سنة، وكنت أختلف إلى عثمان الطويل صاحب واصل بن عطاء، فبلغني أن رجلاً يهودياً قدم البصرة وقد قطع - أي أفحم - عامة متكلميهم، فقلت لعمي: يا عم، امض بي إلى هذا اليهودي أكلمه، فقال لي: يا بني، هذا اليهودي قد غلب جماعة متكلمي أهل البصرة، أفمن جدك أن تكلم من لا طاقة لك بكلامه. فقلت: لا بد من أن تمضي بي إليه، وما عليك مني غلبني أو غلبته.

فأخذ بيدي ودخلنا على اليهودي، فوجدته يقرر الناس الذين يكلمونه بنبوة موسى، ثم يجحد نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم فيقول: نحن على ما اتفقنا عليه من صحة نبوة موسى إلى أن نتفق على نبوة غيره فنقر.

قال: فدخلت عليه، فقلت له: أسألك أو تسألني؟ فقال لي: يا بني أو ما ترى ما أفعله بمشايخك؟ فقلت له: دع عنك هذا واختر، إما أن تسألني، أو أسألك. فقال: بل أسألُ. أخبرني، أليس موسى نبي من أنبياء الله تعالى قد صحت نبوته، وثبت دليله، تقر بهذا أو تجحده فتخالف صاحبك؟ فقلت له: إن الذي سألتني عنه من أمر موسى عندي على أمرين، أحدهما: أني أقر بنبوة موسى الذي أَخبرَ بصحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمَرَ باتباعه، وبَشرَ به وبنبوته، فإن كان عن هذا تسألني فأنا مُقرٌّ بنبوته، وإن كان موسى الذي سألتني عنه لا يقرُّ بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرنا باتباعه، ولا بَشّرَ به، فلستُ أعرفه ولا أُقر بنبوته، بل هو عندي شيطان مخزى.

فتحير لما ورد عليه ما قلته له وقال لي: فما تقول في التوراة؟ قلت: أمر التوراة عندي أيضاً على وجهين، إن كانت التوراة التي أنزلت على موسى النبي الذي أقر بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهي التوراة الحق، وإن كانت أنزلت على الذي تدعيه فهي باطل غير حق، وأنا غير مصدق بها.

فقال لي: أحتاج أن أقول لك شيئاً بيني وبينك، فظننت أنه يقول شيئاً من الخير، فتقدمت إليه، فسّارني وقال: أمُك كذا وكذا، وأمُ من علّمك، لا يُكَني. وقَدّر أني أثب به فيقول: قد وثبوا بي وشغبوا علي، فأقبلتُ على من كان في المجلس فقلت: أليس قد عرفتم مسألته إياي، وجوابي له؟ فقالوا: نعم. فقلت: أليس عليه أن يردَ جوابي؟ قالوا: نعم. قلت: إنه لما سّارني شتمني الشتمَ الذي يوجب الحد، وشتم من علمني، وإنما قَدّرَ أني أقوم أثبُ عليه، فيدعي أنّا واثبناه وشغبنا عليه، وقد عرفتكم شأنه بعد انقطاعه. فأخذته الأيدي والأكف بالنعال، فخرج هارباً من البصرة وقد كان له بها دين كثير، فتركه وخرج لما لحقه من الانقطاع.

الجمعة، 22 أغسطس 2008

واعقدن بالأنامل

روى الإمام أحمد والترمذي وابن أبي شيبة – ودخل من حديث بعضهم في بعض – عن هانئ بن عثمان الجُهَنِي عن أمه حُمَيْضَة بنت ياسر عن جدتها يُسَيْرَة، وكانت من المهاجرات، قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا نساء المؤمنات عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس، واعْقِدْنَ بالأنامل، فإنهن يأتين يوم القيامة مسؤولاتٍ مستتنطَقات، ولا تَغفُلْنَ فتُنْسَيْنَ من الرحمة.

الخميس، 21 أغسطس 2008

استبقني لحربك، وزوجني أختك

كان الأشعث بن قيس الكندي في الجاهلية رئيساً مطاعاً في قومه، وكان في الإسلام وجيهاً في قومه، إلا أنه ممن ارتد عن الإسلام بعد النبي عليه السلام في خلافة أبي بكر الصديق، وأُتي به أبو بكر أسيراً. قال أسلم مولى عمر بن الخطاب: كأني أنظر إلى الأشعث بن قيس وهو في الحديد يكلم أبا بكر، وأبو بكر يقول: فعلتَ وفعلتَ حتى كان آخرَ ذلك، سمعت الأشعث يقول: استبقني لحربك، وزوجني أختك، ففعل أبو بكر وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة، وهي أم محمد بن الأشعث، وكان قد خطبها قبل أن يرتد.

خرج الأشعث مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما إلى العراق، فشهد القادسية والمدائن وجلولاء ونهاونداً، واختط بالكوفة داراً في كندة ونزلها، وشهد التحكيم بين علي ومعاوية وكان آخر شهود كتاب التحكيم. مات رضي الله عنه بالكوفة سنة 42، وصلى عليه الحسن بن علي، وروى الأشعث أحاديث عن النبي عليه السلام.


روى إسماعيل بن أبي خالد قال: شهِدتُ جنازةً فيها جرير بن عبد الله البجلي والأشعث، فقدّم الأشعثُ جريراً، وقال: إني ارتدت ولم ترتد.

الأربعاء، 20 أغسطس 2008

مكايد البلاط

لم يكن أبو أيوب المورياني كاتب أبي جعفر المنصور ومتولي ديوان خراجه يأمن ناحية خالد بن برمك -المتوفى سنة 175 عن 75 سنة - وأن يرده أبو جعفر إلى كتابته وديوان الخراج، فكان يحتال عليه، وكان مما احتال به أن دس إلى بعض الجهابذة مالاً عظيماً وقال له: إذا سألك أمير المؤمنين على هذا المال فقل له إنه استودعينه خالد بن برمك، ثم دس من رفع إلى أبي جعفر في ذلك، فدعا أبو جعفر بالنصراني فسأله فقال: نعم عندي مالٌ لخالد بن برمك استودعنيه.

فبعث أبو جعفر إلى خالد فأحضره وسأله عن ذلك المال، فحلف أنه لم يجمع مالاً قط ولا ادخره، ولا رأى النصراني قط ولا عرفه، ثم قال: يا أمير المؤمنين ترسل إلى الجهبذ، وأكون في موضعي حيث يراني، فإن عرفني فقد صدق علي، وإن لم يعرفني فقد أظهر الله براءتي.

فبعث أبو جعفر إلى النصراني فقال: أصْـدِق أميرَ المؤمنين عن هذا المال، قال: يا أمير المؤمنين المال لخالد، وما قلتُ إلا حقاً، قال: أفتعرفُ خالداً إن رأيـتَه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين أعرُفه إن رأيتُه، فالتفت أبو جعفر إلى خالد فقال: قد أظهر الله براءتك، وهذا مالٌ أصبناه بسببك، ثم قال للنصراني: هذا الجالس خالد فكيف لم تعرفه؟ قال: الأمان يا أمير المؤمنين، فأمنه فأخبره بالقصة، فأمره أبو جعفر بحمل المال إلى بيت المال، وكان بعد ذلك لا يقبل في خالد قولاً من أحد وازداد به ثقة وتقديماً.

الثلاثاء، 19 أغسطس 2008

إلى بيتنا والله يذهبون به

قيل لعثمان بن دراج الطفيلي، وهو من مشاهير الطفيليين في زمن المأمون: كيف تصنع بالعرس إذا لم يدخلك أصحابه؟ فقال: أنوح على بابهم فيتطيرون من ذلك، فيدخلوني.

وقال يوماً: مررت بجنازة ومعي ابني، ومع الجنازة امرأة تبكي وتقول: يذهبون بك إلى بيت لا فراش فيه ولا وطاء، ولا ضياء ولا غطاء، ولا خبز ولا ماء، فقال ابني: يا أبت إلى بيتنا والله يذهبون به.

الاثنين، 18 أغسطس 2008

لو ترى الموت يشترى

لما أفضت الخلافة إلى المتوكل جعفر بن المعتصم بن الرشيد، أهدى إليه عبد الله بن طاهر من خراسان، هدية جليلة فيها جوارٍ، فيهن جارية يقال لها محبوبة، قد نشأت بالطائف، وبرعت في الأدب، وأجادت قول الشعر، وحذِقت الغناء، وقرُبت من قلب المتوكل وغلبت عليه، فكانت لا تفارق مجلسه، وزادت حظوة عنده، حتى كان من أمره ما كان وقُتِلَ سنة 247 وله 41 سنة ، فتفرق جواريه، وصارت محبوبة إلى وصيف الكبير، فما زالت حزينة باكية، فدعاها يوماً وأمرها أن تغني، فاستعفَتهُ فلم يقبل، وجيء بعود فوضع في حجرها، فغنت:


أي عيشٍ يَلَذُ لي * لا أرى فيه جعفرا
كلُ من كان في ضَنـّى * وسَقام فقد برا
غيرَ محبوبةَ التي * لو ترى الموت يُشترى
لاشترته بما حوته * يداها لتقبرا


ولبست السواد والصوف، وما زالت تبكيه وترثيه حتى ماتت رحمها اللّه تعالى.

الأحد، 17 أغسطس 2008

نور الدين الشهيد

ولد الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في حلب عام 511، وانتقلت إليه إمارتها بعد وفاة أبيه عام 541، وامتدت سلطته في الممالك الإسلامية حتى شملت جميع سورية الشرقية وقسماً من سورية الغربية، والموصل وديار بكر والجزيرة، ومصر وبعض بلاد المغرب، وجانبا من اليمن، وخُطِبَ له بالحرمين.

كان معتنيا بمصالح رعيته، مداوما للجهاد، يباشر القتال بنفسه، وهو الذى حصّن قلاع الشام وبنى الأسوار على مدنها، وبنى مدارس كثيرة منها العادلية أتمها بعده العادل أخو صلاح الدين، ودار الحديث، وكلتاهما في دمشق، وهو أول من بنى دارا للحديث، وبنى الجامع النوري بالموصل، والخانات في الطرق.

كان متواضعا مهيبا وقورا، مكْرِما للعلماء، ينهض للقائهم، ويؤنسهم ولا يرد لهم قولا، عارفاً بالفقه على مذهب أبي حنيفة، ولا تعصب عنده. وسمع الحديث بحلب ودمشق ورواه، وكان يجلس في كل أسبوع أربعة أيام، يحضُرُ الفقهاء عنده، ويأمر بإزالة الحجاب حتى يصل إليه من يشاء، ويسأل الفقهاء عما يشكل عليه، ووقف كتبا كثيرة.

وكان يتمنى أن يموت شهيدا، فمات رحمه الله بعلة (الخوانيق) في قلعة دمشق سنة 569، فقيل له الشهيد وقبره في المدرسة النورية وكان قد بناها للأحناف بدمشق.

السبت، 16 أغسطس 2008

والله لا أستظل بسقف حتى آخذ بثأري وثأر الإسلام

وفي سنة 558 جمع نور الدين محمود بن زنكي الشهيد عساكره ودخل بلاد الفرنج ونزل في البقيعة تحت حصن الأكراد - المعروف اليوم بقلعة الحصن - محاصراً له عازما على قصد طرابلس ومحاصرتها، فبينما الناس يوماً في خيامهم، وسط النهار، لم يرعهم إلا ظهور صلبان الفرنج من وراء الجبل الذي عليه حصن الأكراد، وذلك أن الفرنج اجتمعوا واتفق رأيهم على كبسة المسلمين نهاراً، فإنهم يكونوا آمنين، فركبوا من وقتهم، ولم يتوقفوا حتى يجمعوا عساكرهم، وساروا مجدين، فلم يشعر بذلك المسلمين إلا وقد قربوا منهم، فأرادوا منعهم، فلم يطيقوا ذلك، فأرسلوا إلى نور الدين يعرفونه الحال، فرهقهم الفرنج بالحملة، فلم يثبت المسلمون، وعادوا يطلبون معسكر المسلمين، والفرنج في ظهورهم، فوصلوا معاً إلى العسكر النوري، فلم يتمكن المسلمون من ركوب الخيل، وأخذ السلاح، إلا وقد خالطوهم، فأكثروا القتل والأسر.


وكان أشدهم على المسلمين الدوقس الرومي، فإنه كان قد خرج من بلاده إلى الساحل في جمع كثير من الروم، فقاتلوا محتسبين في زعمهم، فلم يبقوا على أحد، وقصدوا خيمة نور الدين وقد ركب فيها فرسه ونجا بنفسه، ولسرعته ركب الفرس والشبحة في رجله، فنزل إنسان كردي قطعها، فنجا نور الدين، وقُتِلَ الكردي، فأحسن نور الدين إلى مخلَّفيه، ووقف عليهم الوقوف.

ونزل نور الدين على بحيرة قدس - وهي بحيرة قطينة اليوم - بالقرب من حمص، وبينه وبين المعركة أربعة فراسخ، وتلاحق به من سلم من العسكر، وقال له بعضهم: ليس من الرأي أن تقيم هاهنا، فإن الفرنج ربما حملهم الطمع على المجيء إلينا، فنؤخذ ونحن على هذه الحال. فوبخه وأسكته، وقال: إذا كان معي ألف فارس لقيتهم ولا أبالي بهم، ووالله لا أستظل بسقف حتى آخذ بثأري وثأر الإسلام!

ثم أرسل إلى حلب ودمشق، وأحضر الأموال والثياب والخيام والسلاح والخيل، فأعطى اللباس عوض ما أُخذ منهم جميعه بقولهم، فعاد العسكر كأن لم تصبه هزيمة، وكل من قُتِل أعطى إقطاعَه - أي راتبه - لأولاده.

وأما الفرنج فإنهم كانوا عازمين على قصد حمص بعد الهزيمة لأنها أقرب البلاد إليهم، فلما بلغهم نزول نور الدين بينها وبينهم قالوا: لم يفعل هذا إلا وعنده قوة يمنعنا بها.

ولما رأى أصحاب نور الدين كثرة خَرْجِه - أي نفقته - قال له بعضهم: إن لك في بلادك إدرارات وصدقات كثيرة على الفقهاء والفقراء والصوفية والقراء وغيرهم، فلو استعنت بها في هذا الوقت لكان أصلح؛ فغضب من ذلك وقال: والله إني لا أرجو النصر إلا بأولئك فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم؛ كيف أقطع صلات قوم يدافعون عني، وأنا نائم على فراشي، بسهام لا تخطئ، وأصرفها إلى من لا يقاتل عني إلا إذا رآني، بسهام قد تصيب وقد تخطئ، وهؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال، كيف يحل لي أن أعطيه غيرهم؟ ثم إن الفرنج راسلوا نور الدين يطلبون منه الصلح، فلم يجبهم، وتركوا عند حصن الأكراد من يحميه وعادوا إلى بلادهم.

الجمعة، 15 أغسطس 2008

بِطانتان

روى النسائي وأحمد ، ودخل من حديثهما في بعض، عن ابن شهاب الزُهري عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من والٍ ولا أميرِ إلا له بِطانتان: بِطانةٌ تأمره بالمعروف وتنهى عن المنكر، وبطانةٌ لا تألوه خَبَالاً، تأمره بالشر وتحضه عليه، ومن وُقِيَ شر بطانة السوء فقد وُقِيَ - يقولها ثلاثاً - وهو مع الغالبة عليه منهما.

الخميس، 14 أغسطس 2008

كم من حمارٍ على حمارِ

قال علي بن موسى الكاتب اتفقت أنا وأبو العيناء الضرير - أي التقينا صدفة - بمربعة الخرسي، فسلمت عليه، فقال لي: أحب أن تساعدني إلى سوق الدواب، فتوجهنا نقصدها فزحمه حمار عليه راكب، فأنشأ يقول:

يا خالق الليل والنهار ... صبراً على الذل والصَغَارِ
كم من جوادٍ بلا حمار ... ومن حمارٍ على حمارِ

الأربعاء، 13 أغسطس 2008

مهما شئت كُنْ

الوزير أبو القاسم المغربي الحسين بن علي بن الحسين، المتوفى سنة 418 عن 48 سنة، عُرف جده بالمغربي لأنه كان يختلف على ديوان المغرب، وكان عارفاً فضيلاً وبليغاً مترسلاً، ومفتَنـّاً في كثير من العلوم الدينية والأدبية والنجومية، ومشاراً إليه في قوة الذكاء والفطنة، وسرعة الخاطر والبديهة، ولما استوزره مشرف الدولة البويهي ببغداد تعظم وتكبر، ورهبته الناس، ودامت وزارته عشرة أشهر وأياما.

ولما نزل الوزير المغربي بواسط في درب الواسطيين مكث أياماً لم يحضر مسجدهم، فدخل عليه أبو بكر أحمد بن العباس الدونباي، فقال: يا شيخ، يا أستاذ، يا وزير، مهما شئت كُنْ، إن كنت تحضر مسجدنا هذا في الصلوات الخمس وإلا فانتقل عنا، فقال: السمع والطاعة أيها الشيخ، ثم انتقل عنهم من يومه.

الثلاثاء، 12 أغسطس 2008

أُنفِذُ من كتبك ما رأيتُ، وأقِفُ عما لا أرى

حدث مصعب بن عبد الله عن والده عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، المتوفى سنة 184 عن 73 سنة، فقال:

كان أبي يكره الولاية، فعرض عليه أمير المؤمنين هارون الرشيد ولاية المدينة، فكرهها وأبى أن يليها، وألزمه ذلك أمير المؤمنين الرشيد، فأقام بذلك ثلاث ليال يلزمه ويأبى عليه قبولها، ثم قال له في الليلة الثالثة: اغْدُ عليّ بالغداة إن شاء الله، فغدا عليه، فدعا أمير المؤمنين بقناة - أي برمح - وعمامة فعقد اللواء بيده، ثم قال: عليك طاعة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فخذ هذا اللواء، فأخذه وقال له: أما إذا ابتليتني يا أمير المؤمنين بعد العافية، فلا بد لي من اشتراطٍ لنفسي، قال له: فاشترِطْ لنفسك. فاشترَطَ خِلالاً منها أن مالَ الصدقات مالٌ قسمه الله بنفسه، ولم يَكِلْه إلى أحدٍ من خلقه، فلستُ أستجيز أن أرتزقَ منه، ولا أن أرزق المرتزقة، فاحْمِل معي رزقيَ ورزق المرتزقة من مال الخراج، قال: قد أجبتك إلى ذلك، قال: فأُنفِذُ من كتبك ما رأيتُ، وأقِفُ عما لا أرى، قال: وذلك لك.

قال: فولي المدينة، وكان يأمر بمال الصدقات يصير إلى عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وإلى آخر معه وهو يحيى بن أبي غسان الشيخ الصالح من أهل الفضل، فكانا يقسمانه، ثم ولّاه أميرُ المؤمنين هارون الرشيد اليمنَ، وزاد معها ولاية عَك، وكانت عَك إلى والي مكة، ورَزَقَه ألفي دينار في كل شهر، فقال يحيى بن خالد البرمكي وزير الرشيد: يا أمير المؤمنين كان رزقُ والي اليمن ألفَ دينار، فجعلتَ رزق عبد الله بن مصعب ألفي دينار، فأخاف أن لا يرضى أحدٌ تولية اليمن من قومك من الرزق بأقل مما أعطيت عبد الله بن مصعب، فلو جعلت رزقه ألف دينار كما كان يكون، وأعطيته من الألف الآخر مالاً تجيزه به، لم يكن عليك حجة لأحد من قومك في الجائزة، فصيّر رزقه ألف دينار، وأجازه بعشرين ألف دينار، فاستخلف على اليمن الضحاك بن عثمان بن الضحاك، وكلم له أميرَ المؤمنين فأعانه على سفره بأربعين ألف درهم، فأقام الضحاكُ خليفتَه حتى قدِمَ عليه.

الاثنين، 11 أغسطس 2008

قد رضي بك المسلمون

كان عليُّ بن داود بن عبد الله أبو الحسن الداراني المقرئ القطان المتوفى سنة 402 يؤم أهل داريا، ثم مات إمام الجامع الأموي بدمشق فخرج أهل دمشق إلى دارَيّا ليأتوا به للصلاة بالناس في جامع دمشق، فمنعهم أهل داريا من ذلك، وجرى بينهم كلام فيه جفاء، وحملوا السلاح، وكان فيمن خرج من أهل دمشق القاضي أبو عبد الله بن النصيبي الحسيني، فقال: يا أهل داريّا أما ترضون أن يُسمع في البلاد أن أهل دمشق احتاجوا إلى إمام أهل داريا يصلي بهم؟ فقالوا: إنا رضينا، وألقوا السلاح، فقُدِمت له بغلةُ القاضي ليركبها فلم يفعل وركب حمارة كانت له، فلما ركب التفت إلى ابن النصيبي فقال: أيها القاضي الشريف، مثلي يصلحُ أن يكون إمام الجامع؟ وأنا علي بن داود كان أبي نصرانيا فأسلم وليس لي جَدٌ في الإسلام؟ فقال له القاضي: قد رضي بك المسلمون.

فدخل معهم وسكن في أحد بيوت المنارة الشرقية، وكان يصلي بالناس ويقرئهم في شرقي الرواق الأوسط من الجامع، ولا يأخذ على صلاته أجرا ولا يقبل ممن يقرأ عليه براً، ويقتات من غلة أرض له بداريا، ويحمل من الحنطة ما يكفيه من الجمعة إلى الجمعة، ويخرج بنفسه إلى طاحونة خارج باب السلامة فيطحنه ويعجنه ويخبزه ويقتاته طول الأسبوع.

وكان يقرأ عليه رجل مبخل له أولاد كانوا يشتهون عليه القطايف مدة وهو يمطلهم، فألقي في روع أبي الحسن بن داود أمرُهم، فسأله أن يتخذ له قطايف، فبادر الرجل إلى ذلك لأن أبا الحسن لم يكن له عادة بطلب شئ ممن يقرأ عليه ولا بقبوله، واشترى سكراً ولوزاً واتخذها في إناء واسع، ثم أكل منها فوجد لوزها مراً، فمنعه بخله من عمل غيرها، وحملها إلى ابن داود متغافلاً، فأكل منها واحدة ثم قال له: احملها إلى صبيانك، فجاء بها إلى بيته فوجدها حلوة فأطعمها أولاده.

الأحد، 10 أغسطس 2008

عبد الله بن المعتز

عبد الله بن محمد المعتز بالله ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد العباسي، أبو العباس: الشاعر المبدع، خليفة يوم وليلة.

ولد سنة 247 في بغداد، وأولع بالادب، فكان يقصد فصحاء الأعراب ويأخذ عنهم، وصنف كتباً، منها "الزهر والرياض" و "البديع" و "الآداب" و "الجامع في الغناء" و"الجوارح والصيد" و"فصول التماثيل" و"حلي الأخبار" و"أشعار الملوك" و"طبقات الشعراء".

جاءته النكبة من حيث يسعد الناس: توفي المكتفي بالله سنة 296 واتفق رجال البلاط على تولية أخيه المقتدر العباسي وسنه 13 عاماً، ثم استصغروه فخلعوه بعد أربعة أشهر، وأقبلوا على ابن المعتز، فلقبوه "المرتضي بالله" وبايعوه بالخلافة، فأقام يوما وليلة، ووثب عليه غلمان المقتدر فخلعوه، وعاد المقتدر فقبض عليه وأمر بقتله، وطالت خلافة المقتدر حتى قتل سنة 320.

قال عبد الله بن المعتز:

ما عابني إلا الحسود *** وتلك من خير المعائب
والخير والحساد مقر *** ونان إن ذهبوا فذاهب
وإذا ملكتَ المجد لم *** تملك مذمات الأقارب
وإذا فقدتَ الحاسدين *** فقدتَ في الدنيا الأطايب

قال عبد الله بن المعتز:

فما تنفع الآداب والعلم والحجى *** وصاحبها عند الكمال يموت
كما مات لقمان الحكيم وغيره *** فكلهم تحت التراب صَمُوتُ

السبت، 9 أغسطس 2008

لكن هو الدهر فالقَيه على حذر

كان الوزير القاسم بن عبيد الله، المتوفى سنة 258 عن 33 سنة، وهو من الكتاب الشعراء، قد تقدم عند وفاة المعتضد بالله سنة 289 إلى صاحب الشرطة مؤنس الخادم أن يوجه إلى عبد الله بن المعتز، وقصي بن المؤيد بالله، وعبد العزيز بن المعتمد، فيحبسهم في دار، ففعل ذلك، وقد حبسهم لأنهم من أبناء الخلفاء المؤهلين للحكم، فكانوا محبّسين خائفين، وكان المكتفي بالله وليُّ عهد المعتضد في الرقة عند وفاة المعتضد، فقام له القاسم بأعباء الخلافة وعقد البيعة له، ولما قدم المكتفي بغداد عُرِّفَ خبرَهم، فأمر بإطلاقهم، ووصل كل واحد منهم بألف دينار.

قال عبد الله بن المعتز: سهرت ليلة دخل في صبيحتها المكتفي إلى بغداد، فلم أنم خوفاً على نفسي وقلقاً بوروده، فمرت بي في السَحَر طيرٌ فصاحت، فتمنيت أن أكون مخلّىً مثلها، لما يجرى عليّ من النكبات، ثم فكرت في نِعَم الله عليّ، وما خاره لي من الإسلام والقُربة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أؤمله من البقاء الدائم في الآخرة، فقلت في الحال:

يا نفس صبراً لعل الخير عقباك *** خانتك من بعد طول الأمن دنياك
مرت بنا سَحَراً طيرٌ فقلت لها *** طوباك يا ليتني إياك طوباك
لكن هو الدهر فالقَيه على حذر *** فرب مثلك تنزو بين أشراك

الخميس، 31 يوليو 2008

إن كيدهن عظيم

قال القاضي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: كنت يوماً في مجلس القضاء فوردت على عجوز ومعها جارية شابة، قال: فذهبت العجوز تتكلم قال: فقالت الشابة: أصلح الله القاضي، مرها فلتسكت حتى أتكلم بحجتي وحجتها، فإن لحَنَتُ بشيء فلترد علي، فإن أذِنتَ لي سَفَرتُ - أي كشفت عن وجهي - قال: فقلت: أسفري، قال: فقالت العجوز: إن سَفَرَتْ قضيتَ لها عليّ، قال: قلت: أسفري، فأسفرت والله عن وجه ما ظننت أن يكون مثله إلا في الجنة.

فقالت: أصلح الله القاضي، هذه عمتي، مات أبي وتركني يتيمة في حجرها فربتني فأحسنت التربية، حتى إذا بلغتُ مبلغ النساء قالت: يا بنية! هل لك في التزويج؟ قلت: ما أكره ذلك يا عمة، هكذا كان؟ قالت العجوز: نعم. قالت: فخطبني وجوه أهل الكوفة فلم ترض لي إلا رجلاً صيرفياً فزوجتني، فكنا كأننا ريحانتان ما يَظُنُ أن الله تعالى خلق غيري، ولا أظن أن الله عز وجل خلق غيره، يغدو إلى سوقه ويروح علي بما رزقه الله.


فلما رأت العمة موقعه مني وموقعي منه حسدتنا على ذلك، قالت: فكانت لها ابنة فشوّفتها - أي زينَتّها - وهيأتها لدخول زوجي عليّ فوقعت عينه عليها، فقال لها: يا عمة! هل لك أن تزوجيني ابنتك؟ قالت: نعم بشرط، قال لها: وما الشرط؟ قالت: تصّيرُ أمر ابنة أخي إلي، قال: قد صيرت أمرها إليك، قالت: فإني قد طلقتها ثلاثاً بتة! وزوَجَتْ ابنتها من زوجي، فكان يغدو عليها ويروح كما كان يغدو علي ويروح. فقلت لها: يا عمة! تأذنين لي أن أنتقل عنك، قالت: نعم، فانتقلت عنها.


قالت: وكان لعمتي زوج غائب فقدم فلما توسط منزله، قال: مالي لا أرى ربيبتنا؟ قالت: تزوجت وطلقها زوجها فانتقلت عنا، فقال لها: إن لها من الحق علينا أن نعزيها بمصيبتها. قالت: فلما بلغني مجيئه تهيأت له وتشوفت، قالت: فلما دخل علي سلم وعزاني بمصيبتي ثم قال لي: إن فيّ بقيةً من شباب فهل لك أن أتزوجك؟ قلت: ما أكره ذاك ولكن على شرط، قال لي: وايش الشرط؟ قلت: تصيّر أمر عمتي بيدي، قال: فإني قد صيرت أمرها بيدك، قلت: فإني قد طلقتها ثلاثاً بتة.


قالت: وقدم بثقله علي من الغد ومعه ستة آلاف درهم، فأقام عندي ما أقام ثم إنه اعتل فتوفي، فلما انقضت عدتي جاء زوجي الأول الصيرفي يعزيني بمصيبتي، فلما بلغني مجيئه تهيأت له وتشوفت، فلما دخل علي قال: يا فلانة، إنك لتعلمين أنك كنت أحبَ الناس إليّ وأعزَهم عليّ، وقد حلَّ لنا الرجعة فهل لك في ذلك؟ قلت: ما أكره ذلك ولكن تصيّر أمرَ ابنة عمتي بيدي، قال: فإني قد فعلت؛ صيّرتُ أمر ابنة عمتك بيدك، قلت: فإني قد طلقتها ثلاثاً بتة. فرجعتُ إلى زوجي، فما استعداؤها علي، أصلح الله القاضي؟


فقالت العجوز: أنا فعلتُ مرة، وفَعَلَتْ مرة بعد أخرى.


فقال ابن أبي ليلى: إن الله لم يوقّتُ في هذا وقتاً، وقد قال تعالى: ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بُغيَ عليه لينصرنه الله. فواحدة بواحدة والبادي أظلم، غير أن زوج العمة لم يكن له أن يتزوج ابنة أخيها وهي في عدته.


قال ابن أبي ليلى: فحدثت الهادي بذلك، فقال: ويحك يا محمد! ما سمعت حديثاً أحسن من هذا، أنا أحب أن أحدث به الخيزران، يعني أمه.

الأربعاء، 30 يوليو 2008

ما أعددت لهذا القبر؟

لما ماتت حمادة بنت عيسى ابنةُ عم أبي جعفر المنصور وزوجتُه حضر جنازتها وجلس لدفنها وهو متألم ‏لفقدها كئيب عليها، فأقبل أبو دلامة وجلس قريبا منه فقال له المنصور: ويحكَ ما أعددت لهذا المكان؟ ‏وأشار إلى القبر، فقال أبو دلامة: ابنةُ عم أمير المؤمنين! فضحك المنصور حتى استلقى ثم قال له: ويحك فضحتنا بين ‏الناس!

الثلاثاء، 29 يوليو 2008

من أراد الشهادة فليترحم على عثمان بدار البطيخ بالكوفة

قال عبد الله بن المبارك: من أراد الشهادة فليدخل دار البطيخ بالكوفة ويترحم على عثمان، قال خلف بن تميم: فدخلت دار البطيخ بالكوفة فرأيت الأرطال والكيالج – أي المكاييل - فكرهت أن أقول شيئاً.

الاثنين، 28 يوليو 2008

الناس أربعة في الورع

قال الإمام الزاهد إبراهيم بن أدهم المتوفى سنة 161: الناس أربعة في الورع:

فمنهم ورِعٌ عن القليل والكثير
ومنهم ورِعٌ عن القليل وإذا اشرْفَ على الكثير لم يتورع عنه
ومنهم ورِعٌ عن الكثير ويدنس ورعَه بالقليل
ومنهم من لا يتورع عن قليل ولا كثير.

الأحد، 27 يوليو 2008

لا يشتريني أحد بعد زلزل فينتفع بي

قال إبراهيم الموصلي: قال لي زلزل: عندي جارية من حالها من قصتها قد علّمتها الغناء. فكنت أشتهي أن أراها، وأستحي أن أسأله، فلما توفي زلزل بلغني أن ورثته يعرضون الجارية، فصرت إليهم، فأخرجوها فإذا هي جارية كاد الهلال يكونها، لولا ما تمّ منها ونقص منه، فقلت لها: غنّي، فغنَّت وعيناها تذرفان، ثم شهقت، ظننت أن نفسها قد خرجت.

فركبت من ساعتي، فدخلت على أمير المؤمنين هارون الرشيد، فأخبرته خبرها، فأمر بإحضارها، فلما دخلت عليه قال: غنّي. فغنَّت وجعلت تريد البكاء، فتمنعها هيبة أمير المؤمنين، فرحمها وأعجب بها، وقال: أتحبين أن أشتريك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، لقد عرضت علي ما يقصر عنه الأمل، أما إذ خيرتني فقد وجب نصحُك عليّ، والله لا يشتريني أحد بعد زلزل فينتفع بي. فزاد رقة عليها، وقال: غني صوتاً فغنت:
العينُ تظهر كتماني وتبديه ... والقلبُ يكتم ماضمَّنتُهُ فيه
وكيف ينكتم المكنون بينهما ... والعين تظهره والقلب يخفيه

فاشتراها وأعتقها، وأجرى عليها رزقاً إلى أن ماتت.

السبت، 26 يوليو 2008

هذا المال مزكى لايضيع منه شيء

منصور، مولى عيسى بن جعفر، ولقبه: زلزل فغلب عليه ونُسي اسمه، كان يضرب بالعود، فيُضرَب به المثل، وكان يحفظ القرآن، وعمل ببغداد بركة للسبيل كان يضرب بها المثل. وتوفي سنة 174 عن 84 سنة.

أنشد إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه لنفسه في بركة زلزل:

لو أن زهيراً وامرأ القيس أبصرا ... ملاحة ما تحويه بِرْكَةُ زَلْزَل
لما وصفا سَلْمَى ولا أم سالم ... ولا أكثرا ذِكْرَ الدخول فحومَل

حدثوا أنه غرق له مركب، فأحضر الغواصين، فلم يزالوا يصعدون ما فيه حتى قال: قد بقي طشت وإبريق، فإن هذا المال مزكى لايضيع منه شيء. فغاصوا فوجدوه.

الجمعة، 25 يوليو 2008

إن الله حيي كريم

روى الترمذي عن سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله حَيِيٌّ كريم، يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صِفْرًا خائبتين.
قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب.

الخميس، 24 يوليو 2008

شجون المحدثين: تنظر في كتاب أبي وتترحم على يحيى

قال الإمام المحدث علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: أوثقُ أصحاب الأعمشِ حفصُ بن غياث، فأنكرت ذلك، ثم قدمت الكوفة بأَخَرَةٍ فأخرج إليّ عمرُ بن حفص كتابَ أبيه عن الأعمش فجعلت أترحم على يحيى، فقال لي عمر: تنظر في كتاب أبي وتترحم على يحيى! فقلت: سمعته يقول: حفص بن غياث أوثق أصحاب الأعمش، ولم أعلم حتى رأيت كتابه.

الأربعاء، 23 يوليو 2008

شجون المحدثين: أيما أحبُ إليك

قال رجل لعبد الرحمن بن مهدي المتوفى سنة 198 وهو شيخ عبد الله بن المبارك وعلي بن المديني وأحمد ‏بن حنبل: أيما أحبُ إليك: يغفر الله لك ذنباً، أو تحفظ حديثاً؟ قال: أحفظ حديثاً.‏

الثلاثاء، 22 يوليو 2008

شجون المحدثين: أربعون لحافاً لمن يبيضون مسنده

أبو يوسف الدوسي يعقوب بن شيبة البصري المتوفى سنة 263 المحدث الثقة، وصنف مسنداً معللاً، إلا ‏أنه لم يتمه، وكان فقيهاً على مذهب مالك، كان في منزله أربعون لحافاً أعدها لمن كان يبيت عنده من ‏الوارقين لتبييض المسند ونقله، ولزمه على ما خرج من المسند عشرة آلاف دينار. وقيل: إن نسخة مسند ‏أبي هريرة وحده شوهدت بمصر فكانت مائتي جزء.‏

الاثنين، 21 يوليو 2008

شجون المحدثين: إذا قعدت فاقعد مع الناس

قال أبو موسى البزاز هارون بن عبد الله الحمال شيخُ مسلم وإبراهيم الحربي والمتوفى سنة 243: جاءني ‏أحمد بن حنبل بالليل فدقّ البابَ علي، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا أحمد، فبادرت إليه فمسّاني ومسّيته، ‏وقلت: حاجةٌ يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، شغلتَ اليومَ قلبي، قلت: بماذا يا أبا عبد الله؟ قال: جُزتُ عليك ‏اليوم وأنت قاعد تحدث الناس في الفيء، والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل ذلك مرة ‏أخرى؛ إذا قعدت فاقعد مع الناس.

الأحد، 20 يوليو 2008

شجون المحدثين: الزموا السوق

كان المحدث شُعْبة بن الحجاج المتوفى سنة 160 من كبار أئمة المحدثين، وكان له أخَوَان بشارٌ وحمادٌ وكانا يعالجان الصرف - أي الصرافة - وكان شعبة يقول لأصحاب الحديث: ويلَكم الزموا السوق، فإنما أنا عيال - أي عالةٌ - على إخوتي، قال: وما أكل شعبة من كسبه درهماً قط.

السبت، 19 يوليو 2008

شجون المحدثين: آخذُ على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

أبو الغنائم القاضي محمد بن علي بن الحسن بن الدَجاجي المحدث المتوفى 463، كان له مالُ فافتقر في آخر عمره، فجمع له أهلُ الحديث شيئاّ من المال فلم يقبل، وقال: وافضيحتاه، آخذُ على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم! لا والله!

الجمعة، 18 يوليو 2008

فمن وقي شرها فقد وقي

روى الإمام عبد الله بن المبارك في مسنده عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من وال ولا أمير إلا له بطانتان: بطانةٌ تأمره بالمعروف وتنهى عن المنكر، وبطانةٌ لا تألوه خَبَالاً، فمن وقي شرها فقد وقي.

الخميس، 17 يوليو 2008

إن لنا في وجهك حاجة

ولما حضرت الحسن بن الحسن الوفاة قال لفاطمة: إنك امرأة مرغوب فيك، وكأني بعبد الله بن عمرو ‏بن عثمان بن عفان إذا خُرِجَ بجنازتي قد جاء على فرسه مُرَجّلاً جُمّته، لابساً حُلته، يسير في جنب الناس ‏يتعرض لك، فانكحي من شئت سواه، فإني لا أدع من الدنيا ورائي همّـاً غيرك، فقالت له: أنت آمن ‏من ذلك، وأثلجته بالأَيمان من العتق والصدقة - أي حلفت له بعتق مماليكها والتصدق بمالها - أن لا ‏تتزوجه.‏

ومات الحسن، وخُرج بجنازته، فوافاها عبد الله بن عمرو بن عثمان في الحال التي وصف الحسن، وكان ‏يقال لعبد الله بن عمرو بن عثمان: المُطرِف - من حسنه - فنظر إلى فاطمة حاسرة تضرب وجهها، ‏فأرسل إليها إن لنا في وجهك حاجة فارفقي به، فاسترخت يداها، وعُرف ذلك فيها، وخمّرت وجهها، ‏فلما حلّت من عدتها أرسل من يخطبها، فقالت: كيف بيميني التي حلفت بها؟ فأرسل إليها: لك بكل ‏مملوك مملوكان، وعن كل شيء شيئان، فعوضها عن يمينها، فنكحته، وولدت له محمداً وكان يسمى الديباج لحسنه، والقاسم ورقية.‏

وكان ابنها عبد الله بن الحسن يقول: ما أبغضتُ بغض عبد الله بن عمرو أحداً، ولا أحببتُ حب ابنه ‏محمد – وهو أخوه من أمه - أحداً.‏

الأربعاء، 16 يوليو 2008

زواج الحسن بن الحسن (المثنى) بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم

فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، أمُها أمُ إسحاق بنتُ طلحة بن عبيد الله. ‏تزوجها الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فولدت له عبد الله، ثم مات عنها زوجها فتزوجها عبد ‏الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. توفيت رضي الله عنها وأهلها سنة 117.

‏ولما خطب الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم إلى عمه الحسين بن علي، قال له ‏الحسين: يا ابن أخي، قد انتظرتُ منك هذا، فانطلق معي. فخرج حتى أدخله منزله، ثم أخرج إليه بنيتيه: ‏فاطمة، وسُكينة، فقال: اختر. فاختار فاطمة، فزوجه إياها، وكان يقال: إن أمر سكينة مردودٌ إليها، ‏وإنها لمنقطعة - أي متبتلة لا رغبة لها في الزوج.

الثلاثاء، 15 يوليو 2008

أقبل على شأنك

سُئل محمد بن عبد الباقي بن كعب بن مالك الأنصاري المتوفى سنة 535 عن مولده ، فقال: أقبلوا على شأنكم، فإني سألت القاضي أبا المظفر هناد بن ابراهيم النسفي عن سنه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا الفضل محمد بن أحمد الجارودي عن سنه، فقال لي: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا بكر محمد بن علي بن زحر المنقري عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا أيوب الهاشمي عن سنه، فقال لي: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا اسمعيل الترمذي عن سنه، فقال لي: أقبل على شأنك، فإني سألت البويطي عن سنه فقال لي: أقبل على شأنك، فإني سألت الشافعي عن سنه فقال لي: أقبل على شأنك، فإني سألت مالك بن أنس عن سنه فقال لي: أقبل على شأنك، ثم قال لي: ليس من المروءة أن يخبر الرجل عن سنه.

ثم قال الشيخ محمد بن عبد الباقي: لأنه إن كان صغيراً استحقروه، وإن كان كبيراً استهرموه. ثم قال: مولدي في يوم الثلائاء عاشر صفر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وذكر لنا أن منجمين حضرا حين ولدت فأجمعا أن العمر اثنتان وخمسون سنة، قال: وها أنا قد جاوزت التسعين، وأنشدني:


احفظ لسانك لا تَبُح بثلاثة *** سنٍ ومالٍ ما استطعت ومذهبِ
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة *** بمموه ومكفِّرٍ ومكذِّب

الاثنين، 14 يوليو 2008

وهو عن ‏الله راض، والله عنه راض

اجتمع الإمامان مالك بن دينار المتوفى سنة 131 ومحمد بن واسع المتوفى سنة 123 رحمهما الله فتذاكرا العيش، فقال مالك: ما شيء أفضل من أن يكون للرجل ‏غلة يعيش فيها، فقال محمد: طوبى لمن وجد غداءً ولم يجد عشاءً، ووجد عشاءً ولم يجد غداءً، وهو عن ‏الله راض، والله عنه راض.‏

الأحد، 13 يوليو 2008

أما قتل الرجل فما أطقتُه، وأما سفك دمي فما طبتُ به نفسا

كان رَوْحُ بن حاتم المهلبي واليا على البصرة فخرج على رأس جيش من العراق لحرب جيش من ‏متمردي خراسان، وكان معه نديم الخلفاء أبو دلامة زَنْـدُ بن الجَوْن المتوفى سنة 161، فخرج من ‏منصف العدو مبارز فخرج إليه جماعة فقتلهم، فتقدم روح إلى أبي دلامة بمبارزته فامتنع، فألزمه فاستعفاه ‏فلم يعفه، فأنشد أبو دلامة‏

إني أعوذ بروح أن يقدمني * إلى القتال فيخزى بي بنو أسد
إن المهلب حب الموت أورثكم * ولم أرث أنا حب الموت من أحد
إن الدنو إلى الأعداء أعلمه * مما يفرق بين الروح والجسد

فأقسم عليه ليخرجن وقال: لماذا تأخذ رزق السلطان؟ قال: لأقاتل عنه، قال: فمالك لا تبرز إلى عدو ‏الله؟ فقال: أيها الأمير إن خرجت إليه لحقتُ بمن مضى، وما الشرط أن أُقتل عن السلطان، بل أقاتلَ ‏عنه.‏

فحلف روح لتخرجن إليه فتقتله أو تأسره أو تقتل دون ذلك، فلما رأى أبو دلامة الجد منه قال: أيها ‏الأمير تعلم أن هذا أول يوم من أيام الآخرة، ولا بد فيه من الزوادة، فأمر له بذلك، فأخذ رغيفا مطويا ‏على دجاجة ولحم وسطيحة من شراب وشيئا من نَّقَل، وشهر سيفاً وحمل إلى الميدان.‏

وكان تحته فرس جواد فأقبل يجول ويلعب بالرمح، وكان مليحا في الميدان، والفارس يلاحظه ويطلب ‏منه غِرّة حتى إذا وجدها حمل عليه والغبار كالليل، فأغمد أبو دلامة سيفه وقال للرجل: لا تعجل، واسمع ‏مني عافاك الله كلمات ألقيهن إليك، فإنما أتيتك في مهم، فوقف مقابله وقال: ما المهم؟ قال: أتعرفني؟ ‏قال: لا، قال: أنا أبو دلامة، قال: قد سمعت بك حياك الله، فكيف برزتَ إليّ وطمعت فيّ بعد من قتلت ‏من أصحابك؟ فقال: ما خرجت لأقتلك ولا لأقاتلك، ولكني رأيت لباقتك وشهامتك، فاشتهيت أن ‏تكون لي صديقا، وإني لأدلك على ما هو أحسن من قتالنا، قال: قل على بركة الله تعالى، قال: أراك قد ‏تعبت وأنت بغير شك سغبان ظمآن، قال: كذلك هو، قال: فما علينا من خراسان والعراق، إن معي ‏خبزاً ولحماً وشراباً ونّقَلاً كما يتمنى المتمني، وهذا غدير ماء نمير بالقرب منا، فهلم بنا إليه نصطبح، ‏وأترنم لك بشيء من حداء الأعراب، فقال: هذا غاية أملي.‏

فقال: ها أنا أستطرد لك فاتبعني حتى نخرج من حِلَقِ الطِعان، ففعلا وروح يتطلب أبا دلامة فلا يجده، ‏والخراسانية تطلب فارسها فلا تجده، فلما طابت نفس الخراساني قال له أبو دلامة: إن روحا كما علمت ‏من أبناء الكرام، وحسبك بابن المهلب جوادا، وإنه يبذل لك خلعة فاخرة وفرساً جواداً ومركباً مفضضاً ‏وسيفاً محلى ورمحاً طويلا وجارية بربرية، وينزلك في أكثر العطاء وهذا خاتمه معي لك بذلك، قال: ‏ويحك وما أصنع بأهلي وعيالي؟ فقال: استخر الله وسر معي ودَعْ أهلك، فالكل يخلف عليك، فقال: ‏سر بنا على بركة الله.‏

فسارا حتى قدما من وراء العسكر فهجما على روح، فقال: يا أبا دلامة أين كنت؟ قال: في حاجتك؛ ‏أما قتل الرجل فما أطقتُه، وأما سفك دمي فما طبتُ به نفسا، وأما الرجوع خائبا فلم أُقدم عليه، وقد ‏تلطفتُ وأتيتك به أسيرَ كرمك، وقد بذلت له عنك كيت وكيت، فقال: ممضي إذا وثق لي قال: بماذا؟ ‏قال: بنقل أهله إلى جانبنا، قال الرجل: أهلي على بُعد، ولا يمكنني نقلهم الآن، ولكن امدُدْ يدك ‏أصافحك، وأحلف لك متبرعاً بطلاق الزوجة أني لا أخونك، فإن لم أفِ إذا حلفت بطلاقها لم ينفعك ‏نقلها، قال: صدقت، فحلف له وعاهده ووفى له بما ضمنه أبو دلامة وزاد عليه وانقلب معهم الخراساني ‏يقاتل الخراسانية وينكي فيهم أشد نكاية.‏

السبت، 12 يوليو 2008

تعلم العلم

قال العابد الجليل مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير المتوفى سنة 157: قال لي أبي: يا بنيَّ تعلم العلم، فإنك إن تكُ ذا مالٍ يكنِ ‏العلم كمالاً، وإن تكُ غيرَ ذي مالٍ يكنِ لك العلمُ مالاً.‏

الجمعة، 11 يوليو 2008

ناسبوا بهذا النسب العباس

قَدِمَ الأشعث بن قيس بن معديكرب الكندي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في وفد كندة من ستين راكباً وكان رئيسَهم، وروي أنهم قالوا له: يا رسول الله نحن بنو آكل الْمُرَارِ، وأنت ابن آكل المرار، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ناسبوا بهذا النسب العباسَ بن عبد المطلب وربيعةَ بن الحارث. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمَّنا - أي لا نشك فيها فنتعقبها - ولا ننتفي من أبينا.

وكان العباسُ بن عبد المطلب وربيعةُ بن الحارث تاجرين، إذا شاعا - أي سافرا - في العرب فسُئلا: ممن أنتما؟ قالا: نحن بنو آكل المرار. ينتسبان إلى كندة ليعِزّا في تلك البلاد، لأن كِندة كانوا ملوكا، فاعتقدت كندة أن قريشا منهم لقول عباس وربيعة "نحن بنو آكل المرار".

الخميس، 10 يوليو 2008

من ملك الهند إلى ملك العرب

كتب ملك الهند إلى عمر بن عبد العزيز: من ملك الهند الذي في مربِـطه ألف فيل، والذي تحته ألف ملك، والذي له نهران ينبتان العود والكافور، إلى ملك العرب الذي لا يشرك بالله شيئاً، أما بعد.

فإني قد أهديت لك هدية وما هي بهدية ولكنها تحية، وأحببتُ أن تبعث إليّ رجلاً يعلمني ويفهمني الإسلام.

الأربعاء، 9 يوليو 2008

أمحو اسمك وأكتب اسمه

اشترى أبو القاسم بن العطار الحراني التاجر، نزيل بغداد مملوكاً تركياً بألف دينار، وأعطاه تجارةً بألف دينار، وجهزه إلى بلاد من بلاد الترك، فأدرجه أحد أصدقائه في كتاب جمع فيه "المغفلين" فكتب إليه فعاتبه، وقال: أنا من جملة المحبين لك، وأنت تلحقني بالمغفلين؟ فقال: بلغني كذا وكذا، وكيف يعود إليك وقد صار ببلاده ومعه ألف دينار؟ قال: فإنه عاد. قال المؤلفُ: أمحو اسمك وأكتب اسمه.

الثلاثاء، 8 يوليو 2008

أما واللهِ ما اللهَ أردتَ بهذا

ا‏لما قُرئ عهدُ عمر بن عبد العزيز بالخلافة بعد وفاة سليمان بن عبد الملك سنة 99، تثاقل عمر عن القيام ‏وقبول الحكم، فقام رجل من ثقيف يقال له سالم من أخوال عمر، فأخذ بضَبعيْهِ - أي بإبطيْهِ - ‏فأقامه، فقال عمر: أما واللـهِ ما اللـهَ أردتَ بهذا، ولن تُصيبَ بها مني دنيا.

الاثنين، 7 يوليو 2008

القلب إذا لم يكن فيه حُزنٌ

قال الإمام الزاهد المحدث مالك بن دينار المتوفى سنة 131: إن القلب إذا لم يكن فيه حُزنٌ خرِبَ كما أن البيت إذا لم يسكن خرب‏.

الأحد، 6 يوليو 2008

نعى إلي العيشَ ناعيه

لما مات المأمون في طرسوس سنة 218، وكان عمره سبعاً وأربعين سنة، وكانت خلافته عشرين سنة، ‏استأذنت المعتصم حظيةٌ كانت للمأمون اسمها تزيف أن تزور قبره، فأذن لها فضربت فسطاطاً وجعلت ‏تبكي وتنوح بشعر لها وهو:

‏يا ملكاً لستُ بناسيهِ ... نعى إلي العيشَ ناعيهِ
والله ما كنت أرى أنني ... أقوم في الباكينَ أبكيه
‏والله لو يُقبل فيه الفدا ... لكنت بالمهجة أفديه
عاذلتي في جَزَعي أقصِري ... قد عَـلِقَ الدهر بما فيه

‏فما بقي أحد في العسكر إلا بكى.



السبت، 5 يوليو 2008

أين خلفت الأدب؟

حدث أبو اسحق إسماعيل بن موسى بن بنت السدي الكوفي الفزاري، المتوفى سنة 245 قال: كنت في مجلس مالك أكتب عنه فسُئل عن فريضةٍ - أي ميراث - فيها اختلافٌ بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأجاب فيها بجواب زيد بن ثابت، فقلت: فما قال فيها عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود؟ فأومأ إلى الحَجَبة، فلما همّوا بي حاصرتهم وحاصروني، فأعجزتهم وبقيت محبرتي وكتبي بين يديّ مالك.

فلما أراد أن ينصرف قال له الحجبة: ما نعمل بكتب الرجل ومحبرته؟ قال: اطلبوه ولا تهيجوه بسوء حتى تأتوني به، فجاءوا إلي ورفِقوا بي حتى جئت معهم، فقال لي: من اين أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة، فقال لي: إن أهل الكوفة قومٌ معهم معرفة بأقدار العلماء، فأين خَلَفتَ الأدب؟ قال: قلت: إنما ذاكرتك لأستفيد، فقال: إن علياً وعبد الله لا يُنكر فضلهما، وأهلُ بلدنا على قول زيد، وإذا كنت بين ظَهراني قوم فلا تبدأهم بما لا يعرفون، فيبدأك منهم ما تكره.

قال: ثم حججت في سنتي، وقدمت الشام، فدخلت دمشق فجلست في حلقة الوليد بن مسلم - الإمام الحافظ المتوفى سنة 195 - فلم أصبر أن سألته عن مسألة فأصاب، فقلت له: أخطأت يا أبي العباس، فقال: تخطئني في الصواب وتلحَنُ في الإعراب؟! فقلت له: خفضتك كما خفضك ربك، وداخلته بالاحتجاج، فمال الناس إليّ وتركوه، وقالوا: أهلُ الكوفة؛ أهلُ الفقه والعلم. فخفت أن يبدأني منه ما بدأني من مالك بن أنس، فاذا رجلٌ له حلم ودين، وزِعةٌ عن الإقدام.

الجمعة، 4 يوليو 2008

ولا تخافي على أبيك غلبة ولا ذلا

حدث الحارث بن الحارث الغامدي رضي الله عنه يصف رؤيته للرسول صلى الله عليه وسلم في مقتبل الدعوة بمكة المكرمة، قال قلت لأبي: يا أبه ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء قوم قد اجتمعوا على صابئ لهم، قال: فتشوفوا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى توحيد الله عز وجل والإيمان به، يردون عليه ويؤذونه، حتى ارتفع النهار وانصدع عنه الناس، وأقبلت امرأةٌ قد بدا نحرُها تبكي تحمل قدحا ومنديلا، فتناوله منها فشرب فتوضأ، ثم رفع رأسه إليها فقال: يا بنيةُ خمّري - أي استري - عليك نحرَك، ولا تخافي على أبيك غلبة ولا ذلا، قلنا: من هذه؟ قالوا: هذه زينب ابنته.

الخميس، 3 يوليو 2008

عاشر من الناس من تبقى مودته

عاشر من الناس من تبقى مودته * فأكثر الناس جمع غير مؤتلف
منهم صديق بلا قاف ومعرفة * بغير فاء وإخوان بلا ألف

وفلان صَدِئ إِذا لَزِمَه صَدَأ ولوم، والمَعَرَّةُ الإِثم ‏

الأربعاء، 2 يوليو 2008

من أراد الدنيا والآخرة فعليه بدار العباس

دخل أعرابي دار العباس بن عبد المطلب وفي جانبها عبد الله بن عباس - توفي سنة 68 - يفتي، لا يرجع في شيء يسأل عنه، وفي الجانب الآخر عبيد الله بن العباس – توفي سنة 58 - يطعم كل من دخل، فقال الأعرابي: من أراد الدنيا والآخرة فعليه بدار العباس، هذا الفتى يفتي ويفّقه الناس، وهذا يطعم الطعام. رضي الله عنهم أجمعين

الثلاثاء، 1 يوليو 2008

أحبُهما إليّ صاحبةُ الدينار

أبو مِحجَن نصيب بن رباح الشاعر، مولى عبد العزيز بن مروان، وكان أسود شديد السواد، جيد ‏الشعر، عفيف الفرج، كريماً يفضل بماله وطعامه، وتوفي سنة 108 للهجرة.‏

لما أصاب نصيب من المال ما أصاب، وكانت عنده أم محجن - وكانت سوداء - تزوج امرأة بيضاء ‏فغضبت أم محجن، وغارت، فقال: يا أم محجن، والله ما مثلي يُغار عليه، إني لشيخ كبير، وما مثلك من ‏يغار لأنك عجوز كبيرة، وما أجد أكرم عليّ منك ولا أوجب حقاً فجوزي هذا الأمر ولا تكدّريه ‏عليّ، فرضيت وقرت.‏

ثم قال لها بعد ذلك: هل لك أن أجمع إليك زوجتي الجديدة فهو أصلح لذات البين وألم للشعث وأبعد ‏للشماتة، فقالت: افعل. فأعطاها ديناراً وقال: أني أكره أن ترى بك خَصاصة وأن تَفضُل عليك، ‏فاعملي لها إذا أصبحت عندك غداً نزلاً بهذا الدينار.‏

ثم أتى زوجته الجديدة، فقال لها: أني قد أردت أن أجمعك إلى أم محجن غداً وهي مكرمتك، وأكره أن ‏تفضل عليك، فخذي هذا الدينار فأهدي لها به إذا أصبحت عندها غداً لئلا ترى بك خصاصة ولا ‏تذكري الدينار لها، ثم أتى صاحباً يستنصحه، فقال: أني أريد أن أجمع زوجتي الجديدة إلى أم محجن غداً ‏فأتِني مسلماً، فإني سأستجلسك للغداء، فإذا تغديت فسلني عن أحبهما إليّ، فإني سأنفر وأعظم ذلك ‏وآبى أن أخبرك، فإذا أبيت ذلك فاحلف علي.‏فلما كان الغد زارت زوجته الجديدة أم محجن، ومر به صديقه فاستجلسه، فلما تغديا أقبل الرجل عليه، ‏فقال: يا أبا محجن، أحب أن تخبرني عن أحب زوجتيك إليك، قال: سبحان الله، تسألني عن هذا وهما ‏يسمعان، ما سأل عن مثل هذا أحد، قال: فإني أقسم عليك لتخبرني فو الله إني لا أعذرك، ولا أقبل إلا ‏ذاك، قال: أما إذا فعلت فأحبُهما إليّ صاحبةُ الدينار، والله لا أزيدك شيئاً، فأعرضت كل واحدة منهما ‏تضحك ونفسها مسرورةً وهي تظن أنه عناها بذلك القول

 
log analyzer